النص المفهرس
صفحات 41-60
فخذوه﴾(١)، فإن ((ما)) من ألفاظ العموم والشمول، فتخصيصهم بأن أخبار الآحاد تؤخذ منها الأحكام دون العقائد تخصيص دون مخصص، وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل (٢). وقد قام الحافظ ابن القيم ببيان بطلان هذا التفريق، فقال: ((وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولاسيما والأحكام العلمية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين ؟ نعم، سلفهم بعض متأخرى المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين ... )) (٣). ثم إن هناك أدلة من الكتاب والسنة الصحيحة تدل على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في باب العقيدة وشأن المغيبات، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ (٤)، أي لا تتبعه ولا تعمل به . ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد (١) سورة الحشر: الآية ٧. (٢) راجع الحديث حجة بنفسه (ص ٢٦). (٣) انظر مختصر الصواعق (ص ٤٨٩). (٤) سورة الإسراء: الآية ٣٦. - ٤١ - ويعملون بها ويثبتون بها الأمور الغيبية، والحقائق الاعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة، بل ويثبتون بها الله تعالى الصفات، فلو كانت لا تفيد علما ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم، وهذا مما لا يقول به مسلم . وأما السنة فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل في أوقات مختلفة إلى بلاد متفرقة بعض صحابته رضوان الله عليهم آحادا، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء كانوا يعلمون الذين أرسلوا إليهم العقائد في جملة ما يعلمونهم، كما يدل على ذلك حديث معاذ رضى الله عنه حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... )) الحديث(١). فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم لم يبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرادا لأنه عبث يتنزه عنه صلى الله عليه وسلم(٢). ويجدر بالذكر هنا أن للكوثرى طريقا آخر في الرد على من تمسك بالشبهة المذكورة، إذ قال: (والواقع أن من قال: إن خبر الآحاد يفيد العمل فقط يريد بالعمل ما يشمل عمل الجوارح وعمل القلب - وهو الاعتقاد - ثم نقل تصريح البزدوى بذلك(٣) . قلت: قد حاول الكوثرى الدفاع عن سلفه والاعتذار لهم بما فيه تكلف (١) رواه البخاري في صحيحه (٣٥٧/٣ رقم ١٤٩٦)، ومسلم في صحيحه (١ /٥٠_٥١ رقم ١٩). (٢) راجع لمعرفة الأدلة الأخرى مختصر الصواعق (ص ٤٧٧، ومابعدها)، والحديث حجة بنفسه (ص ٢٩ - ٣٤). (٣) نظرة عابرة (ص ٤٣). -٤٢ - واضح، ومادام الأمر هكذا، أي أن العمل يشمل عمل الجوارح وعمل القلب (وهو الاعتقاد) فلم هذا التنويع والتقسيم، وما الداعي لهذا الكلام ؟؟ . ومما ينبغي أن يعلم أيضا أن قولهم: (حديث الآحاد لايفيد إلا الظن ولا يفيد اليقين) ليس مسلما على إطلاقه، لأنه في كثير من الأحيان يفيد العلم واليقين، ومن ذلك الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، ومنها الأحاديث التي أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما في غير مواضع النقد، فإنها مقطوع بصحتها، والعلم اليقينى النظرى حاصل به، كما جزم به ابن الصلاح(١)، ووافقه شيخ الإسلام ابن تيميه فيما نقله عنه تلميذه الحافظ ابن القيم، وقال: فهذا (أي خبر الواحد) يفيد العلم اليقينى عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ... » ثم ذكر من صرح منهم بذلك(٢) . ولو لم يكن الأمر كذلك (أي أن أخبار الآحاد تفيد العلم اليقينى وتبني عليها العقائد وأمور المغيبات) لكان حفاظ الأمة وعلماء الحديث عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة والأمور الغيبية في كتبهم، وكان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد، وهذا مما لايقول به أي مسلم يعرف نفسه ودينه، وبهذا يتبين أن ما صرح به صاحب المقال في مجلة الرسالة هو مجرد دعوى، لم يحالفه الدليل من الكتاب والسنة بل هو مخالف لما ثبت بالكتاب والسنة وماكان عليه علماء السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من وجوب الأخذ بأخبار الآحاد في باب العقائد والمغيبات والأحكام على حد سواء . (١) علوم الحديث (ص ٢٤ - ٢٥)، وأيضا الحديث حجة بنفسه (ص ٣٨). (٢) انظر مختصر الصواعق (ص ٤٦٤)، وأيضا (ص ٤٧٥). -٤٣ - . ثم إن وصف الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال بأنها أخبار آحاد مغالطة، لأنه مخالف للواقع، إذ وصف كثير من علماء الشأن بأنها متواترة تواترا معنويا، كما سيأتي بيانه في موضعه . أحاديث الأشراط ودعوى الاضطراب والتعارض : وهناك من الناس من لم يصرح بإنكار الأشراط المذكورة في الأحاديث، وإنما أبدى التردد في قبول الأحاديث الواردة فيها بدعوى الاضطراب أو التعارض فيها كما فعل محمد رشيد رضا، في مواضع من تفسيره، فقال أثناء. كلامه على تفسير قوله تعالى ﴿ يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ ... ﴾ الآية(١): ((اعلم أيها المسلم الذي يجب أن يكون على بصيرة من دينه أن في روايات الفتن وأشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغى لك أن تعرفه ولو إجمالا حتى لا تكون مقلدا لمن يظنون أن كل ما يعتمده أصحاب النقل حق، ولا لمن يظنون أن كل ما يقوله أصحاب النظريات العقلية حق))(٢) وقال في موضع آخر: ((والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة)) ثم أوضح السبب لذلك فقال: «أهم أسبابها فيما صحت أسانيده واضطربت المتون وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها لأنها في أمور غيبية فاختلف التعبير باختلاف الأفهام ... » كما أبدى خشيته في بعض الأحاديث المرفوعة المتفق على صحتها أنها من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما من رواة الإسرائيليات، ولكن الرواة لسبب من الأسباب رفعوه إلى (١) سورة الأعراف: الآية ١٨٧. (٢) تفسير المنار (٤٤٩/٩)، ويفهم من كلامه هذا أن أصحاب النقل وهم المحدثون وأصحاب النظريات العقلية وهم الفلاسفة والمتكلمون ومن هم على شاكلتهم متساوون عنده، وهو في غاية من الخطورة. - ٤٤ - النبي صلى الله عليه وسلم(١). وهذا الكلام خطير جداً، إذ ينال من حملة الأحاديث ورواتها الذين أفنوا أعمارهم في حمل هذه الأحاديث وأدائها إلى من أتوا بعدهم بكل صدق وحرصوا أشد الحرص على تأديتها باللفظ الذي سمعوه رجاء حصول النضرة وأمانة. كما ينال من أئمة الحديث وفقهائه الذين أوصلوا الليل بالنهار وتحملوا المشاق في سبيل خدمتها فقاموا ببيان الغث من السمين، وميزوا بين الصحيح والضعيف، ويصفهم هذا الكلام بعدم الفهم والإدراك وقلة المعرفة، وأنه لايمكن الاعتماد عليهم في كل ما قالوه أو دونوه، فلو صح هذا الكلام لحجب الثقة عن جميع كتب السنة، ومنها ما تلقته الأمة بالقبول مثل الصحيحين، لأن هذا الاحتمال وارد في كل حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إننا إن لم نعتمد على الثقات من علماء النقل السابقين فمن يصلح لذلك ؟ أيصلح لذلك من أتى بعد القرون المفضلة بمئات السنين ؟ فنحكِّم عقولهم التى عجزت عن إدراك كثير مما نشاهده في الأمور الغيبية التي لاتدرك بالاستنباط أو الاجتهاد ؟؟؟ صحيح أنه يوجد في رواة الحديث وحملته من تكلم فيه من مختلف النواحى، وكذلك يوجد في علماء السلف من اعتمد في بعض القضايا على بعض الأحاديث الواهية أو غير الصالحة للاحتجاج، ولكنه لايعنى أن جميعهم بهذه الصفة . وكذلك يوجد بعض الآثار الموقوفة على بعض الصحابة وغيرهم ممن عرف بروايته للإسرائيليات، ورفعه بعض الرواة له إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ، إلا أنه قليل جداً . ومع هذا فقد قام علماء الشأن ببيان ذلك كله بيانا شافيا بحيث لايمكن (١) المرجع السابق (٢١٠/٨-٢١١). - ٤٥ - أن يختلط الحابل بالنابل، فإن الأمر واضح ومعروف لايلتبس إلا على ضعاف العلم وقليلي المعرفة . وصحيح كذلك أنه يوجد في بعض الأحاديث الواردة في أشراط الساعة. مايدل ظاهره على التعارض والاضطراب، ولكن ذلك لايختص بباب الأشراط فقط، مع العلم بأن أئمة الشأن قد قاموا بتوضيح الأمر في هذا الباب أيضا بحيث دفعوا ما أمكن دفعه من تعارض هذه الأحاديث أو اضطرابها وفق ماهو مقرر في علم المصطلح من توفيق أو ترجيح، كما قاموا به في أبواب أخرى: من أبواب السنة، مما يبين فساد وعدم اطراد القاعدة التي ذكرها محمد رشيد رضا أثناء كلامه على أحاديث الدجال وهي: (تعارضت فتساقطت)، واستند عليها في دعوته الناس إلى طرح هذه الأحاديث(١) . كما يتبين من الكلام السابق أن إطلاقه لعنان الحكم على أحاديث الأشراط بما سبق من عدم الاعتماد على أصحاب النقل، واستكثار المشكلات فيها وروايتها بالمعنى وغير ذلك غير مناسب وغير واقعي . وأما ادعاؤه بأن الأحاديث رويت بالمعنى فقد قرره أيضا عند الكلام على نزول عيسى عليه السلام(٢)، وقد رد عليه الغماري فقال: ((أما احتمال الرواية بالمعنى فهو لعمر الله أخفى من السَهى، بل لايخطر ببال: الشيطان الرجيم، وهل يخطر على باله أن أحدا وثلاثين صحابيا فيهم ستة من حفاظهم المشهورين ... كلهم يتواطأون على رواية الحديث بالمعنى من غير أن يبينوا ذلك ؟ فأين حفظ حفاظهم ؟ وأين كتابة من كان يكتب منهم ؟ وأين حرصهم على تأدية اللفظ الذي سمعوه رجاء حصول النضرة وجزيل الثواب، ثم لايخفى أن نزول عيسى ومايحيط به من (١) انظر تفسير المنار (٤٥٥،٤٥١/٩). (٢) المرجع نفسه (٣١٧/٣). -٤٦ - الأحداث أمر غيبي يتوقف على مُؤْقف، ولايدرك باستنباط فلا تتأتى روايته بالمعنى حسب فهم الراوي ... » (٢). وإذا كان ما ادعاه محمد رشيد رضا صحيحا فهو يتطرق أيضا إلى الأحاديث الأخرى التى وقع فيها تعارض أو اضطراب أو حصل فيها إشكال مما يتعلق بغير الأشراط، وهي كثيرة جدا فينبغي طرحها على حد زعمه، وهكذا ينهدم المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وهو مما يدعو إليه المنكرون للأحاديث وحجيتها. هذا وقد تناول محمد رشيد رضا قضيتين من قضايا أشراط الساعة : وهما خروج الدجال - لعنه الله - وخروج المهدي عليه السلام وذلك عند قوله تعالى : ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ (٢). وجعل الأحاديث الواردة فيهما هدفا لنقده، ولاسيما حديث الجساسة الذي رواه مسلم في صحيحه(٣)، فتناوله بالطعن من تسعة أوجه، مما يجعل من الصعب جدا في هذا المقام استيعاب جميع ما أودعه في الموضوعين من نقد واستشكال، ومناقشته في كل نقطة، لأن المقام لا يتسع لذلك كله، ولكننى سوف أحاول إيراد بعض النماذج من انتقاداته مع إبداء الملاحظات عليها، إلا أنني أود قبل ذلك أن أبدي ملاحظة عامة على نقده لأحاديث الأشراط، فهو - كما يبدو لي - يلتجىء لإثبات دعواه التعارض بين الأحاديث أو لإظهار الإشكال فيها إلى روايات ضعيفة (٤)، عقيدة أهل الإسلام (ص ٨١). (١) (٢) سورة الأعراف: الآية ١٨٧. (٣) سيأتى عند المؤلف برقم ٦٢٦. (٤) كما فعل ذلك عندما تكلم على عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها، وأشار إلى الاستشكال في علة عدم القبول، ثم استند إلى روايتين، إحداهما: ما = - ٤٧ - أو آثار مقطوعة، ومنها ما يبدو عليه لون الإسرائيليات واضحا (١) وأغرب من ذلك أنه عندما ادعى الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي التجأ إلى ذكر الأقوال المختلفة في تعيين اسم المهدي ووصفه، فسرد ما يذكر عن الفرق الباطلة من الشيعة الإمامية والكيسانية وغيرهما (٢) . فأين أقوال الفرق الضالة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأين الآثار المقطوعة والمرويات الإسرائيلية منها ؟ وأين الأحاديث الضعيفة من الأحاديث الصحيحة؟ حتى تذكر في مقابلها، فيدعى المدعى بالتعارض، ويطالب بإسقاط الجميع بناء على القاعدة المزعومة: (تعارضت فتساقطت)، والله ما هكذا تتعارض الأحاديث التي تخرج من مشكاة النبوة، نعم قد يظهر لنا بين بعض الأحاديث الصحيحة مايوحى بالتعارض، ولا يكون ذلك في حقيقة الأمر تعارضا لما تحتمل هذه الأحاديث من مختلف المعاني أو الملابسات والظروف، ثم إنه ليس من المعقول أن ترمى بالأحاديث عرض الحائط لمجرد مايظهر لنا فيها من تعارض، بل يجب علينا أن نرجع إلى علماء الشأن ونبحث عن التوفيق يروى: «أن الشمس والقمر يكسيان النور بعد كسوف وظلمة ... ))، وهذا الكلام = جاء في رواية طويلة من حديث ابن عباس مرفوعا أورده السيوطى في الدر المنثور (٦٠/٣-٦١) من رواية ابن مردويه، ووصف إسناده بأنه واه. والثانية: ما رواه عبد الله بن عمرو موقوفا ومرفوعا: (( تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة)) وقال ابن حجر: ((ورفع هذا لا يثبت))، ووصف الموقوف بأن إسناده جيد، ولكن روى ما يعارضه، ثم ذكره. فتح البارى (٣٥٤/١١)، وأيضا تفسير المنار (٢١١/٨). (١) انظر تفسير المنار (٤٦٠،٤٥٨/٩). (٢) انظر تفسير المنار (٤٦١/٩ وما بعدها). - ٤٨ - الذي وفقوا به بينها، وأما الإسرائيليات وأقوال الفرق الضالة فليست بشىء حتى تعارض بها الأحاديث الصحيحة، وكذلك المرويات الضعيفة والآثار المقطوعة لاتقوم لنا فيها حجة حتى نعارض بها الصحيح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، علما بأن دعوى التعارض لاتكون إلا في أحاديث صحيحة متساوية في درجة الصحة، وإذا كانت متفاوته فيها فيقدم الأصح على غيره، وأما الضعيف فلا تؤثر مخالفته فيما رواه القوي، وقد فصل الحافظ ابن حجر الخطوات التي يجب اتباعها في مثل هذه الحالات حيث ذكر أن ماظاهره التعارض واقع على هذا الترتيب . ١ - الجمع إن أمكن . ٢ - اعتبار الناسخ والمنسوخ، وله شروط . ٣ - الترجيح بوجه من وجوه الترجيح. ٤ - التوقف عن العمل بأحد الحديثين . وقال: والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط(١) . ومما انتقد به محمد رشيد رضا موضوع خروج الدجال وخروج المهدي أنه رأى فيما عزي إليهما من خوارق مخالفة لسنن الله في خلقه وتبديلا لها، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لاتبديل لسننه تعالى ولا تحويل، ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾(٢) . كما رأى فيما يذكر من خوارق الدجال مضاهاة لأكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقا عليها(٣)، وهذه الشبهة قد سبق (١) نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص ٣٧ -٣٩). (٢) سورة فاطر: الآية ٤٣. (٣) انظر تفسير المنار (٩/ ٤٦٠،٤٥١،٤٥٠). - ٤٩- إليها الجبائى وغيره، وسيأتي الجواب عنها في نهاية الباب الخاص به ... وأما الجواب عن الشبهة الأولى، فأولا أنه لو كان المقصود من هذه الآيات هو ما رآه محمد رشيد رضا من عدم التغير والتبدل في سنن الله تعالى في خلقه فهي منقوضة أيضا بما آتاه الله تعالى أولى العزم من الرسل من المعجزات وخوارق العادات، منها ناقة صالح، وولادة عيسى بن مريم دون أب، ومنها أيضا ما أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أن في إثبات هذه الخوارق والمعجزات اعترافا بكمال قدرة الله تعالى وأنه هو المتصرف في هذا العالم، فكما أنه أجرى فيه الأمور وفق ما وضع لها من قوانين ونواميس كونية، فكذلك إنه قادر على إجرائها ضد ما عهده الناس من هذه النواميس . وثانيا : إن هذه الآيات لاتتحدث عن السنن الطبيعية والقوانين الكونية وعدم حدوث التغير والتبدل فيها، كما يظهر ذلك مما ذكره المفسرون(١) . وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الآيات، وقال في النهاية: «والمقصود أن الله أخبر أن سنته لن تتبدل ولن تتحول، وسنته عادته التي يسوى فيها بين الشىء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة))(٢). وثالثاً : إن الوقت الذي يخرج فيه المهدي عليه السلام والدجال لعنه الله تكثر فيه خوارق عادات كما اعترف بذلك محمد رشيد رضا نفسه(٣). فلا حاجة إلى استغراب ما يعطى كل منهما من هذا القبيل، علما بأن (١) راجع تفسير الماوردى (٣٤٠/٣)، وتفسير البغوى (٥٧٥،٥٤٤/٣)، وتفسير ابن کثیر (٥٦٢،٥١٩/٣). (٢) مجموع الفتاوى (٢٣/١٣). (٣) انظر تفسير المنار (٤٦٠/٩). - ٥٠ - المهدي عليه السلام لم يثبت له فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، مايكون مخالفا السنن الكونية، وقد حدث مايذكر وقوعه في زمنه من نشر العدل والرفاهية وغلبة الإسلام على الأديان كلها أو قريب منه في بعض الأزمنة السابقة، مثل زمن عمر بن عبد العزيز، وهذا الذي جعل بعض علماء السلف يذهبون إلى القول بأنه هو المهدي كما سيأتي بيانه، وأما الدجال فمن أعظم خوارقه أنه يكون على يده إحياء بعض الناس الذي يقتله على عدم خضوعه له، وهذا قد سبق إليه نبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام فكان يحيى الموتى بإذن من الله تعالى كما تحدث عنه القرآن . وأما طعنه في حديث الجساسة بأوجه مختلفة فقال في نهاية الكلام: «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع، وأنه على تقدير صحته، ليس له كله حكم المرفوع(١) . وهو طعن في حديث رواه مسلم في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول، كما تلقت الأمة صحيح البخاري بالقبول، فأحاديثهما كلها صحيحة مقبولة لدى جميع المسلمين، سوى عدد قليل منها انتقد عليها العلماء ولكنه لا يصل إلى القول بأنه مصنوع، وقد ذكر السيوطى عن النووى أنه قال فى شرح البخارى: ((ما ضعف من أحاديثهما (أي البخارى ومسلم) مبني على علل ليست بقادحة))(٢)، وعلى هذا فوصف الحديث بأنه مصنوع عليه سمة الوضع جرأة عظيمة. (١) تفسير المنار (٤٥٧/٩) وكذا تكلم عليه أبو عبية في تعليقه على النهاية وكان أجرا من محمد رشيد رضا حيث زعم أن هذا الحديث عليه طابع الخيال وسمة الوضع، وجزم بنفى صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم (ص ٩٦ نقلا عن التويجرى). (٢) انظر تدريب الراوى (١٣٣/١-١٣٤). - ٥١ - وأما العلل التي أعل بها حديث الجساسة فلعل أهمها هو وصفه للحديث بأنه من الأحاديث التى تتوفر الدواعي على نقلها بالتواتر لغرابة موضوعه ولاهتمام النبي صلى الله عليه وسلم به ... فمن غير المعقول أن لا يروى إلا آحاديا ويؤيده امتناع البخاري عن إخراجه في صحيحه لشدة تحريه(١)، وقد سبق الحافظ ابن حجر إلى أن رد على هذا الإعلال، فقال: ((وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر، أما أبو هريرة فأخرجه أحمد(٢) من رواية عامر الشعبى، عن المحرز ابن أبي هريرة عن أبيه بطوله ... عقب رواية الشعبي عن فاطمة، قال الشعبي: فلقيت ... فذكره، وأخرجه أبو يعلى (٣) من وجه آخر عن أبى هريرة، قال: استوى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: حدثني تميم ... ، وأما حديث عائشة فهو في الرواية المذكورة عن الشعبى قال: ثم لقيت القاسم بن محمد فقال: أشهد على عائشة حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس . وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود (٤) بسند حسن من رواية أبي سلمة، عن جابر قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر: إنه بينما أناس يسيرون في البحر فنفد طعامهم فرفعت لهم جزيرة فخرجوا يريدون الخبر، فلقيتهم الجساسة ... )، فذكر الحديث (٥). (١) تفسير المنار (٤٥٣/٩)، وقد صرح بنحو من هذا أبو عبية في تعليقه على النهاية (ص ٩٦ نقلا عن التويجرى). (٢) انظر المسند (٤١٨،٣٧٤/٦). (٣) راجع لمعرفة روايته النهاية (الفتن والملاحم) لابن كثير (١١٦/١). (٤) انظر سننه (٤ /٥٠٢ رقم ٤٣٢٨). (٥) فتح البارى (٣٢٩/١٣). - ٥٢ - فهذه الطرق والأسانيد يدفع عن حديث الجساسة علة التفرد والغرابة، وهي وإن كانت مختصرة في متونها فهي تدل على ثبوت أصل القصة، وتشهد لفاطمة بنت قيس فيما روته، وأما ما يوجد في بعض هذه الطرق من مقال فليس مما يوجب رفضها لأنه تقرر في علم الحديث أنه إذا كان الضعف في السند لحديث ما غير شديد وتعددت طرقه يرتفع عنه هذا الضعف، وينجبر بعضها ببعض(١)، ولكن لم يعتبر محمد رشيد رضا بهذه القاعدة حيث أظهر عدم قناعته بما قاله الحافظ ابن حجر، وذكر أن ذلك لا ينفي كون الحديث من الآحاد، والمقام مقام التواتر، كما لا ينفي كونه غريبا وإن لم يكن فردا فقد انحصرت الأسانيد لروايته في الشعبي وفي فاطمة بنت قيس، وذهب يبين الضعف في رواية أبي سلمة عن جابر عند أبي داود، لأن الراوي عن أبي سلمة الوليد بن عبد الله بن جميع ذكره ابن حبان في الضعفاء وقال: ((ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به)) وقال الحاكم: ((لو لم يخرج له مسلم لكان أولى) حكاه محمد رشيد رضا، وأغفل توثيق من وثقه من علماء الشأن، ومنهم ابن معين وأبو حاتم(٢)، وهذا من محمد رشيد رضا ليس بجيد، حيث يأخذ ما يساند رأيه، ويترك مايخالفه، ومن المعلوم أن الراوي إذا وثقه من يعتبر من المتشددين في الجرح أخذ بتوثيقه ولايعتبر بقول من ضعفه، وابن معين وأبو حاتم من المتشددين (٣). (١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٢٩ - ٣١). (٢) راجع لمعرفة من وثقه تهذيب التهذيب (١٣٨/١١-١٣٩). (٣) راجع لمعرفة هذه القاعدة مفصلة: رسالة الذهبى «ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) (ص ١٥٨ ضمن أربع رسائل في علوم الحديث). - ٥٣ - وأما ابن حبان فناقض نفسه حيث ذكره في الثقات أيضا(١)، وقد أعطى الحافظ ابن حجر خلاصة ما توصل إليه في هذا الراوى حيث قال: ((صدوق يهم، ورمي بالتشيع)) (٢)، وعلى هذا فقد حسن إسناده لوروده من طرق أخرى، وأما قوله: (انحصرت الأسانيد لروايته في الشعبي وفي فاطمة بنت قيس) فهل هذا الانحصار ضارّ إذا كان الشعبي من الأثبات؟ والجواب: كلا، وقد اعترف هو بنفسه بجلالته في هذا الميدان، ثم إنه لم ينفرد بل تابعه أبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو داود من طريق الزهري عنه عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر العشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج فقال: ((إنه حبسنى حديث كان يحدثنيه تميم الدارى .. )) الحديث مختصرا (٣). وأما إصراره على أن الحديث من الآحاد والمقام مقام التواتر، فأولا إن التواتر ليس شرطا في قبول الأحاديث، وثانيا: لا يلزم من صدور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وفي حشد من الصحابة رضوان الله عليهم أن يتواتر نقله، فكم من خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وفي حشد من الصحابة، ومع ذلك لم يروها أو لم يرو بعضها إلا الواحد أو الاثنان أو أكثر من ذلك ممن لا يبلغ عددهم حد التواتر، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع عدة خطب في أعظم حشد كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم ينقل خطبه إلا العدد القليل من الصحابة (٤). (١) انظر الثقات (٤٩٢/٥)، وكان ينبغي لمحمد رشيد رضا بناءا على القاعدة التي صرح بها ((تعارضت فتساقطت))، أن يطرح قول ابن حبان، ولا يلتفت إليه. (٢) انظر تقريب التهذيب (ص ٣٧٠). (٣) انظر سننه (٤٩٩/٤ رقم ٤٣٢٥). (٤) انظر إتحاف الجماعة (٦٠/٢-٦١). - ٥٤ - وأما تأييده بامتناع البخاري عن إخراجه في صحيحه فنقول في جوابه: أين صرح البخاري بأنه لم يخرج حديث الجساسة لما يوجد فيه من علل واهية ؟ وأين صرح بأنه خرج جميع الأحاديث الصحيحة ؟ بل بالعكس ورد عنه أنه قال: «لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر)) (١). ومتى أعار محمد رشيد رضا أهمية لما رواه البخارى ؟ وهو الذى حكى عن أستاذه أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح واستشراء الفتن واستعلاء الضلال، ولم يرد عليه بل سلك مسلكا يوحى بأنه يرتئيه أيضا، ومن المعلوم أن ذلك خلاف الأحاديث الواردة في الدجال، والكثير منها في الصحيحين(٢)، وقد وصف الشيخ عبد المحسن العباد هذا الصنيع من محمد رشيد رضا بأنه من أسوأ مانقله عن شيخه محمد عبده، وسكت عليه ولم يتعقبه (٣) علما بأن محمد رشيد رضا نقل عنه قبل ذلك بقليل ما هو أقبح منه حيث ذكر تأويله لنزول عيسى عليه السلام بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم ... إلى آخر ماذكر(٤) ... وهو أيضا خلاف الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام، والكثير منها في الصحيحين(٥)، وقد اعترف محمد رشيد رضا بذلك حيث قال عقب ذكره لتأويل شيخه: «ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه)» إلا أنه رجع على عقبيه بعده (١) انظر هدي الساري (ص ٧). (٢) سيأتى بعضها عند المؤلف في الباب الخاص بالدجال. (٣) انظر الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدى (ص ٤٦). (٤) انظر تفسير المنار (٣١٧/٣). (٥) سيأتى بعض هذه الأحاديث في الباب الخاص بنزول عيسى عليه السلام. - ٥٥ - مباشرة، فقال: ((لأهل التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث، والناقل للمعنى ينقل ما فهمه)) (١). وهذا أقبح من سكوته، وقد سبق الرد على هذا الادعاء . وأما تأويل شيخه لنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال فسيأتي الرد عليه في نهاية الباب الخاص بالدجال . فهذه هي بعض الجوانب من انتقادات محمد رشيد رضا لبعض أشراط الساعة والأحاديث الواردة فيها، واقتصرت عليها لضيق المقام، ولعل ماذكرته يكفي لإِيضاح موقفه الخاطىء . أحاديث الملاحم وما صح منها : قد كثرت الأحاديث الواردة في ذكر الملاحم المرتقبة، ولكن هل هذه الأحاديث كلها صحيحة ؟ فهذا محل بحث ودراسة ، وقد نقل الميمونى عن الإِمام أحمد أنه قال: ثلاثة كتب ليس لها أصول، المغازي والملاحم والتفسير(٢)، ويبدو أن هذا الكلام هو الذي حمل أحمد أمين على نسف باب الملاحم نسفا كاملا، فإنه أثناء كلامه على المهدي والأحاديث الواردة فيه قرر أن المهدي أحيط بجو غريب من التنبؤات والأخبار بالمغيبات والأنباء بحوادث الزمان، - إلى أن قال : - ((وهناك أخبار زعم مسلمة اليهود أنهم رأوها في كتبهم الدينية مثل كعب الأحبار ووهب ابن منبه في أحداث الدول وأعمارها، فامتلأت عقول الناس بأحاديث تروى وقصص تقص، ونشأ باب كبير في كتب المسلمين اسمه (الملاحم) فيه أخبار (١) المصدر السابق (٣١٧/٣). (٢) ذكره الزركشى في البرهان (١٥٦/٢)، والسخاوى في المقاصد الحسنة (ص ٤٨١) ومرعي بن يوسف في بهجة الناظرين (ق ١٠٨/أ). ! - ٥٦ - الوقائع من كل لون، فأخبار العرب والروم، وأخبار في قتال الترك، وأخبار في البصرة وبغداد والإسكندرية، وماجاء في فضل الشام وأنه معقل الملاحم، وأخبار عن مكة والمدينة وخرابهما، وأخبار أن المهدي يملك جبل الديلم، والقسطنطينية، وسيفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب، وأخبار عن فتح الأندلس وما يجرى فيه من أحداث ... الخ . وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث بعضها نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها إلى أئمة أهل البيت وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه وهكذا، وكان لكل ذلك أثر سيء في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام ... ))(١) . وهذا الكلام جد خطير، إذ ينال من مكانة المحدثين الذين عقدوا بابا خاصا بالملاحم، مثل أبى داود وابن ماجه وغيرهما من أصحاب الكتب الأمهات في الحديث، ويصفهم بأنهم بنوا هذا الباب على روايات لا أساس لها من الصحة، وتسبب لتضليل كثير من الناس . وقد ردّ عليه الشيخ عبد المحسن العباد فقال: «هذا القول فيه زيادة في الهلكة لما فيه من استنكار الباب الذي اشتملت عليه دواوين السنة النبوية وهو باب الملاحم، وما يندرج تحته من أحاديث عن أخبار بمغيبات، وكثير من أحاديث هذا الباب موجودة في الصحيحين وفي غيرهما)» (٢) . قلت : صحيح أن الكثير من المرويات الإسرائيلية والأحاديث المكذوبة دخلت هذا الباب كما دخلت غيره من الأبواب مثل التفسير والمغازى، (١) ضحى الإسلام (٢٤٣/٣-٢٤٤). (٢) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدى (ص ٥٩). - ٥٧ - وذلك لايعني أنه لم تثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو الحال في التفسير والمغازي فقد صحت فيهما أشياء كثيرة، ولذلك عقد لهما البخاري كتابا مستقلا في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول، وساق تحته أحاديث مرفوعة كثيرة تتعلق بالتفسير والمغازي، فكذلك الحال في الملاحم إلا أن الثابت مما ورد فيه من أحاديث قليل نسبيا، وقد ساق البخارى عددا منه في كتاب الفتن من صحيحه، وأورد الخطيب التبريزى في الأول من الفصول الثلاثة لباب الملاحم(١) ما يربو على بضعة عشر حديثا وهي كلها في الصحيحين أو أحدهما، وكذلك أورد في الفضل الثاني ما يزيد عن عشرة أحاديث وفيها ما وصف إسناده بالصحة والجودة، كما وصف إسناد بعضها بالضعف علما بأنه من المقرر في علم الحديث أن الضعيف إذا تعددت طرقه ولم يكن ضعفه شديدا يرتقى إلى درجة الصحة أو الحسن كما تقدم بيانه . وأما الأحاديث التي وردت في ذكر الملاحم ولم تصح سندا فقد بينها المحدثون وكشفوا عن زيفها كما بينوا زيف الأحاديث الأخرى المتعلقة بغير الملاحم. ومثل هذه الأحاديث لايجوز الاحتجاج بها بأي حال من الأحوال وفي أي باب من الأبواب، ويؤخذ ذلك على الذين أوردوها في كتبهم إلا من ساق لها الأسانيد، لأنه خرج من عهدتها وبرئت ذمته لسوقه الأسانيد(٢) . وأما الآثار المروية عن علماء السلف بأسانيد صحيحة فما لم : - (١) في كتابه مشكاة المصابيح (١٤٩٠/٣- ١٤٩٦). (٢) به أجاب ابن حجر عن النقد الذي وجه إلى الطبرانى لجمعه الأحاديث الأفراد مع مافيها من النكارة الشديدة والموضوعات. انظر لسان الميزان (٧٥/٣). - ٥٨ - يتعارض منها مع الكتاب والسنة الثابتة، يمكن الاستئناس به، لاسيما في الأبواب التي وقع فيها خلاف بين الأمة، فهذه الآثار تساعد في تحديد مواقف القرون الأولى، وأما التي لم تثبت بأسانيد صحيحة أو تعارضت مع الكتاب والسنة الثابتة فيجب رفضها وعدم الالتفات إليها، وهكذا الأمر في المرويات الإسرائيلية فما ثبت منها ولم يتعارض مع الكتاب والسنة الصحيحة تجوز روايته والاستئناس به دون الاعتماد عليه، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الإذن في ذلك الحديث قال : ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))(١). وقال أيضا : ((لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولاتكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ... )) الآية (٢)، وأما الذي في إسناده ضعف، أو يتعارض مع ماثبت من الكتاب والسنة الصحيحة فيجب رفضه وعدم روايته(٢). وبعد هذا التفصيل نرجع إلى كلام أحمد أمين، فنقول: إن هدمه لباب الملاحم بدليل تسرب الكثير من المرويات الإسرائيلية والمكذوبة إلى هذا الباب غير معقول وغير واقعي، لأنه ثبت فيه عدد من الأحاديث المرفوعة، ومنها ما هو مخرج في الصحيحين أو أحدهما . وبهذا يسقط قوله: (وكان لكل ذلك أثر سيىء في تضليل عقول الناس (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ماذكر عن بني إسرائيل (٤٩٦/٦ رقم ٣٤٦١). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام / باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) (٣٣٣/١٣ رقم ٧٣٦٢). (٣) يمكن الرجوع في ذلك إلى مجموع الفتاوى (٣٦٦/١٣). - ٥٩ - وخضوعهم للأوهام) فإن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لاتضلل الناس وإنما تهديهم إلى الصواب والصراط المستقيم، ولا تخضعهم للأوهام وإنما تدعوهم الإِيمان بالحقائق الثابتة، وكيف يكون لأحاديثه .- وقد أرسل بالهدى ودين الحق وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما ينطق عن وحى من الله تعالى - أثر سيىء في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، ومثل هذا الكلام لايصدر إلا ممن يكفر بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان وجد شىء مما ذكره أحمد أمين فسببه يعود إلى تلك الموضوعات والخرافات التي بثّها أصحاب الأغراض الفاسدة للوصول إلى أغراضهم السيئة، لا إلى الأحاديث الصحيحة - علما بأنها لا يمكن اختلاطها بالموضوعات لأنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار . وأما ما نقل عن الإِمام أحمد فبين العلماء المقصود منه، فقال الخطيب في جامعه: «هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها. فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة، وأما كتب التفسير فمن أشهرها كتابا الكلبى ومقاتل بن سليمان، وقد قال أحمد في تفسير الكلبى: من أوله إلى آخره كذب ... ، وأما المغازى فمن أشهرها كتاب محمد بن إسحاق وكان يأخذ من أهل الكتاب، وقد قال الشافعى: كتب الواقدى كذب، وليس في المغازى أصح من مغازى موسى بن عقبة))(١). وذكر الحافظ ابن حجر كلام الإمام أحمد ثم قال: ((ينبغي أن يضاف (١) ذكره السخاوى في المقاصد الحسنة (ص ٤٨١)، ومرعي بن يوسف في بهجة الناظرين (ق ١٨ / أ - ب). - ٦٠ -