النص المفهرس

صفحات 1261-1280

= وذهب من المتأخرين محمد فريد وجدى إلى أن الدابة نوع من الحشرات الموجودة الآن،
وصرح بأنه يكثر في المستقبل لأى سبب من الأسباب فيكون هجومها على الناس على
ضعفها وصغر حجمها وتحميلهم الأذى الكبير وعجزهم عن مقاومتها مع ما أوقوه من
بسطة العلم والحيلة آية من آيات الله،(١) ونقل الراغب أنه عُني بالدابة الأشرار الذين هم
في الجهل بمنزلة الدواب(٢) وأولها أبو عبية بالجراثيم الخطيرة التى تفتك بالإنسان وجسمه
وصحته وبأمواله زروعا وثمارا ومواشى جزاء له على بعض ماتجنى يداه من إثم وذكر .. (٣).
وكلها من جنس تأويلات الباطنية.
ويلزم على هذه التأويلات تكذيب النبى صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن هذه الدابة،
ثم إن الجراثيم أو الحشرات التى تفتك بالإنسان وصحته وأمواله أو الأشرار توجد من
أول الدنيا وتنتشر في جميع أرجاء الأرض، وأما دابة الأرض فإنما هى واحدة تخرج في
آخر الزمان عند قيام الساعة .(٤)
هذا وقد اختلفت الأقوال في موضع خروجها وذلك لاختلاف الروايات فيه، والأشهر أنها
تخرج من مكة ومن شعب أجياد(٥)، وذهب بعضهم إلى الجمع بين هذه الروايات (٦)
وهى أيضا غير صحيحة سندا أو موقوفة على الصحابة أو من دونهم. وقد أورد بعضها
ابن كثير وقال: «وهذه أقوال متعارضة»(٧). ولم يقطع بشىء منها، وهو المناسب في مثل هذه =
(١) دائرة معارف القرن العشرين (٤ /١٤).
(٢) المفردات (ص ٢٣٧).
(٣) انظر: تعليقه على النهاية (ص ١٩٠ نقلا عن التويجرى).
(٤) وقد رد عليه التويجرى من أوجه عديدة. انظر: إتحاف الجماعة (٣٠٥/٢ - ٣٠٩).
(٥) انظر: لوامع الأنوار (١٤٤/٢)، والإذاعة (ص ١٧٣).
(٦) ذلك بحملها على تعدد الخرجات، بناء على ماورد في بعض الروايات: أن لها ثلاث
خرجات ولكنها ضعيفة، وذكرت أقوال أخرى في الجمع بينها، ومادامت هذه
الروايات غير صحيحة، فلا حاجة إلى ذلك والله أعلم.
(٧) النهاية (٢١٢/١).
-١٢٦١ -

---
= الأحوال.
وأما وقت خروجها فقد جاء فيما رواه عبد الله بن عمرو مرفوعا: ((أول الآيات خروجا
طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ماكانت قبل
صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبا)» وورد في بعض الروايات لهذا الحديث قال عبد
الله، وكان يقرأ الكتب: ((وأظن أولهما خروجا طلوع الشمس من مغربها)) (١)
وقال الحاكم: ((والذى يظهر أن طلوع الشمس من مغربها يسبق خروج الدابة، ثم تخرج
الدابة في ذلك اليوم أو الذى يقرب منه)). ذكره ابن حجر، وقال: ((والحكمة في ذلك أن عند
طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا
للمقصود من إغلاق باب التوبة)) (٢)
وورد في رواية عند ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان أنها تخرج في زمن عيسى عليه
السلام، وهو يطوف بالبيت(٣) إلا أن هذه الرواية غير صحيحة، قال فيها ابن كثير: ((في
إسناده نظر))(٤) ووصف خروج الدابة بأنه أول الآيات الأرضية غير المألوفة، لأن خروجها
على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر أمر خارج
عن مجارى العادات(٥).
وقد أشار الحليمى إلى الحكمة في خروج الدابة فقال: وذلك - والله أعلم - ليقع لهم العلم
بأنها آية من قبل الله تعالى ضرورة، فإن الدواب في العادات لا كلام لها ولا عقل، فإذا
خرجت لهم دابة تعقل وتكلم انبثقت عنها الأرض وكانت منفردة بنفسها لا يتعلق أمرها
بمدعى نبوة أو أحد من الناس، فيقال: إنه سحر وتخيل، انبثقت إليهم عنها من كل وجه،
لم يشك أنها آية أراها الله تعالى عباده)»(٦).
١
(١) يأتى برقم ٧١٥.
(٢) فتح البارى (٣٥٣/١١).
(٣) انظر: تفسير الطبرى (١٥/٢٠).
(٤) النهاية (٢١١/١)، وفي إسناده رواد بن الجراح في حديثه عن الثورى ضعف
شديد، كما في التقريب، وهو من روايته عن الثورى.
(٥) النهاية (٢١٤/١).
(٦) المنهاج (٤٢٦/١ بتصرف).
- ١٢٦٢ -

١١١ - باب ماجاء في طلوع الشمس من مغربها
٧٠٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن فراس المكى، قال: حدثنا محمد
بن إبراهيم الديبلى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا
سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير(١) في
قوله تعالى: ﴿يوم ياتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا
إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا﴾(٢).
قال: طلوع الشمس من مغربها (٣).
٧٠٤ - حدثنا محمد بن عبد الله المرى، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا
على بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا
يحيى بن سلام، عن عثمان(٤)، عن نعيم بن عبد الله(٥)، عن
أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم
الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس
آمنوا كلهم(٦)، فذلك حين ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت
(١) هو الليثى.
(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(٣) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١٨٤ /١ رقم ١٨٧٦)، وابن جرير في تفسيره
(١٠٢/٨) عن وكيع، كلاهما عن ابن عيينة به مثله. وأخرجه ابن جرير (١٠٠/٨،
١٠١) من طريقين آخرين عن عبيد به. وهو مقطوع لأنه من كلام عبيد بن عمير،
وإسناده صحيح، ويشهد له حديث أبى هريرة الصحيح وهو عند مسلم وغيره من
الأحاديث الصحيحة في طلوعها. وسيأتى ذكر بعضها إن شاء الله عند المؤلف.
(٤) هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحى البصرى.
(٥) هو المعروف بالمجمر.
(٦) كلمة («كلهم)) غير موجودة في مختصر تفسير ابن سلام.
-١٢٦٣ -

من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾(١)
٧٠٥ - حدثنا خلف بن إبراهيم(٢)، حدثنا عبد الواحد بن أبى
الخصيب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم (٣)، قال: قرأنا على عبد
الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبى النجود، عن زر بن
حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسال المرادى(٤)، فقال:
ماحاجتك؟ قال: قلت: جئنا(٥) ابتغاء(٦) العلم، قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن بالمغرب بابا مفتوحا
(١) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
وانظر الحديث في أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٦٣٠ رقم ١٠٣)، ومختصر
تفسير يحيى بن سلام له (ق ١/٨٩ نسخة المتحف البريطانى) وهو بهذا الإسناد
ضعيف لأجل عثمان بن عبد الرحمن، ولكن له طرق أخرى صحيحة، وسيأتى
بعضها عند المؤلف برقم ٧٠٧، ٧١٠. فانظر: تخريجه في الرقمين المذكورين.
(٢) في الأصل ((محمد بن إبراهيم)) وهو خطأ، والصواب ماأثبته مما تقدم برقم ١٠٠،
١٠٢، ٤٢٢، ٥١٠، وقد روى المؤلف في جميعها عن عبد الواحد بن أبى الخصيب
بواسطة خلف بن إبراهيم.
(٣) هو أبو يعقوب الدبرى الصنعانى راوية عبد الرزاق، قال الدارقطنى: ((هو صدوق)).
مارأيت فيه خلافا))، مات سنة ٢٨٥ هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (١٣ /٤١٦) ..
(٤) المرادى: نسبة الى مراد، واسمه يحابر بن مالك، وهو مذجح بن أدد. انظر: اللباب:
(١٨٨/٣).
وصفوان بن عسال صحابى معروف، نزل الكوفة.
(٥) كذا في الأصل ((جئنا)» وفي ع والمصنف وغيره ((جئت)) وهو الأنسب للسياق.
(٦) في صلب الأصل ((متقفى)) وأثبت في محاذاته من الهامش «ابتغاء»، وفي المصنف
((أبتغى)) وذكر المحقق في تعليقه أن الأصل فيه «ابتغاء)» ويبدو أن هذا هو الأنسب،
ولذا أثبته، وكذا هو في ع والمعجم الكبير.
.- ١٢٦٤ -

للتوبة(١) مسيرة سبعين سنة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من
مغربها [من(٢)] نحوه)»(٣).
٧٠٦ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عيسى، قال: حدثنا أبى، قال:
حدثنا على بن الحسن، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يحيى،
قال: وحدثنا حماد (٤)، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش،
عن صفوان بن عسال، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((إن باب التوبة مفتوح قبل المغرب، أو إن بالمغرب
باب التوبة مفتوح، مسيرة خمس مائة عام، لا يزال مفتوحا
للتوبة مالم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت أغلق»(٥) .
(١) كلمة ((التوبة)) غير موجودة في ع.
(٢) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، أثبته من المصنف، وفي ع العبارة هكذا ((تطلع
الشمس من نحو مغربها)».
(٣) انظر الحديث في مصنف عبد الرزاق (٢٠٤/١ رقم ٧٩٣).
وأخرجه الطبرانى في المعجم الكبير (٦٦/٨ رقم ٧٣٥٢، ٧٣٥٣) عن إسحاق بن
إبراهيم الدبرى به، وفي أوله «أتيت صفوان بن عسال المرادى، فقال: ماجاء بك؟
قلت: جئت ابتغاء العلم .. )) ثم ساقه ضمن سياق طويل يشتمل على عدة أمور، منها
فضل طلب العلم، - وهو المناسب لسؤال السائل - والمسح على الخفين والتوبة.
وأخرجه أيضا من طريق عبد الرزاق: الإمام أحمد في مسنده (٢٣٩/٤ - ٢٤٠)،
وابن خزيمة في صحيحه (٩٧/١ رقم ١٩٣)، والطبرى في تفسيره (٩٩/٨) مطولا
سوى الطبرى فإنه ساقه مختصرا من قوله ((إن بالمغرب بابا مفتوحا .. » الحديث.
وله طرق أخرى عن عاصم، ويأتى بعضها في الذى بعده.
(٤) روي هذا الحديث من طريق الحمادين، حماد بن زيد وحماد بن سلمة.
(٥) انظر الحديث في أصول السنة (ص ٦٣٣ رقم ١٠٤)، وأخرجه أيضا الإمام أحمد
في مسنده (٢٤١/٤)، والترمذى في سننه، كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة
والاستغفار (٥٤٦/٥ رقم ٣٥٣٦) عن حماد بن زيد، وأبوداود الطيالسى في مسنده =
-١٢٦٥ -

٧٠٧ - حدثنا حمزة بن على بن حمزة، قال: حدثنا الحسن بن يوسف،
قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أسد بن موسى،
(ص ١٦٠ رقم ١١٦٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٩/٨، ٧٠ رقم ٧٣٥٩،
=
٧٣٦٠) عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، كلاهما عن عاصم به نحوه مطولا
ومختصرا.
وقرن أبوداود مع الحمادين همام بن منبه.
وأخرجه أيضا عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٥/١ رقم ٧٩٥)، وأحمد في مسنده
(٤ / ٢٤٠)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١٨٤ / أ رقم ١٨٧٩)، والترمذى (رقم
٣٥٣٥) وابن ماجه في سننه (١٣٥٣/٢ رقم ٤٠٧٠) وابن جرير في تفسيره (٨ /٩٧
- ٩٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٧١/٨، ٧٢، ٧٨، ٧٩، أرقام ٧٣٦١، ٧٣٦٥،
٧٣٨٣، ٧٣٨٨) من طرق عديدة عن عاصم به نحوه في سياقات مطولة ومختصرة،
وببعض الاختلافات في اللفظ.
وقال الترمذى: حديث حسن صحيح، ووصفه الألباني في صحيح الجامع الصغير
(٤٠/٥ رقم ٥٠٥٧) بالحسن، فيه عاصم، وهو ابن بهدلة، صدوق له أوهام،
وحديثه في الصحيحين مقرون، وتابعه زبيد اليامى، أخرجه الطبرانى في المعجم
الكبير (٦٤/٨ رقم ٧٣٤٨) بسنده عن أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامى، عن
أبيه، عن جده، عن زر بن حبيش به، ورجاله ثقات، سوى عبد الرحمن بن زبيد
أورده ابن حبان في الثقات كما في لسان الميزان (٤١٥/٣)، ويلاحظ أنه وقع خلاف
بينهم في عرض باب التوبة فوقع عند المؤلف «مسيرة خمس مائة عام»، ووقع عند
الطيالسى ((مسيرة أربعين عاما)) ووقع عند الإمام أحمد في إحدى الروايات ((مسيرة
عرضه سبعون أو أربعون عاما)»، وكذا عند الطبرانى في روايته عن زبيد بالشك،
وعند غيرهم «وعرضه مسيرة سبعين عاما» أو في هذا المعنى. ويبدو أنها هى الأصل،
لأنها أكثر، فتحمل عليها بقية الروايات، علما بأننى لم أهتد إلى من تعرض لدفع
هذا الخلاف، وأما الذى عند المؤلف فلعله من مناكير يحيى بن سلام، فإن له بعض
المناكير كما سبق ذكره أثناء ترجمته في رقم ١٣٥.
وقال المناوى نقلا عن بعض العلماء أن قوله ((مسيرة سبعين سنة)» مبالغة في =
-١٢٦٦ -

حدثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبى هريرة
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تقوم
الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها
الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿ لا ينفع نفسا إيمانها لم
﴾(١).
تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا
حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا عمر بن محمد بن أحمد
٧٠٨ ۔۔
بن عبد الرحمن الجمحى(٢) بمكة، قال: حدثنا على بن عبد
العزيز، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الأعمش، عن
التوسعة أو تقدير لعرض الباب بقدر مايسده من جرم الشمس الطالع من المغرب»
=
فيض القدير (٢٨٩/٥).
وفي ضوء هذا الكلام يمكن توجيه الخلاف المذكور بأن المقصود المبالغة لا العدد
بالذات، ويخرج على قوله تعالى - عند بعض أهل العلم: ﴿إن تستغفر لهم سبعين
مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ (سورة التوبة: الآية ٨٠)، وبهذا وحده يمكن التوفيق بين
الروايات المختلفة فيما يظهر لى والله أعلم.
(١) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق (٣٥٢/١١ رقم ٦٥٠٦)، وكتاب
الفتن (٨١/١٣ - ٨٢ رقم ٧١٢١)، والإمام أحمد في مسنده (٥٣٠/٢)، من
طريقين عن أبى الزناد به مثله، ورواه البخارى في سياق طويل.
وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه
الإيمان (١٣٧/١ - ١٣٨ رقم ٢٤٨) من طريق عبد الله بن ذكوان، والإمام أحمد
في مسنده (٢ / ٣٥٠، ٣٩٨) من طريق ابن لهيعة، وعبد الله بن ذكوان، كلاهما عن
الأعرج به نحوه.
وله طرق أخرى سيأتى بعضها في رقم ٧١٠.
(٢) لم أهتد إلى ترجمته.
- ١٢٦٧ -

إبراهيم التيمى، عن أبيه(١)، عن أبى ذر قال: كنا(٢) مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال:
((يا أبا ذر! أتدرى(٣) أين تغرب الشمس؟ قال: قلت: الله
ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش عند
ربها، فتستأذن، (فيؤذن لها، ويوشك أن تستأذن) (٤) فلا يؤذن
لها، حتى تستشفع وتطلب، فإذا طال عليها قيل لها: اطلعى
مكانك(٥)، فذلك قوله ﴿ والشمس تجرى لمستقر لها، ذلك
تقدير العزيز العليم ﴾)) (٦).
٧٠٩ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
(١) هو يزيد بن شريك بن طارق التيمى الكوفى، ثقة، مات في خلافة عبد الملك.
(٢) في عقد الدرر («كنت)).
(٣) في ع «تدري» دون همزة الاستفهام.
(٤). مابين القوسين غير موجود في عقد الدرر، وهو في الأصل مثبت في الهامش.
:
(٥) في عقد الدرر ((من مكانك)).
(٦) سورة يس: الآية ٣٨.
والحديث أورده السلمي في عقد الدرر (ص ٣٨٣ رقم ٤٤٨) من رواية المؤلف.
وأخرجه أيضا البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر
(٢٩٧/٦ رقم ٣١٩٩)، وكتاب التفسير، باب ((والشمس تجرى لمستقر لها .. ))
(٥٤١/٨ رقم ٠٤٨٠٢ ٤٨٠٣)، وكتاب التوحيد، باب ((وكان عرشه على الماء ... ))
(١٣/ ٤٠٤ رقم ٧٤٢٤)، وباب قول الله تعالى ﴿تعرج الملائكة والروح إليه ﴾
(٤١٦/١٣ رقم ٧٤٣٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذى
لا يقبل فيه التوبة (١٣٩/١ رقم ٢٥٠، ٢٥١) من طرق عن الأعمش به نحوه
مختصرا ومطولا .
وأخرجه مسلم أيضا من طرق أخرى عن يونس، عن إبراهيم التيمى به نحوه.
-١٢٦٨ -

قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق،
قال: حدثنا على، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء
بن عبد الرحمن، عن أبيه(١)، عن أبى هريرة أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال ستا(٢): طلوع الشمس من
مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أنفسكم، وأمر
القيامة))(٣).
٧١٠ - وبه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا
تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من
(١) هو عبد الرحمن بن يعقوب الحرقى.
(٢) في صلب الأصل ((قبل)) وأثبت في محاذاته من الهامش ((ستا)» وهو الصواب، ولذا
أثبته، وفي ع «بالأعمال ستا قبل طلوع الشمس .. ))
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال
(٢٢٦٧/٤ رقم ١٢٨)، والإمام أحمد في مسنده (٣٧٢/٢)، وأبويعلى في مسنده
(٣٩٧/١١ رقم ٦٥١٦) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به نحوه، وعندهما «خاصة أحدكم أو
أمر العامة، وأورد مسلم هذه الأمور الستة بأو بدل واو العطف، وأما الإمام أحمد
فأورد الأخيرين فقط بأو.
وأخرجه الإمام أحمد أيضا (٣٣٧/٢) من طريق آخر عن سليمان بن بلال، عن
العلاء به، وأورد فيه جميع الأمور المذكورة بواو العطف، كما أن للحديث طريقا آخر
عند مسلم، وتقدم ذكره في رقم ٥٢٦، وذكر فيه جميع تلك الأمور بواو العطف.
ولم أهتد إلى من تعرض لذلك سوى النووى ولكنه لم يزد على ذكر الخلاف بين
الروايتين حيث قال: ذكر الستة في الرواية الأولى معطوفة بأو والتى هى للتقسيم،
وفي الثانية بالواو .. )) شرح النووي (١٨ /٨٧).
ويبدو لى أن «أو» هنا بمعنى الواو، كما يدل عليه أول الحديث، وبها وردت أكثر
الروايات، والله أعلم.
- ١٢٦٩ -

مغربها آمن الناس كلهم(١) أجمعون فيومئذ ﴿لا ينفع نفسا
إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا ﴾(٢).
٧١١ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عيسى، قال: حدثنا أبى، قال:
حدثنا على بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن موسى، قال:
حدثنا يحيى بن سلام، قال: حدثنى المعلى، عن أبى إسحاق،
عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو قال: ((إن الشمس
تطلع من حيث يطلع الفجر، فإذا أرادت أن تطلع، تقاعست(٣)
حتى تضرب (٤) بالعمد، وتقول: يارب! إنى إذا (٥) طلعت عبدت
(١) كلمة («كلهم)) غير موجودة في ع.
(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٨ ..
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذى لا يقبل
فيه الإِيمان (١٣٧/١ رقم ٢٤٨)، والإِمام أحمد في مسنده (٣٧٢/٢)، وأبو يعلى في
مسنده ٤٧٢/١٠ رقم ٦٠٨٥ من طرق عن إسماعيل بن جعفر به مثله.
-.-
وله طرق أخرى عديدة، منها ما تقدم عند المؤلف برقم ٧٠٧، ومنها ما أخرجه
البخارى فى صحيحه، كتاب التفسير، باب ((لا ينفع نفسا إيمانها)) (٢٩٧/٨ رقم
٤٦٣٦)، ومسلم في المصدر المذكور له، والإِمام أحمد في مسنده (٣١٣/٢)، من
طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة مثله، ومنها أيضا ما أخرجه
البخارى في المصدر المذكور له (٤٦٣٥)، ومسلم والإِمام أحمد (٢٣١/٢) من طريق
عمارة، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة.
(٣) تقاعست: أى تأخرت.
انظر: النهاية (٤ /٨٧).
(٤) أثبت محقق أصول السنة ((حين تعرب بالعمد)» وعلق عليه بقوله ((لا تتفق مع سياق
الكلام فيما يظهر)) وأما مافي الأصل فهو واضح.
والعمد: جمع عماد وعمود: وهو الخشبة التى يقوم عليها البيت. انظر: النهاية
(٢٩٦/٣).
(٥) في ع «إن» بدل ((إذا)».
- ١٢٧٠ -

دونك، فتطلع على ولد آدم، فتجرى حتى تأتى المغرب، فتسلم
فيرد عليها، وتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن، فيؤذن (١) لها،
فتجرى إلى المشرق، والقمر كذلك، حتى يأتى عليها (٢) يوم
تغرب فيه فتسلم، فلا يرد عليها، وتسجد فلا ينظر إليها،
وتستأذن فلا يؤذن لها، فتحبس حتى يجىء (٣) القمر، ويسلم،
فلا يرد عليه، ويسجد فلا ينظر إليه، ثم يستأذن فلا يؤذن له،
ثم يقال لهما: ((ارجعا من حيث جئتما)) فيطلعان من المغرب
كالبعيرين المقترنين(٤)، فذلك قوله عز وجل: ﴿يوم يأتى بعض
آيات ربك﴾))(٥) الآية .
(١) كلمة «فيؤذن» غير موجودة في أصول السنة.
(٢) كلمة ((عليها)) غير موجودة في ع.
(٣) في أصول السنة ((يأتى)).
(٤) أى مشدودين أحدهما إلى الآخر بحبل.
انظر: النهاية (٥٣/٤).
(٥) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
والحديث أورده السلمى في عقد الدرر (ص ٣٨٥ رقم ٤٥٢) من رواية المؤلف.
وانظره أيضا في أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٦٣٥ رقم ١٠٥). وهو موقوف،
وإسناده ضعيف جدا لأجل المعلى بن هلال فإنه اتفق النقاد على تكذيبه.
ولكن أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٨٤/١١ رقم ٢٠٨١٠)، ونعيم بن حماد في
الفتن (ق ١٨٤ / ١ رقم ١٨٧٥)، وأبو الشيخ في العظمة (رقم ٦٢٨) عن معمر، عن
أبى إسحاق به نحوه بشىء من الخلاف في اللفظ والسياق، وعندهم ((إن الشمس
تطلع فيردها بنو آدم - يعنى ذنوب بنى آدم .. )).
ولا يوجد عندهم ذكر لتقاعس الشمس وأنها تضرب بالعمد، وفي المصنف زيادات
أخرى في أوله وآخره، دون ذكر لذنوب بنى آدم وردها للشمس.
وهذا الحديث موقوف، ويوجد في الصحيح مايشهد له في الجملة مثل حديث أبى ذر =
- ١٢٧١ -

٧١٢ - أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد، قال: حدثنا ابن الأعرابى، قال:
حدثنا عيسى بن أبى حرب، قال: حدثنا يحيى بن أبى بكير،
قال: حدثنا الربيع، عن الحسن ويزيد، عن أنس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال ستا: طلوع
الشمس من مغربها(١))).
٧١٣ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، [قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان(٢)] قال: حدثنا نصر بن مرزوق،
قال: حدثنا على بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن
إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى خيثمة(٣)، عن عبد الله بن
عمرو قال: «ليبقين الناس بعد طلوع الشمس من مغربها
الذى تقدم برقم ٧٠٨، إلا أن حديث الباب يشتمل في كلا السياقين على بعض
=
المناكير نحو قوله ((تقاعست حتى تضرب بالعمد)) وهو مخالف لما جاء في حديث أبى
ذر أنها عندما تحبس ((تستشفع وتطلب)» يعنى للطلوع.
وكذا قوله ((تردها ذنوب بنى آدم)» أيضا مما يستنكر.
وله سياق آخر أحسن منه عند الإِمام أحمد وغيره، ذكره عقب روايته لحديث مرفوع
عنه، سيأتى عند المؤلف برقم ٧١٥.
(١) تقدم الحديث بأكمله بنفس السند برقم ٥٢٤، ٥٣٧.
(٢) مابين المعكوفين ساقط من الأصل، وسياق الإسناد يقتضيه، وقد أكثر المؤلف من
الرواية عن هذا الطريق.
(٣) كذا هو في الأصل والمصنف لابن أبى شيبة وفي موضع من الفتن لنعيم، وهو
سليمان بن حيان، ذكره البخارى وابن أبى حاتم دون تجريح أو تعديل.
انظر: التاريخ الكبير (٨/٤)، والجرح والتعديل (١٠٦/٤). وفي موضع آخر من
الفتن («خيثمة)) وهو خيثمة بن عبد الرحمن بن سبرة الجعفى، وهو الأنسب لأنه ذكر
انظر: تهذيب الكمال (٣٨٣/١).
في تلاميذه إسماعيل بن أبى خالد.
-١٢٧٢ -

عشرين ومائة سنة))(١).
٧١٤ - حدثنا محمد بن عبد الله المرى، حدثنا أبى، حدثنا على بن
الحسن، حدثنا أحمد، حدثنا يحيى، قال: وحدثنى إبراهيم بن
محمد(٢)، عن صالح مولى التوأمة(٣)، عن ابن عباس قال: الليلة
التى (٤) تطلع في(٥) صبيحتها الشمس من مغربها طولها قدر
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه (١٧٩/١٥)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١/١٨٤
رقم ١٨٧٨، ق ١٩٧ / ب رقم ٢٠١٠). عن وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد به
مثله.
وهو موقوف، ورجال إسناده ثقات، سوى أبى خيثمة، وهو - إذا كان الصواب ماعند
المؤلف، وابن أبى شيبة - لم يعرف فيه حكم الجرح أو التعديل، وإذا كان الصواب
ماعند نعيم بن حماد - خيثمة - فهو ثقة، ويبدو أن الأثر من الإسرائيليات، ونقل
الحافظ ابن حجر عن الميانشى أنه ذكره عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، ثم قال
الحافظ: (رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد
الله بن عمرو موقوفا. وقد ورد عنه مايعارضه))، ثم ذكر ماروي من طريقه مرفوعا
«الآيات خرزات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضا)» تقدم ذكره
(ص ٥٩).
وأورد آثاراً أخرى مما يحدد المدة بعد طلوع الشمس وحاول الجمع بينها.
وفيما يبدو لى أنه لا حاجة إلى ذلك لكونها آثارا ولعدم ثبوتها عن النبى صلى الله
عليه وسلم والله أعلم.
انظر: فتح البارى (٣٥٤/١١)، ولوامع الأنوار (١٤٠/٢ - ١٤١).
(٢) هو أبو إسحاق المدني، متروك، مات سنة ١٨٤هـ.
(٣) هو صالح بن نبهان المدنى، صدوق، اختلط بآخره، ولا بأس برواية القدماء عنه،
مات سنة ١٢٥ هـ.
(٤) كلمة ((التى)) غير موجودة في ع.
(٥) في الأصل ((من صبيحتها)) وفي ع وأصول السنة ((في صبيحتها)) وهو الأنسب.
-١٢٧٣ -

ثلاث ليال(١).
٧١٥ - أخبرنا عبد الملك بن الحسن، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا
إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبوبكر
ابن أبى شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبى حيان(٢)، عن
أبى زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله
صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول الآيات خروجا طلوع
الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى،
وأيهما (٣) ماكانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبا)» (٤).
(١) انظر الحديث في أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٦٣٦ رقم ١٠٦)، وهو موقوف،
وإسناده ضعيف، لأن إبراهيم بن محمد متروك، وقد ورد نحوه في بعض الأحاديث
المرفوعة، كما ورد في غيرها أن تلك الليلة تكون مقدار ليلتين، وجمع بينها البرزنجى
بأن القليل لا ينافى الكثير، ولكن يظهر أن هذه الروايات لا حجة فيها لعدم صحتها.
انظر للتفصيل: تفسير ابن كثير (١٩٤/٢)، والنهاية (٢١٩/١)، والإشاعة (ص
١٦٥).
(٢) هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفى، ثقة عابد، مات سنة ١٤٥ هـ.
(٣) كلمة ((ما)) غير موجودة في ع.
(٤) انظر الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب في خروج الدجال ومكثه في
الأرض .. (٤ /٢٢٦٠ رقم ١١٨).
وأخرجه أيضا مسلم، وأبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة
(٤ / ٤٩٠ رقم ٤٣١٠)، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب طلوع الشمس من
مغربها (١٣٥٣/٢ رقم ٤٠٦٩)، والإِمام أحمد في مسنده (٢٠١/٢)، والطبرى في
تفسيره (٩٨/٨)، والحاكم في مستدركه (٤ /٥٤٧)، من طرق عن أبى حيان به.
وعندهم سوى ابن ماجه في أوله قصة لمروان حيث حدث فيها لجماعة من المسلمين
أن أول الآيات خروج الدجال، فرد عليه عبد الله بن عمرو بهذا الحديث.
11
- ١٢٧٤ -

وعند أحمد والطبرى والحاكم زيادة أخرى في آخره، وهى: «ثم قال عبد الله - وكان
يقرأ الكتب: أظن أولاها خروجا طلوع الشمس من مغربها .. » ثم ذكر قصة طلوع
الشمس وغروبها كل يوم إلى أن تطلع من المغرب عند قيام الساعة، وتقدم ذلك عنه
في سياق مستقل برقم ٧١١، وهو من الأخبار الإسرائيلية، وفي الصحيح مايشهد له
في الجملة. هـ وأورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث بكامله من رواية الإِمام أحمد
ثم قال: ((أخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننيهما .... »
انظر: تفسير ابن كثير (١٩٥/٢).
وأنكر أحمد شاكر هذا الصنيع من ابن كثير، وعدّه تساهلا منه، لأن هؤلاء الثلاثة
لم يخرجوا المطول بهذه السياقة، وإنما أخرجوه مختصرا، ثم قال: ((وقد كان صنيع
الحافظ الهيثمى أدق منه، فإنه ذكره في مجمع الزوائد (٨/٨ - ٩) مطولا عن هذا
الموضع، وقال: في الصحيح طرف من أوله)). انظر: تعليقه على المسند (٩٨/١١ -
٩٩).
قلت: وكذلك كان صنيع ابن كثير دقيقا في النهاية (٢١٧/١ - ٢١٨)، إذ ساق لفظه
إلى قوله ((فالأخرى على أثرها قريبا» ولعله حصلت منه غفلة في التفسير.
التعليق:
مما هو مقرر ومعروف أن الشمس - منذ أول يوم خلق فيه هذا العالم - تطلع من
المشرق وتغرب في المغرب بصورة منتظمة لا خلف فيه، ولكن إذا قرب وقت قيام الساعة
أطلعها الله تعالى من حيث تغرب، وطلوعها من المغرب أحد الأشراط العظام المؤذنة بقيام
الساعة(١). وهو ثابت من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يوم ياتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن
آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ﴾ (٢).
قال البغوى في تفسير الآية: «يعنى طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين»(٣) . =
(١) انظر: الإشاعة (ص ١٦٥)، ولوا مع الأنوار (١٣٢/٢)، والإذاعة (ص ١٦٨).
(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(٣) تفسير البغوى (١٤٤/٢).
- ١٢٧٥ -

= وقد روى هذا التفسير أبو سعيد الخدرى مرفوعا(١)، وعزاه ابن عطية إلى الجمهور(٢)،
وصرح البرزنجى والسفارينى وصديق حسن بأنه أجمع على هذا التفسير المفسرون أو
جمهورهم. (٢)
وأما السنة فقد كثرت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم،
روى المؤلف بعضها في هذا الباب، كما روى البعض الآخر في أبواب سابقة، ومنها ماهو
مخرج في الصحيحين(٤).
وعلى هذا فقد صرح الإمام أبو حنيفة بأن طلوع الشمس من مغربها وغيره من سائر
العلامات ليوم القيامة الواردة في الأخبار الصحيحة حق كائن(٥). وتقدم في نهاية الباب
--
السابق عن الطحاوى أنه قال في عقيدته: ((ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها .. )).
أما وقت طلوعها من المغرب فقد ثبت «أن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من
مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ماكانت قبل صاحبتها، فالأخرى على
إثرها قريباً))(٦).
وسبق تفصيل الكلام في ذلك(٧). وخلاصة القول: إن الأولية إضافية لا حقيقية، فالمراد أن
طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية غير المألوفة. بينما تكون الدابة أول :
الآيات الأرضية غير المألوفة. وقد صرح بذلك الحافظ ابن كثير(٨) ، وعليه يكون طلوع : =
(١) أخرجه الترمذى في سننه (٢٦٤/٥ رقم ٣٠٧١)، وقال: حسن غريب.
ورواه بعضهم ولم يرفعه.
(٢) ذكره ابن حجر في الفتح (٣٥٣/١١).
(٣) انظر: المصادر المذكورة في الهامش ١. في الصفحة السابقة.
(٤) وقد جمع ابن كثير عددا كبيرا منها في تفسيره (١٩٣/٢ - ١٩٥)، والنهاية
(٢١٤/١ - ٢٢٢).
(٥) انظر: الفقه الأكبر (ص ١٦٦ - ١٦٨ مع شرح الملاقارى).
(٦) تقدم في هذا الباب برقم ٧١٥.
(٧) في نهاية الباب السابق.
(٨) النهاية (٢١٤/١، ٢١٨).
-١٢٧٦ -

= الشمس من مغربها قريبا جدا من قيام الساعة بأن لم يكن متصلا بها، وصرحت الآية
والأحاديث الصحيحة بإغلاق باب التوبة عند ظهور هذه الآية، فلا تنفع توبة بعدها. بل
يختم على عمل كل أحد بالحالة التى هو عليها، والحكمة في ذلك هى أن طلوع الشمس
من المغرب أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوى، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان
الضرورى بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع.
فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله، وعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان
کالمشاهد له مردودة(١)
وقال ابن كثير بعد إيراده لأحاديث الباب: «فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة
دليل على أن من أحدث إيمانا أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه، وإنما
كان كذلك - والله أعلم - لأن ذلك من أكبر أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها
ودنوها فعومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة»(٢).
ثم إن هذا الإغلاق لباب التوبة مستمر إلى يوم القيامة أو مختص بيوم الطلوع فقط، فقال
القرطبى بعد ذكره للمسألة السابقة: «فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا
الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن أسلم حينئذ أو تاب قبل منه» (٣).
وأيد ذلك بحديث أورده من رواية أبى الليث السمرقندى عن عمران بن حصين. ولكن
عارضه الحافظ ابن حجر إذا حكم على حديث عمران بأنه لا أصل له، وأورد أحاديث
وآثارا عديدة، ثم قال: ((فهذه آثار يشد بعضها بعضا متفقة على أن الشمس إذا طلعت =
(١) انظر: التذكرة (ص ٨٢٦)، وفتح البارى (٣٥٣/١١ - ٣٥٤)، وقد كثرت أقوال
المفسرين في تفسير الآية، وذكر السفارينى عن ابن مفلح أن الضابط أن كل بر
محدث يكون السبب في إحداثه رؤية الآية ولم يسبق من صاحبه مثله لا ينفع سواء
كان من الأصول أو الفروع وكل بر ليس كذلك لكون صاحبه كان عاملا به قبل رؤية
الآية ينفع.
لوامع الأنوار (١٣٦/٢).
(٢) النهاية (٢٢٢/١)، وانظر أيضا تفسيره (١٩٥/٢).
(٣) التذكرة (ص ٨٢٦).
-١٢٧٧ -

= من المغرب أغلق باب التوبة ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد
إلى يوم القيامة، ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة))(١).
وأما ماورد في حديث أبى ذر وغيره من سجود الشمس لربها تحت العرش واستئذانها في
الطلوع فقد استشكله بعض الناس، حيث ذهب قوم إلى إنكاره، كما نقل ذلك ابن
العربى (٢).
:
ووصف محمد رشيد رضا هذا الحديث بأنه من أعظم المتون إشكالا، وحاول الطعن في
إسناده، حيث ادعى الانقطاع، وقال في إبراهيم بن يزيد التيمى: «وهو على توثيق الجماعة
له مدلس، قال الإِمام أحمد لم يلق أبا ذر، كما قال الدارقطنى .. » (إلى أن قال): ((وقد روی
غير هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون من حدثه عنهم غير ثقة))(٣).
ولا أدرى كيف صدر منه هذا الكلام، فإن الحديث في أعلى مراتب الصحة، اتفق البخارى
ومسلم على إخراجه، ثم إن إبراهيم لم يرو هذا الحديث عن أبى ذر مباشرة، بل بواسطة
أبيه، وأما وهم التدليس وغيره من العلل فيدفعه عنه إخراج البخارى ومسلم.
وذهب قوم إلى تأويل الحديث، فحملوه على ماهى عليه من التسخير الدائم، ذكره ابن
العربى، وقال: ((ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع» (٤).
وعقب عليه الحافظ بقوله: ((إن أراد بالخروج الوقوف فواضح، وإلا فلا دليل على
الخروج)».
ثم ذكر قولين بلفظ الاحتمال. أحدهما: أن المراد بالسجود سجود من هو مؤكل بها من
الملائكة.
=
(١) فتح البارى (٣٥٤/١١ - ٣٥٥).
(٢) عارضة الأحوذي (٣٠/٩).
(٣) تفسير المنار (٢/١١/٨).
(٤) عارضة الأحوذي (٣٠/٩).
-١٢٧٨ -

= والثانى: أنه عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين(١). وكذا ذكر في معنى
الاستئذان قولين:
أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيها حياة يوجد القول عندها لأن الله قارد على إحياء الجماد
والموات، وهو قول ابن بطال.
والثانى: أن الاستئذان مسند إلى الشمس مجازا، والمراد من هو موكل بها من الملائكة(٢).
قلت: حمل الحديث على الظاهر في كلا الأمرين - السجود والاستئذان - هو الصواب،
وعدم معرفتنا بالحقيقة والكيفية غير ضار، فإن هناك كثيرا من الأمور في هذا الكون نجهل
حقيقتها وكيفيتها، وحسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، ويعتقد
أنه هو الحق، ولا يتكلف مالا علم له به، ويكل علم ماهو خارج عن نطاقه إلى الله تعالى.
(١) فتح البارى (٢٩٩/٦).
(٢) المصدر السابق (١٣ /٤١٤).
-١٢٧٩ -