النص المفهرس

صفحات 561-580

٤٠ - باب ما جاء في فيض المال
٢٤٧ - حدثنا حمزة بن على بن حمزة، قال: حدثنا الحسن بن
يوسف، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال:
حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال:
سمعت رسول الله وَل يقول: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال،
فيفيض حتى يُهمَّ(١) ربَّ المال من يقبله* منه صدقة، وحتى يعرضه، فيقول
الذي يعرض له: لا أربَ (٢) لي فيه))(٣).
* كذا هو في الأصل وع وعقد الدرر، وفي المصادر الأخرى ((يقبل)».
(١) قال النووي: ضبطوه (أي يهم) بوجهين، أجودهما وأشهرهما ((يهم)) بضم الياء
وكسر الهاء، ويكون ((رب المال)) منصوبا مفعولا، والفاعل ((من)) وتقديره: يحزنه ويهتم
له.
والثاني: ((يهم)) بفتح الياء وضم الهاء، ويكون رب المال مرفوعا فاعلاً، وتقديره: يهم
رب المال من يقبل صدقته: أي يقصده.
وكذا ضبطه الحافظ بالوجهين إلا أنه قال في معنى الأول: ((يقال: أهمه الأمر أقلقه)).
وفي معنى الثاني: ((يقال: همه الشىء أحزنه)).
انظر: شرح النووي (٩٧/٧)، وفتح الباري (٢٨٢/٣).
(٢) الأرب الحاجة.
انظر النهاية (٣٦/١)
(٣) أورده السلمي في عقد الدرر (٢٤١ رقم ٢٧٥) من رواية المؤلف.
وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد (٢٨١/٣ رقم
١٤١٢)، وكتاب الفتن (٨١/١٣ - ٨٢ رقم ٧١٢١)،
والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٣٠) من طرق عن أبي الزناد به نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد
من يقبلها (٧٠١/٢ رقم ٦١) من طريق آخر عن أبي يونس، عن أبي هريرة مرفوعاً =
- ٥٦١ -

٢٤٨ - أخبرنا على بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال:
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا
مسدد(١)، قال: حدثنا يحيى(٢)، عن (٢) شعبة، قال: حدثنا معبد، (٤)قال
سمعت حارثة بن وهب(٥)، قال: سمعت رسول الله ولا يقول: ((تصدقوا،
فسيأتي [ على الناس(١)] زمان يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من
يقبلها))(٧).
= بمثله إلا أنه قال بعد قوله (من يقبله منه صدقة)): ((ويدعي إليه الرجل فيقول: ((لا
أرب لي فیه».
وأخرجه أيضا (برقم ٦٠) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة
مرفوعاً نحوه.
وله شاهد من حديث أبي موسى مرفوعاً عند البخاري (٢٨١/٣ رقم ١٤١٤) ومسلم
(٢ / ٧٠٠ رقم ٥٩).
(١) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مستورد البصري أبو الحسن، ثقة، حافظ، يقال: إنه
أول من صنف المسند بالبصرة، مات سنة ٢٢٨ هـ.
(٢) ابن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن، حافظ إمام قدوة، مات
سنة ١٩٨هـ.
(٣) في الأصل ((بن)) والتصويب من صحيح البخاري.
(٤) هو ابن خالد بن مرير (براء مصغرا) الكوفي، ثقة عابد، مات سنة ١١٨هـ.
(٥) هو الخزاعي، صحابي نزل بالكوفة، وكان عمر زوج أمه.
(٦) ما بين المعكوفين غير موجود في الأصل وع، زدته من صحيح البخاري.
(٧) انظر الحديث في صحيح البخاري، كتاب الفتن (٨١/١٣ رقم ٧١٢٠).
وأخرجه البخاري أيضا فى كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد (٢٨١/٣ رقم
١٤١١) عن آدم، وباب الصدقة باليمين (٢٩٣/٣ رقم ١٤٢٤) عن على بن الجعد،
ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من
يقبلها (٢ / ٧٠٠ رقم ٥٨) من طريقين عن وكيع ومحمد بن جعفر، كلهم عن شعبة
به نحوه.
- ٥٦٢ -

٢٤٩ - حدثنا أحمد بن عمر القاضي(١)، قال: حدثنا أحمد بن محمد
بن فضالة (٢)، قال: حدثنا عمران بن بكار(٣)، قال: حدثنا عبد الوهاب بن
(٤)
نجدة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني حبيب بن أبي
موسى (٥)، قال: سمعت ثابت بن أبي ثابت(٦)، يحدث عن عبد الله بن معانق
الدمشقي(٧)، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري(٨)، عن أبي عامر
الأشعري(٩) عن النبي ◌َّ قال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر
= ولفظه عند مسلم: «تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو
جئتنا بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها)).
(١) هو أبو عبد الله أحمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محفوظ المصري الجيزي وصفه
الذهبي بقوله: الإِمام المقريء الأوحد، ونقل عن المؤلف أنه قال: «كتبنا عنه شيئا
كثيراً من القراءات والحديث)» توفي سنة ٣٩٩هـ.
انظر سير أعلام النبلاء (١٧ /١١٠) وغاية النهاية (١٢٦/١).
(٢) هو أبو على الحمصي الصفار المشهور بالسوسي، وثقه ابن يونس، ووصفه الذهبي
بقوله: ((المحدث الحجة ..... )) توفي سنة ٣٣٩هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (١٥ / ٤٠٤).
(٣) هو البراد الحمصي المؤذن، ثقة، مات سنة ٢٧١هـ.
(٤) هو الخَوْطي، أبو محمد، ثقة، مات سنة ٢٣٢هـ.
(٥) هو حبيب بن صالح الطائي، أبو موسى الحمصي، ثقة، مات سنة ١٤٧هـ.
(٦) قال فيه أبو حاتم والذهبي: مجهول. الجرح والتعديل (٤٤٩/٢)، وميزان الاعتدال
(٣٦٣/١).
(٧) هو أبو معانق الشامي، وثقه العجلي.
انظر: الثقات للعجلي (٢٨٠ ترتيب الهيثمي).
(٨) هو مختلف في صحبته، وعده العجلي في كبار ثقات التابعين، ومال إليه الحافظ ابن
حجر، توفي سنة ثمان وسبعين.
انظر الثقات للعجلي (ص ٢٩٧)، والإصابة (٩٧/٣_٩٨).
(٩) اختلفوا في اسمه فقيل: عبيد بن وهب، وقيل: عبد الله بن وهب، وقيل: عبد اللّه بن =
- ٥٦٣ -

لهم المال، فيتحاسدوا(١)فيقتتلوا، ويفتح لهم القرآن، فيقرأه البر والفاجر
والمنافق، فيجادلون(٢)به المؤمن ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم
تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يقولون: آمنا به))(٣).
٢٥٠ - أخبرنا عبد الملك بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم،
قال حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا سهل بن
= هانيء، وقيل غير ذلك، له صحبة، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان، انظر
الاستيعاب (١٢٧/٤ على هامش الإصابة).
(١) في الأصل ((فتحاسدوا)) والصواب ما أثبته لأنه يقتضيه السياق، وكذا هو في ع.
(٢) في ع ((فيجادلوا)) وهو الأنسب.
(٣) أورده الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٧٥/٢) في ترجمة ثابت، وقال: ((روى عن
عبدالله بن معانق الدمشقي ... )) وساقه إلى قوله ((ويقتتلو)) ثم قال: رواه إسماعيل بن
عياش، عن حبيب بن صالح عنه، وروى عنه أيضا عوف.
وهو ضعيف، في إسناده رجل مجهول، وهو ثابت بن أبي ثابت، وروي الحديث من
طريق آخر عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير
(٣٣٢/٣ رقم ٣٤٤٢) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، عن
ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عنه نحوه، ومحمد بن إسماعيل حدث عن
أبيه من غير سماع، كما في الميزان (٤٨١/٣) ولذلك استغربه ابن كثير فقال: غريب
جداً.
انظر: تفسيره (٣٤٦/١).
وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في مستدركه (٢٨٨/٢) تعليقا عن
عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه مرفوعا مختصراً. وقال:
صحيح، ووافقه الذهبي.
ولعل اجتماع هذه الطرق يبلغ بالحديث درجة الحسن، والله أعلم.
- ٥٦٤ -

عثمان(١)، قال: أخبرنا عقبة بن خالد (٢)، عن عبيد الله (٢)، عن أبي الزناد،
عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله إِل:
((يوشك الفرات أن يحسر عن (٤)جبل من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه
شيئا»(٥).
٢٥١ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا
سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا على بن معبد،
قال: حدثنا عبد الله بن عصمة(٦)، عن أبي حمزة(٧)، عن الحسن قال: قال
(١) هو أبو مسعود الكوفي نزيل الري، أحد الحفاظ، له غرائب، مات سنة ٢٣٥هـ.
(٢) هو أبو مسعود الكوفي المُجَّدر (يقال ذلك لمن كان به الجدري، فذهب وبقى الأثر)
صدوق صاحب حديث، مات سنة ٨ الأنساب (١٢ /٩٢).
(٣) في الأصل ((عبدالله)) وفي صحيح مسلم ((عبيد الله)) وهو الصواب، ولذا أثبته، وهو
عبيد الله بن عمر بن حفص.
(٤) في متن الأصل ((على)) وكتب في محاذاته من الهامش ((عن)) وهو الصواب، لأنه هو
الموجود في ع وصحيح مسلم.
(٥) انظر الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر
الفرات .... (٤ /٢٢٢٠ رقم ٣١).
وأخرجه أيضا البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب خروج النار (١٣ /٧٨_٧٩
مقرونا برقم ٧١١٩)، وأبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب في حسر الفرات عن
كنز (٤ /٤٩٣ رقم ٤٣١٤) والترمذي فى سننه، كتاب صفة الجنة (٦٩٩/٤ رقم
٢٥٧٠) كلهم عن أبي سعيد الأشج، عن عقبة بن خالد به مثله.
والحديث مروي بطرق أخرى وبزيادات، تقدم بعضها تحت رقم ٧٢، وسيأتي
البعض الآخر برقم ٤٩٦.
(٦) هو النصيبي، ذكره ابن عدي، وقال: رأيت له أحاديث أنكرها ... ولم أر للمتقدمين
فيه كلاما.
انظر: الكامل (١٥٢٦/٤)، وميزان الاعتدال (٤٦٠/٢).
(٧) كذا في الأصل ((عن أبي حمزة)) ويظهر لي أنه خطأ، والصواب ((عن ابن أبي حمزة)) =
- ٥٦٥ -

رسول الله وَلة: ((إن من اقتراب الساعة أن يفيض المال، ويكثر التجار(١)،
ویظهر العلم(٢)».
= أو ((عن حمزة)) ويدل عليه ما يأتي في رقم ٥٠٢، فقد روى فيه المؤلف من هذا الطريق
حديثاً آخر عن مكحول، فقال: حمزة بن ميمون، وهو حمزة بن أبي حمزة الجعفي
النصيبي، واختلف في اسم أبيه، فقيل: ميمون، وقيل: عمرو، متروك، متهم بالوضع.
(١) كذا في الأصل ومسند الطيالسي ((التجار)) وفي ع (بالتجار)) وفي المصادر الأخرى
((التجارة)).
(٢) كذا يبدو في الأصل ((العلم)) وهكذا ورد عند النسائي، وفي ع وبعض المصادر
الأخرى ((القلم)» وهو الأنسب للتفسير بالكتب.
والحديث من مراسيل الحسن البصري، وفي إسناد المؤلف حمزة بن ميمون، وهو
متروك واتهم بالوضع، وأورده القرطبي في التذكرة (ص ٧٤٧) وذكر أن ابن المبارك
رواه من طريق ابن فضالة عنه، وفيه: «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويفيض المال
ويظهر القلم وتكثر التجارة»
وابن فضالة - وهو مبارك بن فضالة - يدلس ويسوي، وروي الحديث من طريقه
مرفوعاً متصلا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص ١٦١ رقم ١١٧١) عنه، عن
الحسن، عن عمرو بن تغلب مرفوعاً في سياق حديث آخر، وفيه: ((إن من أشراط
الساعة أن يكثر التجار ويظهر القلم)» ومبارك بن فضالة تابعه يونس بن عبيد،
أخرجه النسائي في سننه، كتاب البيوع، باب التجارة (٢٤٤/٧)، والحاكم في
مستدركه (٧/٢) من طريق وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس، عن الحسن، عن
عمرو بن تغلب مرفوعاً، ولفظه عند النسائي: ((إن من أشراط الساعة أن يفشو المال
ويكثر وتفشو التجارة ويظهر العلم .... ) الحديث. وعند الحاكم: ((إن من أشراط
الساعة أن يفيض المال ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة».
وقال الحاكم: ((إسناده على شرطهما صحيح ، إلا أن عمرو بن تغلب ليس له راو غير
الحسن)» وأقره الذهبي، وهو ممن سمع عنه الحسن البصري من الصحابة، كما
صرح به الإِمام أحمد وأبو حاتم خلافا لعلى ابن المديني.
انظر المراسيل (ص ٤٤)
- ٥٦٦ -
۔۔

قال ابن معبد: يعني الكتاب.(١).
٢٥٢ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،
قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال
حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قال معاذ: ((إنها
ستكون فتنة(٢) يكثر منها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن
والمنافق، والمرأة والرجل، والصغير والكبير))(٣).
= وذكر السندي في حاشيته على سنن النسائي أنه هكذا ورد في كثير من النسخ يعني
قوله (ويظهر العلم)، ومعنى (يظهر): يزول ويرتفع، أي يذهب العلم عن وجه الأرض،
ويوجد في بعض النسخ («ويظهر الجهل» وهو واضح.
وقد يشهد لما ذكر السندي في معنى ((يظهر)) ما ذكره ابن الأثير فقال: ((يقال: ظهر
عني هذا العيب: إذا ارتفع عنك)» النهاية (٥/٣ ١٦). إلا أن هذا خلاف الظاهر.
(١) كذا فسره ابن عبد البر في رواية أخرى أخرجها البخاري في الأدب المفرد (ص ٣٤٩
رقم ١٠٥٣) عن ابن مسعود مرفوعاً، وفيه: ((إن بين يدي الساعة التسليم على
الخاصة ... )) وذكر أشياء، منها: ((فشو القلم)) وقال: فإنه أراد ظهور الكتاب وكثرة
الكتاب، ذكره القرطبي في التذكره (ص ٧٤٧)، وذكر التويجري أثناء شرحه لرواية
النسائي «يظهر العلم» أن معناه ظهور وسائل العلم، وهي كتبه. وقد ظهرت فيه هذه
الأزمان ظهوراً باهراً وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، ومع هذا فقد ظهر الجهل في
الناس وقل فيهم العلم النافع وهو علم الكتاب والسنة والعمل بهما ولم تغن عنهم
كثرة الكتب شيئا)).
إتحاف الجماعة (٤٢٧/١).
(٢) في ع ((فتن)).
(٣) تقدم هذا الحديث بنفس السند والمتن مطولا برقم ٢٧.
التعليق:
تعرض المؤلف في هذا الباب لبيان الاستفاضة المالية التي أخبر النبي 3# بحدوثها
قبل قيام الساعة.
- ٥٦٧ -

= ومن المعلوم أن المال من أعظم الأسباب التي تجلب على الناس الفتن والمشاكل، وقد
قال تعالى: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ وقال
أيضاً: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ﴾.
والأحاديث الواردة في هذا الباب على نوعين، أحدهما: ورد فيه ما يدل على
تخصيصها بأشراط الساعة، والثاني: ليس فيه هذا التخصيص، حيث ورد فيه أن
ذلك يحصل في الأزمنة القادمة.
ولذلك اختلف الأئمة في تحديد الزمن الذي تحدث فيه هذه الاستفاضة المالية،
فذهب الإِمام البخاري إلى أنه يقع مع خروج النار، ويظهر ذلك من صنيعه إذا أدخل
حديث حسر الفرات تحت باب خروج النار، وأورد حديث أبي هريرة وحارثة بن وهب
عقب الباب المذكور مباشرة تحت باب لم يترجم له بشىء مما يدل على أنه متعلق به،
فهو كالفصل منه، ومن ثم يؤخذ السبب في عدم قبول الناس مايعرض عليهم من
الأموال، وكذلك سبب النهي عن أخذ شىء مما يحسر عنه الفرات، وهو انشغالهم
بأمر الحشر بحيث لا يلتفت أحد منهم إلى المال بل يقصد أن يتخفف منه ما
استطاع (٢).
وذهب الحليمي إلى أنه يقع فى زمن عيسى بن مريم عليه السلام، فإنه ذكر حديث
حسر الفرات ثم قال: ((فيشبه أن يكون هذا الزمان الذي أخبر النبي ◌َ# أن المال
يفيض فيه فلا يقبله أحد، وذلك في زمان عيسى عليه السلام، ولعل سبب هذا الفيض
العظيم ذلك الجبل مع ما يغنمه المسلمون من أموال المشركين، والله أعلم»(٤)، وذكره
عنه القرطبي مقرا له(٥).
وهناك حديث يؤيد هذا القول، فروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة =
(١) سورة الأنفال: الآية ٢٨.
(٢) سورة الإسراء: الآية ١٦.
(٣) انظر فتح الباري (١٣ / ٨١، ٨٢).
(٤) المنهاج في شعب الإيمان (٤٣٠/١).
(٥) انظر: التذكرة (ص : ٧٥).
-٥٦٨ -

-
مرفوعاً وفيه: ((والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ... ))
إلى أن قال: ((ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ... ))(١).
وأما الحافظ ابن حجر فيبدو منه التردد في الموضوع حيث نرى أنه قرر في موضع
أن ذلك يحصل قرب قيام الساعة بعد نزول عيسى عليه السلام، ونفى أن يكون غير
ذلك مراداً(٢)، وذهب في موضع آخر إلى التفصيل، إذ ذكر في حديث حارثة بن وهب
احتمالين، الأول أن ذلك يقع في زمن عيسى عليه السلام. والثاني: أن ذلك وقع في
خلافة عمر بن عبد العزيز، وعلى هذا فلا يكون من أشراط الساعة، وهو نظير ما وقع
في حديث عدي بن حاتم مرفوعا قال فيه: ((ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج
بملء كفه ذهبا يلتمس من يقبله فلا يجد)»(٣).
واختار هذا الاحتمال الثاني، وذلك لأن الذي رواه عدي في الحديث ثلاثة
أشياء، أمن الطريق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقد من يقبل الصدقة من
الفقراء، فذكر عدي أن الأولين وقعا وشاهدهما، وأن الثالث سيقع، فكان كذلك لكن
بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز، واستدل أيضا بما رواه المؤرخون عما
كانت عليه خلافته من بسط العدل وإيصال الحقوق لأهلها واستغناء الناس عما في
أيدي الآخرين.
وأما حديث أبي هريرة ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض ... )) الحديث
فذكر أن فيه إشارة إلى ثلاثة أحوال، الأولى إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن
الصحابة، ويشير إليه قوله (يكثر فيكم)، والحالة الثانية إلى فيضه من الكثرة بحيث
أن يحصل إستغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، وكان ذلك في آخر عصر الصحابة =
(١) كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام (٦ /٤٩٠ - ٤٩١ رقم
٣٤٤٨).
(٢) انظر: فتح الباري (٢٨٢/٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام
(٦١٠/٦ رقم ٣٥٩٥).
- ٥٦٩ -

= وأول عصر من بعدهم، ويشير إليه قوله (يهم رب المال) وذلك ينطبق على ما وقع في
زمن عمر بن عبد العزيز.
والحالة الثالثة الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد حتى يهتم صاحب
"المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأنه يعرضه على غيره، ولو كان ممن لا
يستحق الصدقة، فيأبى أخذه فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى عليه
السلام، ويحتمل أن يكون مع خروج النار، وسبب هذه الاستفاضة كثرة المال، وقلة
الناس واستشعارهم بقيام الساعة (١).
وأما حديث حسر الفرات عن جبل من الذهب فلم يتعرض فيه لتحديد الزمن الذي
يقع فيه ذلك سوى ما ذكره عن البخاري من أنه يقع عند الحشر، وذلك أثناء تعرضه
لبيان الحكمة التي لأجلها نهى النبي 8 عن الأخذ منه، وقد عد ذلك (أي حسر
الفرات عن جبل من ذهب) صاحب الإشاعة من الأمارات التي تدل على قرب خروج
المهدي(٢).
وأما بالنسة لحديث أبي هريرة فذكر له روايتين:
الأولى فيها ((يكثر المال)).
والثانية: فيها ((يكثر فيكم المال)) وقال: «ولا مانع أن تكون الرواية الثانية إشارة إلى
ما وقع في زمن عثمان وعمر بن عبد العزيز لقرينة قوله ((فيكم)) يعني الصحابة.
والرواية الأولى لما سيقع في زمن المهدي وعيسى عليهما السلام، ولذا ذكرناه في =
(١) فتح الباري (١٣ / ٨٧،٨٣ - ٨٨).
(٢) الإشاعة (ص ٩١) والذي دفعه إلى القول بذلك ما رواه ابن ماجه من حديث ثوبان
مرفوعاً. ((يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة)) ثم ذكر الحديث في المهدي، وهو
يأتي عند المؤلف برقم ٥٤٨، فإن كان المراد بالكنز الكنز الذي في حديث البابُ دل
على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي قبل نزول عيسى وخروج النار، ولكن ليس هناك
ما يعين ذلك.
انظر: فتح الباري (٨١/١٣).
- ٥٧٠ -

= القسمين» (أي الأول والثالث)(١).
ويبدو لي - والله أعلم - أن الأنسب حمل هذه الأحاديث على محمل واحد وهو أن
ذلك يقع بعد نزول عيسى عليه السلام حين تخرج الأرض بركاتها حتى تشبع
الرمانة الواحدة أهل البيت كلهم، ولا يبقى في الأرض كافر، كما جاء في حديث
النواس(٢)، وهذا هو الذي سبق أن نقله الحافظ عن غيره وقرره في حديث حارثة
وعدي وأبي هريرة وغيرهم، ونفى أن يكون ما ذكره عدي في حديثه قد وقع في ذلك
الزمان (٢).
وأما الحكمة التي لأجلها ورد النهي عن الأخذ من ذلك الجبل الذي يحسر عنه
الفرات فذكر فيها العلماء عدة أقوال:
الأول: أن النهي لتقارب الأمر وظهور أشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاستكثار
منها مع ذلك جهل واغترار،
والثاني: أن النهي عن أخذه لما ينشأ عنه من الفتنة والاقتتال عليه.
والثالث: لأنه لا يجري به مجرى المعدن، فإذا أخذه أحدهم، ثم لم يجد من يخرج
حق الله إليه لم يوفق بالبركة من الله تعالى فيه، فكان الانقباض عنه أولى، ذكره
الحليمى احتمالا(٤).
والرابع: إنما نهى عن الأخذ منه لأنه للمسلمين فلا يؤخذ الا بحقه، ذكره ابن التين،
وقال كما حكى عنه الحافظ ابن حجر: ومن أخذه وكثر المال ندم لأخذه ما لا ينفعه،
وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب، ويبدو أن الإمام البخاري ذهب إلى اختيار
القول الأول إذ أورد هذا الحديث تحت باب خروج النار مما يوحي بأنه يرى أن
النهي عن الأخذ ورد لأنه عند الحشر ومع خروج النار، وهو وقت انشغال الناس =
(١) الإشاعة: (ص ١٥٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٥٠/٤ - ٢٢٥٥ رقم ٢١٣٧) في سياق طويل عن
قصة الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام.
(٣) فتح الباري (٢٨٢/٣).
(٤) المنهاج (١/ ٤٣٠).
-٥٧١ -

= بأمر الحشر فإذا أخذ منه أحد لا يستفيد منه سوى الندم.
وذهب القرطبي إلى اختيار الثاني، وقال: وهو الذي يدل عليه الحديث(١)، وكذلك ذهب
إلى اختياره الحافظ ابن حجر، واستدل في ذلك بما أخرجه مسلم من حديث أبي بن
كعب مرفوعا: ((يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس
ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله،
فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون))(٤). وبهذا الحديث أبطل ما ذهب
إليه ابن التين، وقال: وإنما يتم ما زعم من الكساد أن لو اقتسمه الناس بينهم
بالسوية ووسعهم كلهم فاستغنوا أجمعين، فيحنئذ تبطل الرغبة فيه، وأما إذا جواه
قوم دون قوم فحرص من لم يحصل له منه شىء باق على حاله.
وعقب على القول بأن النهي ورد لكونه يقع مع خروج النار، فقال: ولا مانع أن يكون
عند خروج النار للحشر، لكن ليس ذلك السبب في النهي عن الأخذ منه، (٣)، والله
أعلم.
وذهب بعض المتأخرين في حسر الفرات إلى أن معناه حسره عن الذهب البترولي
الأسود، ذكره التويجري، ورد عليه من عدة أوجه. منها: أن ذلك تأويل النص
الصريح بغير دليل، وأن البترول لا يسمى ذهبا لا حقيقة ولا مجازا، ثم إن ذكر
الفرات يدل على تخصيصه، وهو ينفي أن يكون ذلك في غيره، ومن المعلوم أن بحور
البترول ليست في نهر الفرات، وإنما هي في مواضع كثيرة في مشارق الأرض
ومغاربها، ومنها: أن النبي ◌ّ نهى من حضر جبل الذهب أن يأخذ منه شيئا، فيلزم
من حمله على البترول الأسود أن يكون الناس منهيين عن الأخذ منه وهذا معلوم
البطلان (٤).
(١) التذكرة (ص ٧٥٠).
(٢) انظر صحيح مسلم، كتاب الفتن (٤ /٢٢٢٠ رقم ٣٢).
(٣) فتح الباري (١٣ / ٨١).
(٤) إتحاف الجماعة (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
- ٥٧٢ -

٤١ - باب الحثالة من الناس
٢٥٣ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال
حدثنا محمد بن مخلد، قال حدثنا إبراهيم بن هانىء(١)، قال: حدثنا نعيم
ابن حماد(٢)، قال: حدثنا ابن أبي حازم(٣)، عن أبيه(٤) عن عمارة بن عمرو(٥)،
عن عبد الله بن عمرو عن النبي {8َ* قال: ((كيف بكم وزمان يغربل(٦) فيه
الناس غربلة تبقى حفالة(٧) من الناس فإذا كان ذلك فخذوا ما تعرفون،
وذروا ما تنكرون، وأقبلوا على خاصتكم، وذروا أمر العوام))(٨).
(١) هو أبو إسحاق، النيسابوري الأرغياني الفقيه، نزيل بغداد، وثقه الإِمام أحمد بن
حنبل وغيره من أئمة الشأن، توفي سنة ٢٦٥هـ.
انظر تاريخ بغداد (٢٠٤/٦-٢٠٦)، سير أعلام النبلاء (١٣ / ١٧-١٨).
(٢) هو الخزاعي، أبو عبد الله المروزي، نزيل مصر، صدوق يخطىء كثيراً، فقيه عارف
بالفرائض، مات سنة ٢٢٨ هـ على الصحيح.
(٣) هو عبد العزيز بن سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، مات سنة ١٨٤هـ.
(٤) هو سلمة بن دينار، أبو حازم الأغر التمار المدني القاضي، ثقة عابد، مات في خلافة
المنصور.
(٥) في الأصل («عامر» بدل ((عمرو)» والتصويب من الفتن لنعيم وغيره من مصادر
التخريج، وعمارة هو الأنصاري المدني، ثقة، استشهد بالحرة، وقيل: مع ابن الزبير.
(٦) ذكر ابن الأثير هذا الجزء من الحديث وقال: أي يذهب خيارهم، ويبقى أرذ الهم،
والمغربل: المنتقى، كأنه نقي بالغربال.
النهاية (٣٥٢/٣).
(٧) هو مثل الحثالة، أي رذالة من الناس كردي التمر ونقاته.
(٨) انظر الحديث في الفتن لنعيم بن حماد (ق ٦٤/ب رقم ٧٠١).
=
انظر النهاية (١ /٤٠٩).
- ٥٧٣ -

٢٥٤ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عيسى المري، قال: أخبرني وهب بن
مسرة، عن ابن وضاح، عن موسى بن معاوية، عن ابن مهدي قال أخبرني
الربيع بن صبيح(١)، عن الحسن، قال: قال رسول الله (چ: ((يا
عبدالله بن عمرو(٢)! كيف بك إذا أبقيت(٣) في حثالة من الناس إذا مرجت
عهودهم، ومرجت أمانتهم، وكانوا هكذا؟)) وشبك رسول الله
﴿ ل* بين(٤) أصابعه.
قال: يارسول الله! فما تأمرني؟ قال: ((آمرك أن تتقي الله، وأن(٥)
تأخذ بما تعرف، وتدع ما تنكر، وعليك بخويصتك، وإياك والعامة)(٦).
= وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي (٤ /٥١٣ رقم ٤٣٤٢)،
وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة (١٣٠٧/٢ رقم ٣٩٥٧) من
طريقين آخرين عن عبد العزيز بن أبي حازم به نحو،
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٢١/٢)، والحاكم في مستدركه (٤٣٥/٤) من
طريق سعيدبن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم به نحوه، وعندهم
بعض الزيادات في لفظ الحديث.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأورده الألباني في الصحيحة (رقم
٢٠٥) وحكم عليه بالصحة.
(١) في الأصل ((عن السيح)) والصواب ما أثبته، وتقدم الحديث برقم ١١٨، وفيه مثل
ما أثبته.
(٢) في ع (( ... عمر)) بدل (( ... عمرو)»، والصواب ما في الأصل.
(٣) في الرقم المذكور ((بقيت)) وكذا هو في ع.
(٤) كلمة ((بين)) غير موجودة في ع.
(٥) لا توجد ((أن)) في الرقم المذكور.
(٦) انظر تخريجه في الرقم المشار إليه.
وقد أورد الهندي في كنز العمال (١٨٢/١١)، قريبا منه، وعزا تخريجه إلى الشيرازي
في الألقاب، عن الحسن مرسلا. وإسناده ضعيف ولكن له طرق أخرى يصح بها
الحديث، تقدم بعضها قبله وسيأتي بعضها بعده.
- ٥٧٤ -

٢٥٥ - حدثنا ابن خليفة، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو بكر ابن
أبي داود، قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب(١)،
قال أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن(٢)، عن عمرو مولى المطلب عن العلاء
ابن عبدالرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ* لعبد الله بن عمرو: كيف
بك ياعبد الله بن عمرو(٣)! إذا أبقيت في حثالة من الناس قد مرجت
عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فصاروا هكذا؟» وشبك بين أصابعه، قال:
قلت: يا رسول الله! ما تأمرني؟ قال(٤) «عليك بخاصتك، ودع عنك
عوامهم))(٥).
٢٥٦ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد قال: حدثنا
الحسين بن محمد بن عفير، قال: حدثنا شعيب بن عبد الحميد
(١) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، مات سنة
١٩٧ هـ.
(٢) هو القارىء المدني، نزيل الإسكندرية، ثقة، مات سنة ١٨١هـ.
(٣) في ع (( ... عمر) بدل (( ... عمرو)) والصواب ما في الأصل.
(٤) كلمة ((قال)) غير موجودة في ع، ويوجد مكانها ((يا)) ولا معنى لها.
(٥) أخرجه الدولابي في الكنى (٣٥/٢) من طريق يعقوب، عن عمرو به نحوه.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان (٥٧٥/٧ رقم ٥٩٢٠)، وابن
سماك في الأول من الرابع من حديثه (١٠٨ نقلا عن الألباني) من طريق آخر عن
العلاء بن عبد الرحمن به نحوه.
وعندهم زيادة قوله ((تعمل ما تعرف، وتدع ما تنكر)» قبل ((عليك بخاصتك))
والحديث أورده الألباني في الأحاديث الصحيحة (رقم ٢٠٦) وقال: وهذا سند
صحيح على شرط مسلم.
وأورد له شاهدين من حديث عبد الله بن عمر وسهل بن سعد الساعدي، ووصف
الأول بأنه شاهد قوي، ووصف الثاني بأن أحد أسناديه حسن.
-٥٧٥ -

الطحان(١)، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، عن
عبد الله بن عمرو(٢) قال لي(٣) رسول الله وضل﴾: ((كيف أنت)»؟(٤)
ياعبدالله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس؟» قالوا: يارسول الله! إذا
كانوا كيف؟ قال: «إذا مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا»
وشبك بأصابعه، قال: قال (٥): يا رسول الله! ما تأمرني؟ قال: ((آمرك أن
تتقي الله عز وجل، فما عرفت أخذت، وما أنكرت تركت، وعليك بخاصة
نفسك، وإياك وعوامهم))(٦).
(١) هو الواسطي ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤ /٣٥٠) وقال: ((صدوق)).
(٢) كلمة ((بن)) ساقطة في ع.
(٣) كلمة ((لي)» غير موجودة في ع.
(٤) في ع «بك)) وبعدها كلمة رسمها ((لا يقيم)) ويبدو أنها مفردية
(٥) كذا في الأصل، والسياق يقتضي ((قلت)) وفي ع ((قال)) مرة واحدة.
(٦) لم أهتد إلى من أخرجه من طريق مبارك بن فضالة، وهو يدلس ويسوي، ومؤمل
صدوق سيىء الحفظ، ولكن هناك طرق أخرى صحيحة للحديث. وتقدم بعضها في:
هذا الباب.
التعليق:
تعرض المؤلف في هذا الباب لبيان أحوال الناس، وما يصيبهم من التغير والتبدل،
وكيف يكون أمرهم في بعض الأزمنة القادمة من نقض العهود وتضييع الأمانات
وابتذال القيم الأخلاقية والإنسانية بحيث لا يبقى لهم أي أهمية لأنهم يصيرون
مثل الحثالة، والحثّالة: بالفاء والثاء الردىء من كل شىء، قاله الخطابي، وقيل: هي
آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأرداه، وقال ابن التين: الحثالة: سقط الناس،
وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما، وقال الداودي: ما يسقط من
الشعير عند الغربلة، ويبقى من التمر بعد الأكل، ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن
حجر، وهي كلها: تؤدي معنى واحداً وهو أن المراد من حثالة الناس أراذلهم
وأشرارهم، الذين لا يوجد فيهم أي خير، وأورد المؤلف تحت هذا الباب حديث عبد الله =
-٥٧٦ -

= بن عمرو: «كيف بكم وزمان يغربل فيه الناس غربلة يبقى حثالة من الناس ...
الحديث)) وقد روي هذا الحديث من طرق عديدة من حديث عبد الله بن عمرو وغيره
من الصحابة.
وأورده المؤلف من بعض هذه الطرق في الباب، وقد عقد البخاري في صحيحه بابا
يقرب من هذا الباب، مستشهدا بحديث عبدالله بن عمرو وترجم له بقوله ((باب إذا
بقي في حثالة من الناس)).
إلا أنه أورد تحته حديثا آخر عن حذيفة يجتمع مع حديث عبد الله بن عمرو في
بيان قلة الأمانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف ولم يورد حديث ابن عمرو لأنه
لم يكن على شرطه، ولكنه حديث صحيح، تشهد له أحاديث أخرى صحيحة تدل على
أن الناس تتدنى أحوالهم، ويحيط بهم الفساد من كل جانب حيث لا تبقى عندهم
أي أهمية للعهود والأمانات والقيم الأخلاقية الأخرى، وقد يكون في هذا تمهيد لقيام
الساعة، لأنها لا تقوم إلا على الأراذل وشرار الناس، وأما قوله في حديث عبد الله بن
عمرو «فيغربل الناس فيه غربلة)» فقال فيه القرطبي: «إنه عبارة عن موت الأخيار
وبقاء الأشرار كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله)) وكذا قوله # في آخر الحديث
((وأقبلو على خاصتكم، وذروا أمر العوام» فقد استشهد به بعض الأئمة على جواز
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار))(١).
وسيأتي تفصيل الكلام عن هذه المسألة في باب مستقل.
(١) انظر التذكرة (ص ٦٥٠)، وفتح الباري (٢٥٢/١١، ٣٨/١٣ - ٣٩)، وعون المعبود
(٤ /٢١٧).
- ٥٧٧ -

٤٢ - باب ما جاء في فناء(١) خيار هذه
الأمة أولا فأول، ويبقى شرار الناس
٢٥٧ - حدثنا محمد بن عبد الجبار المكتب، قال: حدثنا محمد بن
الحسين، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: حدثنا إسحاق بن
شاهين(٢)، قال: حدثنا خالد - يعني الواسطي (٣)- عن بيان(٤)، عن قيس،
عن مرداس الأسلمي(٥) قال: قال رسول الله وَل: «يذهب الصالحون
الأول فالأول حتى يبقى مثل حفالة (٦) التمر والشعير، لا يبالي الله عز وجل
بهم»(٧).
(١) في ع ((فساد)) بدل ((فناء» وما في الأصل هو الصواب.
(٢) هو أبو بشر بن أبي عمران الواسطي، صدوق، مات بعد سنة ٢٥٠هـ.
(٣) هو خالد بن عبدالله الطحان الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢هـ.
(٤) هو ابن بشر الأحمسي، أبو بشر الكوفي، ثقة ثبت.
(٥) هو مرداس بن مالك الأسلمي، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، وهو قليل الحديث.
(٦) في ع ((حثالة)) وكلاهما في معنى واحد.
(٧) كلمة ((بهم)) غير موجودة في ع.
والحديث أخرجه الإسماعيلي كما في فتح الباري (٢٥٢/١١)، وابن حبان في
صحيحه (كما في الإحسان ٣٠٠/٨ رقم ٦٨١٣) من طريق خالد بن عبد الله، عن
بيان بن بشر به نحوه، وأوله: ((يقبض الصالحون أسلافا، ويفني الصالحون الأول
فالأول ... » الحديث.
وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين (١١ /٢٥١ رقم
٦٤٣٤) من طريق آخر عن أبي عوانة، عن بيان به نحوه، ووقع عنده في آخره
((لايباليهم الله بالة)) وللحديث طريق آخر سيأتي عند المؤلف برقم ٢٥٩.
- ٥٧٩ -

٢٥٨ - حدثنا ابن خليفة(١)، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو بكر
بن أبي داود، قال: حدثنا هشام بن خالد الأزرق(٢)، قال: حدثنا الوليد
بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، :
عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: «لتنتقون كما ينتقى التمر، وليذهبن
خياركم، وليبقين شراركم))(٣).
(١) في الأصل ((ابن أبي خليفة)) والصواب ما أثبته، وهو ((محمد بن خليفة بن عبد
الجبار)» وهو ممن أكثر عنه المؤلف.
(٢) هو أبو مروان الدمشقي، صدوق، مات سنة ٢٤٩هـ.
(٣) في إسناده الوليد بن مسلم وهو كثير التدليس والتسوية، كما صرح به الحافظ في
· التقريب (ص ٣٧١).
ولكنه تابعه ابن أبي العشرين وهو عبد الحميد بن حبيب، أخرجه ابن حبان في
صحيحه كما في الإحسان (٨ / ٣٠٠ رقم ٦٨١٢)، بسنده عن جنادة بن محمد
المزني، عنه، عن الأوزاعي به مختصرا بلفظ: ((ستنتقون كما ينقى التمر من
حثالته».
وابن أبي العشرين صدوق ربما أخطأ كما في التقريب (ص ١٩٦) وقد روى الحديث
من وجه آخر عن أبى هريرة باختلاف في الألفاظ، أخرجه البخاري في الكني (٢٥)،
وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب شدة الزمان (٢ / ١٣٤٠ رقم ٤٠٣٨)،
والحاكم في مستدركه (٤ /٤٣٤،٣١٦) من طرق عن يونس بن يزيد، عن الزهري،
عن أبي حميد مولى مسافع، عن أبي هريرة مرفوعا، بلفظ: ((لتنتقون كما ينتقى التمر
من أغفاله، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، فموتوا إن استطعتم» هذا لفظ ابن
· ماجه، وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)» ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: «هذا
إسناد فيه مقال، وأبو حميد لم أر من جرحه ولا وثقه».
مصباح الزجاجة (٢ /٣٠٥ رقم: ١٤٢٤).
وذكر الحافظ في التقريب (ص ٤٠٣) أن أبا حميد مجهول، وقيل: هو عبد الرحمن
بن سعد المقعد، وثقه النسائي.
ويبدو لي أن الحديث باجتماع الطرق المذكورة يبلغ درجة الحسن، ولكن الألباني لم =
- ٥٨٠ -