النص المفهرس
صفحات 361-380
السُّنَنُ اْلَوَارِدَةُ فِى الْفَوَعَوَائِهَا وَ السَّائِ 1 عُرُ وَاشِرَاطِهَا تَأليف أَيْ عَمْرُ وعُثمان بنْسَعِيِّد المقرىء الدّاني المتوفى سنة ٤٤٤هـ دِرَاسَة وَتْحَقِيق الدكتورْ رِضَاء اللّين محمد إدريسُ المَاد كفُوري الجزء الثاني دَارُ الخَاصَّة لِلنَشْرِ وَالتوزيع ٢٢ - باب الأمر بلزوم البيوت في الفتنة ١١٧ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي(١)، قال: حدثنا المعافي بن عمران(٢)، قال: حدثني يونس بن أبي إسحاق(٣)، قال: حدثنا هلال بن خباب(٤)، قال: حدثني عكرمة مولى ابن عباس(٥)، قال: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص في أناس حول النبي صلى الله عليه وسلم(٦) - ذكروا الفتنة عنده، أو ذكرها - فقال: ((إذا رأيت الناس(٧) قد مرجت(٨) عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا)» وشبك بين أنامله - فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك ؟ يا رسول الله! جعلني الله فداك، قال: ((الزم بيتك، وأمسك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصتك، وإياك وعوامهم ))(٩). (١) هو أبو على، نزيل بغداد، صدوق، مات سنة ٢٣٦ هـ. (٢) هو أبو مسعود الموصلي، ثقة عابد فقيه، مات سنة ١٨٥ هـ. (٣) في الأصل (يونس بن إسحاق) والتصويب من بعض مصادر التخريج والترجمة، وهو أبو إسرائيل السبيعى الكوفى، صدوق، يهم قليلا، مات سنة ١٥٢ هـ. (٤) هو أبو العلاء البصرى نزيل المدائن، صدوق تغير بآخره، مات سنة ١٤٤ هـ. (٥) هو ابن عبد الله، أصله بربرى، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، مات سنة ١٠٧ هـ. (٦) في ع ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان أناس .. » (٧) كلمة ((الناس)) غير موجودة في ع. (٨) أى اختلطت النهاية (٤ /٣١٤). (٩) أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهى (٥١٣/٤، رقم ٤٣٤٣)، = - ٣٦٣ - ١١٨ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عيسى المُرّي(١)، قال: حدثنا وهب : = وابن أبى شيبة في المصنف ٩/١٥)، والإِمام أحمد في مسنده (٢١٢/٢)، والنسائى في عمل اليوم والليلة (ص ٢٣٠ رقم ٢٠٥)، والخطابى في العزلة (ص ٨)، والحاكم. في المستدرك (٥٢٥/٤) بإسنادهم عن يونس بن أبى إسحاق به نحوه. ووقع عند الجميع تصريح بأن عكرمة قال: حدثنى عبد الله بن عمرو قال: ((بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. )) خلافا للمؤلف إذ وقع عنده أن عكرمة قال: ((بينما: عبد الله بن عمرو بن العاص في أناس حول النبى صلى الله عليه وسلم .. )) وسقط. ذكر عكرمة من مصنف ابن أبى شيبة، ووقع فيما بينهم خلاف يسير في لفظ الحديث. وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي، ونقل المناوى في فيض القدير (٣٥٣/١) عن المنذرى والعراقى أنهما قالا: سنده حسن. وأورده الألبانى في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ٢٠٥)، وقال: (وهو كما قالا: (أى أن الحديث حسن) فإن هلالا هذا فيه كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف، وقد توبع على أصل الحديث))، ثم ذكر له ثلاث طرق يأتى: أحدها بعده، والثانى برقم ٢٥٣، والثالث هو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٢٠/٢) بسنده عن أبى حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعا. نحوه، ووصف إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٢/١٢) بالصحة،! ووصفه الألبانى بالحسن لأنه من أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ومما يلاحظ في هذه الطرق الثلاثة أنه لا يوجد فيها الزيادة التى في طريق هلال بن خباب، وهى قوله: ((الزم بيتك، واملك عليك لسانك)) قال الألباني: ((القلب يميل إلى أنها زيادة شاذة، لأن الذى تفرد بها وهو هلال بن خباب، وفيه كلام كما سبق، فلا يحتج به إذا خالف الثقات))، قلت: ولكن ورد في أحاديث عديدة أخرى ما يشهد لهذه الزيادة منها: مايأتى برقم ١١٩. وأما قوله في الحديث: «عليك بأمر خاصتك)) فمعناه: ((عليك بأمر من يختص بك من الأهل والخدم، أو عليك إصلاح الأحوال المختصة بنفسك». انظر: حاشية السندى على ابن ماجه (٤٦٨/٢). (١) ضبطه ابن فرحون بضم الميم وكسر الراء المهملة المشددة، وكذا السمعانى، وقال : = - ٣٦٤ - بن مسرة، عن ابن وضاح، عن موسى بن معاوية، عن ابن مهدى، قال: أخبرنا الربيع بن صبيح(١)، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الله بن عمرو! كيف بك إذا بقيت في حثالة (٢) من الناس، إذا مرجت عهودهم، ومرجت أمانتهم(٣)، وكانوا هكذا))؟ - وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - قال: يا رسول الله ! فما تأمرنى؟ قال: ((آمرك أن تتقي الله، وتأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وعليك بخويصتك، وإياك والعامة)) (٤). = هذه النسبة إلى جماعة وبطون من قبائل شتى، انظر الديباج (٢٣٣/٢)، والأنساب (١٢/ ٢١٣). (١) هو البصرى، صدوق سيء الحفظ، مات سنة ١٦٠ هـ. (٢) قال ابن الأثير في النهاية (٣٣٩/١): الحثالة: الردي من كل شىء، ومنه حثالة الشعير والأرز وكل ذى قشر، ثم ذكر هذا الحديث وقال: يريد: أراذلهم. (٣) في ع ((أماناتهم)). (٤) لم أهتد إلى من رواه بهذا السند، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٥٩/١١ رقم ٢٠٧٤١) ومن طريقه البغوى في شرح السنة (١٣/١٥ رقم ٤٢٢١) عن معمر، عن غير واحد منهم قتادة (سقط ذكر قتادة من المصنف) عن الحسن أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: «كيف أنت إذا بقيت .. وساق نحوه. وليس عنده ذكر لقوله ((آمرك أن تتقي الله)). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٦٢/٢) من طريق آخر عن يونس، عن الحسن أن عبد الله بن عمرو قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال: قلت: يارسول الله! كيف ذلك؟ قال: إذا مرجت عهودهم وأماناتهم ... )،ثم ساق نحوه، وعندهما: ((بخاصتك)) بدل ((بخويصتك)». وهو أحد الطرق الثلاثة التى أوردها الألبانى في الأحاديث الصحيحة (رقم ٢٠٥) لهذا الحديث من غير طريق هلال، وقال: ((رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن الحسن = -٣٦٥ _ ١١٩ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا الفريابي(١)، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلخى(٢)، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب(٢)، عن عبيد الله بن زحر(٤)، عن علي بن يزيد(٥)، عن القاسم(٦)، عن أبي أمامة(٧)، عن عقبة بن عامر(٨)، قال: قلت: يارسول الله! ما النجاة؟ قال: ((أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(٩). = البصرى في سماعه من ابن عمرو خلاف، وأيهما كان فهو مدلس، وقد عنعنه» أهـ ولكن له طرق أخرى، ترتفع إلى درجة الحسن. (١) الفريابى: نسبة إلى ((فارياب))، وهى بليدة بنواحى بلخ، وينسب إليها الفريابى والفاريابى. انظر: الأنساب (٢٠٥/١٠)، وهو جعفر بن محمد أبوبكر القاضى. ذكره الخطيب وقال: «وكان ثقة حجة أمينا)»، توفي سنة ٣٠١هـ. تاريخ بغداد (١٩٩/٧ - ٢٠٢). (٢) ذكره الخطيب دون جرح ولا تعديل. تاريخ بغداد (١٨٨/٢). (٣) هو الغافقى أبو العباس المصرى، صدوق، ربما أخطأ، مات سنة ١٦٨ هـ. (٤) هو الإفريقى، صدوق يخطىء، من السادسة. (٥) هو الألهانى، أبو عبد الملك الدمشقى، صاحب القاسم بن عبد الرحمن، ضعيف، مات سنة بضع عشرة ومائة. (٦) هو ابن عبد الرحمن الشامى أبو عبد الرحمن الدمشقى، صاحب أبى أمامة، صدوق يرسل كثيرا، مات سنة ١١٢ هـ. (٧) هو صُدَي بن عَجْلان أبو أمامة الباهلى، مشهور بكنيته، صحابي مشهور، سكن : الشام، ومات بها سنة ٨٦ هـ. (٨) هو عقبة بن عامر الجهنى، الصحابي المشهور، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ! مات في قرب الستين. (٩) انظر الحديث في الزهد لابن المبارك (ص ٤٣ رقم ١٣٤)، وأخرجه أيضا الإِمام أحمد = -٣٦٦ - ١٢٠ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن جعفر الصندلى(١)، قال: حدثنا الفضل بن زياد(٢)، قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد(٣)، قال: سمعت في مسنده (٢٥٩/٥)، والترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب ماجاء في حفظ اللسان = (٤ /٦٠٥ رقم ٢٤٠٦) والخطابى في العزلة (ص ٨) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب به مثله. وقال الترمذى: ((هذا حديث حسن))، وأورده الألبانى في الأحاديث الصحيحة (٥٨١/٢ رقم ٨٩٠)، وقال عقب إيراده لكلام الترمذى: ((وفيه إشارة إلى ضعف إسناده، وهو من قبل ابن زحر وابن يزيد - وهو الألهانى - فإنهما ضعيفان، وإنما حسنه لمجيئه من طرق أخرى»، ثم ذكر له طريقين آخرين وشاهدين، راجع للتفصيل: المصدر المذكور. (١) كذا في الأصل («محمد بن جعفر الصندلى))، ولعل الصواب ((جعفر بن محمد)» هكذا جاء ذكره عند الخطيب وابن أبي يعلى الفراء في ترجمة شيخه الفضل بن زياد، وهو جعفر بن محمد بن يعقوب أبو الفضل الصندلى، قال ابن أبى يعلى: «صحب من أصحاب إمامنا: الفضل بن زياد وخطاب بن بشر وغيرهما))، وقال فيه الخطيب: ((وكان ثقة صالحا دينا .. )) توفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. تاريخ بغداد (٢١١/٧)، وطبقات الحنابلة لابن أبى يعلى (١٧/٢). (٢) هو أبو العباس القطان البغدادى، أحد أصحاب الإمام أحمد بن حنبل وممن أكثر الرواية عنه، قال الخلال: «كان من المتقدمين عند أبى عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه، وكان يصلى بأبى عبد الله)). انظر طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى (٢٥١/١)، وتاريخ بغداد (٣٦٣/١٢). (٣) هو صاحب الفضيل بن عياض، يكنى أبا عبد الله، ويقال له: مردوية الصائغ، ذكره الذهبى وقال: يروى حكايات .. )) ونقل عن ابن معين أنه قال لمردوديه: كيف سمعت كلام فضيل؟ قال: أطراف، قال: كنت تقول له: قلت كذا وقلت كذا؟ أى: ضعفه. وتعقب الحافظ ابن حجر على الذهبى حيث نقل عن ابن معين أنه قال في رواية إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: لا بأس به، ليس ممن يكذب، ونقل توثيقه عن = -٣٦٧ - الفضيل بن عياض(١) يقول: ((في آخر الزمان(٢) الزموا الصوامع)) قلنا: وما الصوامع؟ قال: ((البيوت، فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان(٢) إلا صفوته(٣) من خلقه))(٤) . .. ١٢١ - وحدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عفير الأنصارى(٥)، قال: حدثنا أبو بشر الأصبهاني (٦)، قال: حدثنا الحسين بن حفص(٧)، قال: حدثنا أبو مسلم قائد الأعمش(4)، عن موسى بن عبد الله الأنصارى(٩)، عن حذيفة قال: ((لوددت أني وجدت من يقوم آخرين، توفي سنة ٢٣٥ هـ. = انظر: ميزان الاعتدال (٦٢١/٢)، ولسان الميزان (٢٣/٤ - ٢٤). (١) هو اليربوعى، أبو على الزاهد الخراسانى، سكن مكة، ثقة عابد إمام، مات سنة ١٨٦ هـ. (٢) في ع في الموضعين ((الزمن)). (٣) في ع («صفوة الله)). (٤) ذكره ابن بطة في الإبانة (٥٨/١ / ب) وهو مقطوع، وذكر القرطبى في التذكرة (ص ٦٤٨): من مراسيل الحسن وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نعم صوامع المؤمنين بيوتهم)». (٥) هو أبو عبد الله البغدادى، ذكره الخطيب، ونقل عن الدارقطنى توثيقه، توفي سنة ٣١٥ هـ. تاريخ بغداد (٩٥/٨ - ٩٦). (٦) هو إسماعيل بن عبد الله يعرف بسمويه، قال ابن أبى حاتم: وهو ثقة صدوق، وقال أبو الشيخ: كان حافظا متقنا، توفي سنة ٢٦٧ هـ. الجرح والتعديل (١٨٢/٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/١٣). (٧) هو الهمدانى الأصبهانى القاضى، صدوق، مات سنة عشر أو إحدى عشرة ومأتين. (٨) هو عبيد الله بن سعيد الجعفى، الكوفى، ضعيف، من السابعة. (٩) هو الخطمى الكوفى، ثقة. -٣٦٨ - لي في مالي، فدخلت بيتى، فأغلقت بابى، فلم يدخل علي أحد أبدا، ولم أخرج إلى أحد حتى ألحق بالله تعالى)) (١). ١٢٢ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن عفان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن الصلت الأسدى(٢)، قال: حدثنا فطر بن عبد الله الخشاب (٣)، قال: حدثنا الحكم بن عتيبة (٤)، عن محمد بن علي(٥)، قال: قلت: سمعنا أنه سيخرج منكم رجل يعدل في هذه الأمة ؟ فقال: ((إنا نرجو ما يرجو الناس، وانا نرجو: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد سيطول ذلك اليوم حتى يكون ما ترجو هذه الأمة، قبل ذلك فتنة شر فتنة، يمسى الرجل فيها(٦) مؤمنا، ويصبح كافرا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا (٧)، فمن أدرك ذلك (١) هو موقوف، وإسناده ضعيف لأجل أبى مسلم قائد الأعمش، كما أنه منقطع أيضا لأن موسى بن عبد الله لم يلق حذيفة، وقد رواه نعيم بن حماد في زوائده على كتاب الزهد لابن المبارك (ص ٥ رقم ٢٠) عن زائدة بن قدامة، وابن أبى شيبة في مصنفه (٣٧٩/١٣) وهناد في الزهد (٥٨٢/٢) وأبو نعيم في الحلية (٢٧٨/١) عن محمد بن عبيد، كلاهما عن سليمان، عن موسى بن عبد الله، عن أمه، قال سليمان: وأمه بنت حذيفة، عن حذيفة نحوه، هذا سياق نعيم، وعند غيره ((عن أم سلمة))، وعند أبي نعيم ((قال أبوبكر: هى أمه)). (٢) هو أبو جعفر الكوفى الأصم، ثقة، مات في حدود العشرين ومأتين. (٣) لم أهتد إلى من ترجم له. (٤) هو أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس، مات سنة ١١٣ هـ أو بعدها. (٥) هو أبو جعفر الباقر. (٦) كلمة ((فيها)) غير موجودة في عقد الدرر. (٧) وردت هذه الجملة في ع هكذا: ((ويصبح كافرا ويمسى مؤمنا كافرا)، ويظهر أن كلمة = -٣٦٩ - منكم فليتق الله، وليحرز (١) دينه، وليكن من أحلاس(٢) بيته )) (٣). = «مؤمنا)» مشطوبة - وعلى كل هذه العبارة خطأ. (١) هو من قولهم: أحرزت الشىء أحرزه إحرازا: إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ. انظر: النهاية (١ /٣٦٦). (٢) هو جمع حلس، وهو الكساء الذى يلى ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها انظر: النهاية ودوامها، ومعنى قوله: ((وليكن من أحلاس بيته) أی لیلزم بيته. (٤٢٣/١). (٣) أورده يوسف السلمى في كتابه عقد الدرر (ص ١٣٠ رقم ١١٢، وص ٢٢٤ رقم ٢٤٧ تحقيق مهيب البورينى) من رواية المؤلف. وهو إسناد مقطوع لأنه من كلام أبى جعفر الباقر، ورجاله كلهم ثقات سوى فطر بن عبد الله الخشاب لم أهتد إلى من ترجم له. ولأغلب ماجاء في هذا الأثر شواهد من أحاديث مختلفة، فلقوله: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد .. ، شاهد من حديث أبى هريرة، وهو سيأتى عند المؤلف برقم ٥٧٢. وأما الفتنة التى ذكر أن الرجل يمسى فيها مؤمنا ويصبح كافرا .. الخ فقد تقدم أكثر من حديث في هذا المعنى. التعليق: عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله: ((الأمر بلزوم البيوت في الفتنة)) وكان قد ترجم للذى قبله بقوله ((الإمساك في الفتنة))، وكلا البابين يرتبط أحدهما بالآخر بأوثق الصلة، ولذلك نرى فيما أورده المؤلف تحت كل منهما من الأحاديث والآثار تشابها كبيرا حيث يدل جميعها على المنع من الدخول في الفتنة، وعلى الحث على لزوم البيوت فيها .. وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها: مارواه الشيخان من حديث أبى هريرة مرفوعا ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي .. = - ٣٧٠ - = ومن تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذبه))(١)، وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها وأن شرها يكون بحسب التعلق بها، ثم إن المراد بالفتنة هو ماينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، كما قال الحافظ ابن حجر. ومسألة الإمساك في الفتنة وعدم الدخول فيها اختلف فيها علماء السلف من الصحابة والتابعين. فذهب من الصحابة محمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وحذيفة وسعد وأبو موسى وأبو بكرة وعمران بن حصين وغيرهم، ومن التابعين شريح والنخعى وغيرهما إلى العزلة، وعدم الخوض فيها، وحملوا الأحاديث الواردة في هذا الباب على العموم، وتمسكوا بظواهرها، ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة منهم بلزوم البيوت، وقالت طائفة أخرى بالتحول عن بلد الفتن أصلا، وقد فعله سلمة بن الأكوع حيث انتقل إلى الربذة عند مقتل عثمان رضي الله عنه، وذلك لأنه قد تقع العقوبة بأصحاب الفتن فتعم من ليس فيها كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ ثم اختلفوا أيضاً فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه وماله وأهله. وتقدم التفصيل في هذه المسألة في الباب الذى قبلهما. وذهب الجمهور من السلف إلى أنه إذا بغت طائفة على الإِمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها. وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطىء ونصر المصيب. ومنهم من ذهب إلى التفصيل فقال: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع، والأحاديث التى وردت في هذا الباب تحمل على ذلك وهو قول الأوزاعى. والراجح في المسألة هو ماذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين من وجوب نصر الحق وقتال الباغين لمن يقدر عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين = (١) تقدم برقم ٣٨. (٢) سورة الأنفال: الآية ٢٥. - ٣٧١ - = اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى. (١) ثم إنه لو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغى لتعطلت فريضة من فرائض الله، وتقدم نقلا عن الطبرى أنه لو كان الأمر كما قال المانعون من القتال في الفتنة لوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء، وهو مخالف للأمر بالأخذ على أيدى السفهاء، وأما الأحاديث الواردة في النهى عن الدخول في الفتنة فأجيب عنها بأنها محمولة على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة الحق وأشكل عليه الأمر، أو أنها مخصوصة بمن خوطب بذلك، أو أنها مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقيق أن المقاتلة إنما هى في طلب الملك، أو أنها محمولة على أن لا يكون للناس إمام، علما بأن أهل السنة متفقون على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ماوقع لهم من الفتن، ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد ومحاولة نصرة الحق(٢). (١) سورة الحجرات: آية ٩. (٢) راجع للتفصيل: التذكرة (ص ٦٤٧، ٦٥٤) وشرح النووى لصحيح مسلم (١٨ /١٠ - ١١)، وفتح البارى (٣١/١٣، ٣٣ - ٣٤، ٣٧، ٤٢). - ٣٧٢ - ٢٣ - باب الاستمساك بالدين واللزوم على السنة عند الاختلاف وظهور الفتن ١٢٣ - حدثنا سلمة بن سعيد بن سلمة الإِمام، قال: حدثنا محمد ابن الحسين، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي(١)، قال: حدثنا داود بن رشيد(٢)، قال: حدثنا الوليد بن مسلم(٢)، عن. ثور بن يزيد(٤)، عن خالد بن معدان(٥)، عن عبد الرحمن بن عمروالسلمى(٦)، وحجر الكلاعى (٧)، قالا(٨): دخلنا على العرباض بن سارية(٩) وهو من الذين نزل فيهم(١٠): ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم﴾ ... الآية(١١)، وهو مريض، قال: فقلت: إنا (١) هو، أبو إسحاق المعروف بالتوزى، ذكره الخطيب وقال: كان ثقة، ونقل عن الدارقطنى أنه قال: صدوق، توفي سنة ٣٠٤ هـ. تاريخ بغداد (١٨٧/٦). (٢) هو الخوارزمى، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ٢٣٩ هـ. (٣) هو أبو العباس الدمشقى، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، مات سنة ١٩٤ هـ. (٤) هو أبو خالد الحمصى، ثقة ثبت، إلا أنه يرى القدر، مات سنة ١٥٥هـ. (٥) هو أبو عبد الله الحمصى، ثقة عابد، يرسل كثيرا، مات سنة ١٠٣ هـ. (٦) في ع ((عبد الرحمن بن عمر)» وهو خطأ، وهو الشامى، مقبول، مات سنة ١١٠ هـ. (٧) هو ابن حجر الحمصى، مقبول. (٨) في الأصل ((قال))، وما في ع هو الأنسب للسياق. (٩) هو أبو نجيح السلمى، صحابي، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، مات بعد سنة ٧٠ هـ. (١٠) في الشريعة للآجرى ((وهو الذى فيه نزلت)). (١١) سورة التوبة: الآية ٩٢. - ٣٧٣ - ! جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة ثم أقبل علينا(١) فوعظنا موعظة بليغة ذرفت (٢) منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله ! إن هذه لموعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: (( أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان (٣) عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين(٤)، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))(*). (١) في الشريعة زيادة ((بوجهه)) بعد ((علينا)). (٢) قال ابن الأثير في النهاية (١٥٩/٢): ((ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها)). (٣) في ع والشريعة ((وإن عبدا حبشيا)) وكذا وقع في بعض المصادر الأخرى، قال الخطابى: يريد به طاعة من ولاه الإِمام عليكم، وإن كان عبدا حبشيا، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الأئمة من قريش))، ويشهد لما قال الخطابى حديث علي بن أبى طالب مرفوعا، وفيه ((وإن أمرت عليكم قريش فيكم عبدا حبشيا .. » وهو سيأتى برقم ٢٠٣، انظر: معالم السنن (١١/٧)، وجامع العلوم والحكم (ص ٢٤٨). (٤) في ع ((من المهديين)) بزيادة ((من)) وهى لا معنى لها. (٥) انظر الحديث في الشريعة للآجرى (ص ٤٦). وأخرجه أيضا الإِمام أحمد في مسنده (١٢٦/٤ - ١٢٧)، ومن طريقه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (١٣/٥ رقم ٤٦٠٧)، وابن حبان في صحيحه، (كما في موارد الظمآن ص ٥٦ رقم ١٠٢)، والحاكم في مستدركه (٩٦/١) وابن أبى عاصم في السنة (١٩/١ رقم ٤٩٧/٢،٣٢ رقم ١٠٤٠) بإسنادهم عن الوليد بن مسلم به نحوه، مطولا سوى ابن أبى عاصم فإنه ساقه في الموضعين مختصرا، ووصف الألبانى هذا الإسناد بأنه صحيح، ورجاله كلهم ثقات. ظلال = - ٣٧٤ - ١٢٤ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد(١)، عن خالد بن معدان، عن عرباض بن سارية السلمي، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل من أصحابه: إن هذه موعظة مودع، فاعهد(٢) إلينا يا رسول الله ! فقال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدركته منكم، فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ»(٢). = الجنة (١٩/١). والوليد بن مسلم تابعه غير واحد، منهم: أبو عاصم، أخرج حديثه الإمام أحمد في مسنده (١٢٦/٤)، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ماجاء في الأخذ بالسنة (٤٤/٥ رقم ٢٦٧٦)، والدارمى في سننه (٤٤/١)، والطبراني في الكبير (٢٤٥/١٨ رقم ٦١٧)، والآجرى في الشريعة (ص ٤٧) وغيرهم بإسنادهم عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمى، عن العرباض بن سارية نحوه. وقال الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)). (١) هو أبو خالد الحمصى، ثقة ثبت. (٢) في ع ((فما تعهد)). (٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ماجاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٤٤/٥ رقم ٢٦٧٦) عن على بن حجر، وابن أبى عاصم في السنة (١٧/١ رقم ٢٧، = - ٣٧٥ - = ٤٩٦/٢٠ رقم ١٠٣٧) والطبرانى في المعجم الكبير (١٨ /٢٤٦ رقم ٦١٨) عن عمرو بن عثمان، كلاهما عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمى، عن العرباض بن سارية نحوه، إلا أن ابن أبى عاصم ساقه مختصراً في الموضعين. وعند الجميع زيادة قوله: ((يوما بعد صلاة الغداة)» بعد قوله: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)). وقال الألباني في ظلال الجنة (١٧/١): ((حديث صحيح، ورجاله ثقات، لو لا عنعنة بقية، لكنه توبع)). قلت: وممن تابعه إسماعيل بن عياش، كما عند المؤلف، إلا أنه قد سقط من إسناده ذكر عبد الرحمن بن عمرو السلمى، ولست أدرى هل سقط من الأصل، أو رواه خالدبن معدان، عن العرباض بن سارية مباشرة علما بأنه أيضا مذكور في تلاميذه. انظر: تهذيب الكمال (٩٢٦/٢). وستأتى رواية أخرى روى فيها خالد بن معدان عن العرباض مباشرة. انظر: رقم ١٢٦٠، وخالد بن معدان أيضا توبع في روايته عن عبد الرحمن بن عمرو، وممن تابعه ضمرة بن حبيب، وحديثه عند الإمام أحمد في مسنده (١٢٦/٤)، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١٦/١ رقم ٤٣)، والحاكم في مستدركه (٩٦/١)، والمدخل إلى الصحيح (ص ٨١) وغيرهم. من طرق عن معاوية بن صالح، عنه، عن عبد الرحمن بن عمروبه نحوه، وفيه بعض زيادات وصفت بأنها مدرجة. وله طرق أخرى، لأنه رواه عن العرباض بن سارية أكثر من واحد، راجع للتفصيل: المستدرك للحاكم (٩٧/١). وقال أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، ولم يترك له البخارى ومسلم من جهة إنكار منهما له ذكر عنه ابن رجب. انظر: جامع العلوم والحكم (ص ٢٤٣). التعليق: عقد المؤلف هذا الباب، وأورد تحته حديث العرباض بن سارية، وهو مروي من عدة طرق، أورده من طریقین. - ٣٧٦ - = وهذا الحديث أصل عظيم يشتمل على قواعد أصولية عظيمة، إذ يبين مايجب على الرجل أن يفعله عند اختلاف الناس ووقوع الفتن، من التمسك بسنة النبى صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين، وفيه أيضا تحذير شديد للأمة من اتباع الأمور المحدثة حيث سماها النبى صلى الله عليه وسلم بدعة وضلالة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» فليس المراد بسنتهم إلا طريقتهم الموافقة الطريقة النبى صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يعملوا إلا بسنة النبى صلى الله عليه وسلم، فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها، هكذا ذكر صاحب المرقاة(١). ونقل المباركفورى عن الصنعانى أنه قال: «ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام بكل خليفة راشد .. ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ماكان عليها النبى صلى الله عليه وسلم .. على أن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنهم لم يحملوا الحديث على أن ماقالوه وفعلوه حجة))(٢)، ونقل عن الشوكانى أيضا هذا المعنى(٣). ثم إن الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبوبكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم، ويدل على ذلك حديث سفينة مرفوعا «الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم يكون بعد ذلك الملك» (٤). ونقل ابن رجب عن الإِمام أحمد أنه صحح هذا الحديث، واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة، ثم إن كثيرا من العلماء نصوا على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضا، واستدلوا في ذلك بحديث حذيفة مرفوعا: ((تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون ثم = (١) المرقاة: (٢٤٢/١). (٢) انظر: تحفة الأحوذي (٣٦٩/١). (٣) المصدر السابق (٣٧٨/٣). (٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٢٠/٥) وهو صحيح، راجع الصحيحة (رقم ٤٦٠). - ٣٧٧ - = يرفعها الله، ثم تكون خلافة على منهاج النبى فتكون ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون ملكا عاضا ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها .. » إلى أن قال: ((ثم تكون خلافة على منهاج نبوة، ثم سكت))، فلما ولي عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل، فحدثه بهذا الحديث فسر به وأعجبه(١). وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة .. )) فحذر به صلى الله عليه وسلم أمته من اتباع الأمور المحدثة، وسماها البدعة، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد))(٢)، والبدعة في اللغة: كل شىء ليس له مثال تقدم(٣)، وأما في الشرع: فهى ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ماكان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة، قاله ابن رجب(٤). وقال الحافظ ابن حجر أثناء تفريقه بين معناها اللغوى والاصطلاحى: «فيشمل (أى لفظ البدعة) لغة ما يحمد ويذم، ويختص في عرف أهل الشرع بما يذم، وإن وردت في المحمود فعلى معناها اللغوى» (٥). ومن الناس من يذهب إلى تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، واستدل على هذا التقسيم بما وقع في كلام بعض السلف من استحسان بعض البدع، ومن ذلك قول عمر رضى الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم = (١) جامع العلوم والحكم (ص ٢٤٩)، وحديث حذيفة في مسند أحمد (٢٧٣/٤). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠١/٥ رقم ٢٦٩٧)، ومسلم في صحيحه (١٣٤٣/٣ رقم ١٧١٨). (٣) انظر: الصحاح للجوهرى (١١٨٣/٣)، وانظر أيضا: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٧٦). -- (٤) جامع العلوم والحكم (ص ٢٥٢)، وانظر أيضا: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٧٦). (٥) فتح البارى (٢٧٨/١٣). - ٣٧٨ - = يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. ولكن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب «كل بدعة ضلالة)»، وكذلك قوله في حديث آخر: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)» يرد على هذا التقسيم لأنه عمم فيه الحكم، ولم يخصص بدعة من بدعة، وقال ابن رجب: «فقوله ((كل بدعة ضلالة)» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شىء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا ماليس من الدين فهو رد)» فكل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين برىء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة(١) اهـ. وأما ما وقع في كلام بعض السلف من استحسان بعض البدع فأجيب عنه بأن ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية وفي ذلك قول عمر رضي الله عنه: ((نعمت البدعة)» وروي عنه أنه قال: ((إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة)» فالمراد من ذلك أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها اهـ. (٢). قلت: ثم إن القول بجواز مايسمى بالبدعة الحسنة يعنى أن الشريعة الإسلامية لم تكمل على يد النبى صلى الله عليه وسلم أو أنه صلى الله عليه وسلم خان الرسالة كما أنه طعن في قول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ (سورة المائدة، الآية: ٣). فالذى يبتدع في الدين أو يذهب إلى جواز البدعة الحسنة في الشريعة الإسلامية يقول بلسان حاله: «إن الدين لم يكمل»(٣)، ويستدل بعض الناس على تحسين بعض البدع = (١) جامع العلوم والحكم: (ص ٢٥٢). (٢) المصدر السابق، وانظر أيضا: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٧٥ - ٢٧٦). (٣) روى ابن الماجشون عن الإمام مالك أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة، يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة لأن الله تعالى يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم .. ﴾ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. انظر: السنن والمبتدعات (ص ٦). - ٣٧٩ - = من الأعياد والعادات بما يدعيه من إجماع الأمة وعدم إنكارها عليه. وهو أيضا استدلال باطل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطىء في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم، كما هى على غيرهم، مع ما أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة))(١). وقد أورد صاحب السنن والمبتدعات الأحاديث الواردة في ذم البدع، والنهى عن الابتداع في الدين، وبين مواقف السلف منها، ثم قال: ((فالكتاب والسنة والآثار والأخبار تفيد الناظر فيها بتبصر وتدبر أن كل بدعة في الدين، صغيرة أو كبيرة، في الأصول والفروع، في العقائد والعبادات أو المعاملات، فعلية أو قولية أو تركية - فهى ضلالة، صاحبها مؤاخذ، معاقب عليها في النار، وبدعته مردودة عليه .. )» إلى أن قال: «فحذار، حذار إخوانى! أن تتبعوا قول من يقولون باستحسان البدع في الدين أو بتقسيمها .. » (٢) (١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٧١). (٢) السنن والمبتدعات (ص ٦). - ٣٨٠ -