النص المفهرس

صفحات 61-80

ومناکیرٌ)).
وقالَ ابنُ كثيرٍ في ((النهايةِ في الفتن والملاحمِ)) (١ / ٢٠): ((لهُ غَرائبُ
ومُنْكَراتٌ)).
قلتُ: فهؤلاءِ أَكثرُ مِن عشرينَ إِماماً مِن أَثْمَّةِ الحديثِ وعُلماءِ الجَرْحِ
والتَّعديل ، اتَّفَقوا كلُّهُم على جَرْحِه وتضعيفِه وتوهين أمره.
وترى عُيونَ ما قيلَ فيهِ - أيضاً - في: ((الضُّعفاءِ والمجروحينَ)) (٢ /
١٠٣)، و((الكامل)) (٥ / ١٨٤٠)، و((تاريخ الإِسلام)) (٥ / ١١١)، و«ميزان
الاعتدال)) (٣ / ١٢٧)، و((تهذيب التهذيب)) (٧ / ٣٢٢)، و ((تهذيب الكمال)
(ق ٩٧١)، وغيرها.
قلتُ: نرجعُ إِلى الكلامِ على إِسنادِهِ، فأقولُ: وقد خالَفَ روايةَ البَزَّارِ
- التي رواها عن ابن جُدْعانَ المُضَعَّفِ رواةٌ ثقاتٌ - راوٍ فيهِ غفلةٌ:
إِذْ أُخرجَ الأثرَ بطولِهِ ابْنُ عساكرَ في ((تاريخ دمشقَ))(١) (١٤ / ٩٨ -
مصوَّرتي) مِن طريقٍ عُمرَ بنِ زُرارَةَ الحَدَثِيِّ(٢): حدَّثَنَا عيسى بن يُونُس: حدَّثَني
المُباركُ بنُ فَضالَةَ: حدَّثَني عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدعان به .
فذكر الأثر مطَوَّلاً بزیاداتِه وغرائبهِ!
(١) مخطوطة في المكتبة الظاهرية في دمشق، وهي مكوّنة من تسعة عشر مجلّداً.
وجزى الله تعالى خيراً شيخنا العلامة المحدِّث ناصر الدين الألباني حفظه المولى ومتّع به،
حيث استمرَّ بحثُه وتفتيشهُ عن هذا الحديث في ((تاريخ دمشق)) أكثر من أربعة أيام، حتى يسِّره الله
تعالى له، ومنه استفدتُه، زاده الله توفيقاً.
(٢) وتصحَّف في بعض المصادر إلى ((الحَرَئي))؛ بالراء، فانظر: ((اللباب)) (١ / ٣٤٨) لابن
الأثير، و((الأنساب)) (٤ / ٨١) للسمعاني.
٥٩

وقد قالَ الإِمامُ صالحُ بنُ محمد جَزَرَة - كما في ((تاريخ بغداد)) (١١ /
٢٠٣) - في الحَدَثِيِّ هذا: ((شيخٌ مُغَفَّلٌ)).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ: ((ثقةٌ، نُسِبَ إِلى غفلةٍ))؛ كما في: ((ذيلِ الميزانِ)) (رقم
٦٠١)، و ((لسانِ الميزانِ)) (٤ / ٣٠٦).
فيغلِبُ على قلب النَّاقدِ أَنَّ هُذهِ الزّياداتِ كُلُّها قد نَبَعَتْ مِن غَفْلَةِ الحَدَثِيِّ
هذا؛ فضلاً عن وَهاءِ روايةِ ابنِ جُدْعانَ نفسِهِ واضطرابٍ روايتِهِ!
ومِمَّا يُؤكِّدُ هذا الَّذي انتهيتُ إِليهِ، وأَنَّ هُذهِ الزِّياداتِ كلَّها مِن ضَعْفٍ
هذينِ الرَّاوبْن، وغفلتِهما وسُوءٍ حِفْظِهما؛ أَنَّهُ جاءَ في أَوَّلِ هذهِ الرِّوايةِ الواهيةِ
ما نصُّهُ: (( ... عن عبدالله بن عَمْرو: أَنَّ رجلًا قالَ لهُ: أَنتَ الَّذي تزعُمُ أَنَّ
الساعةَ تقومُ إِلى مئةِ سنةٍ! قالَ: سُبحانَ اللهِ! وأَنا أَقولُ ذلكَ! ومَن يَعْلَمُ قيامَ
الساعةِ إِلَّ اللهُ؟! إِنَّما قلتُ: ما كانتْ رأْسُ مئةٍ للخَلْقِ منذُ خُلِقَتِ الدُّنيا إِلَّ
(فذكرهُ بطولِهِ كما سبقتِ الإِشارةُ إِليهِ)).
وقد جاءَ أَوَّلُ هُذهِ الرِّوايةِ بهذا اللفظِ - تقريباً - عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و نفسِه
في ((صحيحِ مسلمٍ)) (٢٩٤٠): ((عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، وجاءَهُ رجُلٌ، فقالَ:
ما هذا الحديثُ الَّذي تُحَدِّثُ بهِ؟ تقولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تقومُ إِلى كذا وكذا؟! فقالَ:
سُبحانَ اللهِ! أَو: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَو كلمةً نحوَهُما؛ لقد هَمَمْتُ أَنْ لا أُحَدَّثَ
أَحداً شيئاً أبداً؛ إِنَّما قلتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بعدَ قليلٍ أَمراً عظيماً، يُحَرَّقُ البيتُ،
ويكونُ، ويكونُ ... ثمَّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: يَخْرُجُ الدَّجَّلُ فِي أُمَّتِي،
فيمكُثُ أَربعينَ (فَذَكَرَهُ في نحوِ صفحةٍ واحدةٍ متَعَلِّقةٍ كلّها بأشراطِ الساعَةِ ،
ونُزولِ عيسى عليهِ السلامُ، وقيامِ السَّاعةِ، وبعثِ الأجْسادِ ... ونحو ذلك،
٦٠

ولمْ يذكُرْ فيهِ شَيئاً قَطُ مِن ذِكْرٍ قتالِ الشَّهْرِ، وقَدْفِ الطَّرِ(١)، وسَلِّ السَّيفِ،
وأَمثالٍ هذا مِمَّا سبَقَ ذَكْرُهُ في الرّوايةِ الضَّعيفةِ)).
قلتُ: فهذه دلائلُ واضحةٌ، قائمةٌ على دقائقِ علمِ الحديثِ روايةً
ودرايةً؛ تبيِّنُ ضعفَ هذه الروايةِ ووهاءَها:
أَمَّا روايةً: فلِمَا طَوَّلِتُ في بيانِهِ مِن ضعفٍ رواتِه.
وأمَّا درايةً؛ فلِمَا خَتَمْتُ بِهِ البحثَ مِن مُقَابَلَةِ الضَّعيفِ بالصَّحيحِ بعدَ
اتّحادِ مَخْرَجهما.
سابعاً: فإِنْ قالَ قائلٌ: قَدْ أَورَدَ الأثَرَ الإِمامُ الهيثميُّ في ((مجمعِ الزَّوائِدِ))
(٧ / ٣١٩)، وقالَ فيهِ: ((رواهُ البزَّارُ موقوفاً، وفيهِ عليُّ بنُ زَيْد بن جُدْعانَ، وهو
حَسَنُ الحديثِ، وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ))؟!
فالجوابُ: أَنَّهُ قد اختلفتْ كلماتُ الهيثميِّ نفسِهِ في الحُكْمِ على ابنِ
جُدْعانَ، فكثيراً ما ضعَّفَهُ، وأَحياناً يُشيرُ إِلى الخِلافِ فيهِ، ونادراً ما يُحَسِّنُ
حديثه، وهذا كلُّهُ - بمجموعِهِ - يُبِّنُ حقيقةَ حکمِهِ علیهِ :
فتراهُ قالَ في ((المجمعِ)) (١ / ١٢٨) فيهِ: ((ضعيفٌ، واختُلِفَ في
الاحتجاجِ بهِ))، وقالَ في (٤ / ١١٦) منهُ عنهُ: ((ضعيفٌ، وقد وُثَّقَ))، وقالَ في
(٥ / ١١٤): ((ضعُّفَ لسوء حفظِه))، وقالَ في (٦ / ٨٥): ((سيِّء الحفظِ))،
وقالَ في (١ / ١٧٣): ((ضعيفٌ))، وقالَ في (٤ / ١٥٤): ((فيهِ ضَعْفٌ، وقد
وُثِّقَ)).
قلتُ: فما حَكَمَ فيهِ بالضعفِ عليهِ ، هو الأوْلى لموافقتِه للقواعدِ
(١) انظر ما سيأتي (ص ٦٢ - ٦٣) حولها.
٦١

العلميَّةِ، ولكلماتِ أئمَّةِ الحديثِ، إِذْ جَرْحُه مُفَسَّرٌ.
أَمَّا ما حَكَمَ فيهِ لهُ بالحسن؛ فيُحْمَلُ على ما قالهُ فيهِ في (٥ / ٣٠٢) من
((المجمعِ)): ((فيهِ ضَعْفٌ، ويُحَسَّنُ حديثُه بِالشَّواهِدِ)).
فهذا بيانٌ جَلِيٍّ مِن كلامِه - رحمهُ اللهُ - يوضِحُ أَنَّ ما وَرَدَ مِن كلامِه ممَّا
فيهِ الاقتصارُ على حُسن حديثِهِ وروايتِهِ، إِنَّما يُحْمَل على ما إِذا كانَ للحديثِ
شواهِدُ!
وظاهرٌ جدّاً لكُلِّ ذي عينَيْن أَنَّ الأثَرَ الَّذي نحنُ في صَدَدِ دراستِهِ ليس لهُ
أَيُّ شاهدٍ؛ فضلاً عَنْ أَنْ تكونَ لهُ شواهدُ !!
وبالتحقيقِ السابق - بحمدِ اللهِ - يظهرُ الجوابُ على ما تضمَّنَهُ الوَجْهُ
لَّالي :
ثامناً: وهُو أَنَّ بعضَ (النَّاسِ ) قد قامَ بطَبْعِ هذا الحديثِ على (وُرَبْقةٍ)،
ثم تَصويرِهِ وتوزيعِهِ على النَّاسِ !! لكنَّهُ - هداهُ اللهُ - قد زادَ فيهِ مِن كيسهِ قولَه:
((حديثٌ حَسَنٌ)) !!
هكذا قال! وليسَ لهُ في كلمِتَهِ هذهِ سَلَفٌ مِنْ أَهْلِ العلمِ على اختلافٍ
دَرَجاتِهم، وتعدُّدِ مراتِبِهِم! فهُو تعالُمٌ قبيحٌ، وتَعَدَّ صَرِيحٌ !
فَأَنَّى لهُ الحُسْنُ، وفيهِ مَا تَرى؟!
تاسِعاً: أَنَّ في الأثَر كَلمةٌ وَرَدَتْ مصحَّفةً في ((الكَنْز))، حَمَّلها (الخطيبُ)
المُشارُ إِليهِ ما لا تحتَمِلُ، وطَبِّقَ انطلاقاً مِنها الأثَرَ على الواقعِ الَّذِي نَعيشُهُ !!
معَ ما في تتِمَّتِهِ ممَّا يُناقِضُهُ(١)!
(١) ولو تتبّعتُه بالردِّ والنَّقْد - مِن حيثُ زعمُهم مطابقتَه للواقع - لجاء الردُّ كبيراً جدّاً، من =
٦٢

ففي ((الكنز)): (( ... ويقذف الطَّير عليكُمْ وعليهمْ ... ))! كذا !! بالطّاء
والياءِ! مع أنّ في أصلِهِ ((جَمْعِ الجَوامعِ)) (٤ / ٥٢٧ - مخطوطة دار الكتب
المصريّة) ما صورَتُه: (( ... ويُقْذَفُ الصَّبْرُ (١) عليكُم وعليهمْ ... ))؛ بالصاد
المهملة والباء، ومثلُهُ تماماً في ((تاريخ دمشقَ)) (١٤ / ٩٨ - مخطوطة دمشق)،
وهو المصدرُ الأصليُّ للأثَرِ(٢).
فانظُرْ - رعاَ اللهُ - الفرقَ بينَ اللَّفظَيْن، والتَّبايُنَ بينَ المعنَيْن!
عاشِراً: فإِنْ قيلَ - أَخيراً -: فلماذا مثلُ هُذهِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ أو الواهِيَةِ
أو الموضوعةِ توجَدُ في مِثْلِ هُذهِ الكُتُبِ؟!
فالجوابُ ما قالَهُ العلَامَةُ اللَّكْنَويُّ في ((الأجوبةِ الفاضلةِ)) (ص ٣٥): ((لم
يورِدُوا ما أَوْرَدُوا معَ العلمِ بكونِهِ موضوعاً، بل ظَنُّوهُ مروِيّاً، وأُحَالوا نَقْدَ الأسانِيهِ
عَلى نُقَّادِ الحَديثِ؛ لكونِهِمْ أَغْنَوْهُمْ عَنِ الكَشْفِ الحَثيثِ، إِذليسَ مِن وظيفَتِهِمُ
البحثُ عن كيفيَّةِ روايةِ الأخبارِ، إِنَّما هُو مِن وظيفةٍ حَمَلَةِ الآثارِ، فلكُلِّ مَقَامٍ
مَقَالٌ، ولِكُلِّ فَنَّ رجالٌ)).
= الممكن إفرادُه في كتاب مستقل.
(١) أي: يُصبِّرون جميعاً على هذا القتال الطويل! وهذا استعمالُ لغويٍّ صحيح، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَقَذَفَ في قلوبِهم الرُّعب﴾ [الأحزاب: ٢٦].
(٢) وأورده على الصواب الشيخ حمود التويجري في («إتحاف الجماعة)) (٢ / ٢٤١).
٦٣

رَفُ
عبد الَّحْمِ الْجَرِيُّ
أسكيس اللى الفردوس
www.moswarat.com

عبد الَّحميع التجريّ
أسمى الله الفردوس
www.moswarat.com
القسم الثالث
مَتَمِّمات موضِحات
١ - هل صحّتْ أَحاديثُ في هذهِ الفِتَنِ؟
هذا سؤالٌ تكرّرَ كَثيراً في الآونَةِ الأخيرةِ، وتَرَدَّدَ عَلى السنَّةِ العَديدِ مِن
الحَريصينَ .
وللإِجابةِ الصَّرِيحَةِ الواضحَةِ عليهِ أَقولُ: إِنَّ مِن خَصائصِ رَسولِ اللهِ وَه
ومَزاياهُ ((أَنَّهُ بُعِثَ بجوامِعِ الكَلِمِ، واختُصِرَ لهُ الحديثُ اختصاراً، وفاقَ العَرَبَ
في فصاحتِهِ وبلاغتِهِ))(١).
وعن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهُ: ((بُعِثْتُ بِجوامِعِ
الكَلِمِ ... )). رواه: البخاري (٦ / ٩٠)، ومسلم (٥٢٣).
وقال البُخاريُّ عِقِبَهُ: ((بَلَغني أَنَّ جوامِعَ الكَلِمِ: أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يجمَعُ لهُ
الأمورَ الكثيرةَ التي كانَتْ تُكْتَبُ في الكُتُبِ قبلَهُ في الأمْرِ الواحِدِ أو الاثنين)).
وقد روى مسلمٌ في (صحيحِهِ) (٢٨٩٢) عَنْ عَمْرو بنِ أَخْطَبَ، قَالَ:
((صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَلَ الفَجْرَ، وصَعِدَ المِنْبَرَ، فخَطَبَنا حتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ،
(١) ((بداية السُّول في تفضيل الرسول)) (ص ٧٤) للعز بن عبدالسلام.
٦٥

فَزَلَ، فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرنا بِما كانَ
وبما هُو كائنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنا)).
قلتُ: ومثلُ هذا يستحيلُ عقلًا (١) أَنْ يكونَ قَدْ وَرَدَ فيهِ ذِكْرُ (ما كانَ وما هُو
كائنٌ) بتفصيلاتِهِ وتدقيقاتِهِ كُلُّها، وإِنَّما هِي رُؤوسُ الفِتَنِ، وعَظائِمُ الأمورِ، وِبارُ
القواعدِ المُنْجِياتِ ... وهكذا.
لذا؛ فإِنَّ مَا وَرَدَ وصحَّ عن رسولِ اللهِ وَهُ مِن ذِكْرِ الفِتَنِ وأَشراطِ السَّاعِةِ
إِنَّمَا هُو أُصولٌ كُلِّيَّةٌ وقواعِدُ عامَّةٌ .
ولمْ تَخْلُ أَحادِثُهُ وَ مِنْ ذِكْرِ بعضِ التَّفصيلاتِ المعروفةِ مِن أَشراطِ
السَّاعةِ الصُّغْرى؛ كما في كُتُب السُّنَّةِ المُشَرَّفةِ الموثوقِ بها .
أُمَّا أَشراطُ السَّاعةِ الكبرى؛ فقد وَرَدَ ذِكرُها وثَبَتَ تفصيلُها في أحاديثَ نبويَّةٍ
كثيرةٍ؛ منها ما رواهُ مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) (٢٩٠١) عن حُذيفةَ بن أسيدٍ رضيَ
اللهُ عنهُ؛ قالَ: اطَّلَعَ عَلَيْنا النبيُّنَّهَ ونحنُ نتذاكَرُ، فقالَ: ((ما تَذاكَرونَ؟)) قالوا:
نذكُرُ الساعَةَ. قالَ: ((إِنَّها لنْ تَقومَ حتَّى تَرَوْنَ قبلَها عشرَ آيَاتٍ)). فذكرَ: الدُّخانَ،
والدَّجَّالَ، وطلوعَ الشَّمسِ مِن مغرِبِها، ونزولَ عيسى ابن مريمَ لَّهِ، ويأجوجَ
ومأجوجَ، وثلاثةَ خُسوفٍ؛ خسفٍ بالمشرقِ، وخسفٍ بالمغرب، وخسفٍ
بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرُجُ مِن اليَمَنِ تطرُدُ النَّاسَ إِلى مَحْشَرِهِمْ)).
وعليهِ؛ فلا يطمَعَنَّ أَحدٌ أَنْ يَرى في كُلِّ فتنةٍ تُصيبُ الأمَّةَ، وفي كُلِّ بَلاءٍ
يَضْربُها، أو في أَيِّ حَربِ تَخوضُها أَنْ يَرى عليهِ آيَةً أَو حديثاً؛ فضلاً عَنْ أَحاديثَ
أو رواياتٍ !!
(١) هو - قطعاً - ليس كذلك بالنسبة لرسول الله وَليه، وما آتاه الله مِن معجزات، لكنَّه ليس
كذلك تماماً بالنسبة لسامعيه من الصحابة رضي الله عنهم.
٦٦

٢ - تَحذيرٌ وتنبيهُ
وممّا يجبُ بيانُه وإِيضاحُهُ قاعدَةٌ ذَكَرها الفقيهُ ابنُ حَجَر الهيتَمِيُّ في
((الفتاوى الحديثيَّةِ)) (ص ٤٣) جواباً على سؤالٍ حولَ ((خطيبٍ يَرْقى المِنْبَرَ في
كُلِّ جُمُعَةٍ، ويروي أحاديثَ كَثيرةً، ولم يُبَيِّنْ مُخَرِّجيها ولا رواتَها ... وهُو معَ
ذلكَ يَدَّعي رِفعةً في العلمِ ، وسُمُوّاً في الدِّين، فما الَّذي يجبُ عليهِ؟ وما الَّذي
يلزمُهُ إِنِ استحلَّ ذلك أَو لم يستَحِلَّهُ؟)).
فأجابَ رحِمَهُ اللهُ بقولِهِ: ((ما ذَكَرَهُ مِن الأحاديثِ في خُطَبِهِ مِن غير أَنْ
يُبيِّنَ رُواتَها أو مَن ذَكَرَها؛ فجائزٌ؛ بشرطِ أنْ يكونَ مِن أَهْلِ المعرِفَةِ في
الحَديثِ، أَو ينقُلُها مِن كتاب مؤلّفُهُ كذلكَ، وأَمَّا الاعتمادُ في روايةِ الأحاديثِ
على مُجَرَّدٍ رؤيتِها في كتابٍ ليسَ مُؤلِّفُهُ مِن أَهلِ الحَديثِ، أو خُطَبٍ ليس
مُؤْلِّفُها كذلك؛ فلا يَحِلُّ ذلك، ومَن فَعَلَهُ عُزِّرَ عليهِ التَّعزيرَ الشَّديدَ، وهذا حالُ
أكثرِ الخُطباءِ؛ فإِنَّهُم بمجرَّدٍ رؤيتِهِم خُطبةً فيها أحاديثُ حَفِظُوها وخَطَبوا بها مِن
غير أنْ يعرفوا أَنَّ لتلكَ الأحاديثِ أَصلَا أُمْ لا! فَيَجِبُ على حُكَّامٍ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ
يزْجُروا خُطباءَها عن ذلكَ، ويجبُ على حُكَّامٍ بَلَدِ هذا الخطيب منْعُهُ مِن ذُلكَ
إِن ارتكبه .. .
فَعَلى هذا الخطيب أَنْ يُبَيِّنَ مُستَنَدَهُ في روايتِهِ، فإِنْ كانَ مُستَنَداً صحيحاً؛
فلا اعتراضَ عليهِ، وإِلَّ ساغَ الاعتراضُ عليهِ، بل وجازَ لوليّ الأمرِ - أَيَّدَ اللهُ بهِ
الدينَ، وقَمَعَ بعدلِهِ المُعانِدينَ - أَنْ يعزلَهُ مِن وظيفةِ الخطابَةِ؛ زَجْراً لهُ عنْ أَنْ
يَتَجَرَّأْ عَلى هذهِ المرتبةِ السَّنِيَّةِ بغيرِ حَقٍّ.
فهذا تحذیرٌ!
وثمَّةً تَنبيهُ تابعٌ لهُ، وموضحٌ لغامِضِهِ، وهو أَنَّ كثيراً مِنَ النَّاسِ يَخْلِطُونَ بِينَ
٦٧

(الخطيب) و (العالم)، فيحسبونَ كُلّ (خَطيبٍ) (عالماً) !! وليس بلازمٍ كما هُو
ظاهرٌ؛ فكم مِن (خَطيبٍ) نسمعُ منهُ خُطباً ناريّةً، لكنَّهُ خاوٍ مِن العلمِ ، خالٍ مِن
التَّحقيق !! وكذا كم مِن (العُلماءِ) مَن لا يُحْسِنُ الخِطابَةَ، ولا يُتْقِنُها !! فليستِ
الخِطابةُ مِقياساً للعِلْمِ ، وميزاناً للدِّقَّةِ والتَّحقيقِ.
وها هُنا شيءٌ مُتَمِّمُ لهُ، وهُو أَنَّ العلمَ ذو فُروعٍ كثيرةٍ، وفُنونٍ عديدَةً، فلا
يُؤْخَذُ الحديثُ صحَّةً وضَعْفاً مِن فقيهٍ مُجَرَّدٍ، ولا يُؤْخَذُ الفِقْهُ مِن محدِّثٍ ليسَ
بفقيهٍ، ولا يُؤخَذُ الطَّبُّ مِن عالِمٍ فَلَكِيٍّ، ولا يُؤْخَذُ النَّفَسيرُ مِن لُغَوِيِّ !!
وهكذا ...
قالَ العَلَّمَةُ اللَّكْنَويُّ في ((عُمدةِ الرِّعايةِ)) (١ / ١٣): ((فإِنَّ اللهَ تَعالى
خَلَقَ لِكُلِّ فنٍّ رجالاً، وجَعَلَ لِكُلِّ مقامٍ مقالاً، ويلزمُ علينا أنْ نُنْزِلَهُم منازِلَهُم،
ونَضَعَهُم بمراتِبهم، فَأُجِلَّةُ الفُقهاءِ إِذا كانُوا عارينَ مِن تَنْقِيدِ الأحاديثِ لا تُسَلِّمُ
الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَروها مِن غيرِ سَنَدٍ ولا مُسْتَنَدٍ إِلَّ بَتَحْقِيقِ المُحَدِّثينَ ... )).
وها هُنا ثلاثُ كَلِماتٍ غالياتٍ، هي كالأسُسِ للعلمِ ؛ صُدوراً واستجابةً،
ردّاً وقبولاً :
((اتَّفقوا عَلى الرُّجوعِ في كُلِّ فَرٍّ إِلى أَهلِهِ))(١).
(ومَنْ غَلَبَ عليهِ فَنَّ؛ يُرْجَعُ إِليهِ فيهِ دُونَ غيرِهِ))(٢).
(إِذا تَكَلَّمَ المرءُ في غيرِ فَنِّهِ؛ أتى بالعجائِبِ))(٣).
(١) «فتح المغيث)) (١ / ٤٦٨) للسخاوي.
(٢) ((الفتاوى الحديثية)) (ص ٢٤٧) لابن حجر الهيتمي.
(٣) ((فتح الباري)) (٣ / ٤٦٦) لابن حجر العسقلاني.
٦٨

وختاماً: رَحِمَ اللهُ التَّابعيَّ الجَليلَ ابنَ سيرينَ القائلَ: ((إِنَّ هذا العلمَ
دِينٌ، فانْظُروا عَمَّنْ تَأْخذونَ دينَكُم))(١).
قلتُ: ومِن تمامِ هذا التَّحذيرِ الرُدُّ على مَا قَدْ يَرِدُ على بعضِ
الأذهانِ (!) مِن ظَنِّ جوازِ الكذبِ على النبيِّ وَّهَ بَزَعْمِ حَضِّ النَّاسِ على
الخير، وأَنَّ نِيَّاتِهِم حَسَنةٌ، وبالتَّالي إِشاعةُ هذا الكَذِبِ بينَ النَّاسِ ، ونَشْرُهُ على
الملا!
وعليهِ؛ فأقولُ: ((وقَعَ مِن كثيرٍ مِن الجَهَلَةِ الَّذِينَ يُنْسَبونَ إِلى التعبُّدِ والزُّهْدِ
والصَّلاحِ : وضعُ أحاديثَ في التَّرغيب والتَّرهيب، حِسْبَةً للهِ تعالى (!) وخِدْمةً
للدِّينِ في زعمِهِمْ؛ لِيَحْمِلوا النَّاسَ على فعْلِ الخَيْرِ، ويزجُروهُم عنِ ارتكابٍ
الشَّرِّ بهذا الأسلوب الفاسدِ الحرامِ !!
وحينما أُنْكِرَ على بعضِهِمْ هذا الصَّنِيعُ، وذُكِرَ لهُم قولُهُ وَ: ((مَنْ كَذَبَ
عليَّ متعمِّداً؛ فليتبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))؛ قالوا: نحنُ نكذبُ لهُ وَّ! ولا نكذبُ
علیهِ !!
وهذا مِن شِدَّةٍ جهلهمْ بالدِّين، وغَلَبَةِ الغفلةِ وضعفِ العقلِ عليهِمْ.
وهذا الصِّنْفُ مِن الوضَّاعينَ أَشدُّ الأصنافِ خَطَراً، وَأَعْظَمُهُم ضَرراً؛
فإِنَّهُم لمظهرِ صلاحِهِم وزُهْدِهِمْ وتعبُّدِهم يقَعُ كلامُهُم فيما يُحَدِّثونَ بِهِ عَن
رسولِ اللهِ وَ ﴿ موقعَ القَبولِ والتَّسليمِ مِن العامَّةِ! ولا يَظُنُّونَ بِهِمُ الكذبَ، ولا
يتوقَّعونَهُ منهُم ... ))(٢).
(١) مقدمة ((صحيح مسلم)) (١ / ١٤).
(٢) ((لمحات ... )) (ص ٦٢ - ٦٣).
٦٩

وفي مثل هؤلاءِ يُذْكَرُ ما قالَهُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ
بالأخْسَرِينَ أَعْمالاً. الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾(١).
٣ - حَدیثانِ صحیحانٍ ... ولكِنْ!
ومِن مفاسِدٍ هذه الفتنةِ العاصفةِ التي بَثَّتْ سُمومَها في أرضِ المسلمينَ
وبلادِهِمْ: أَنَّكَ تَرى أحياناً مَن يستدلُّ في خُطَبِهِ ومجالسهِ ومواعظهِ ببعضٍ
الأحاديثِ الصحيحةِ الثابتةِ ... لكنْ في غيرِ مواضِعِها، ويورِدُها في غيرِ
موارِدِها، فيُخالِفُ معناها، ويُحَوِّرُ مَبْناها !!
وأكتفي في رسالتي هذهِ بذِكْرٍ حدیثینِ :
الأوَّلُ: ما رواهُ مسلمٌ في ((صحيحِه)) (٢٨٨٢) عن أُمِّ سلمَةَ رضيَ اللهُ
عنها: أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((يعوذُ عائذٌ بالبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِليهِ بَعْثٌ، فإِذا كانُوا
ببيداءَ مِن الأرضِ خُسِفَ بهِمْ)). فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! فكيفَ بِمَن كانَ كارهاً؟
قالَ: ((يُحْسَفُ بهِ معَهُمْ، ولكنَّهُ يُبْعَثُ يومَ القيامةِ على نَّتِهِ)) .
هذا هو الحديثُ الأوَّلُ، وقد جاءَتْ رواياتٌ أُخرى فيها زياداتٌ تفسيريَّةٌ؛
تُبِيِّئُهُ، وَتُوَضِّحُهُ، وتُظهِرُ تمامَ المُرادِ منهُ، أَكتفي بذكرِ روايتينِ منها، وهُما في
(صحيح مسلمٍ)) نفسِهِ :
الأولى: «سيعوذُ بهذا البيتِ - يَعْني الكعبةَ - قومٌ ليسَتْ لهُمْ مَنْعَةٌ ولا عَدَدٌ
ولا عُدَّةٌ، يُبْعَثُ إِليهِمْ جَيْشٌ، حتَّى إِذا كانُوا ببيداءَ مِن الأرضِ خُسِفَ بِهِم)).
الثَّانيةُ: ((العَجَبُ؛ إِنَّ ناساً مِن أُمَّتِي يَوْمُونَ بالبيتِ بِرَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ ، قَدْ
(١) الكهف: ١٠٣ - ١٠٤.
٧٠

لَجَأَ بالبيتِ، حتَّى إِذا كانُوا بالبيداءِ؛ خُسِفَ بِهِم))(١).
ففي هذهِ الزِّياداتِ كِفايةٌ لإِيضاحِ المعنى الصَّحيحِ للحديثِ.
الحديثُ الثَّاني: ما رواهُ: البخاريُّ (١٣ / ٦٨)، ومسلمٌ (٢٩٠٢)؛ عن
أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ له: ((لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تخرُجَ
نارٌ مِن أَرضِ الحجازِ، تُضيءُ أُعْناقَ الإِبلِ بُبُصْرى)).
وقد ذَكَرَ جُلُّ أَهْلِ العلمِ أَنَّ هذهِ النَّارَ على مثلِ هذهِ الصِّفةِ قد ظَهَرَتْ
قبلَ قروٍ :
قالَ الإِمامُ النوويُّ في ((شرحٍ صحيحٍ مسلمٍ)) (١٨ / ٢٨): ((خَرَجَتْ
في زَمانِنا نَارٌ بالمدينةِ سنةً أربعٍ وخمسينٍ وسِتُّ مئةٍ، وكانَتْ ناراً عظيمةً جدّاً مِنْ
جَنْب المدينةِ الشرقيِّ وراءَ الحَرَّةِ، تَواتَرَ العلمُ بها عندَ جَميعِ الشَّامِ وسائرِ
البُلدانِ، وأَخَرَنِي مَنْ حَضَرَها مِن أَهلِ المدينةِ)).
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في ((فتحِ الباري)) (١٣ / ٧٩): ((والَّذِي ظَهَرَ لي
أَنَّ النَّارَ المذكورةَ ... هي الَّتي ظهرتْ بنواحي المَدينةِ كما فَهِمَهُ القُرطبيُّ
وغیرُهُ)) .
ونقلَ الإِمامُ ابنُ كثيرٍ في («البداية والنُّهايةِ)) (١٣ / ١٨٧ - ١٩٣) وفي
((النهايةِ في الفتنِ والمَلاحِم)) (١ / ١٤) عن غيرِ واحدٍ مِن أُهلِ العلمِ وغيرِهِم
مِمَّنْ كانُوا بحاضرةِ بُصْرى: أَنَّهُم شاهَدُوا أعناقَ الإِبل في ضوءِ هذهِ النَّارِ الَّتي
ظهَرَتْ مِنْ أَرضِ الحِجازِ.
ومثلَهُ قالَ الإِمامُ القرطبيُّ في ((التذكرةِ)) (ص ٦٣٦).
(١) وهذه الرواية في ((صحيح البخاري)) (٢١١٨) أيضاً.
٧١

(تنبيةٌ مهمٌّ):
وهذه النَّارُ المشارُ إِليها ليست هِيَ النَّارَ التي تخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ؛ تحْشُرُ
النَّاسَ إِلى محشَرِهِم، إِذ نارُ الحشر مِن أشراطِ السَّاعَةِ الكُبْرى(١)، وقد سبقت
الإِشارةُ إِلى ذلك (ص ٦٦).
قلتُ: ولو فَرَضْنا أَنَّ تلكَ النَّارَ لم تَخْرُجْ بَعْدُ - لا كَما حكى خُروجَها
العُلماءُ السَّابقونَ -؛ فلا يَجوزُ - كما تقدَّمَ - الاستدلالُ بمثلِ هذا الحَديثِ على
أمرٍ مظنونٍ، أَساسُهُ التَّخمينُ، وليس لهُ في اليقينِ مَوْضعٌ !! ثمَّ هو - أيضاً - لم
يحدُثْ بَعْدُ !!
٤ - مُبَشِّرات .. مُبَشِّراتٌ
بالرُّغم مِن كلِّ ما يَكيدُهُ أعداءُ الإِسلامِ لهُ، وبالرُّغْمِ مِنَ المَكْرِ النَّتِن
الذي يُكِنَّهُ لهُ خُصومُهُ؛ إِلَّ أَنَّ اللهَ وعَدَ ... ووَعْدُهُ الحَقُّ.
﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾(٢).
﴿وَمَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إِلَّ فِي ضَلالٍ﴾(٣).
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَّى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَواعِدِ﴾(٤).
﴿أَفَأْمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بهمُ الأرضَ﴾ (٥).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) (١٨ / ٢٨)، و((الإِذاعة)) (ص ٨٥)، و((فتح الباري)) (١ /
٣٧٨)، وغيرها .
(٢) الأنفال: ١٨ .
(٣) غافر: ٢٥ .
(٤) النحل: ٢٦ .
(٥) النحل: ٤٥.
٧٢

﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّ بِأَنْفُسِهِمْ ومَا يَشْعُرُونَ﴾(١).
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾(٢).
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعولاً﴾(٣).
ومِن المُبَشِّراتِ التي أَختِمُ بها كتابي هذا: عِدَّةُ أَحاديثَ نبويَّةٍ صحيحةٍ؛
تُبَشِّرُ بأَنَّ النَّصْرَ لأمَّةِ الإِسلامِ آتٍ دُونَمَا رَيْبٍ، والتَّمكينَ لدينِ اللهِ في الأرضِ
قادِمٌ لا محالَةً؛ رُغْمَ أُنوفِ الشَّانِئِينَ:
قَالَ مَه: ((والَّذِي نَفْسي بيدهِ؛ لا تَذْهَبُ الأيَّامُ والَّليالي حَتَّى يَبْلُغَ هذا
الدِّينُ مَبْلَغَ هذا النَّجْمِ )) (٤).
وقالَ بَّهُ: ((إِنَّ اللهَ زَوى ليَ الأرضَ، فرَأَيْتُ مشارِقَها ومَغَارِبَها، وإِنَّ مُلْكَ
أُمَّتي سيبْلُغُ ما زُوِيَ لي مِنها)) (٥).
وقالَ بَّهِ: ((بَشِّرْ هذهِ الأمَّةَ بالسَّنَاءِ والدِّين والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتّمكين في
الأرضِ ))(٦).
(١) الأنعام: ١٢٣.
(٢) الذاريات: ٥.
(٣) الإسراء: ١٠٨.
(٤) رواه: الطبراني في ((الكبير)) (٧٦٤٢)، وأبو نعيم (٦ / ١٠٧)؛ عن أبي أمامة؛ بسند
فیه ضعف یسیر.
وله شاهد في ((مستدرك الحاكم)) (٣ / ١٥٥) عن أبي ثعلبة الخشني.
فهو حسن إن شاء الله.
(٥) رواه مسلم (٢٨٨٩) عن ثوبان.
(٦) رواه: أحمد (٢١٢٥٩)، وابنه في ((زوائده)) (٢١٢٦٠)، والحاكم (٤ / ٣١١)، وابن
حبان (٢٥٠١)؛ عن أبي بن كعب؛ بسند صحيح.
٧٣

وقالَ وَ﴿: ((لا تزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتي قائمةٌ بأَمرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُم مَن
خَذَلَهم، ولا مَنْ خالَفَهُم، حتّى يَأْتِيَ أَمرُ اللهِ وهُم ظاهِرونَ على النَّاسِ))(١).
وأخيراً :
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضِى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَاً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكونَ بِي شَيْئاً﴾(٢).
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(٣).
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقدامَكُمْ﴾(٤).
د
(١) رواه: البخاري (٧٤٦٠)، ومسلم (١٠٣٧)؛ عن مُعاوية.
وهذا الحديث متواتر، فهو مرويٍّ عن نحو عشرين من الصحابة، رضي الله عنهم.
(٢) النور: ٥.
(٣) الحج: ٤٠.
(٤) محمد: ٧ .
٧٤

رَفُ
عبد الَّحميع التجريّ
أسكت البُ الفردوس
www.moswarat.com
الخاتمة
جَعَلَها اللهُ مِسكاً تَفوحُ بِهِ أَكاليلُ النَّصر الَّذِي وُعِدَ بِهِ المُتَّقونَ، وجَعَلَها
خَيِّرةً يرضى بها الصَّالحونَ القائمونَ بِأُمْرِهِ سُبحانَهُ مِن عِبادِهِ المُوَحِّدينَ؛ جَزاءَ
صَبْرِهِمْ وثَبَاتِهِمْ، وحِرْصِهم وتمسُّكِهِمْ.
أَسأَلُ اللهَ العظيمَ، ذا الجَلالِ والإِكرام (١): أَنْ يُعِزَّ الإِسلامَ وأَهْلَهُ، وأَنْ
يَجْعَلَ الذُّلَّ والصَّغارَ على أَهْلِ الكُفْرِ والإِلحادِ، وأَنْ يَرْزُقَ الأمَّةَ الإِسلاميَّةَ
الصادِقَةُ الظَّفَرَ على أعدائِها؛ إِنَّهُ سميعٌ مُجيبٌ.
قالَ أَبو الحارِثِ الأثريُّ عفا اللهُ عنهُ:
فرغتُ منها بعدَ عشاءِ يومِ السَّبتِ الأولِ مِن شعبانَ سنةً إِحدى عشر
وأربعِ مئةٍ وألفٍ هجريَّةٍ، والقلبُ مهمومٌ، والعقلُ مغمومٌ، والبَدَنُ محمومٌ، ولا
مُفَرِّجَ إِلَّ اللهُ.
(١) روى: الإِمام أحمد (٤ / ١٧٧)، والحاكم (١ / ٤٩٨)، والطبراني في «الكبير)»
(٤٥٩٤)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٩٢)؛ عن عامر بن ربيعة: أن النبي وَ ل﴿ قال: ((ألِفُوا
بـ (يا ذا الجلال والإكرام)».
ومعنى (ألِظُّوا): ألِحُوا.
٧٥

رَفُ
عبد الَحمي التجريّ
أسكيس الله الفردوس
www.moswarat.com

رَفُ
عبد الرَّحمع الجَرِيّ
أسس دينية الفرد في
www.moswarat.com
الفهرس
تقدمة
٥
٩
القسم الأول: قواعد كلِّية وأصول علمية
١ - وجوب التحري والتثبت
٩
٢ - الثبات عند الفتن
١٣
٣ - من أسباب الوضع في الحديث
١٤
١٦
٤ - من علامات الحديث الموضوع
١٧
٥ - الأسانيد أنساب الكتب
١٨
٦ - حكم رواية الإِسرائيليات
٢٠
٧ - الملاحم وأشراط الساعة
٢٨
٨ - علم الغيب .
٣٥
القسم الثاني: الأحاديث المشتهرة دراسة ونقداً
٣٥
تمهید
٣٦
الحديث الأول: الوحش
الحديث الثاني : صادم
٣٧
٥٣
الحديث الثالث: تقتتلون شهراً
القسم الثالث: متمِّمات موضحات
٦٥
١ - هل صحَّت أحاديث في هذه الفتن؟
٧٧
٦٥

٢ - تحذير وتنبيه
٦٧
٣ - حديثان صحيحان ... ولكنْ
٧٠
٤ - مبشِّرات ... مبشِّرات
٧٢
٧٥
الخاتمة
الفهرس
٧٧
٧٨