النص المفهرس

صفحات 361-380

والحكام بعلم دون غيره، كما قال تعالى: (وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِىِ
اُلْحَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ
وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) .
وعلى الحكام أن لا يحكموا إلا بالعدل. ((والعدل)) هو ما أنزل الله، كما
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُواْبِلْعَدُلِّ إِنَّ اللَّه ◌ِعِنَّا يَعِظُكُمِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)
(يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِى
ثم قال تعالى :
اُلْأَمِِّ مِنكُمْفَإِن تَنَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالَّسُولِ إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ
فأوجب الله طاعة أولى الأمر مع طاعة
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
الرسول ، وأوجب على الأمة إذا تنازعوا أن يردوا ما تنازعوا إلى اللهورسوله
إلى كتاب الله وسنة رسوله .
فإن الله سبحانه وتعالى هو الحكم الذى يحكم بين عباده، والحكم له وحده
وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم؛ فمن أطاع الرسول كان
من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة ، ومن عصى الرسول كان
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
من أهل الشقاء والعذاب ؛ قال تعالى :
النَّبِِّنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا
اخْتَلَفُواْ فِيَّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى
٣٦١

اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلَى صِرَاطٍمُّسْتَقِيمٍ)
وفى صحيح مسلم عن عائشة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلى من
الليل يقول : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض
، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ،
٠
اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ؛ إنك تهدى من تشاء إلى صراط
مستقيم)) .
وقال تعالى ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ
بَغْيَّا بَيْنَهُمْ) فبين سبحانه وتعالى أنه هدام وبين لهم الحق ؛ لكن بعضهم
يبغى على بعض مع معرفته بالحق فيتبع هواه ويخالف أمر الله ، وهو الذى
يعرف الحق ويزيغ عنه ، كما قال تعالى: (وَآَتْلُ عَلَيْهِمْنَبَالَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا
فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْشِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا
وَلَكِنَّهُ, أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ
أَوْتَتْرُكْهُ يَلْهَتَ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعث الرسل وأنزل معهم
يَتَفَكَّرُونَ )
الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وقال تعالى: (وَمَا أُخَْلَفْتُمْ فِيهِ
مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ)
وقال يوسف: (يَصَحِتَ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اُلْقَهَّارُ *
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن
٣٦٢

سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ وا إِلَّ إِنَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ
فالحكم لله وحده ورسله يبلغون عنه ؛ فحكمهم
لَا يَعْلَمُونَ )
حكمه، وأمرهم أمره وطاعتهم طاعته، فما حكم به الرسول وأمرهم به وشرعه
من الدين وجب على جميع الخلائق اتباعه وطاعته ؛ فإن ذلك هو
حكم الله على خلقه .
والرسول يبلغ عن الله، قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ
بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَّظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ
لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُ واْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواأ ◌َسْلِيمًا)
فعلى جميع الخلق أن يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين
وأفضل المرسلين وأكرم الخلق على الله ليس لأحد أن يخرج عن حكمه
فى شيء سواء كان من العلماء أو الملوك أو الشيوخ أو غيرهم .
ولو أدر كه موسى أو عيسى وغيرهما من الرسل كان عليهم اتباعه ، كما
قال تعالى: (وَإِذْأَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ
جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْمَعَكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ )
وروي عن غير واحد من السلف - علي وابن عباس وغيرهما - قالوا : لم
٣٦٣
:

بعث الله نبيا من عهد نوح إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمدوهو حي ليؤمنن
به ولينصرفه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وم أحياء
ليؤمنن به ولينصر نه .
وهو سبحانه أخذ الميثاق على النبى المتقدم أن يصدق من يأتى بعده وعلى
النبي المتأخر أن يصدق من كان قبله ؛ ولهذا لم تختلف الأنبياء بل دينهم واحد
كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((إنا معشر الأنبياء
ديننا واحد)) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِّى بِمَا
أي ملتكم
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ )
ملة واحدة كقولهم: (إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا عَلَى أَمَّةٍ ) أي ملة. وقال تعالى: (شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِى أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَ عِيسَىّ
أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْفِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ )
فدين الأنبياء واحد ، وهو دين الإسلام ، كلهم مسلمون
لكن
مؤمنون ، كما قد بين الله فى غير موضع من القرآن؛
ـكة، ثم
بعض الشرائع تتنوع ، فقد يشرع فى وقت أمراً لحـ
يشرع فى وقت آخر أمراً آخر لحكمة ؛ كما شرع فى أول الإسلام
٣٦٤

الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة ،
فتنوعت الشريعة والدين واحد ، وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين
الإسلام ، وكذلك السبت لموسى من دين الإسلام، ثم لما نسخ صاردين
الإسلام هو الناسخ وهو الصلاة إلى الكعبة، فمن تمسك بالمنسوخ دون
الناسخ فليس هو على دين الإسلام ولا هو متبع لأحد من الأنبياء ، ومن بدل
شرع الأنبياء وابتدع شرعا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه ، كما قال: ( أَمْ لَهُمْ
شُرَكَؤُا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ) ولهذا كفر اليهود والنصارى
لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ . والله أوجب على جميع الخلق أن
يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ؛ فعلى جميع
الخلق اتباعه وإتباع ما شرعه من الدين وهو ما أتى به من الكتاب والسنة ،
فماجاء به الكتاب والسنة وهو الشرع الذي يجب على جميع الخلق اتباعه؛
وليس لأحد الخروج عنه ، وهو الشرع الذى يقاتل عليه المجاهدون ،
وهو الكتاب والسنة .
وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة ، كما قال جابر
ابن عبد الله: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعنى
السيف - من خرج عن هذا. يعنى المصحف)) قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
٣٦٥

فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ, وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ)
فبين سبحانه وتعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل وما به
يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط ، وأنزل الحديد . فمن خرج عن
الكتاب والميزان قوتل بالحديد. فالكتاب والعدل متلازمان ، والكتاب
هو المبين للشرع؛ فالشرع هو العدل ، والعدل هو الشرع ، ومن حكم
بالعدل فقد حكم بالشرع ، ولكن كثيراً من الناس ينسبون ما يقولونه
إلى الشرع وليس من الشرع ؛ بل يقولون ذلك إما جهلا وإما غلطا وإما
عمدا وافتراء ، وهذا هو الشرع المبدل الذى يستحق أصحابه العقوبة ؛
ليس هو الشرع المنزل الذى جاء به جبريل من عند الله إلى خاتم المرسلين
فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولاجهل ، قال تعالى: ( وَإِنْ
حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ) وقال تعالى: (وَأَنِ
أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ) فالذى أنزل الله هو القسط، والقسط، هو الذى أنزل الله
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ
وقال تعالى :
النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ )
وقال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ) فالذى أراه الله فى كتابه هو العدل.
وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة
والتابعين وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالا باجتهاده ؛ فهذه يسوغ
٣٦٦

القول بها ، ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؛ فهذا شرع دخل فيه التأويل والاجتهاد، وقد يكون فى نفس
الأمر موافقا للشرع المنزل فيكون لصاحبه أجران ، وقد لا يكون موافقا
له؛ لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ؛ فإذا اتقى العبد الله ما استطاع آجره الله
على ذلك ، وغفر له خطأ . .
ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ولكن
إذا عرف الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذى بعث الله به رسوله لقول
أحد من الخلق ، وذلك هو الشرع المنزل من عندالله ، وهو الكتاب والسنة
وهو دين الله ورسوله لتكون كلمة الله هى العليا ويكون الدين كله لله
لا يجاهدون على قول عالم ولاشيخ ولا متأول؛ بل يجاهدون ليعبد الله وحده
ويكون الدين له ، كما فى المسند عن ابن عمر قال قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لاشريك له ،
وجعل رزقى تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمرى ومن
تشبه بقوم فهو منهم )) وقال تعالى (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ) وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال قيل :
يارسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء: فأى ذلك
فى سبيل الله؟ فقال ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو
فى سبيل الله)) .
٣٦٧

فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحد إلا الله ؛ فلا يدعو غيره ، ولا يصلى
لغيره ولا يسجد لغيره ؛ ولا يصوم لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته ،
ولا يذبح القرابين إلا له ، ولا ينذر إلا له ، ولا يحلف إلا به ،
ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه ، ولا يتقى إلا إياه . فهو الذى
لا يأتى بالحسنات إلا هو ، ولا يدفع السيئات إلا هو ، ولا يهدي الخلق
إلا هو ؛ ولا ينصرم إلا هو، ولا يرزقهم إلا هو، ولا يغنيهم إلا هو ،
ولا يغفر ذنوبهم إلا هو، قال تعالى: (وَقَالَ اللهُلَا تَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا
هُوَ إِلَهٌ وَحِّدٌّ فَإِنَّنَ فَأَزْهَبُونِ * وَلَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الَّذِينُ وَصِباًأَفَغَيْرَاللَّهِنَنَّقُونَ *
وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الْضُرُّ فَإِلَيْهِ تَحْثَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَ
عَنكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنَكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ).
والله تعالى قد حرم الشرك كله وأن يجعل له نداً ؛ فلا يدعى غيره
لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحون ولا الشمس ولا القمر ولا الكواكب
ولا الأوثان ، ولا غير ذلك ؛ بل قد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ
أربابا فهو كافر ، قال تعالى :
وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَالِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنَ كُونُواْ رَبَِّنَ بِمَاكُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ نَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَأَبَّ
أَيَاًمُّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْأَنْتُمُسْلِمُونَ )
٣٦٨

(قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
وقال تعالى :
عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )
ذم الله
سبحانه وتعالى لمن يدعو الملائكة والأنبياء وغيرهم من الصالحين، وبين أن
هؤلاء الذين يدعونهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله ، وأنهم
يتقربون إلى الله بالوسيلة وهى الأعمال الصالحة ، ويرجون رحمته ويخافون عذا به
فكيف يدعون المخلوقين ويذرون الخالق؟! وقال تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ
كَفَرُوْاْ أَنْ يَتَّخِذُ واْ عِبَادِى مِنْ دُونِّ أَوْلِيَاءَ إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَنَّ لِلَّكَفِنَ نُلَا)
وهو سبحانه وتعالى عليم بأحوال عباده ، رحيم بهم ؛ كما فى الحديث
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه رأى امرأة من السبي إذا رأت
ولداً ألصقته ببطنها فقال : أترون هذه واضعة ولدها فى النار ؟ قالوا :
لا يا رسول الله! قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)) وهو سبحانه
( قُلْ إِن ضَلِلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَ إِنِ آَهْتَدَيْتُ
سميع قريب قال الله تعالى :
وهو تعالى رحيم ودود. و((الور))
فَبِمَا يُوحِىّ إِلَىَّ رَبِّيَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ )
اللطف والمحبة ؛ فهو يود عباده المؤمنين ، ويجعل لهم الود فى القلوب ، كما
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُذَّا)
قال ابن عباس وغيره : يحبهم ويحببهم إلى عباده .
٣٦٩

وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يتبرم
بإلحاح الملحين ؛ بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه ، ويبغض من لا يدعوه
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من لا يسأل الله يغضب عليه)) وقال تعالى
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ
ج
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ®
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْبِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
قال بعض الصحابة : يا رسول الله ! ربنا قريب فنناجيه ؟ أو بعيد فنناديه ؟
فأنزل الله هذه الآية .
وهو سبحانه وتعالى ليس كالمخلوقين الذين ترفع إليهم الحوائج بالحجاب ؛
بل فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله
قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ، فنصفهالى ، ونصفها لعبدى ،
ولعبدي ماسأل ، فإذا قال العبد: ( الْحَمْدُ لِلَِّرَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله حمدنى
عبدى، فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله: أثنى على عبدى، فإذا قال
(مَلِكِ يَوَمِ الَّذِينِ ) قال الله: مجدني عبدى؛ فإذا قال: (إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيبُ ) قال الله هذه الآية بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدي ما سأل،
(أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
فإذا قال :
اُلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) قال هؤلاء لعبدى ولعبدي ماسأل.
٣٧٠

وهو سبحانه يتولى كلام عباده يوم القيامة ، كما جاء فى الصحيح ، عن
عدي بن حاتم أنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم
من أحد إلا سيكلمه ربه عز وجل ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر
أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا
قدمه ، وينظر أمامه فتستقبله النار ، فمن استطاع منكم أن يتقي النار
ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) وهو سبحانه قريب ممن
دعاه يتقرب ممن عبده وأطاعه ، كما فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال:((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى،
إنذ کرني فى نفسه ذ کر ته فى نفسي، وإن ذ کرنى فى ملا ذ کر ته فى ملأ خير
منهم ، وإن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت
منه باعا وإن أتانى يمشي أتيته هرولة)).
والله سبحانه يولى عباده إحسانا وجوداً وكرما؛ لا لحاجة إليهم، كما
(وَقُلِ اْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْيَتَّخِذْ وَلَمْيَكُن لَّهُ شَرِيٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَوْيَكُنْ
قال تعالى :
◌َّهُوَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرَهُتَكْبِيرًا) ولا يحاسب العباد إلا هو وحده ، وهو الذى
يجازيهم بأعمالهم (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ).
وهو الذى يرزقهم ويعافيهم وينصرم ويهديهم ؛ لا أحد غيره يفعل ذلك
قال تعالى: ( أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِىِ غُرُورٍ *
٣٧١

أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوٍ وَنُفُورٍ )
وقال تعالى: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمِنِّ بَلْ هُمْ عَن
ذِكْرِرَبِّهِم مُعْرِضُونَ) وأصح القولين فى الآية أن معناه من ذا الذى
يكلؤ كم بدلا من الله ؟ من الذى يدفع الآفات عنكم التى تخافونها من
الإنس والجن .
والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله عز وجل ، فهو الذى
يبلغهم أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه: فالحلال ما حلله الله
ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله ؛
وليس لأحد أن يخرج عن شىء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو
الشرع الذى يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد
عليه ، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره .
وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق ((حكم الحاكم)) ولو كان
الحاكم أفضل أهل زمانه؛ بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين
تحاكموا إليه فى قضية معينة؛ لا يلزم جميع الخلق، ولا يجب على عالم من علماء
المسلمين أن يقلد حا كما لا فى قليل ولافى كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله
به ورسوله ؛ بل لا يجب على أحاد العامة تقليد الحاكم فى شىء ؛ بل له أن
يستفتى من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ، ومتى ترك العالم ما علمه من
٣٧٢

كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله
كان من تدا كافرا، يستحق العقوبة فى الدنيا والآخرة، قال تعالى:
(الَّصّ* كِتَبُ أَنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لُِّنْذِرَبِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ*
أَتَّبِعُواْمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ قَلِلًا مَّا تَذَّكَّرُونَ) .
ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله
ورسوله الذى يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن
يصبر وإن أوذي فى الله فهذه سنة الله فى الأنبياء وأتباعهم . قال الله تعالى:
( الّمَ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوْأَنْ يَقُولُوَاْءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّالَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمٌ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّالْكَذِبِينَ)
وقال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ )
، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ )
وهذا إذا كان الحاكم قد حكم فى مسألة اجتهادية قد تنازع
فيها الصحابة والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف ما حكم به فعلى هذا أن يتبع
٣٧٣

ماعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر بذلك، ويفتى به ويدعو
إليه ، ولا يقلد الحاكم. هذا كله باتفاق المسلمين.
وإن ترك المسلم عالما كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله صلى
الله عليه وسلم لقول غيره كان مستحقا للعذاب ، قال تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
وإن كان ذلك
الحاكم قد خفي عليه هذا النص - مثل كثير من الصحابة والتابعين والأئمة
الأربعة وغيرهم تكلموا فى مسائل باجتهادهم وكان فى ذلك سنة لرسول الله صلى
الله عليه وسلم تخالف اجتهادهم - فهم معذورون لكونهم اجتهدوا
و (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ولكن من علم سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يجز له أن يعدل عن السنة إلى غيرها قال تعالى: (وَمَكَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا )
ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديا منصورا بنصرة الله فى الدنيا
والآخرة كما قال تعالى: ( إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَدُ) وقال تعالى: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَالْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَمُمُ الْمَنْصُورُونَ *
وإذا أصابت العبد مصيبة كانت
وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُ الْغَلِبُونَ )
بذنبه لا باتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ بل باتباعه للرسول صلى الله عليه
٣٧٤

وسلم يرحم وينصر ، وبذنوبه يعذب ويخذل، قال تعالى: (وَمَا أَصَبَكُمْ
مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ )
ولهذا لما انهزم المسلمون يوم أحد وكانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم
واستظهر عليهم العدو بين الله لهم أن ذلك بذنوبهم، قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَ لَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
ميل
عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ) وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا
قُلْتُمْ أَى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ )
وبين سبحانه حكمة ابتلائهم ، فقال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ
فِي الْأَرْضِ فَانْظُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ
لِلْمُتَّقِينَ * وَلَاتَهِنُوا وَلَا تَّخْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ
قَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنَكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا يُحِتُّ الطَّلِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اَللَّهُالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ) وقال تعالى: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اَللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن
سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) والله قدرها ، وقدر كل شىء.
لكن ما أصاب العبد من عافية ونصر ورزق فهو من إنعام الله عليه وإحسانه
إليه ، فالخير كله من الله ؛ وليس للعبد من نفسه شيء، بل هو فقير لا يملك
٣٧٥

لنفسه نفعا ولاضرا ، ولاموتا ولاحياة ولا نشورا: وما أصابه من مصيبة
فبذنوبه والله تعالى يكفر ذنوب المؤمنين بتلك المصائب ، ويأجرهم على
الصبر عليها ، ويغفر لمن استغفر ، ويتوب على من تاب ، قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولاهم ولاغم ولا حزن ولا أذى
حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفر الله بها من خطاياه)» ولما أنزل الله تعالى
قوله: (مَن يَعْمَلْ سُوءً ا يُجْزَبِهِ ) قال أبو بكر : يارسول الله قد جاءت قاصمة
الظهر! وأينا لم يعمل سوءا؟ قال: ((يا أبا بكر ! ألست تنصب؟ ألست تحزن؟
ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ماتجزون به))
وقد قص الله علينا فى القرآن أخبار الأنبياء وما أصابهم وما أصاب أتباعهم
المؤمنين من الأذى فى الله ، ثم إنه تعالى نصرهم ، وجعل العاقبة لهم ، وقص
علينا ذلك لنعتبر به قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ
الْأَ لْبَبُ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَ كِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ
كُلِّ شَىْءٍ وَهُذِى وَرَحْمَةً لِّفَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فالشرع الذى يجب على كل مسلم أن يتبعه ويجب على ولاة الأمر نصره
والجهاد عليه هو الكتاب والسنة. وأما حكم الحاكم فذاك يقال له قضاء
القاضي ؛ ليس هو الشرع الذى فرض الله على جميع الخلق طاعته ؛ بل القاضى
العالم العادل يصيب تارة ويخطئ تارة، ولو حكم الحاكم لشخص بخلاف
٣٧٦

الحق فى الباطن لم يجز له أخذه ، ولو كان الحاكم سيد الأولين والآخرين
كما فى الصحيحين عن أم سلمة ، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((إِنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض ، فأقضى له
بنحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة
من النار )) فهذا سيد الحكام والأمراء والملوك يقول إذا حكمت لشخص بشىء
يعلم أنه لا يستحقه فلا يأخذه .
وقد أجمع المسلمون على أن حكم الحاكم بالأملاك المرسلة لا ينفذ فى الباطن
فلو حكم لزيد بمال عمرو وكان مجتهدا متحريا للحق لم يجز له أخذه
وأما فى ((العقود والفسوخ)) مثل أن يحكم بنكاح أو طلاق أو يبع
أو فسخ بيع ففيه نزاع معروف ، وجمهورهم يقولون لا ينفذ أيضا ، وهي
مسألة معروفة ؛ وهذا إذا كان الحاكم عالما عادلا وقد حكم فى أمر دنيوى.
و ((القضاة ثلاثة أنواع)) كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
((القضاة ثلاثة، قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة ، رجل علم الحق وقضى به
فهو فى الجنة . ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار . ورجل علم الحق وقضى
بخلافه فهو فى النار)) فالقاضى الذى هو من أهل الجنة إذا حكم للإنسان بما يعلم
أنه غير حق لم يحل له أخذه ؛ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع
المسلمين ، فكيف إذا حكم فى الدين الذى ليس له أن يحكم فيه ؛ بل هو فيه
واحد من المسلمين إن كان له علم تكلم، وإلا سكت.
٣٧٧

مثل أن يحكم بأن السفر إلى غير المساجد الثلاثة مشروع مستحب ، يثاب فاعله
وأن من قال إنه لا يستحب يؤذى ويعاقب أو يحبس: فهذا الحكم باطل بإجماع
المسلمين ؛ لا يحل لمن عرف دين الإسلام أن يتبعه ، ولا لولي أمرأن ينفذه،
ومن نفذ مثل هذا الحكم ونصره كان له حكم أمثاله إن قامت عليه الحجة التى بعث
الله بها رسوله وخالفها استحقوا العقاب ، وكذلك إن ألزم بمثل هذا جهلا ،
وألزم الناس بما لا يعلم ، فإنه مستحق للعقاب فإن كان مجتهدا مخطئا عفى عنه .
وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب
والسنة ، وإذا تنازع بعض المسلمين فى شىء من مسائل الدين ولو كان المنازع
من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم؛ بل عليهم
أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم ، فإن تبين له الحق الذى بعث الله
به رسوله وظهر وعائده بعد هذا استحق العقاب. وأما من يقول : إن
الذى قلته هو قولي ، أو قول طائفة من العلماء المسلمين ؛ وقد قلته اجتهاداً،
أو تقليدا : فهذا باتفاق المسلمين لا يجوز عقوبته ،
ولو كان قد أخطأ خطأً مخالفا للكتاب والسنة، ولو عوقب هذا لعوقب
جميع المسلمين ، فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها
وهو مخطئ فيها ؛ فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق ؛ بل قد قال الله
تعالى فى القرآن: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّءَامَنَ بِاللّهِ
٣٧٨

وَمَئِكَئِهِ، وَكُِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَاَطَاقَةَ لَنَابِهِ" وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا
وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ)
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أن الله استجاب هذا
الدعاء )) ولما قال المؤمنون: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِيِنَا أَوْ أَخْطَأَنَ) قال الله :
قد فعلت ، وكذلك فى سائر الدعاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
تجاوز لأمتى عن الخطإ والنسيان ، وما استكرهوا عليه))
فالمفتى والجندى والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا
أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين،
وإن كانوا قد أخطأوا خطأ مجمما عليه . وإذا قالوا إنا قلنا الحق ، واحتجوا
بالأدلة الشرعية: لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله، ولا يحكم
بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم، بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة
والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر، فإن ظهر رجع الجميع إليه،
وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا ؛ كالمسائل التى تقع
يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن
يقبع مذهب غيره لكونه حا كما ، فإن هذا ينقلب ، فقد يصير الآخر حا كما
٣٧٩

فيحكم بأن قوله هو الصواب . فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين
المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه ؛ بخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم فإنه من عند الله ؛ حق وهدى وبيان ، ليس فيه خطأ قط، ولااختلاف
ولا تناقض قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِاللَّهِلَوَجَدُواْ فِيهِ
اخْتِلَفًا كَثِيرًاً)
وعلى ولاة الأمر أن يمنعوم من التظالم ، فإذا تعدى بعضهم على بعض
منعوم العدوان ؛ وهم قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة ؛ وأن يكون اليهودى
والنصرانى فى بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم ، لا يلزمه أحد بترك
دينه ؛ مع العلم بأن دينه يوجب العذاب ، فكيف يسوغ لولاة الأمور أن
يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض ؛ وحكم بعضهم على بعض
بقوله ومذهبه ، هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها ؛ فإنه لا صلاح للعباد
على مثل هذا .
وهذا إذا كان الحكام قد حكموا فى مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف ،
فإذا كان القول الذى قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ، ولا هو
مذهب أعمتهم الذين ينتسبون إليهم ؛ ولاقاله أحد من الصحابة والتابعين؛ ولا
فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل قولهم يخالف
الكتاب والسنة وإجماع الأئمة ، فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين
٣٨٠