النص المفهرس
صفحات 341-360
عيالك ، واقض به دينك ، وكفر عن يمينك، وقال حرب الكرمانى فى مسائله حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا يوسف بن أبى السفر ؛ عن الأوزاعى ؛ عن عطاء بن أبى رباح ، قال سألت ابن عباس عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله الحرام؟ قال: إنما المشي على من نواه، فأما من حلف فى الغضب فعليه كفارة يمين . وقال الأثرم. حدثنا أبو بكر بن أبى الأسود، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، عن ابن عمر والحسن ، قال : إذا كان نذر الشكر فعليه وفاء نذره ، والنذر فى المعصية والغضب يمين . وقال الأثرم: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: سئل عطاء عن رجل قال علي ألف بدنة ؟ فقال: يمين، وعن رجل قال: علي ألف حجة ؟ قال يمين؛ وعن رجل قال : مالي هدي ؟ قال يمين ، وعن رجل قال مالى فى المسا كين ؟ قال يمين . وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن الحسن وجابر ابن زيد فى الرجل يقول : إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة؟ قال ليس الإحرام إلا على من نوى الحج ، يمين يكفرها . وقال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاووس، عن أبيه قال : يمين يكفرها . وقال الأثرم حدثنا أبو عبد الله ، حدثنا وكيع عن سفيان ، عن ليث ، عن المنهال، عن أبى وائل فى رجل قال: هو محرم بحجة ؟ قال يمين ، وقال حدثنا أبو عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد الواسطى ، عن أيوب يعنى أبا العلاء ، عن ٣٤١ قتادة ومنصور، عن الحسن : فى رجل قال : إن دخل منزل فلان فعليه مشي إلى بيت الله ؟ قال عليه كفارة يمين، قال : فإن نذر أن يمشي فعليه المشي ، وإن لم يطق المشي ركب فأهدى. وقال أبو عبد الله: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عاصم بن محمد ، عن أخيه عمر بن محمد ، قال : جاء إنسان فاستفتى القاسم بن محمد بن أبى بكر، فقال: يا أبا محمد ! كيف ترى فى رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله ؟ فقال القاسم أجعله نذراً ؟ قال لا. أو جعله لله ؟ قال : لا ، قال: فليكفر عن يمينه وقال شيخ الإسلام رحمه الله ذكر ابن عساكر ماذكره حنبل ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : يقال مروان بن الحكم كان عنده قضاء ، وكان يتبع قضاء عمر ، وذكر ما ذكره أبو زرعة الدمشقى. قال: الاختلاف بين الناس فى هذين الرجلين : محمد بن الوليد الزبيدى وسعيد بن أبي حمزة، وقد أخبر فى الحكم بن نافع أنه رأَ هما جميعا الزييدى، وسعيد بن أبى حمزة. ورأيته للزييدى أكثر تعظما ، وهما صاحباً الزهرى بالرصافة من قبل هشام بن عبد الملك: محمد بن الوليد الزييدى على بيت المال ، وسعيد بن أبى حمزة على نفقات هشام. وعن بقية قال قال لنا الأوزاعى: ما فعل محمد بن الوليد الزبيدى؟ قال قلت : ولي بيت المال . قال إنا لله وإنا إليه راجعون ! ٣٤٢ وذكر ما ذكره الذهلى من حديث الزهرى ، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير ، أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرنى قبيصة بن ذؤيب: أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة فى أمر إن فعلته ، ففعلت ذلك الأمر ، فقدمت المدينة تستفتى عن نذرها ، فجاءت عبد الله ابن عمر فقال لها عبد الله: لا أعلم الله أمر فى النذر إلا بالوفاء، قالت المرأة: فأنحر ابنى؟ فقال عبد الله بن عمر: قد نها كم الله أن تقتلوا أنفسكم، ثم لم يزدها ابن عمر على ذلك. فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته عن ذلك، فقال . أمر الله بوفاء النذر، ونها كم أن تقتلوا أنفسكم. وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر أن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم ، فلما توافى له عشرة وأفرع بينهم أيهم ينحر ، فصارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب ، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب ، فقال عبد المطلب . اللهم أهو أو مائة من الإبل ، ثم أفرع بينه وبين مائة من الإبل فى الجاهلية ؛ وصارت القرعة على بحر مائة من الإبل فقال ابن عباس للمرأة فإنى أرى أن تنحرى مائة من الإبل مكان ابنك. فبلغ الحديث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة ، فقال : ما أرى ابن عمر وابن عباس أصابا الفتيا (( إنه لا نذر فى معصية الله)) استغفرى الله وتوبى إليه ، واعملي ما استطعت من الخير، فأما أن تنحرى ابنك فإن الله قد نهاك عن ذلك. قال : فسر الناس بذلك ، وأعجبهم قول مروان ، ورأوا أن قد أصاب الفتوى ، فلم يزل الناس يفتون بأن لا نذر فى معصية الله . ٣٤٣ قلت ابن عمر كان من حاله أنه يتوقف عن النذر للمعصية لا يأمر فيه لا بوفاء ولا ترك ، كما سئل عن من نذر صوم يوم العيد فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم ؛ وذلك أنه تعارض عنده دليلان : الأمر ، والنهى . ولم يتبين له أن الأمر بوفاء النذر مقيد بطاعة الله؛ ولهذا نقل مالك فى ((موطئه)) الحديث الذى أخرجه البخارى بعده عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه؛ ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه )) مع أن القرآن ليس فيه أمر بالوفاء بالنذر بلفظ النذر مطلقا ؛ إذ قوله ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) خبر وثناء ، وقوله : (وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ) خاص؛ لكن الله أمر بالوفاء بالعهود والعقود، والنذر من ذلك. فهذا والله أعلم معنى قولهما : أمر الله بالوفاء بالنذر . وهذه حال من يجعل العهود والعقود مقتضية للوفاء مطلقا من غير اعتبار فى المعقود عليه. وهذا كثيراً ما يعرض لبعض أهل الورع كما عرض لابن عمر، حتى إنهم يمتنعون عن نقض كثير من العهود والعقود المخالفة للشريعة ، وهم يتورعون أيضا عن مخالفة الشريعة ، فيبقون فى الحيرة !! وأما ابن عباس فعنه فى هذه المسئلة روايتان ((إحداهما)) هذا. (((والأخرى)» عليه ذبح كبش؛ وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ، وقول أبي حنيفة وغيره ، وهذا هو الذي يناسب الشريعة ؛ دون الاحتجاج بقصة عبد المطلب، فإن عمل أهل الجاهلية لا يحتج به أصلا إلا إذا أقره الإسلام، ٣٤٤ لكن ابن عباس احتج به لكون الدية أقرها الإسلام وهي بدل النفس ، فرأى هذا البدل يقوم مقام المبدل فى الاقتداء ، ثم جعل الاقتداء بالكبش اتباعا لقصة إبراهيم وهو الأنسب . والرواية الأخرى عن أحمد عليه كفارة يمين كسائر نذور المعصية . والذى أفتى به مروان أنه لا شىء عليه هو قول الشافعي وأحمد فى رواية وكل من يقول نذر المعصية لا شىء فيه . وهذا النذر ظاهره نذريمين ؛ لكن المعروف عن ابن عمر وابن عباس أن ذلك يمين يكفرها. فتبين أنه كان نذر تبرر كنذر عبدالمطلب؛ ولكن مالك وغيره من أهل المدينة لا يفرقون بين البابين فرووا القصة بالمعنى الذي عنده . وقال رحمه الله تعالى فصل قد كتبت فى ((قاعدة العهود والعقود )) القاعدة فى العهود الدينية فى القواعد المطلقة ، والقاعدة فى العقود الدنيوية فى القواعد الفقهية ، وفى ((كتاب النذر)) أيضا أن ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو ما هد الله عليه أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإن هذه العهود ٣٤٥ والمواثيق تقتضى له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين ، بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والميثاق ؛ وما يستحقه عاصى الله ورسوله . هذا هو التحقيق ومن قال من أصحابنا إنه إذا نذر واجبا فهو بعد النذر كما كان قبل النذر ؛ بخلاف نذر المستحب . فليس كما قال ؛ بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب أولى ؛ وليس هذا من باب تحصيل الحاصل ؛ بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع حكم غير حكم الآخر ؛ مثل الجدة إذا كانت أم أم أم ، وأم أم أب ؛ فإن فيها سيبين كل منهما تستحق به السدس. وكذلك من قال من أصحابنا : إن الشروط التى هى من مقتضى العقد لا يصح اشتراطها؛ أو قال تفسد (١) حتى قال بعض أصحاب الشافعي إذا قال : زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسداً لأنه شرط فيه الطلاق : فهذا كلام فاسد جداً ؛ فإن العقود إنما وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ، ومطلق العقد له معنى مفهوم ، فإذا أطلق كانا قدأ وجبا ما هو المفهوم منه ؛ فإن موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء وإنما أوجب الوفاء بالعقود، كما أوجب الوفاء بالنذر. فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو بعرف وصرح المتعاقدان بإيجابه بلفظ خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام، فيكون العاقد (١) بياض بالأصل ٣٤٦ قد أوجبه مرتين، أو جعل له إيجابا خاصا يستغنى به عن الإيجاب العام. وفى القرآن من هذا نظائر مثل قوله : (وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَامِنَ النَّعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَـ وَمِن نُّرِ وَإِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَنْيَمَ) وقوله: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى) وقوله: (قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: ( يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبِىَ). وسئل رحمه الله تعالى عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص فرهنه عند غيره ، فعدم الرهن ، خلف صاحب الرهن إن لم يأته به لم يستعمله، معتقداً أنه لم يعدم، ثم تبين له عدمه: فهل يحنث إذا استعمله؟ فأجاب: الحمد لله . إذا كان حين حلف معتقداً أن الرهن باق بعينه لم يعدم خلف ليحضر لم يحنث والحالة هذه . والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل حلف على ولده لا يدخل الدار حتى يعطيه الكساء الذى أخذه ؛ ثم تبين له أنه لم يأخذ شيئا: فهل يحنث إذا دخل أم لا؟ ٣٤٧ فأجاب : إذا دخل منزله فلا حنث عليه إذا كانت الحالة ما ذكر ؛ لكون المحلوف عليه ممتنعا لذاته، كما لوحلف ليشربن الماء الذى فى هذا الإناء وليس فيه ماء فى أصح القولين؛ ولأنه إنما حلف لاعتقاده أن ابنه أخذموتبين بخلاف ذلك . ومثل هذا فيه أيضا نزاع. والصحيح أنه لا حنث فيه، فصار غير حانت فى هذين الوجهين . والمسألة المشهورة إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فإن هذا جهل بالمحلوف عليه بنفسه ، وذلك جهل بصفة المحلوف عليه ، والله أعلم . وسئل محمد اللّه تعالى عن رجل حلفت عليه والدته أن لا يصالح زوجته . وإن صالحها ماترجع تكلمه : فما يجب فى أمره وصالح زوجته ، وأمر والدته فى الشرع المطهر ؟ فأجاب: إذا صالح زوجته كما أمر الله ورسوله فينبغى لها أن تكلمه وتكفر عن يمينها . وكفارة اليمين إما عتق رقبة ، وإما إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين رطلان من الخبز . وينبغى أن يادمه مما يؤ كل بالموز والجبن واللحم وغيره ، وإما كسوة عشرة مسا كين ثوبا ثوبا . ويجوز أن يكفر عنها بإذنها الحالف أو زوجته . ٣٤٨ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى كفارة اليمين هى المذكورة فى سورة المائدة قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ آَيَّامٍ ) فمتى كان واجدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث ؛ فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك. ((ومقدار ما يطعم)) مبني على أصل، وهو أن إطعامهم: هل هو مقدر بالشرع؟ أو بالعرف؟ فيه قولان للعلماء. منهم من قال: هو ((مقدر بالشرع)) وهؤلاء على أقوال. منهم من قال: يطعم كل مسكين صاعا من مر ، أو صاعامن شعير ، أو نصف صاع من بر ؛ كقول أبي حنيفة ، وطائفة . ومنهم من قال : يطعم كل واحد نصف صاع من تمر وشعير، أو ربع صاع من بر؛ وهو مد، كقول أحمد وطائفة. ومنهم من قال: بل يجزئ فى الجميع مد من الجميع، كقول الشافعي وطائفة . ((والقول الثانى)) أن ذلك مقدر بالعرف لا بالشرع؛ فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعا. وهذا معنى قول مالك، قال إسماعيل ٣٤٩ ابن إسحاق: كان مالك يرى فى كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة، قال مالك : وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم ؛ لقول الله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ) وهو مذهب داود وأصحابه مطلقا . والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول ؛ ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن ، خبز وسمن ، خبز وتمر . والأعلى خبز ولحم . وقد بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع وبينا أن هذا القول هو الصواب الذى يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن مالم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف ، لا سمامع قوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) فإن أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك؛ ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه . ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ، ولا يقدر الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين فى ظاهر مذهبه : هذا مع أن هذه واجبة بالشرط ، فكيف يقدر طعاما واجبا بالشرع؟ بل ولا يقدر الجزية فى أظهر الروايتين عنه، ولا الخراج ؛ ولا يقدر أيضا الأطعمة الواجبة مطلقا ، سواء وجبت بشرع أو شرط ، ولا غير الأطعمة مما وجبت مطلقا . فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر . ٣٥٠ و((الأقسام ثلاثة)) فماله حد فى الشرع أو اللغة رجع فى ذلك إليهما. وما ليس له حد فيهما رجع فيه إلى العرف ؛ ولهذا لا يقدر للعقود ألفاظا بل أصله فى هذه الأمور من جنس أصل مالك ، كما أن قياس مذهبه أن مذهبه أن يكون الواجب فى صدقة الفطر نصف صاع من بر ، وقد دل على ذلك كلامه أيضا كما قد بين فى موضع آخر ؛ وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك بالصاع كالتمر والشعير. وقد تنازع العلماء فى ((الأدم)) هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين . والصحيح أنه إن كان يطعم أهله بأدم أطعم المسا كين بأدم . وإن كان إنما يطعم بلا أدم لم يكن له أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم المساكين من أوسط ما يطعم أهله . وعلى هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله مدا من حنطة كما يقال عن أهل المدينة ، وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقى ، وهو بالدمشقى خمسة أواق وخمسة أسباع أوقية ، فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن السلف كان الخبز نحوا من أربعة أواق ، وهذا لا يكفى أكثر أهل الأمصار ؛ فلهذا قال جمهور العلماء : يطعم فى غير المدينة أكثر من هذا : إما مدان ، أومد ونصف على قدر طعامهم ، فيطعم من الخبز إما نصف رطل بالدمشقى، وإما ثلثا رطل ، وإما رطل وإما أكثر. إما مع الأدم على قدر عادتهم فى الأكل فى وقت (١)؛ فإن عادة الناس يختلف بالرخص (١) بياض بالأصلين . ٣٥١ الغلاء ، واليسار والإعسار ، وتختلف بالشتاء والصيف ، وغير ذلك. وإذا حسب ما يوجبه أبو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقى ؛ فإنه يوجب نصف صاع عنده ثمانية أرطال . وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب صاعا ثمانية أرطال، وذلك بقدر ما يوجبه الشافعى ست مرات، وهو بقدر ما يوجبه أحمد بن حنبل ثلاث مرات . والمختار أن يرجع فى ذلك إلى عرف الناس وعادتهم ، فقد يجزئ فى بلد ما أوجبه أبو حنيفة ، وفى بلد ما أوجبه أحمد ، وفى بلد آخر مابين هذا وهذا على حسب عادته ؛ عملا بقوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) . وإذا جمع عشرة مساكين وعشام خبزا وأدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك عندا كثر السلف، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين وغيرهم ، وهو أظهر القولين فى الدليل ، فإن الله تعالى أمر بإطعام ؛ لم يوجب التمليك، وهذا إطعام حقيقة . ومن أوجب ((التمليك)) احتج بحجتين ((إحداهما)) أن الطعام الواجب مقدر بالشرع ، ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد ياً كل قدر حقه. و((الثانية)» أنه بالتمليك يتمكن من التصرف الذى لا يمكنه مع الإطعام. وجواب الأولى أنا لانسلم أنه مقدر بالشرع ؛ وإن قدر أنه مقدر به فالكلام ٣٥٢ إنما هو إذا أشبع كل واحد منهم غداء وعشاء ، وحينئذ فيكون قد أخذ كل واحد قدر حقه وأكثر. وأما التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب فيها التمليك لأنه ذكرها باللام بقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ ) ولهذا حيث ذكر الله التصرف بحرف الظرف، كقوله : ( وَفِي الْرِقَابِ ) (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالصحيح أنه لا يجب التمليك؛ بل يجوز أن يعتق من الزكاة وإن لم يكن ذلك تمليكا للمعتق، ويجوز أن يشتري منها سلاحً يعين به فى سبيل الله وغير ذلك . ولهذا قال من قال من العلماء الإطعام أولى من التمليك ؛ لأن المملك قد يبيع ما أعطيته ولا يأكله؛ بل قد يكنزه ، فإذا أطعم الطعام حصل مقصود الشارع قطعا . وغاية ما يقال : أن التمليك قد يسمى إطعاما، كما يقال؛ ((أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدة السدس)) وفى الحديث: ((ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلى الأمر بعده)) لكن يقال: لاريب أن اللفظ يتناول الإطعام المعروف بطريق الأولى ، ولأن ذلك إنما يقال إذا ذكر المطعم ، فيقال: أطعمه كذا . فأما إذا أطلق وقيل: أطعم هؤلاء المساكين. فإنه لايفهم منه إلا نفس الإطعام. لكن لما كانوا يأكلون ما يأخذونه سمي التمليك للطعام إطعاما ؛ لأن المقصود هو الإطعام. أما إذا كان المقصود مصرفا غير الأكل فهذا لا يسمى إطعاما عند الإطلاق . ٣٥٣ وقال قدس الله روحه وأما ( النذر)) فهو نوعان: طاعة، ومعصية . فمن نذر صلاة أو صوما أو صدقة فعليه أن يوفى به ، وإن نذر ماليس بطاعة مثل النذر لبعض المقابر والمشاهد وغيرها زيتا أو شعا أو نفقة أو غير ذلك فهذا نذر معصية ، وهو شبيه من بعض الوجوه النذر للأوثان ؛ كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى : فهذا لا يجوز الوفاء به بالاتفاق ؛ لكن من العلماء من يوجب كفارة يمين ، كالإمام أحمد وغيره . ومنهم من لا يوجب شيئا ، وهو قول أبى حنيفة والشافعي . وإذا صرف الرجل ذلك المنذور فى قربة مشروعة مثل أن يصرف الدهن فى تنوير المساجد التى هى بيوت الله ، ويصرف النفقة إلى صالحى الفقراء : كان هذا عملا صالحا يتقبله الله منه؛ مع أن أصل ((عقد النذر)) مكروه فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه ((أنه نهى عن النذر، وقال إنه لا يأتي بخير؛ وإنما يستخرج به من البخيل )) . والله أعلى ٠ ٣٥٤ باب القضاء قال أبو العباس قدس الآروم ((فائدة نافعة جامعة )» المقصود من القضاء وصول الحقوق إلى أهلها ، وقطع المخاصمة . فوصول الحقوق هو المصلحة ، وقطع المخاصمة إزالة المفسدة . فالمقصود هو جلب تلك المصلحة وإزالة هذه المفسدة. ووصول الحقوق هو من العدل الذى تقوم به السماء والأرض. وقطع الخصومة هو من ((باب دفع الظلم والضرر)) وكلاهما ينقسم إلى إبقاء موجودودفع مفقود. ففى وصول الحقوق إلى مستحقها يحفظ موجودها ويحصل مقصودها ، وفى الخصومة يقطع موجودها ويدفع مفقودها . فإذا حصل الصلح زالت الخصومة التى هى أحد المقصودين . وأما ((الحقوق)) فإما أن تكون وصلت معه أو رضي صاحب الحق بتركه وهو جائز ، وإذا انفصلت الحقوق بحكم وشهادة ونحو ذلك فقد يكون فى فصلها جرح الحكام والشهود ونحو ذلك ، وهو من المفاسدالتى لا يصار إليها إلا لضرورة ، كالمخاصمة ؛ فإنه قد يكون فى الفصل الأمر صعبا بين المتخاصمين وغيرهما . ٣٥٥ ((فالأقسام أربعة)): إما فصل بصلح . فهذا هو الغاية ، لأنه حصل المقاصد الثلاث على التمام . وإما فصل بحكم مر . فقد حصل معه وصول الحق وقطع الخصومة ، ولم يحصل معه صلاح ذات البين: وإما صلح على ترك بعض ما يدعى أنه حق . فهذا أيضا قد حصل مقصود الصلح وقطع النزاع ؛ ولم يحصل مقصود وصول الحقوق ؛ لكن ما يقوم مقامه من الترك . ومن هنا يتبين أن الحكم بالصلح أحسن من الحكم بالفصل المر ، لأنهما اشتركا فى دفع الخصومة وامتاز ذلك بصلاح ذات البين مع ترك أحدهما لحقه؛ وامتاز الآخر بأخذ المستحق حقه مع ضغائن . فتلك المصلحة أكمل ، لاسيما إن كان الحق إنما هو فى الظاهر وقد يكون الباطن بخلافه . وأما لافضل ولاصلح فهذا لا يصلح يحصل به مفسدة ترك القضاء . وإن كان الحق فى يد صاحبه كالوقف وغيره يخاف إن لم يحفظ بالبينات أن ينسيه شرط ويححد ولا يأتيه ونحو ذلك ؛ فهنا فى سماع الدعوى والشهادة من غير خصم حفظ الحق المجحود عن خصم مقدر ، وهذا أحد مقصودي القضاء فلذلك يسمع ذلك . ومن قال من الفقهاء : لا يسمع ذلك ، كما يقوله طوائف من الحنفية والشافعية والحنبلية ، فعنده ليس للقضاء فائدة إلافصل الخصومة ولا خصومة ولا قضاء ؛ فلذلك لا تسمع البينة إلا فى وجه مدعى عليه لتظهر الخصومة . ومن قال بالخصم المسخر فإنه ينصب للمشر ثم يقطعه ومن قال تسمع فإنه يحفظ الحق الموجود ويذر الشر المفقود. والله أعلم. ٣٥٦ وقال شيخ الإسلام قدس الآّروجه فصل فيما جعل الله للحاكم أن يحكم فيه ، ومالم يجعل لواحد من المخلوقين الحكم فيه ، بل الحكم فيه على جميع الخلق لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد من الحكام أن يحكم فيه على غيره ، ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامة . وهذا مثل الأمور العامة الكلية التى أمر الله جميع الخلق أن يؤمنوا بها ويعملوا بها ، وقد بينها فى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمعت عليه الأمة ، أو تنازعت الأمة فيه إذا وقع فيه نزاع بين الحكام وبين آحاد المسلمين : من العلماء أو الجند أو العامة ، أو غيرهم ، لم يكن للحاكم أن يحكم فيها على من ينازعه ويلزمه بقوله ويمنعه من القول الآخر ، فضلا عن أن يؤذيه أو يعاقبه . مثل أن يتنازع حاكم أو غير حاكم فى قوله: (أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) هل المراد به الجماع ؟ كما فسره ابن عباس وغيره ، وقالوا : إن مس المرأة لا ينقض الوضوء لا لشهوة ولا لغير شهوة. أو المراد به اللمس بجميع البشرة إما لشهوة وإما مطلقا؟ كما نقل الأول عن ابن عمر. والثالث قاله بعض العلماء. والعلماء فى هذا ((ثلاثة أقوال)). ٣٥٧ والأظهر هو القول الأول، وأن الوضوء لا ينتقض بمس النساء مطلقا، ومازال المسلمون يمسون نساءهم ولم ينقل أحد قط عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه كان يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك ؛ ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ من ذلك ؛ ولا نقل عنه قط أنه توضأ من ذلك ؛ بل قد نقل عنه فى السنن (( أنه كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ)) وقد اختلف فى صحة هذا الحديث؛ لكن لاخلاف أنه لم ينقل عنه أنه توضأً من المس. وكذلك تنازع المسلمون فى الوضوء من خروج الدم بالقصاد والحجامة ، والجرح، والرعاف، وفى ((القيء)) وفيه قولان مشهوران، وقد نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه توضأ من ذلك؛ وعن كثير من الصحابة ؛ لكن لم يثبت قط أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الوضوء من ذلك، بل كان أصحابه يخرجون فى المغازى فيصلون ولا يتوضاون ؛ ولهذا قال طائفة من العلماء : إن الوضوء من ذلك مستحب غير واجب ، وكذلك قال فى الوضوء ((من مس الذكر)) و((مس المرأة لشهوة)) إنه يستحب الوضوء من ذلك ولا يجب، وكذلك قالوا فى (الوضوء من القهقهة)) و((مما مست النار)) إِن الوضوء من ذلك يستحب ولا يجب ؛ فمن توضأ فقد أحسن ، ومن لم يتوضأ فلا شيء عليه . وهذا أظهر الأقوال . وليس المقصود ذكر هذه المسائل ؛ بل المقصود ضرب المثل بها . ٣٥٨ وكذلك تنازعوا فى كثير من مسائل الفرائض كالجد والمشركة وغيرهما وفى كثير من مسائل الطلاق والإيلاء وغير ذلك ، وفى كثير من مسائل العبادات فى الصلاة والصيام والحج ، وفى مسائل زيارات القبور ؛ منهم من كرهها مطلقاً ، ومنهم من أباحها ، ومنهم من استحبها إذا كانت على الوجه المشروع ، وهو قول أكثرم . وتنازعوا فى ((السلام على النبى صلى الله عليه وسلم)): هل يسلم عليه فى المسجد وهو مستقبل القبلة ؟ أو مستقبل الحجرة ؟ وهل يقف بعد السلام يدعو له ، أم لا ؟ وتنازعوا أى المسجدين أفضل : المسجد الحرام ، أو مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ، واتفقوا على أنهما أفضل من المسجد الأقصى ، واتفقوا على أنه لا يستحب السفر إلى بقعة للعبادة فيها غير المساجد الثلاثة ، واتفقوا على أنه لو نذر الحج أو العمرة لزمه الوفاء بنذره، واتفق الأئمة الأربعة والجمهور على أنه لو نذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة لم يلزمه الوفاء بنذره ، وتنازعوا فيما إذا تذر السفر إلى المسجدين إلى أمور أخرى يطول ذكرها . وتنازعوا فى بعض تفسير الآيات، وفى بعض الأحاديث : هل ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو لم تثبت ؟ ٣٥٩ فهذه الأمور الكلية ليس لحا كم من الحكام كائنا من كان - ولو كان من الصحابة - أن يحكم فيها بقوله على من نازعه فى قوله ، فيقول : ألزمته أن لا يفعل ولا يفتى إلا بالقول الذي يوافق لمذهبى؛ بل الحكم فى هذه المسائل لله ورسوله ، والحاكم واحد من المسلمين ، فإن كان عنده علم تكلم بما عنده ، وإذا كان عند منازعه على تكلم به ، فإن ظهر الحق فى ذلك وعرف حكم الله ورسوله وجب على الجميع اتباع حكم الله ورسوله ، وإن خفى ذلك أقر كل واحد على قوله - أقر قائل هذا القول على مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه - ولم يكن لأحدهما أن يمنع الآخر إلا بلسان العلم والحجة والبيان فيقول ما عنده من العلم. وأما ((باليد والقهر)) فليس له أن يحكم إلا فى المعينة التى يتحاكم فيها إليه مثل ميت مات وقد تنازع ورثته فى قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه وإذا حكم هنا بأحد قولى العلماء ألزم الخصم بحكمه. ولم يكن له أن يقول أنا لاأرضى حتى يحكم بالقول الآخر. وكذلك إذا تحاكم إليه اثنان فى دعوى يدعيها أحدهما فصل بينهما كما أمر الله ورسوله، وألزم المحكوم عليه بما حكم به ، وليس له أن يقول : أنت حكمت على بالقول الذى لا أختاره ؛ فإن الحاكم عليه أن يجتهد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) وقد يخص الله بعض الأنبياء والعلماء ٣٦٠