النص المفهرس
صفحات 281-300
كان عنده يميناً لم يقل له كفر عن يمينك . وإنما قال صلى الله عليه وسلم ((لا يمين ولا نذر)) لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع، والنذر ما قصد به التقرب ، وكلاهما لا يوفى به فى المعصية والقطيعة . وفى هذا الحديث دلالة أخرى، وهو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يمين ولا نذر فى معصية الرب، ولا فى قطيعة رحم)) يعم جميع ما يسمى عينا أو نذرا ، سواء كانت اليمين بالله أو كانت بوجوب ماليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي ، أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق. ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون نهيه عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط، أو يكون مقصوده مع ذلك لا يلزمه مافى اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم، وهذا الثانى هو الظاهر ؛ لاستدلال عمر بن الخطاب به ؛ فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب رضى الله عنه على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة ؛ ولأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم يعم ذلك كله . وأيضا فما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق فى اليمين والحلف فى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلاحنث عليه)) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذى ، وقال : حديث حسن ٢٨١ وأبو داود ولفظه ، حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان ؛ عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على عين فقال إن شاء الله فقد استثنى)) ورواه أيضا من طريق عبد الرزاق، عن نافع، عن ابن عمر ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث)) وعن أبى هريرة ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث)) رواه أحمد والترمذى وابن ماجه، ولفظه ((فله ثنياه)) والنسائى، وقال: ((فقد استثنى )) ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق فى هذا الحديث ، وقالوا: ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة؛ بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه فى مذهبه ، وإنما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء . وإنما الذى لا يدخل عندأكثرم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق ، والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر. وسنذكر إن شاء الله ((قاعدة الاستثناء)) فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء فى قوله: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)) فكذلك يدخل فى قوله ((من حلف على يعين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير ، وليكفر عن يمينه ؛ فإن كلا اللفظين سواء، وهذا واضح لمن تأمله ؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)) العموم فيه مثله فى قوله: ٢٨٢ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي خير ، وليكفر عن يمينه)) وإذا كان لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حكم الاستثناء هو لفظه فى حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير ، وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء ، كما نص عليه أحمد فى غير موضع . ومن قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بقوله: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)) جميع الأ يمان التي يحلف بها من اليمين بالله، وبالنذر، وبالطلاق، وبالعتاق وبقوله: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها )) إنما قصد به اليمين بالله أو اليمين بالله والنذر. فقوله ضعيف فإن حضور موجب أحد اللفظين بقلب النبي صلى الله عليه وسلم مثل حضور موجب اللفظ الآخر ، إذ كلاهما لفظ واحد؛ والحكم فيهما من جنس واحد، وهو رفع اليمين. إما بالاستثناء ؛ وإما بالتكفير . وبعد هذا فاعلم أن الأمة انقسمت فى دخول الطلاق والعتاق فى حديث الاستثناء على ((ثلاثة أقسام)). ((فقوم)) قالوا: يدخل فى ذلك الطلاق والعتاق أنفسهما؛ حتى لو قال أنت طالق إن شاء الله، وأنت حر إنشاء الله: دخل ذلك فى عموم الحديث وهذا قول أبي حنيفة والشافعى وغيرهما . ٢٨٣ وقوم قالوا يدخل فى ذلك الطلاق والعتاق؛ لا إيقاعهما ولا الحلف بهما . بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم وهذا أشهر القولين فى مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد . و ((القول الثالث)) أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل فى ذلك ؛ بل يدخل فيه الحلف بالطلاق والعتاق ، وهذه الرواية الثانية عن أحمد . ومن أصحابه من قال: إن كان الحلف بصيغة القسم دخل فى الحديث ونفعته المشيئة رواية واحدة؛ وإن كان بصيغة الجزاء فقيه روايتان و ((هذا القول الثالث)) هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجمهور التابعين: كسعيد بن المسيب، والحسن؛ لم يجعلوا فى الطلاق استثناء ولم يجعلوه من الأيمان ؛ ثم قد ذكرنا عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف بالصدقة والهدي والعتاق ونحو ذلك يمينا مكفرة، وهذا معنى قول أحمد فى غير موضع: الاستثناء فى الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان ، قال أيضا : الثنيا فى الطلاق لا أقول به؛ وذلك أن الطلاق والعتاق حرفان واقعان . وقال أيضا : إنما يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة ، والطلاق والعتاق لا يكفران . وهذا الذى قاله ظاهر، وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يمينا أصلا وإنما هو بمنزلة العفو عن القصاص ،والإبراء من الدين ، ولهذا لو قال : ((والله لا أحلف على يمين! ثم إنه أعتق عبداً له، أو طلق امرأته، أو أبرأ ٢٨٤ غريمه من دم أو مال أو عرض؛ فإنه لا يحنث؛ ما علمت أحداً خالف فى ذلك. فمن أدخل إيقاع الطلاق والعتاق فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على مين فقال إن شاء الله لم يحنث، فقد حمل العام ما لا يحتمله ، كما أن من أخرج من هذا العام قوله : الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا ، أو لا أفعله إن شاء الله ، أو إن فعلته فامر أتى طالق إن شاء الله . فقد أخرج من القول العام ما هو داخل فيه ، فإن هذا يمين بالطلاق والعتاق. وهنا ينبغي تقليد أحمد بقوله : الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان ؛ فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما . وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا؛ ولهذا لو قال: والله لا أحلف على يمين أبداً . ثم قال: إن فعلت كذا فامر أتى طالق . حنث . وقد تقدمأن أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم سموه يمينا ، وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا، وكذلك عامة المسلمين سموه يمينا ، ومعنى اليمين موجود فيه ، فإنه إذا قال : أحلف بالله لأفعلن إن شاء الله . فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه ، والمعنى إنى حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله ، فإذا لم يفعل لم يكن قد شاءه؛ فلا يكون ملتزما له . فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد - أى الحالف - إن شاء الله أن أكون حالفا كان معنى هذا مغايراً (١) الاستثناء فى الإنشاءات كالطلاق ، (١) نسخة: معنى . ٢٨٥ وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ذلك. وكذلك قوله : الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا إن شاء الله . تعود المشيئة عند الإطلاق إلى الفعل ، فالمعنى لأفعلنه إن شاء الله فعله، فتى لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ملتزما للطلاق؛ بخلاف ما لو عنى بالطلاق يلزمنى إن شاء الله لزومه إياه، فإن هذا بمنزلة قوله أنت طالق إن شاء الله . وقول أحمد : إنما يكون الاستثناء فيما فيه حكم الكفارة ، والطلاق والعتاق لا يكفران . كلام حسن بليغ ؛ لما تقدم من أن النبى صلى الله عليه وسلم أخرج حكم الاستثناء وحكم الكفارة مخرجا واحدا بصيغة الجزاء وبصيغة واحدة ، فلا يفرق بين ما جمعه النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل، فإن الأحكام التى هى الطلاق والعتاق ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها ، فإنها واجبة بوجوب أسبابها ، فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله، وإنما تعلق على المشيئة الحوادث التى قديشاؤها الله وقد لا يشاؤها من أفعال العباد ونحوها ، والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث فى المين التى قد يحصل فيها الموافقة بالبر تارة، والمخالفة بالحنث أخرى. ووجوب الكفارة بالحنث فى اليمين التى تحتمل الموافقة والمخالفة كارتفاع ٠٠ اليمين بالمشيئة التى يحتمل التعليق وعدم التعليق : فكل من حلف على شىء ليفعلنه فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه ، وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته الكفارة ، فالاستثناء والتكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيها الموافقة ٢٨٦ فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع فى هذا الباب من الزيادة أو النقص ، فهذا على ما أوجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره : الطلاق والعتاق لا يكفران . كقوله وقول غيره : لا استثناء فيهما ، وهذا فى إيقاع الطلاق والعتاق. وأما الحلف بهما فليس تكفيراً لهما ؛ وإنما هو تكفير للحلف بعما ، كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك فى نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ، وإنما يكفر الحلف بها ، وإلا فالصلاة لا كفارة فها ، وكذلك هذه العبادات لا كفارة فها لمن يقدر عليها ، وكما أنه إذا قال : إن فعلت كذا فعلى أن أعتق . فإن عليه الكفارة بلا خلاف فى مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج والغضب؛ وليس ذلك تكفيرا للعتق ، وإنما هو تكفير للحلف به. فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كان الحلف بهما تصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمناه . ء وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كاحد القولين فى مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح، ونحن فى هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه، وسنتكلم إن شاء الله فى ((مسألة الاستثناء)) على حدة ٢٨٧ وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه ، لأنه لا استثناء فيه، لزم من هذا القول أن الاستثناء فى الحلف بهما. وأما من فرق من أصحاب أحمد فقال: يصح فى الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة . فهذا الفرق لم أعلمه منصوصا عليه عن أحمد؛ ولكنهم معذورون فيه من قوله حيث لم يجدوه نص فى تكفير الحلف بهما على روايتين ، كما نص فى الاستثناء فى الحلف بهما على روايتين؛ لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التى ينصرونها . ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ، ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها ، بل يرجع عن الملزوم ، أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم. والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه . فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفى ولا إثبات ، أو نص على نفيه. وإذا نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفى لزومه أو لم ينص ، فإن كانقد نص على نفى ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه فى تلك المسألة مثل أن ينص فى مسئلتين متشابهتين على قولين مختلفين ، أو يعلل مسألة بعلة ينقضها فى موضع آخر، كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء ، وعنه فى الاستثناء روايتان . فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفى ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهبا ؟ أو لا يسمى ؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور ٢٨٨ فالأثرم والخرقى وغيرهما يجعلونه مذهبا له ، والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهبا له . والتحقيق أن هذا قياس قوله ولازم قوله ؛ فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه ؛ ولا أيضا بمنزلة ماليس بلازم قوله : بل هو منزلة بين منزلتين . هذا حيث أمكن أن لا يلازمه . وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به أو ملزما له إذا أوقعه صاحبه ، وكذلك العتق ، وكذلك النذر، وهذه العقود من النذر والطلاق والعتاق تقتضى وجوب أشياء على العبد، أو تحريم أشياء عليه . والوجوب والتحريم إنما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه؛ فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شىء بالاتفاق ، ولو تكلم بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا وعند الجمهور ، كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه؛ لم يقصد حكمها ؛ ولاقصد التكلم بها ابتداء . فكذلك الحالف إذا قال: إن لم أفعل كذا فعلى الحج، أو الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق ، ولا تكلم بما يوجبه ابتداء ؛ وإنما قصده الحض على ذلك الفعل . أو منع نفسه منه، كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه ؛ ثم قال على طريق المبالغة فى الحض والمنع : إن فعلت كذا فهذا لي لازم ، أو هذا علي حرام ؛ لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به ، فقصده منعهما جميعا ، لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه. وإذا لميكن قاصدا للحكم ولالسببه، وإنما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم. ٢٨٩ و ((أيضا)) فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة فى الأمة لم يبلغنى أنه كان يحلف بها على عهد قدماء الصحابة ؛ ولكن قدذكروها فى أيمان البيعة التى رتبها الحجاج بن يوسف ، وهى تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال والطلاق والعتاق . ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة فى الحلف بالطلاق وإنما الذي بلغنا عنهم الجواب فى الحلف بالعتق، كما تقدم. ثم هذه ((البدعة)) قد شاعت فى الأمة وانتشرت انتشارا عظيما ؛ ثم لما اعتقد من اعتقد أن الطلاق يقع بها لا محالة : صار فى وقوع الطلاق بها من الأغلال على الأمة ماهو شبيه بالأغلال التى كانت على بنى إسرائيل ، ونشأ عن ذلك (( خمسة أنواع من الحيل والمفاسد)) فى الأيمان، حتى اتخدوا آيات الله هزواً ، وذلك أنهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لابد لهم من فعلها إما شرعا وإما طبعا، وعلى فعل أمور يصلح فعلها إما شرعا وإما طبعا ، وغالب ما يحلفون بذلك فى حال اللجاج والغضب . ثم فراق الأهل فيه من الضرر فى الدين والدنيا ما يزيد على كثير من أغلال اليهود ، وقدقيل إن الله إنما حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره لئلا يسارع الناس إلى الطلاق ؛ لما فيه من المفسدة . فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة وم محتاجون إلى فعل تلك الأمور أوتركها مع عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم (( أربعة أنواع من الحيل)) أخذت عن الكوفيين وغيرهم. ٢٩٠ ((الحيلة الأولى)) فى المحلوف عليه ، فيتأول لهم خلاف ماقصدوه ، وخلاف ما يدل عليه الكلام فى عرف الناس وعاداتهم . وهذا هو الذى وصفه بعض المتكلمين فى الفقه ويسمونه ((باب المعاياة)) و ((باب الحيل فى الأيمان)) وأكثره مما يعلم بالاضطرار من الدين أنه لا يسوغ فى الدين ، ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه ؛ ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره يشددون النكير على من يحتال فى هذه الأيمان . ((الحيلة الثانية)) إذا تعذر الاحتيال فى الكلام المحلوف عليه احتالوا للفعل المحلوف عليه ؛ بأن يأمروه بمخالفة امرأته ليفعل المحلوف عليه فى زمن البينونة ، وهذه الحيلة أحدث من التى قبلها ، وأظنها حدثت فى حدود المائة الثالثة ؛ فإن عامة الحيل إنما نشأت عن بعض أهل الكوفة ، وحيلة الخلع لاتمشى على أصلهم ؛ لأنهم يقولون: إذا فعل المحلوف عليه فى العدة وقع به الطلاق ، لأن المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم ، فيحتاج المحتال بهذه الحيلة أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه بعد انقضائها وهذا فيه ضرر عليه من جهة طول المدة . فصار يفتى بها بعض أصحاب الشافعي . وربما ركبوا معها أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من: أن الخلع فسخ ؛ وليس بطلاق . فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل المحلوف عليه ثم تزوجها ؛ فإما أن يفتوه بنقص عدد الطلاق؛ أو يفتوه بعدمه وهذا الخلع الذي هو ((خلع الأيمان)) شبيه بنكاح المحلل سواء ؛ فإن ذلك ٢٩١ عقد عقدا لم يقصده وإنما قصد إزالته ، وهذا فسخ فسخا لم يقصده وإنما قصد إزالته، وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله بن بطة جزءاً فى إبطالها، وذكر عن السلف فى ذلك من الآثار ماقد ذكرت بعضه فى غير هذا الموضع ((الحيلة الثالثة)) إذا تعذر الاحتيال فى المحلوف عليه احتالوا فى المحلوف به ، فيبطلونه بالبحث عن شروطه . فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعى يبحثون عن صفة عقد النكاح لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدا ؛ ليرتبوا على ذلك أن الطلاق فى النكاح الفاسد لا يقع ، ومذهب الشافعى فى أحد قوليه وأحمد فى إحدى روايتيه أن الولي الفاسق لا يصح نكاحه، والفسوق غالب على كثير من الناس ، فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق حتى رأيت من صنف فى هذه المسألة مصنفا مقصوده به الاحتيال لرفع الطلاق . ثم تجد هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون فى صفة عقد النكاح، وكون ولاية الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق الذى قدذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم إلى أنه يقع فى الفاسد فى الجملة. وأما عند الوطء والاستمتاع الذى أجمع المسلمون على أنه لا يباح فى النكاح الفاسد فلا ينظرون فى ذلك ، ولا ينظرون فى ذلك أيضا عند الميراث وغيره من أحكام النكاح الصحيح ؛ بل عند وقوع الطلاق خاصة . وهذا نوع من اتخاذ آيات الله هزواً ، ومن المكر فى آيات الله: إنما أوجبه الحلف بالطلاق، والضرورة إلى عدم وقوعه . ٢٩٢ ((الحيلة الرابعة)) الشرعية فى إفساد المحلوف به أيضا؛ لكن لوجود مانع ؛ لالفوات شرط : فإن أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا أنه إذا قال لامرأته : إذا وقع عليك طلاقى وإذا طاقتك فأنت طالق قبل ثلاثا ، فإنه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبدا؛ لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق ، وإذا وقع المعلق امتنع وقوع المنجز ، فيفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع وأما عامة فقهاء الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك ؛ بل رأوه من الزلات التى يعلم بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام ؛ حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أن الطلاق أمر مشروع فى كل نكاح ، وأنه مامن نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق : وسبب الغلط أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام ، فقالوا : إذا وقع المنجز وقع المعلق . وهذا الكلام ليس بصحيح ، فإنه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ، ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع فى الشريعة. فالكلام المشتمل على ذلك باطل؛ وإذا كان باطلا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ لأنه إنما يلزم إذا كان التعليق صحيحاً . ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث؟ أم يبطل التعليق ولا يقع إلا المنجز ؟ على قولين فى مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما . وما أدرى هل استحدث ابن سريج هذه المسئلة للاحتيال على رفع الطلاق؟ أم قاله طرداً لقياس اعتقد صحته ، واحتال بها من بعده ؟ لكنى رأيت ٢٩٣ مصنفا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه فى هذه المسألة ، ومقصودهبها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق . ولهذا صاغوها بقوله: إذا وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثا . لأنه لو قال : إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا لم تنفعه هذه الصيغة فى الحيلة، وإن كان كلاهما فى الدور سواء . وذلك لأن الرجل إذا قال لامر أته إذا طلقتك فعبدى حر ، أو فأنت طالق : لم يحنث إلا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين ؛ أو يعلقه بعدها على شرط فيوجد . فإن كل واحد من التنجيز والتعليق الذى وجد شرطه تطليق . أما إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقًا؛ لأن التطليق لابد أن يصدر عن المطلق ، ووقوع الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلا منه . فأما إذا قال: إذا وقع عليك طلاقى. فهذا يعم المنجز والمعلق بعد هذا بشرط ، والواقع بعد هذا بشرط تقدم تعليقه . فصوروا المسئلة بصورة قوله : إذا وقع عليك طلاقى . حتى إذا حلف الرجل بالطلاق لا يفعل شيئا قالوا له : قل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا . فيقول ذلك فيقولون له : افعل الآن ماحلفت عليه ؛ فإنه لا يقع عليك طلاق !!! فهذا ((التسريح)) المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينا أنه ليس من الشريعة التى بعث الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم إنما نفقه فى الغالب وأحوج كثيرا من الناس إلا الحلف بالطلاق، وإلا فلو لا ذلك لم يدخل فيه أحد؛ لأن العاقل لايكاد يقصد انسداد باب الطلاق عليه إلا نادراً . ٢٩٤ «الحيلة الخامسة)) إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال لافى المحلوف عليه قولا ولا فعلا ، ولا فى المحلوف به إبطالا ولا منعا : احتالوا لإعادة النكاح ((بنكاح المحلل)) الذى دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد الأصول على تحريمه وفساده ، ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد مالا يعلمه إلا الله، كما قد نبهنا على بعضه فى ((كتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل )) وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق ؛ وإلا فالطلاق الثلاث لا يقدم عليه الرجل فى الغالب إلا إذا قصده ، ومن قصده لم يترتب عليه من الندم والفساد ما يترتب على من اضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث . فهذه ((المفاسد الخمس)) التي هي الاحتيال على نقض الأيمان وإخراجها من مفهومها ومقصودها . ثم الاحتيال بالخلع وإعادة النكاح ، ثم الاحتيال بالبحث عن فساد النكاح ، ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق ، ثم الاحتيال بنكاح المحلل : فى هذه الأمور من المكر والخداع ، والاستهزاء بآيات الله ، واللعب الذي ينفر العقلاء عن دين الإسلام ، ويوجب طعن الكفار فيه ، كما رأيته فى بعض كتب النصارى وغيرها ، وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات التى تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان . ٢٩٥ وأكثر ما أوقع الناس فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها واستخراجهم لها هو حلف الناس بالطلاق ، واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لامحالة ؛ حتى لقد فرع الكوفيون وغيرهم من فروع الأيمان شيئا كثيراً مبناه على هذا الأصل ، وكثير من الفروع الضعيفة التى يفرعها هؤلاء وبحوم هى كما كان الشيخ أبو محمد المقدسى رحمه الله يقول: مثالها مثال رجل بنى داراً حسنة على حجارة مغصوبة ، فإذا نوزع فى استحقاق تلك الحجارة التى هى الأساس فاستحقها غيره انهدم بناؤه ؛ فإن الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة وإلا لم يكن لها منفعة . فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه المفاسد العظيمة التى قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار فى هؤلاء شبه من أهل الكتاب كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أن لزوم الطلاق عند الحلف به ليس فى كتاب الله ولا سنة رسوله ، ولا أفتى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا اتفق عليه التابعون لهم بإحسان والعلماء بعدهم ، ولا هو مناسب لأصول الشريعة ، ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة ، أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أمة علماء محمودين عند الأمة ، وهم ولله الحمد فوق ما يظن بهم؛ لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله وإلى الرسول ، وقد خالفهم من ليس دونهم ؛ بل مثلهم أوفوقهم . فإنا قد ذكرناعن أعيان من الصحابة ٢٩٦ كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ودينه، وأخته حفصة أم المؤمنين وزينب ريبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من أمثل فقيهات الصحابة الأفتاء بالكفارة فى الحلف بالعتق ، والطلاق أولى منه . وذكرنا عن طاوس وهو من أفاضل علماء التابعين علما وفقها ودينا: أنه لم يكن يرى اليمين بالطلاق موقعة له . فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث فى اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد ، وحاله فى الشريعة هذه الحال : كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا الفساد لم يشرعه الله ولا رسوله ، كما نبهنا عليه فى ضمان الحدائق من يزدرعها ويستثمرها ، ويبيع الخضر ونحوها . وذلك أن الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه ، وليعقن أباه ، وليقتلن عدوه المسلم المعصوم ، وليأتين الفاحشة ، وليشرين الخمر ، وليفرقن بين المرء وزوجه ، ونحو ذلك من كبائر الإثم والفواحش فهو بين ((ثلاثة أمور)) إما أن يفعل هذا المحلوف عليه : فهذا لا يقوله مسلم ؛ لما فيه من ضرر الدنيا والآخرة، مع أن كثيراً من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك سببا لتخفيف الأمر عليه ، وإقامة عذره . ٢٩٧ وإما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة ، كما استخرجه قوم من المفتين : ففى ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته ، والمكر فى دينه ، والكيد له ، وضعف العقل والدين ، والاعتداء لحدوده ، والاتتهاك لمحارمه ، والإلحاد فى آياته : مالا خفاء به ؛ وإن كان فى إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك ، فقد دخل من الغلط فى ذلك - وإن كان مغفوراً لصاحبه المجتهد المتقى لله - ما فساده ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين . ء وإما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه ؛ بل يطلق امرأته ، كما يفعله من يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق . ففى ذلك من الفساد فى الدين والدنيا ما لا يأذن الله به ولا رسوله . أما ((فساد الدين)) فإن الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء ، حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات)) وقال: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس خرام عليها رائحة الجنة)) وقد اختلف العلماء هل هو محرم ؟ أو مكروه ؟ وفيه روايتان عن أحمد. وقد استحسنوا جواب أحمد - رضى الله عنه - لما سئل عمن حلف بالطلاق وحرم ليطأن امرأته وهى حائض . فقال : يطلقها ولا يطأها ، قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض . وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين : إما على قوله إن الطلاق ليس بحرام . وإما أن يكون تحريمه دون تحريم الوطء . وإلا فإذا كان كلاهما حراما لم يخرج من حرام إلا إلى حرام . ٢٩٨ وأما (( ضرر الدنيا)) فأبين من أن يوصف ؛ فإن لزوم الطلاق والمحلوف به فى كثير من الأوقات يوجب من الضرر مالم تأت به الشريعة فى مثل هذا قط ، فإن المرأة الصالحة تكون فى صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة، وهى متاعه الذي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا متاع وخير متاعها المرأة المؤمنة ، إن نظرت إليها أعجبتك ، وإن أمربها أطاعتك ، وإن غبت عنها حفظتك فى نفسها ومالك)) وهى التى أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ ؟ فقال : ((لسانا ذا كرا؛ وقلبا شا كرا، أو امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه)» رواه الترمذى من حديث سالم بن أبى الجعد عن ثوبان، ويكون منها من المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها فى كتابه ، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانا، وأشد من ذهاب المال، وأشد من فراق الأوطان ؛ خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه ، أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم، ثم يفضى ذلك إلى القطيعة بين أقار بها، ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التى امتن الله تعالى بها فى قوله: (فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ) ومعلوم أن هذا من الحرج الداخل فى عموم قوله: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ومن العسر المنفي بقوله: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ((وأيضا)) فإذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان: من صدقة أو عتاقة، وتعليم علم؛ وصلة رحم وجهاد فى سبيل الله وإصلاح بين الناس ٢٩٩ ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التى يحبها الله ويرضاها ؛ فإنه لما عليه من الضرر العظم فى الطلاق أعظم [ أن] لا يفعل ذلك ؛ بل ولا يؤمر به شرعا؛ لأنه قد يكون الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال . وهذه المفسدة هى التى أزالها الله ورسوله بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُواْ الهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم (( لأن يلج أحدكم بيمينه فى أهله آثم له عند الله من أن يأتي الكفارة)). فإن قيل : فهو الذى أوقع نفسه فى أحد هذه الضرائر الثلاث ، فلا ينبغي له أن يحلف ؟ قيل : ليس فى شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلا بضرر عظم ؛ فإن الله لم يحمل علينا إصراً كما حمله على الذين من قبلنا . فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر فى حلفه بالطلاق ، ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجا ؟ !! وهذا بخلاف الذى ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه ، فإنه لا يفعل ذلك إلا وهو مريد الطلاق : إما لكراهة المرأة ، أو غضب عليها ، ونحو ذلك . وقد جعل الله الطلاق ثلاثة ، فإذا كان إنما يتكلم بالطلاق باختياره ، وله ذلك ثلاث مرات : كان وقوع الضرر بمثل هذا نادراً ؛ بخلاف الأول ؛ فإن مقصوده لم يكن الطلاق ؛ إنما كان أن ٣٠٠