النص المفهرس
صفحات 261-280
لا يعلم خلافا فى الطلاق والعتاق ، وإلا فسنذكر الخلاف إن شاء الله تعالى عن الصحابة والتابعين ومن بعده . وقد اعتذر الإمام أحمد عما ذكر ناه عن الصحابة فى كفارة العتق بعذرين ((أحدهما)) انفراد سليمان التيمي بذلك. ((والثانى)) معارضته بما رواه عن ابن عمر وابن عباس أن العتق يقع من غير تكفير . وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه فى هذه المسئلة من العلم المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد، قال المروزى: قال أبو عبد الله : إذا قال: كل مملوك له حر. يعتق عليه إذا حنث ؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة. وقال: وليس يقول كل مملوك لها حر في حديث ليلى بنت العجاء حديث أبى رافع أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب وذكرت العتق فأمروها بكفارة إلا التيمي ؛ وغيره لم يذكروا العتق ، قال سألت أبا عبد الله عن حديث أبى رافع قصة امرأته وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين، قلت فيها المشى؟ قال نعم أذهب إلى أن فيه كفارة يمين. وقال أبو عبد الله ليس يقول فيه كل مملوك إلا التيمي. قلت: فإذا حلف بعتق مملوكه، فمنث؟ قال: يعتق، كذا يروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا الجارية تعتق ؛ ثم قال: ما سمعنا إلا من عبد الرزاق، عن معمر . قلت: فإيش إسناده ؟ : قال : معمر ، عن إسماعيل؛ عن عثمان بن أبى حازم عن ابن عمر وابن عباس، وقال: إسماعيل ابن أمية وأيوب بن موسى وهما مكيان . ٢٦١ فقد فرق بين الحلف بالطلاق والعتق والحلف بالنذر بأنهما لا يكفران واتبع ما بلغه فى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ، وبه عارض ما روى من الكفارة عن ابن عمر وحفصة وزينب مع انفراد التيمي بهذه الزيادة . وقال صالح بن أحمد قال أبى : وإذا قال: جاريتى حرة إن لم أصنع كذا وكذا؟ قال : قال ابن عمر وابن عباس: يعتق . وإذا قال: كل مالى فى المسا كين لم يدخل فيه جاريته، فيه كفارة، فإن ذا لا يشبهه ذا ألا ترى أن ابن عمر فرق بينهما؟! العتق والطلاق لا يكفران . وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إذا قال الرجل: مالى فى المسا كين أنه يتصدق به على المسا كين ، وإذا قال: مالى على فلان صدقة . وفرقوا بين قوله: إن فعلت كذا فالى صدقة أو فعلي الحج ؛ وبين قوله : فامر أتى طالق؛ أو فعبدى حر: بأنه هناك موجب القول وجوب الصدقة والحج لاوجود الصدقة والحج ، فإذا اقتضى الشرط وجوب ذلك كانت الكفارة بدلا عن هذا الواجب، كما يكون بدلا عن غيره من الواجبات ، كما كانت فى أول الإسلام بدلا عن الصوم الواجب ، وبقيت بدلا عن الصوم على العاجز عنه وكما يكون بدلا عن الصوم الواجب فى ذمة الميت ؛ فإن الواجب إذا كان فى الذمة أمكن أن يخير بين أدائه وبين أداء غيره . وأما العتق والطلاق فإن موجب الكلام وجودهما ، فإذا وجد الشرط وجد العتق والطلاق ، وإذا وقعا لم يرتفعا بعد وقوعهما ؛ لأنهما لا يقبلان الفسخ ؛ بخلاف مالو قال إن فعلت كذا فلله على أن أعتق ؛ فإنه ٢٦٢ ٠ هنا لم يعلق العتق ؛ وإنما علق وجوبه بالشرط ، فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذى أوجبه على نفسه وبين الكفارة التي هى بدل عنه ؛ ولهذا لو قال : إذا مت فعبدى حر . عتق بموته من غير حاجة إلى الإعتاق ؛ ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور ؛ إلا قولا الشافعى ، ورواية عن أحمد . وفى بيعه الخلاف المشهور . ولو وصى بعتقه فقال : إذا مت فأعتقوه كان له الرجوع فى ذلك كسائر الوصايا ، وكان له بيعه هنا وإن لم يجز بيع المدير . وذكر أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن محمد بن عرفة فى تاريخه: أن المهدى لما أري ما أجمع عليه رأي أهل بيته من العهد إلى ابنه عزم على خلع عيسى ودعاهم إلى البيعة لموسى ؛ فامتنع عيسى من الخلع ، وزعم أن عليه أيمانا تخرجه من أملا كه ، وتطلق نساؤه . فأحضر له المهدى ابن علائة ومسلم ابن خالد وجماعة من الفقهاء فأفتوه بما يخرجه عن يمينه ، واعتاض عما يلزمه فى يمينه بمال كثير ذكره ، ولم يزل إلى أن خلع وبويع للمهدى ، ولموسى الهادى بعده . وأما ((أبو ثور)) فقال فى المتق المعلق على وجه اليمين يجزئه كفارة عين ، كنذر اللجاج والغضب؛ لأجل ما تقدم من حديث ليلى بنت العجماء التى أفتاها عبدالله بن عمر ، وحفصة أم المؤمنين وزينب ربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قولها : إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي محرر. وهذه القصة هى مما اعتمدها الفقهاء المستدلون فى مسئلة ((نذر ٢٦٣ اللجاج والغضب)) لكن توقف أحمد وأبو عبيد عن العتق فيها لما ذكرته من الفرق. وعارض أحمد ذلك. وأما الطلاق فلم يبلغ أبا ثور فيه أثر فتوقف عنه ، مع أن القياس عنده مساواته للعتق ؛ لكن خاف أن يكون مخالفا للإجماع. و ((الصواب)» أن الخلاف فى الجميع - الطلاق وغيره- لماسنذكره ولو لم ينقل فى الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أقى من الصحابة فى الحلف بالعتاق بكفارة عين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق ؛ فإنه إذا كان نذر العتق الذى هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة: فالحلف بالطلاق ليس بقربة إما أن تجزئ فيه الكفارة أولا يجب فيه شيء، على قول من يقول نذر غير الطاعة لاشىء فيه . ويكون قوله : إن فعلت كذا فأنت طالق . بمنزلة قوله : فعلي أن أطلقك ، كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله : فعبيدى أحرار . بمنزلة قوله : فعلي أن أعتقهم . على أني إلى الساعة لم يبلغنى عن أحد من الصحابة كلام فى الحلف بالطلاق وذلك - والله أعلم - لأن الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث فى زمانهم ، وإنما ابتدعه الناس فى زمن التابعين ومن بعده ، فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم . ((فأحد القولين)) أنه يقع به، كما تقدم. و ((القول الثانى)) أنه لا يلزم الوقوع . ذكر عبدالرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس ، عن أبيه : أنه ٢٦٤ كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا . قلت : أ كان يراه يمينا ؟ قال: لاأدرى. فقد أخبر ابن طاووس عن أبيه أنه كان لايراه موقعا للطلاق ، وتوقف فى كونه يمينا يوجب الكفارة ؛ لأنه من باب نذر مالاقربة فيه . وفى كون مثل هذا يمينا خلاف مشهور ، وهذا قول أهل الظاهر : كداود ، وأبى محمد بن حزم؛ لكن بناء على أنه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق . واختلفوا فى المؤجل ، وهو بناء على ما تقدم من أن العقود لا يصح منها إلا مادل نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه، وهو مبني على ((ثلاث مقدمات )) يخالفون فيها . ((أحدها)) كون الأصل تحريم العقود. ((الثانى)) أنه لا يباح ما كان فى معنى النصوص. ((الثالث)) أن الطلاق المؤجل والمعلق لم يندرج فى عموم النصوص . وأما المأخذ المتقدم من كون هذا كنذر اللجاج والغضب ، فهذا قياس قول الذين جوزوا التكفير فى نذر اللجاج والغضب، وفرقوا بين نذر التبرر ونذر الغضب ، فإن هذا الفرق يوجب الفرق بين المعلق الذى يقصد وقوعه عند الشرط وبين المعلق المحلوف به الذى يقصد عدم وقوعه ؛ إلا أن يصح الفرق المذكور بين كون المعلق هو الوجود أو الوجوب. وسنتكلم عليه . وقدذكرنا أن هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع قد ذكرناها ، وكذلك هو أيضا لازم لمن قال فى نذر اللجاج والغضب بكفارة ٢٦٥ كما هو ظاهر مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة التى اختارها أكثر متأخرى أصحابه، وإحدى الروايتين عن ابن القاسم التى اختارها كثير من متأخرى المالكية؛ فإن التسوية بين الحلف بالنذر والحلف بالعتق هو المتوجه ؛ ولهذا كان هذا من أقوى حجح القائلين بوجوب الوفاء فى الحلف بالنذر ؛ فإنهم قاسوه على الحلف بالطلاق والعتاق ، واعتقده بعض المالكية مجمعا عليه . وأيضاً فإذا حلف بصيغة القسم كقوله عبيدي أحرار لأفعلن ، أونسائى طوالق لأفعلن : فهو بمنزلة قوله : مالي صدقة لأفعلن ، وعلي الحج لأفعلن . والذى يوضح التسوية أن الشافعي إنما اعتمد فى الطلاق المعلق على فدية الخلع، قاله فى البويطي وهو ((كتاب مصرى)) من أجود كلامه وذلك أن الفقهاء يسمون الطلاق المعلق بسبب طلاقا بصفة ، ويسمون ذلك الشرط صفة . ويقولون : إذا وجدت الصفة فى زمان البينونة ، وإذا لم توجد الصفة ، ونحو ذلك . وهذه التسمية لها وجهان . ((أحدهما)) أن هذا الطلاق موصوف بصفة؛ ليس طلاقا مجرداً عن صفة ؛ فإنه إذا قال : أنت طالق فى أول السنة أو إذا طهرت . فقدوصف الطلاق بالزمان الخاص ؛ فإن الظرف صفة للمظروف ، وكذلك إذا قال : إن أعطيتنى ألفا فأنت طالق . فقد وصفه بعوضه . ٢٦٦ و ((الثانى)) أن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر ونحوها حروف الصفات . فلما كان هذا معلقا بالحروف التى قد تسمى (( حروف الصفات )) سمى طلاقا بصفة كما لو قال : أنت طالق بألف . و ((الوجه الأول)) هو الأصل؛ فإن هذا يعود إليه؛ إذ النحاة إنما سموا حروف الجر حروف الصفات لأن الجار والمجرور يصير فى المعنى صفة لما تعلق به ، فإذا كان الشافعي وغيره إنما اعتمدوا فى الطلاق الموصوف على طلاق الفدية ، وقاسوا كل طلاق بصفة عليه صار هذا (١) كما أن النذر المعلق بشرط مذكور فى قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَمْنَا مِن فَضْلِهِ، ومعلوم أن النذر المعلق بشرط هو لَنَصَّدَقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) نذر بصفة ؛ فقد فرقوا بين النذر المقصود شرطه وبين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج المين ، فلذلك يفرق بين الطلاق المقصود وصفه كالخلع حيث المقصود فيه العوض والطلاق المحلوف به الذى يقصد عدمه وعدم شرطه ؛ فإنه إنما يقاس بما فى الكتاب والسنة ما أشبهه ، ومعلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة المحلوف عليها التى يقصد عدمها كما فرق بينهما فى النذر سواء . والدليل على هذا القول: الكتاب، والسنة، والأثر ، والاعتبار (١) كذا ٢٦٧ أما ((الكتاب)) فقوله سبحانه : (يََّيُّهَا النَّبِّ لِمَ تُحُرِمُ مَا أَصَلَّ اللّهُ لَكَّ تَبْنَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَلَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُلَكُمْ فوجه الدلالة أن الله قال : تَحِلَةَأَيْمَتِكُمْ وَّه ◌َوَلَكُمْ وَهُوَ الْعَلِم ◌َْكِيمُ) وهذا نص عام فى كل يمين يحلف بها (قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ) المسلمون أن الله قد فرض لها تحلة ، وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي صلى الله عليه وسلم ، مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى ، فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفا للآية ، كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظى ؛ فإن اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل ، فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة . وهذا موجود فى المين بالعتق والطلاق أكثر منه فى غيرهما من أعان نذر اللجاج والغضب . فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس ، أو ليقطعن رحمه ، أولمنعن الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها : فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن ببر ويتقى ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه ؛ ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه ، وإن طلق امرأته ففى الطلاق أيضًاً من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه . أما الدين فإنه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين : ٢٦٨ إما كراهة تنزيه ، أو كراهة تحريم ، فكيف إذا كانا فى غاية الاتصال ، ويبنعم من الأولاد والعشرة ما يكون فى طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم، وكذلك ضرر الدنيا كما يشهدبه الواقع ؛ بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق ، وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس ؛ ولهذا قال الإمام أحمد فى إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء : إنها إذا أحرمت بالحج خلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج صارت محصرة ، وجاز لها التحلل ؛ لما عليها فى ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه ، وهذا ظاهر فيما إذا قال : إن فعلت كذا فعلى أن أطلقك، أو أعتق عبيدى؛ فإن هذا فى نذر اللجاج والغضب بالاتفاق ، كما لو قال : والله لأطلقنك، أو لأعتقن عبيدى؛ وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذى اعتمده المفرقون . وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى . (لِمَ تُحُ مَا أَحَ اللّهُ لَكَّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ وأيضاً فإن الله قال : وذلك يقتضى أنه مامن تحريم لما أحل الله أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إلا والله غفور لفاعله رحيم به ، وأنه لاعلة تقتضى ثبوت ذلك التحريم ، لأن قوله [لم ] لأى شيء. استفهام فى معنى النفى والإنكار، والتقدير لاسبب لتحريمك ( مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ) (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فلو كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضى تحريم الحلال ، ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل . ٢٦٩ (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَّيِّبَتِ وأيضًا قوله سبحانه وتعالى: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُوَاْ مَآَ أَحَلَ اَللّهُ لَكُمْ ) إلى قوله : أَيْمَنَّكُمْ ) والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى؛ فإنه قال: (لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) وهذا عام لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها ؛ ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُالْأَيْنِّ فَكَفََّرَتُهُ ) أي فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان، وهذا عام؛ ثم قال: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِّكُمْ إِذَا حَفْتُمْ) وهذا عام كعموم قوله: ( وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ). ومما يوضح ((عمومه)) أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق فى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف فقال : إن شاء الله ، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك)) فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله . وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز الطلاق موافقة لابن عباس ، لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف ؛ وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه: إما بصيغة القسم ، وإما بصيغة الجزاء ، وما كان فى معنى ذلك ؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم فى مسئلة ((نذر اللجاج والغضب)) فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية، وجعلوا قوله: (تَجِلَّةَأَيْمَنْكُمْ) (كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ) عاما فى المين بالله والمين بالنذر ، ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاح والغضب فى الحج والعتق ونحوهما سواء . ٢٧٠ فإن قيل : المراد فى الآية اليمين بالله فقط، فإن هذا هو المفهوم من مطلق المين ، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة فى قوله ( عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ) ( غَجِلََّأَيْمَنِّكُمْ ) منصرفا إلى اليمين المعهودة عندهم وهى المين بالله ، وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عنده . والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفا عنده ، ولو كان اللفظ عاماً فقد علمنا أنه لم يدخل فيه اليمين التى ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه ؛ لأنه ليس من المين المشروعة؛ لقوله: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو فليصمت )) وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث . فيقال: لفظ ((اليمين)) شمل هذا كله ، بدليل استعمال النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء اسم اليمين فى هذا كله ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((النذر حلف)) وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق: كفر عينك . وكذلك فهمه الصحابة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، كما سنذكره . ولإدخال العلماء لذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم: ( من حلف فقال إن شاء الله ، فإن شاء فعل وإن شاء ترك)) ويدل على عمومه فى الآية أنه سبحانه قال: (لِمَ تُحُرِمُ مَحَلَّ اللّهُ لَكَ) ثم قال: (قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ فاقتضى هذا أن نفس تحريم الحلال يمين ، كما استدل به ابن أَيْمَنِكُمْ ) عباس وغيره . وسبب نزول الآية: إما تحريمه العسل ، وإما تحريمه مارية ٢٧١ القبطية . وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية ؛ وليس يمينا بالله ؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم - أن تحريم الحلال يمين مكفرة: إما ((كفارة كبرى)) كالظهار، وإما ((كفارة صغرى)) كاليمين بالله . وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا . ((وأيضًاً)) فإن قوله: (لِمَ تُحُعُ مَا أَحَلَّ اللهُلَكَ) إما أن يراد به: لم تحرم بلفظ الحرام ؟ وإما: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها ؟ وإما : لم تحرمه مطلقا ؟ فإن أريد الأول والثالث فقد ثبت أن تحريمه بغير الحلف بالله يمين، فيعم . وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحرما الحلال ، ومعلوم أن اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية ؛ لكن لما أو جبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحرما شرطيا لا شرعيا ، فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل ، فيدخل فى عموم قوله: (لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُلَكَ) وحينئذ فقوله: (قَدْ لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال ، لأن فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ ) هذا حكم ذلك الفعل ، فلا بد أن يطابق صوره ؛ لأن تحريم الحلال هو سبب قوله: (قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَأَيْمَنِكُمْ ) وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عامالئلا يكون جوابا عن البعض مع قيام السبب المقتضى للتعميم وهذا التقدير فى قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا مُحَرِّ مُواْطَّيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) إلى قوله: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ). ٢٧٢ وأيضاً فإن الصحابة فهمت العموم ، وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها . وأيضاً فنقول: على الرأس . سلمنا أن اليمين المذكورة فى الآية المراد بها اليمين بالله تعالى ، وأن ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم ، فمعلوم أن الحلف بصفاته كالحلف به ، كما لو قال: وعزة الله تعالى! أولعمر الله! أو : والقرآن العظم ! فإنه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ ولأن الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله فى مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم ((أعوذ بوجهك)) ((وأعوذ بكلمات الله التامات)» وأعوذ برضاك من سخطك)) ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء . وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله ؛ فإنه إذا قال : إن فعلت كذا فعلى الحج . فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى ، وهو من صفاته. وكذلك لو قال : فعلي تحرير رقبة . وإذا قال : فامر أتى طالق ، وعبدى حر . فقد حلف بإزالة ملكه الذى هو تحريمه عليه ، والتحريم من صفات الله ، كما أن الإيجاب من صفات الله ، ، وقد جعل الله ذلك من آياته فى قوله : (وَلَا نَنَّخِذُوَأْءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا) جعل صدوره فى النكاح والطلاق والع من آياته ؛ لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله، فإن قوله : على الحج والصوم . عقد ٢٧٣ لله ؛ ولكن إذا كان حالفا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به ، فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله ، كما أنه إذا فعل المحلوف فقد ترك ماعقده له . ((يوضح ذلك)) أنه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنما حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به ، لأنه يعظمه فى قلبه إذا ربط به شيئا لم يحله ؛ فإذا حل ماربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه ، وقطع السبب الذى بينه وبينه . وكما قال بعضهم : المين العقد على نفسه لحق من له حق ولهذا . إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا كما قال تعالى : خَلَقَ لَهُمْ فِ آلْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ) وذكرها النبى صلى الله عليه وسلم فى عد الكبائر ؛ وذلك أنه إذا تعمد أن يعقد بالله ماليس منعقداً به فقد نقص الصلة التى بينه وبين ربه منزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه ، أو تبرأ من الله؛ بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه التعظيم الله ؛ لكن الله أباح له حل هذا العقد الذى عقده؛ كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة ، أو يزيل عنه وجوبها . ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي . أو نصراني إن لم يفعل ذلك . فهي يمين ، بمنزلة قوله : والله لأفعلن؛ لأنه ربط عدم ٢٧٤ الفعل بكفره الذي هو براءته من الله ، فيكون قد ربط الفعل بأيمانه بالله : وهذا هو حقيقة الحلف بالله . فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم أدنى حالا من ربطه بالله . ((يوضح ذلك)) أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بأمانه بالله، وهو ما في قلبه من جلال الله وإ كرامه ، الذى هو جد الله، ومثله الأعلى فى السموات والأرض ، كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح لله وذاكرله بقدر مافى قلبه من معرفته وعبادته ؛ ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله ، كما مع قوله : (أَذْكُرُواْ اللَّهَ (وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ بُكّرَةً وَأَصِيلًا ) فى قوله ، حيث عظم العبدربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة ذِكْرً اكَثِيرًا) به فهو مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذى فى قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علما وفضلا وإجلالا وإكراما، وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك، كما قال سبحانه: (لَّايُؤَاخِذُكُمُ اللّه ◌ِلَّغْوِ فِي أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بَِ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وكما فى موضع آخر: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ ). فلو اعتبر الشارع ما فى لفظ القسم من انعقاده بالأمان وارتباطه به دون قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث بغير أيمانه تزول حقيقته ، كما قال ((لا يزني الزاني حين يزبى وهو مؤمن)) وكما أنه إذا حلف على ذلك يمينا ٢٧٥ فاجرة كانت من الكبائر ، وإذا اشترى بها مالا معصوما فلا خلاق له فى الآخرة ، ولا يكلمه الله يوم القيامة ، ولايزكيه ، وله عذاب أليم؛ لكن الشارع علم أن الحالف بها ليفعلن أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق به لغرض الحالف باليمين الغموس فشرع له الكفارة ، وحل هذا العقد ، وأسقطها عن لغو اليمين ، لأنه لم يعقد قلبه شيئا من الجناية على إيمانه فلاحاجة إلى الكفارة . وإذا ظهر أن موجب لفظ اليمين انعقاد الفعل بهذا اليمين الذي هو إيمانه بالله ، فإذا عدم الفعل كان مقتضى لفظه عدم إيمانه . هذا لو لا ماشرع الله من الكفارة ، كما أن مقتضى قوله : إن فعلت كذا أوجب على كذا. أنه عند الفعل يجب ذلك الفعل لو لا ماشرع الله من الكفارة . ((يوضح ذلك)) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال )) أخرجاه فى الصحيحين ، فجعل اليمين الغموس فى قوله : هو يهودي ، أو نصراني إن فعل كذا كالغموس فى قوله : والله مافعلت كذا ؛ إذ هوفى كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم ، والكفر بأمر موجود ، بخلاف اليمين على المستقبل . وطرد هذا المعنى أن اليمين الغموس إذا كانت فى النذر أو الطلاق أو العناق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة ، كما يقع الكفر بذلك فى أحد قولي العلماء. وبهذا يحصل الجواب عن قولهم : المراد به اليمين المشروعة . ٢٧٦ و «أيضا)) قوله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَجْعَلُواْاللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ) فإن السلف مجمعون أو كالمجمعين على أن معناها أنكم لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؛ بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا ، أو ليفعلن مكروها أو حراما ونحوه فإذا قيل له : افعل ذلك أو لا تفعل هذا . قال : قد حلفت بالله : فيجعل الله عرضة ليمينه. فإذاً كان قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعا لهم فى الحلف من البر والتقوى . والحلف بهذه الأيمان إن كان داخلا فى عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعا من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه إذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقى فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأعاننا وإذا تبين أننا منهيون عن أن تجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس فمعلوم أن ذلك إنما هو لما فى البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به، فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعناق أن لا يبر ولا يتقى ولا يصلح فهو بين أمرين : إن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقى ويصلح بين الناس، وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور ؛ فقد يكون خروج أهله منه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه ، فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى ، وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى ، فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقى ، فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة . ٢٧٧ وهذا المعنى هو الذى دلت عليه السنة : ففي الصحيحين من حديث همام ، عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لأن يلج أحدكم بيمينه فى أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التى افترض الله عليه )) ورواه البخاري أيضا من حديث عكرمة ، عن أبى هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من استلج فى أهله بيمين فهو أعظم إثما )) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللجاج باليمين فى أهل الحالف أعظم من التكفير. ((واللجاج)) التمادى فى الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ، ولهذا تسمي العلماء هذا (( نذر اللجاج ، والغضب)) فإنه يلج حتى يعقده ، ثم يلج فى الامتناع من الحنث . فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن اللجاج باليمين أعظم إنما من الكفارة، وهذا عام فى جميع الأيمان . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لعبد الرحمن بن سمرة (( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك)) أخرجاه فى الصحيحين ، وفى رواية فى الصحيحين ((فكفر عن يمينك ، وأت الذى هو خير)) وروى مسلم فى صحيحه ، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه وليفعل الذى هو خير )) وفى رواية ((فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه)) وهذا نكرة فى ٢٧٨ سياق الشرط ، فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف ؛ فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون اليمين المحلوف علها تركالخير فيرى فعله خيرا من تركه ، أو يكون فعلاً لشر فيرى تركه خيراً من فعله ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي الذى هو خير ويكفر عن يمينه. وقوله هنا ((على يمين)) هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر ، سمي الأمر المحلوف عليه يمينا ، كما يسمى المخلوق خلقا ، والمضروب ضربا ، والمبيع بيعا ، ونحو ذلك وكذلك أخرجاه فى الصحيحين ، عن أبى موسى الأشعرى فى قصته وقصة أصحابه ؛ لما جاؤوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ليستحملوه فقال: ((والله ما أحملكم، وما عندى ما أحملكم عليه)) ثم قال: ((إنى والله إن شاء الله لاأحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلاأنيت الذى هو خير، وتحلتها)) وفى رواية فى الصحيحين ((إِلاَ كفرت عن يمينى وأتيت الذي هو خير)) وروى مسلم فى صحيحه ، عن عدى بن حاتم ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيراًمنها فيكفرها وليأت الذى هو خير)) وفى رواية لمسلم أيضا ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها ، وليأت الذى هو خير )) وقد رويت هذه السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير هذه الوجوه من حديث عبدالله بن عمر ، وعوف بن مالك الجشمي . ٢٧٩ فهذه نصوص رسول الله صلى [الله](١) عليه وسلم المتواترة أنه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر عينه ويأتى الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه . وروى النسائى عن أبى موسى، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما على الأرض عين أحلف عليها فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيته)) وهذا صريح بأنه قصد تعميم كل يمين فى الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر فى هذا الكلام ، فروى أبو داود في سننه ، حدثنا محمد بن المنهال ، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن المسيب : أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث ، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت تسألنى القسمة فكل مالي فى رتاج الكعبة . فقال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يمين عليك ولا نذر فى معصية الرب، ولافى قطيعة الرحم وفيما لا يملك )) فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذى حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه ، وأن لا يفعل ذلك المنذور، واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يمين عليك ولانذر فى معصية الرب، ولافى قطيعة الرحم ، وفيما لا يملك)) ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنه لاوفاء عليه فى ذلك النذر، وإنما عليه الكفارة؛ كما أفتاه عمر. ولولا أن هذا النذر (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٢٨٠