النص المفهرس
صفحات 241-260
باب الأيمان والنذور قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((القاعدة الخامسة)) فى ((الأمان، والنذور)) قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَحِكْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْفِجَّةَ أَيْمَنِكُمْوَالله مَنْكٍُّ وَهُواْعَلِيمٌلَكِيمُ) وقال تعالى : (وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُوْبَيْنَ النَّاسُِ (لَّا يُؤَاخِذُ كُمُ الَهُبِاللَّغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن وقال تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيٌ) يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ * لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن ◌َّسَاءِهِمْ تَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ مَلًاً طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَالَّذِىّ أَنُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ * لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْ تُمُ اَلْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ٢٤١ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ). وفيها((قواعد عظيمة)) لكن تحتاج إلى تقديم مقدمات نافعة جدا فى هذا الباب وغيره . ((المقدمة الأولى)) أن اليمين تشتمل على جملتين جملة: مقسم بها، وجملة مقسم عليها . ومسائل الأيمان إما فى حكم المحلوف به ، وإما فى حكم المحلوف عليه . فأما المحلوف به فالأيمان التى يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم ((ستة أنواع)) ليس لها سابع: (أحدها)) اليمين بالله، ومافى معناها مما فيه التزام كفر على تقدير الخبر كقوله هو يهودى أو نصراني إن فعل كذا. على مافيه من الخلاف بين الفقهاء. ((الثانى)) اليمين بالنذر الذى يسمى ((نذر اللجاج والغضب)) كقوله علي الحج لاأفعل كذا ، أو إن فعلت كذا فعلي الحج ، أو مالي صدقة إن فعلت كذا ، ونحو ذلك . ((الثالث)) اليمين بالطلاق . ((الرابع)) اليمين بالعتاق. ((الخامس)) اليمين بالحرام، كقوله علي الحرام لا أفعل كذا . ((السادس)) الظهار؛ كقوله: أنت على كظهر أمى إن فعلت كذا فهذا مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم . ٢٤٢ فأما ((الحلف بالمخلوقات)) كالحلف بالكعبة ، أو قبر الشيخ ، أو بنعمة السلطان ، أو بالسيف ، أو بجاه أحد من المخلوقين: فما أعلم بين العلماء خلافا أن هذه اليمين مكروهة منهي عنها ، وأن الحلف بها لا يوجب حشا ، ولا كفارة . وهل الحلف بها محرم ، أو مكروه كراهة تنزيه ؟ فيه قولان فى مذهب أحمد وغيره : أصمهما أنه محرم. ولهذا قال أصحابنا كالقاضى أبى يعلى وغيره : إنه إذا قال : أيمان المسلمين تلزمنى إن فعلت كذا ، لزمه ما يفعله فى اليمين بالله والنذر والطلاق والعتاق والظهار، ولم يذكروا الحرام؛ لأن يمين الحرام ظهار عند أحمد وأصحابه فلما كان موجبها واحدا عندهم دخل الحرام فى الظهار ؛ ولم يدخل النذر فى اليمين بالله وإن جاز أن يكفر يمينه بالنذر ؛ لأن موجب الحلف بالنذر المسمى ((بنذر اللجاح والغضب)) عند الحنث هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور، وموجب الحلف بالله هو التكفير فقط. فلما اختلف موجبهما جعلوهما يمينين. نعم إذا قالوا بالرواية الأخرى عن أحمد، وهو أن الحلف بالنذر موجبه الكفارة فقط دخلت اليمين بالنذر فى اليمين بالله تعالى . أما اختلافهم واختلاف غيرهم من العلماء فى أن مثل هذا الكلام. هل تنعقد به اليمين ؟ أولا تنعقد ؟ فسأذكره إنشاء الله تعالى، وإنما غرضى هنا حصر الأيمان التي يحلف بها المسلمون. وأما أيمان البيعة فقالوا : أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفى وكانت السنة أن الناس يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبى صلى الله عليه وسلم ٢٤٣ يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوها . وإما أن يذكرواالشروط التى يبايعون عليها؛ ثم يقولون : بايعناك على ذلك، كما بايعت الأنصار النبى صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة. فلما أحدث الحجاج ما أحدث من العسف كان من جملته أن حلف الناس على بيعتهم لعبد الملك بن مروان بالطلاق والعتاق واليمين بالله وصدقة المال . فهذه الأيمان الأربعة هي كانت أيمان البيعة القديمة المبتدعة ثم أحدث المستخلفون عن الأمراء من الخلفاء والملوك وغيرهم أيمانا كثيرة أكثر من تلك، وقد يختلف فيها عاداتهم ؛ ومن أحدث ذلك فعليه إثم ما ترتب على هذه الأيمان من الشر . ((المقدمة الثانية)) أن هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم، وتارة بصيغة الجزاء؛ لا يتصور أن يخرج اليمين عن هاتين الصيغتين. ((فالأول)) كقوله والله لا أفعل كذا ، أو الطلاق يلزمنى أن أفعل كذا، أو علي الحرام لا أفعل كذا؛ أو على الحج لا أفعل. ((والثاني)) كقوله إن فعلت كذا فأنا هودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام. أو إن فعلت كذا فامرأتى طالق ، أو إن فعلت كذا فامر أتى حرام ، أوفهى على كظهرأمى، أو إن فعلت كذا فعلي الحج. أو فالي صدقة . ولهذا عقد الفقهاء لمسائل الأيمان بابين أحدهما ((باب تعليق الطلاق بالشروط)» فيذكرون فيه الحلف بصيغة الجزاء : كإن ومتى ، وإذا ، وما أشبه ٢٤٤ ذلك، وإن دخل فيه صيغة القسم ضمنا وتبعا. والباب الثانى ((باب جامع الأمان )) مما يشترك فيه الحلف بالله والطلاق والعتاق وغير ذلك؛ فيذ كرون فيه الحلف بصيغة القسم، وإن دخلت صيغة الجزاء ضمنا وتبعا . ومسائل أحد البابين مختلطة بمسائل الباب الآخر ، لا تفاقهما فى المعنى كثيرا ، أوغالبا . وكذلك طائفة من الفقهاء كابى الخطاب وغيره - لما ذكروا فى كتاب الطلاق ((باب تعليق الطلاق بالشروط)) أردفوه ((باب جامع الأيمان)) وطائفة أخرى كالخرقى والقاضى أبي يعلى وغيرهما إنماذكروا ((باب جامع الأيمان)) فى ((كتاب الأمان)) لأنه أمس. ونظير هذا ((باب حد القذف)) منهم من يذكره عند ((باب اللعان)) لا تصال أحدهما بالآخر . ومنهم من يؤخره إلى ((كتاب الحدود)) لأنه به أخص . وإذا تبين أن لليمين ((صيغتين)) صيغة القسم، وصيغة الجزاء . فالمقدم فى صيغة القسم مؤخر فى صيغة الجزاء ، والمؤخر فى صيغة الجزاء مقدم فى صيغة القسم. والشرط المثبت فى صيغة الجزاء منفي فى صيغة القسم ، فإنه إذا قال: الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا . فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل ، فالطلاق مقدم مثبت ؛ والفعل مؤخر منفي : فلو حلف بصيغة الجزاء فقال: إن فعلت كذا فامر أتى طالق كان يقدم الفعل مثبتا ويؤخر الطلاق منفيا، كما أنه فى القسم قدم الحكم وأخر الفعل . وبهذه القاعدة تنحل مسائل من مسائل الأيمان . ٢٤٥ فأما ((صيغة الجزاء)) فهي ((جملة فعلية)) فى الأصل ؛ فإن أدوات الشرط لا يتصل بها فى الأصل إلا الفعل. ((وأما صيغة القسم)) فتكون فعلية، كقوله أحلف بالله؛ أو تالله، أو والله، ونحو ذلك. وتكون ((اسمية)) كقوله لعمر الله لأفعلن، والحل على حرام لأفعلن. ثم هذا التقسيم ليس من خصائص الأمان التى بين العبد وبين الله؛ بل غير ذلك من العقود التى تكون بين الآدميين. تارة تكون بصيغة التعليق الذى هو الشرط والجزاء ، كقوله فى ((الجعالة)) من رد عبدى الآبق فله كذا؛ وقوله فى ((السبق)) من سبق فله كذا. وتارة بصيغة التنجيز: إما ((صيغة خبر)) كقوله بعت وزوجت، وإما ((صيغة طلب)) كقوله بعني واخلعنى. ((المقدمة الثالثة)) - وفيها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها - أن صيغة التعليق التي تسمى ((صيغة الشرط، وصيغة المجازاة)) تنقسم إلى ((ستة أنواع)) لأن الحالف إما أن يكون مقصوده وجود الشرط فقط، أو وجود الجزاء فقط، أو وجودهما ؛ وإما أن لا يقصد وجود واحد منهما بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط ، أو الجزاء فقط ، أو عدمهما . ((فالأول )) بمنزلة كثير من صور الخلع ، والكتابة ، ونذر التبرر ؛ والجعالة ، ونحوها ، فإن الرجل إذا قال لامرأته . إن أعطيتنى ألفا فأنت طالق ، أو فقد خلمتك . أو قال لعبده: إن أديت ألفا فأنت حر ، أو قال . إن رددت عبدى الآبق فلك ألف، أو قال: إِن شفى الله مريضي ، أو ٢٤٦ سلم مالى الغائب: فعلي عتق كذا ؛ والصدقة بكذا : فالمعلق قد لا يكون مقصوده إلا أخذ المال ورد العبد وسلامة العتق والمال، وإنما التزم الجزاء على سبيل العوض كالبائع الذى إنما مقصوده أخذ الثمن والتزم رد المبيع على سبيل العوض . فهذا الضرب شبيه بالمعاوضة فى البيع والإجارة. وكذلك إذا كان قد جعل الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول: إذا ضربت أمي فأنت طالق، أو إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإنه فى الخلع عاوضها بالتطليق عن المال، لأنها تريد الطلاق، وهنا عوضها عن معصيتها بالطلاق . وأما (الثانى)) فمثل أن يقول لامرأته: إذا طهرت فأنت طالق، أو يقول لعبده: إِذا مت فأنت حر ، أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر ، أو فالى صدقة ، ونحو ذلك من التعليق الذى هو توقيت محض. فهذا الضرب بمنزلة المنجز فى أن كل واحد منهما قصد الطلاق والعتاق ، وإنما أخره إلى الوقت ء المعين ، بمنزلة تأجيل الدين ، وبمنزلة من يؤخر الطلاق من وقت إلى وقت الغرض له فى التأخير ؛ لالحوض ، ولا لحث على طلب ، أو خبر ؛ ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إذا حلف أنه لا يحلف مثل أن يقول : والله لاأحلف بطلاقك أو إن حلفت بطلاقك فعبدى حر ، أو فأنت طالق . فإنه إذا قال : إن دخلت أو لم تدخلى ونحو ذلك مما فيه معنى الحض أو المنع فهو حالف ولو كان تعليقً محضاً ، كقوله : إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أو إن طلعت الشمس ، فاختلفوا فيه ، فقال أصحاب الشافعى ليس بحالف ، وقال أصحاب أبى حنيفة والقاضى فى ((الجامع)): هو حالف. ٢٤٧ وأما (( الثالث)) وهو أن يكون مقصوده وجودهما جميعا ، فمثل الذى قد آذته امرأته حتى أحب طلاقها واسترجاع الفدية منها ، فيقول : إن أبرأتيني من صداقك أو من نفقتك ، فأنت طالق ، وهو يريد كلا منهما . وأما ((الرابع)) وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط لكنه إذا وجد لم يكره الجزاء ؛ بل يحبه ، أو لا يحبه ولا يكرهه ؛ فئل أن يقول لامرأته إن زنيت فأنت طالق ، أو إن ضربت أمى فأنت طالق ، ونحو ذلك من التعليق الذى يقصد فيه عدم الشرط ؛ ويقصد وجود الجزاء عند وجوده ، بحيث تكون إذا زنت أو إذا ضربت أمه يجب فراقها لأنها لا تصلح له، فهذا فيه معنى اليمين ومعنى التوقيت ؛ فإنه منعها من الفعل ، وقصد إيقاع الطلاق عنده ، كما قصد إيقاعه عند أخذ العوض منها ، أو عند طهرها ، أو طلوع الهلال . وأما ((الخامس)) وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء ، وتعليقه بالشرط لئلا يوجد ؛ وليس له غرض فى عدم الشرط : فهذا قليل ، كمن يقول إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا . وأما (( السادس)) وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط والجزاء : وإنما تعلق الجزاء بالشرط ليمتنع وجودهما، فهو مثل نذر اللجاج والغضب . ٢٤٨ ومثل الحلف بالطلاق والعتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب مثل أن يقال له ؛ تصدق . فيقول: إن تصدق فعليه صيام كذا وكذا ، أو فامر أته طالق ، أو فعبيده أحرار . أو يقول : إن لم أفعل كذا وكذا فعلي نذر كذا . أو امرأتى طالق ، أو عبدى حر . أو يحلف على فعل غيره ممن يقصد منعه - كعبده ونسيبه وصديقه ممن يحضه على طاعته - فيقول له : إن فعلت ، أو إن لم تفعل: فعلى كذا؛ أو فامرأتى طالق ؛ أوفعبدى حر ، ونحو ذلك : فهذا نذر اللجاج والغضب وهذا وما أشهه من الحلف بالطلاق والعتاق يخالفه فى المعنى « نذر التبرر والتقرب)) وما أشبهه من ((الخلع)) و ((الكتابة))؛ فإن الذي يقول إن سامني الله ، أو سلم مالى من كذا ، أو إن أعطانى الله كذا ؛ فعلى أن أتصدق ؛ أو أصوم ؛ أو أحج . قصده حصول الشرط الذى هو الغنيمة أو السلامة ؛ وقصد أن يشكر الله على ذلك بما نذره له ؛ وكذلك المخالع والمكاتب قصده حصول العوض وبذل الطلاق والعتاق عوضا عن ذلك وأما النذر فى اللجاج والغضب إذا قيل له : افعل كذا فامتنع من فعله ، ثم قال : إن فعلته فعلي الحج أو الصيام . فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط ؛ ثم إنه لقوة امتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه؛ ليكون لزومها له إذا فعل مانعا له من الفعل ؛ وكذلك إذا قال : إن فعلته فامرأتى طالق ؛ أو فعبيدى أحرار ؛ إنما مقصوده الامتناع والتزم بتقدير الفعل ماهو شديد عليه ٢٤٩ من فراق أهله وذهاب ماله ؛ ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق أوصدقة ولا أن يفارق امرأته . ولهذا سمى العلماء هذا ((نذر اللجاج؛ والغضب)) مأخوذ من قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه فى الصحيحين ((لأن يلج أحد كم يبعينه فى أهله آثم له عند الله من أن يأتى الكفارة التى فرض الله له)) فصورة هذا النذر صورة نذر التبررفى اللفظ؛ ومعناه شديد المباينة لمعناه. ومن هنا نشأت ((الشبهة)) التى سنذكرها فى هذا الباب - إن شاء الله تعالى - على طائفة من العلماء ؛ ويتبين فقه الصحابة رضى الله عنهم الذين نظروا إلى معانى الألفاظ لا إلى صورها . إذا ثبتت هذه الأنواع الداخلة فى قسم التعليق فقد علمت أن بعضها معناه معنى المين بصيغة القسم ؛ وبعضها ليس معناه ذلك. فمتى كان الشرط المقصود حضا على فعل ، أو منعا منه ، أو تصديقا لبر ؛ أو تكذيباً: كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه ؛ كنذر اللجاج ؛ والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب . ((القاعدة الأولى)) أن الحالف بالله سبحانه وتعالى قد بين الله تعالى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا حكمه بالكتاب والسنة والإجماع ، فقال تعالى : كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) وقال: (قَدْفَضَ اللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ) وقال تعالى : ( وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ٢٥٠ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوَكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَّحْرِيُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاٍَّ ذَالِكَ كَفََّةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ الَّهُلَكُمْءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وأما السنة ففي الصحيحين عن عبد الله بن سمرة ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له: (( يا عبد الرحمن ! لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك)) فبين له النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأمانة الذى هو الإمارة، وحكم العهد الذى هو اليمين. وكانوا فى أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن تشرع الكفارة ولهذا قالت عائشة : كان أبو بكر لا يحنث فى يمين ، حتى أنزل الله كفارة اليمين ، وذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به ، كما يجب بسائر العقود وأشد ؛ لأن قوله : أحلف بالله، أو أقسم بالله ، ونحو ذلك : فى معنى قوله أعقد بالله ؛ ولهذا عدى بحرف الإلصاق الذى يستعمل فى الربط والعقد فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى فى المعاقدة ؛ ولهذا سماه الله عقداً فى قوله: ( وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَ ) فإذا كان قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة ولهذا سمي حلها حتثا. و((الحنث)) هو الإثم فى الأصل، فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية ، فإنما الكفارة منعته أن يوجب إنما . ٢٥١ ونظير الرخصة فى كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضا فى كفارة الظهار بعد أن كان الظهار فى الجاهلية وأول الإسلام طلاقا ، وكذلك الإيلاء كان عندهم طلاقا ، فإن هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى المين ، فإن الإيلاء إذا وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرما، وتحريم الوطء بحريما مطلقا مستلزم لزوال الملك الذى هو الطلاق ، وكذلك الظهار إذا وجب التحريم فالتحريم مستلزم لزوال الملك ؛ فإن الزوجة لاتكون محرمة على الإطلاق ؛ ولهذا قال سبحانه : (يََّيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَّ ◌َلّهُ لَكِّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجَِ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِّكُمْ ) ((والتحلة )) مصدر حللت الشيء أحله تحليلا ونحلة ، كما يقال كرمته تكريما وتكرمة . وهذا مصدر يسمى به المحلل نفسه الذي هو الكفارة، فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد . ولهذ استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبى بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث ، لأن التحلة لا تكون بعد الحنث ؛ فإنه بالحنث تنحل المين ؛ وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل المين وإنما هي بعد الحنث كفارة ؛ لأنها كفرت ما فى الحنث من سبب الأثم لنقض عهد الله . فإذا تبين أن ما اقتضته المين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء فى جملة ما رفعه عنها من الآصار التى نبه عليها بقوله: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) . ٢٥٢ فالأفعال ((ثلاثة)) إما طاعة، وإما معصية، وإما مباح . فإذا حلف ليفعلن مباحا أو ليتركنه فههنا الكفارة مشروعة بالإجماع . وكذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك مستحب وهو المذكور فى قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُواْبَيْنَ النَّاسِ). وأما إن كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك محرم فهاهنا لا يجوز الوفاء بالاتفاق ؛ بل يجب التكفير عند عامة العلماء . وأما قبل أن تشرع الكفارة فكان الحالف على مثل هذا لا يحل له الوفاء بيمينه ، ولا كفارة له ترفع عنه مقتضى الحنث؛ بل يكون عاصيا معصية لا كفارة فيها ، سواء وفى أولميف كما لو نذر معصية عند من لم يجعل فى نذره كفارة؛ وكما إن كان المحلوف عليه فعل طاعة غير واجبة . فصل فأما الحلف بالنذر الذى هو ((نذر اللجاج، والغضب)) مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلى الحج ، أو فالى صدقة ، أو فعلى صيام . يريد بذلك أن يمنع نفسه عن الفعل . أو أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلى الحج ونحوه : فذهب أكثر أهل العلم أنه يجزئه كفارة يمين، من أهل مكة ، والمدينة، والبصرة ، والكوفة، وهو قول فقهاء الحديث : كالشافعى ، وأحمد . وإسحق ، وأبى عبيد، وغيرهم ، وهذا إحدى الروايتين عن أبى حنيفة وهو الرواية المتأخرة عنه . ٢٥٣ ثم اختلف هؤلاء فأكثرهم قالوا : هو مخير بين الوفاء بنذره ، وبين كفارة يمين ؛ وهذا قول الشافعى، والمشهور عن أحمد . ومنهم من قال : بل عليه الكفارة عينا ، كما يلزمه ذلك فى اليمين بالله ، وهو الرواية الأخرى عن أحمد ، وقول بعض أصحاب الشافعى. وقال مالك وأبو حنيفة فى الرواية الأخرى وطائفة : بل يجب الوفاء بهذا النذر، وقد ذكروا أن الشافعى سئل عن هذه المسئلة بمصر فأقتى فيها بالكفارة، فقال له السائل: يا أبا عبد الله ! هذا قولك ؟ قال : قول من هو خير منى عطاء بن أبى رباح . وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حنث ابنه فى هذه اليمين ، فأفتاه بكفارة يمين بقول الليث بن سعد ، وقال : إن عدت أفتيتك بقول مالك ، وهو الوفاء به . ولهذا يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على النذر ؛ لعمومات الوفاء بالنذر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) ولأنه حكم جائز معلق بشرط فوجب عند ثبوت شرطه كسائر الأحكام . والقول الأول هو الصحيح. والدليل عليه-مع ماسنذكره إن شاء [الله] من دلالة الكتاب والسنة - ما اعتمده الإمام أحمد وغيره، قال أبو بكر الأثرم فى ((مسائله» سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل قال: ماله فى رتاج الكعبة ؟قال كفارة يمين، واحتج بحديث عائشة . قال : وسمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يحلف بالمشي إلى بيت الله ، أو الصدقة بالملك ، ونحو ذلك من الأيمان ؟ فقال : (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٥٤ إذا حنث فكفارة ؛ إلا أنى لا أحمله على الحنث، مالم يحنث قيل له تفعل . قيل لأبى عبد الله : فإذا حنث كفر؟ قال: نعم . قيل له: أليس كفارة يعين ؟ قال: نعم. قال: وسمعت أباعبد الله يقول فى حديث ليلى بنت العجماء حين حلفت بكذا وكذا ، وكل مملوك لها حر ، فأفتيت بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جارية وأيمان ، فقال : أما الجارية فتعتق . وقال الأثرم حدثنا الفضل بن دكين ، ثنا حسن عن ابن أبى نجيح، عن عطاء ، عن عائشة، قالت: من قال مالي فى ميراث الكعبة ، وكل مالي فهو هدي، وكل مالي فى المساكين فليكفر يمينه . وقال حدثنا عارم بن الفضل ، ثنا معمر بن سليمان ، قال قال أبى حدثنا بكر بن عبد الله، أخبر نى أبو رافع، قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهى يهودية، وهى نصرانية: إنلم تطلق امرأتك، أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة ، وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب ، قال فأتيتها ، فجاءت معي إليها، فقالت : فى البيت هاروت وماروت؟! قالت : يازينب جعلني الله فداك، إنها قالت : كل مملوك لها حر ، وكل مال لها هدى، وهي يهودية وهى نصرانية. فقالت: يهودية، ونصرانية! خلى بين الرجل وبين ٢٥٥ امرأته، فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأنتها ، فقالت: يا أم المؤمنين! جعلني الله فداك : إنها قالت : كل مملوك لهاحر ، وكل مال لها هدي ، وهى يهودية وهى نصرانية ، فقالت: يهودية ونصرانية، خلى بين الرجل وبين امر أته قال فأتيت عبد الله بن عمر ، فجاء معى إليها ، فقام على الباب فسلم ، فقال : أمن حجارة أنت؟ أم من حديد أنت ! أم من أى شىء أنت ! أفتك زينب ؛ وأفتك أم المؤمنين : فلم تقبلى فتياها؟ !! قالت يا أبا عبد الرحمن ! جعلنى الله فداك إنها قالت : كل مملوك لها حر ، وكل مال لها هدى، وهى يهودية وهى نصرانية . فقال : يهودية ونصرانية، كفري عن يمينك وخلى بين الرجل وبين امرأته . وقال الأثرم حدثنا عبدالله بن رجاء ، أنبأنا عمران ، عن قتادة ، عن زرارة ابن أبى أوفى: أن امرأة سألت ابن عباس أن امرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته ، فقال ابن عباس: فى غضب، أم فى رضى ؟ قالوا: فى غضب . قال : إن الله تبارك وتعالى لا يتقرب إليه بالغضب؛ لتكفر عن يمينها . وقال : حدثنى ابن الطباع، ثنا أبو بكر بن عياش. عن العلاء بن المسيب، عن يعلى ابن النعمان ، وعكرمة، عن ابن عباس: سئل عن رجل جعل ماله فى المسا كين؟ فقال : أمسك عليك مالك ، وأنفقه على عيالك . واقض به دينك ، وكفر عن يمينك ٢٥٦ وروى الأثرم عن أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج سئل عطاء عن رجل قال على ألف بدنة ؟ قال يمين . وعن رجل قال على ألف حجة ؟ قال يمين . وعن رجل قال: مالي هدى؟ قال: يمين . وعن رجل قال : مالى فى المساكين ؟ قال : يعين . وقال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن قتادة ، عن الحسن وجابر بن زيد ، فى الرجل يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة ؟ قالا: ليس الإحرام إلا على من نوى الحج ، يمين يكفرها . وقال أحمد : ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن ابن طاووس، عن أبيه ، قال : عين يكفرها . وقال حرب الكر مانى حدثنا المسيب بن واضح، ثنا يوسف بن أبى السفر ؛ عن الأوزاعى ، عن عطاء بن أبي رباح سألت ابن عباس عن الرجل يحلف بالمشى إلى بيت الله الحرام ؟ قال : إنما المشى على من نواه ، فأما من حلف فى الغضب فعليه كفارة يمين . وأيضا فإن الاعتبار فى الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه ؛ وهذا الحالف ليس مقصوده قربة لله ، وإنما مقصوده الحض على فعل أو المنع منه ، وهذا معنى اليمين . فإن الحالف يقصد الحض على فعل أو المنع منه ، ثم إذا علق ذلك الفعل بالله تعالى أجزأته الكفارة ، فلا تجزئه إذا علق به وجوب عبادة ، أو تحريم مباح بطريق الأولى ، لأنه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب حنثه أنه قد هتك إيمانه بالله حيث لم يف بعهده ، وإذ علق بهوجوب فعل أو محر عه فإنما يكون موجب حنثه ترك واجب أو فعل محرم ، ومعلوم أن الحنث الذى ٢٥٧ موجبه خلل فى التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصى ؛ فإذا كان الله قد شرع الكفارة لإصلاح ما اقتضى الحنث فى التوحيد فساده ونحو ذلك وجبره فلان يشرع لإصلاح ما اقتضى الحنث فساده فى الطاعة أولى وأحرى . وأيضا فإنا نقول : إن موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق. والنذر نوع من اليمين ، وكل نذر فهو يمين ، فقول الناذر : لله على أن أفعل . بمنزلة قوله : أحلف بالله لأفعلن ؛ موجب هذين القولين التزام الفعل معلقا بالله. والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((النذر حلف)) فقوله إن فعلت كذا فعلي الحج الله . بمنزلة قوله: إن فعلت كذا فو الله لأحجن. وطرد هذا أنه إذا حلف ليفعلن براً لزمه فعله ولم يكن له أن يكفر ، فإن حلفه ليفعلنه نذر لفعله. وكذلك طرد هذا أنه إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحا فقد حلف على فعلها ، بمنزلة ما لو قال : والله لأفعلن كذا: ولو حلف بالله ليفعلن معصية أو مباحا لزمته كفارة يمين ، فكذلك لو قال: الله علي أن أفعل كذا . ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين. فصل فأما المين ((بالطلاق، والعتاق)) فى اللجاج والغضب: مثل أن يقصد بها حضا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا : كقوله الطلاق يلزمنى لأفعلن ٢٥٨ كذا ، أولا فعلت كذا ، وإن فعلت كذا فعبيدى أحرار ، أو إن لم أفعله فعبيدى أحرار. فمن قال من الفقهاء المتقدمين : إن نذر اللجاج والغضب يجب فيه الوفاء فإنه يقول هنا يقع الطلاق والعتاق أيضا . وأما الجمهور الذين قالوا فى نذر اللجاج والغضب تجزئه الكفارة فاختلفوا هنا - مع أنه لم يبلغنى عن أحد من الصحابة فى الحلف بالطلاق كلام، وإنما بلغنا الكلام فيه عن التابعين ومن بعده ؛ لأن اليمين به محدثة لم يكن يعرف فى عصرهم . ولكن بلغنا الكلام فى الحلف بالعتق ، كما سنذكره إن شاء الله. فاختلف التابعون ومن بعدهم - فى اليمين بالطلاق والعتاق، فنهم من فرق بينه وبين المين بالنذر ؛ وقالوا : إنه يقع الطلاق والعتاق بالحنث ولا تجزئه الكفارة ؛ بخلاف المين بالنذر . هذا رواية عوف عن الحسن ؛ وهو قول الشافعي ، وأحمد فى الصريح المنصوص عنه، وإسحق بن راهويه وأبي عبيد، وغيرهم . فروى حرب الكرمانى ، عن معتمر بن سلمان، عن عوف عن الحسن قال : كل يمين وإن عظمت ، ولو حلف بالحج والعمرة؛ وإن جعل ماله فى المساكين ، ما لم يكن طلاق امرأة فى ملكه يوم حلف ، أو عتق غلام فى ملكه يوم حلف: فإنما هى يمين . وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد ابن حنبل عن الرجل يقول لابنه . إن كلتك فامر أتى طالق . وعبدى حر ؟ فقال : لا يقوم هذا مقام المين ؛ ويلزمه ذلك فى الغضب والرضا . وقال سلمان بن داود : يلزمه الحنث فى الطلاق والعتاق ، وبه قال أبو خيثمة ، قال ٢٥٩ إسماعيل: وأخبرنا أحمد بن حنبل ، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل ابن أمية عن عثمان بن أبى حازم، أن امرأة حلفت عالهافى سبيل الله أو فى المساكين، وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا ، فسألت ابن عمر وابن عباس ؟ فقالا : أما الجارية فتعتق ، وأما قولها فى المال فإنها تزكي المال. قال أبو إسحق الجوز جانى : الطلاق والعتق لا يحلان فى هذا محل الأيمان ، ولو كان المجرى فيها مجرى الأيمان لوجب على الحالف بها إذا حنث كفارة وهذا مما لا يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها . قلت : أخبر أبو إسحق بما بلغه من العلم فى ذلك ؛ فإن أكثر مفتى الناس فى ذلك الزمان من أهل المدينة وأهل العراق أصحاب أبى حنيفة ومالك كانوا لا يفتون فى نذر اللجاج والغضب إلا بوجوب الوفاء لا بالكفارة. وأن أكثر التابعين مذهبهم فيها الكفارة ؛ حتى إن الشافعي لما أفتى بمصر بالكفارة كان غريبا بين أصحابه المالكية، وقال له السائل: ياأبا عبد الله هذا قولك؟ فقال: قول من هو خير منى عطاء بن أبى رباح. فاما أفتى فقهاء الحديث كالشافعى، وأحمد، وإسحق ، وأبى عبيد، وسلمان بن داود، وابن أبى شيبة، وعلى بن المدينى ونحوم فى الحلف بالنذر بالكفارة؛ وفرق من فرقبين ذلك وبين الطلاق والعتاق لما سنذكره صار الذى يعرف قول هؤلاء وقول أولئك ٢٦٠