النص المفهرس
صفحات 201-220
وسئل رحم اللّه تعالى عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ؟ فأجاب : الحمد لله. كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به؛ وإن كان فى المؤمن بذلك نوع من البدعة ، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم ؛ فإن اليهود والنصارى كفار، كفراً معلوما بالاضطرار من دين الإسلام . والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به ؛ ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)) وقال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث ، وإذا فعل غير ذلك ولم يبال ما نقص من دينه ٢٠١ وزاد فى دنياه لم يدخل فى ضمن هذا الحديث . قال له ناقل الحديث : أنا لوفعلت كل مالا يليق ، وقلت لا إله إلا الله: دخلت الجنة ولم أدخل النار ؟ فأجاب رحمه الله : الحمد لله رب العالمين. من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال ، مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين: فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم فى الدرك الأسفل من النار ، وهم كثيرون ؛ بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويتصدقون؛ ولكن لا يتقبل منهم ، قال الله تعالى: ( إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّ قَلِيلًا ) وقال تعالى: (قُلْ أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْكَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمَا فَسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْبِللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ) وقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) وقال تعالى: ( يَوْمَ لَا يُخْرِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ،نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَبْدِِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَانُورَنَا) وقال تعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى ◌ُؤْرُهُمْ بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَبِأَيْمَتِهِمِ بُشْرَكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ .. إلى قوله - فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ). وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان،)) ولمسلم ((وإن ٢٠٢ صلى وصام وزعم أنه مسلم )) وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب؛ وإذا وعد أخلف؛ وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر )) ولكن إن قال : لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد فى النار ؛ إذ لا يخلد فى النار من فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛لكن من دخلها من ((فساق أهل القبلة)) من أهل السرقة، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم ؛ وغير هؤلاء، فإنهم إذا عذبوا فيها عذبهم على قدر ذنوبهم ، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه إلى حقويه)» ومکثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا أخرجوا بعد ذلك كالحم ؛ فيلقون فى نهر يقال له الحياة ، فينبتون فيه كما تنبت الحبة فى حميل السيل، ويدخلون الجنة مكتوب على رقابهم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار)). وتفصيل هذه المسألة في غير هذا الموضع . والله أعلم ٢٠٣ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل حبس خصما له عليه دين بحكم الشرع ، خضر إليه رجل يشفع فيه فلم يقبل شفاعته ، فتخاصما بسبب ذلك ، فشهد الشافع على الرجل لأنه صدر منه كلام يقتضى الكفر ، وخاف الرجل غائلة ذلك ، فأحضر إلى حاكم شافعي ، وادعى عليه رجل من المسلمين بأنه تلفظ ما ء قيل عنه ، وسأل حكم الشرع فى ذلك . فقال الحاكم للخصم عن ذلك فلم يعترف ، فلقن أن يعترف ليتم له الحكم بصحة إسلامه وحقن دمه فاعترف بأن ذلك صدر منه جاهلا بما يترتب عليه ، ثم أسلم ، ونطق بالشهادتين ، وتاب واستغفر الله تعالى، ثم سأل الحاكم المذكور أن يحكم له بإسلامه وحقن دمه وتوبته وبقاء ماله عليه ، فأجابه إلى سؤاله، وحكم بإسلامه ، وحقن دمه ، وبقاء ماله عليه ، وقبول توبته وعزره تعزير مثله وحكم بسقوط تعزير ثان عنه ، وقضى بموجب ذلك كله . ثم نفذ ذلك حاكم آخر حنفى: فهل الحكم المذكور صحيح فى جميع ماحكم له به، أم لا ؟ وهل يفتقر حكم الشافعى إلى حضور خصم من جهة بيت المال ؛ أم لا ؟ وهل لأحد أن يتعرض بما صدر منه من أخذ ماله أو شىء منه بعد إسلامه ، أم لا ؟ وهل يحل لحاكم آخر بعد الحكم ٢٠٤ والتنفيذ المذكورين أن يحكم فى ماله بخلاف الحكم الأول وتنفيذه أم لا؟ وهل يتاب ولي الأمر على منع من يتعرض إليه بأخذ ماله أو شيء منه بما ذكر، أم لا؟ فأجاب : الحمد لله . نعم الحكم المذكور صحيح ، وكذلك تنفيذه وليس لبيت المال فى مال مثل هذا حق باتفاق المسلمين ؛ ولا يفتقر الحكم بإسلامه وعصمة ماله إلى حضور خصم من جهة بيت المال؛ فإن ذلك لا يتوقف على الحكم؛ إذ الأئمة متفقون على أن المرتد إذا أسلم عصم بإسلامه دمه وماله وإن لم يحكم بذلك حاكم ؛ ولا كلام لولي يبت المال فى مال من أسلم بعد ردته ؛ بل مذهب الشافعى وأبي حنيفة وأحمد أيضا فى المشهور عنه أن من شهدت عليه بينة بالردة فأنكر وتشهد الشهادتين المعتبرتين حكم بإسلامه ، ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه، فكيف إذا لم يشهد عليه عدل ؟ فإنه من هذه الصورة لا يفتقر الحكم بعصمة دمه وماله إلى إقراره باتفاق المسلمين : ولا يحتاج عصمة دم مثل هذا إلى أن يقر ثم يسلم بعد إخراجه إلى ذلك ، فقد يكون فيه إلزام له بالكذب على نفسه أنه كفر ؛ ولهذا لا يجوز أن يبنى على مثل هذا الإقرار حكم الإقرار الصحيح ؛ فإنه قد على أنه لقن الإقرار ، وأنه مكره عليه فى المعنى ؛ فإنه إنما فعله ٢٠٥ خوف القتل. ولو قدر أن كفر المرتد كفرسب فليس فى الحكام بمذهب الأئمة الأربعة من يحكم بأن ماله لبيت المال بعد إسلامه: إنما يحكم من يحكم بقتله لكونه يقتل حدا عنده على المشهور . ومن قال يقتل لز ندقته فإن مذهبه أنه لا يؤخذ بمثل هذا الإقرار . وأيضا فال الزنديق عند أكثر من قال بذلك لورثته من المسلمين فإن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا ماتوا ورثهم المسلمون مع الجزم ينفاقهم؛ كعبد الله بن أبي وأمثاله ممن ورثهم ورثتهم الذين يعلمون بنفاقهم ، ولم يتوارث أحد من الصحابة غير الميراث منافق . والمنافق هو الزنديق فى اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا فى توبة الزنديق . وأيضا فحكم الحاكم إذا نفذ فى دمه الذى قد يكون فيه نزاع نفذ فى ماله بطريق الأولى ؛ إذ ليس فى الأمة من يقول يؤخذ ماله ولا يباح دمه ، فلوقيل بهذا كان خلاف الإجماع؛ فإذا لم يتوقف الحكم بعصمة دمه على دعوى من جهة ولي الأمر فماله أولى . وقد تبين أن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال غير ممكن من وجوه ((أحدها)) أنه لم يثبت عليه ما يميح دمه؛ لا بينة. ولا يإقرار متعين؛ ٢٠٦ ولكن إقرار قصد به عصمة ماله ودمه من جنس الدعوى على الخصم المسخر. ((الثانى)) أن الحكم بعصمة دمه وماله واجب فى مذهب الشافعى والجمهور وإن لم يقر ؛ بل هو واجب بالإجماع مع عدم البينة والإقرار . ((الثالث)) أن الحكم صحيح بلاريب. ((الرابع)) أنه لوكان حكم مجتهد فيه لزال ذلك بتنفيذ المنفذ له. ((الخامس)) أنه ليس فى الحكام من يحكم بمال هذا لبيت المال ولو ثبت عليه الكفر ثم الإسلام ؛ ولو كان الكفر سبا؛ فكيف إذا لم يثبت عليه؟! أم كيف إذا حكم بعصمة ماله؟! بل مذهب مالك وأحمد الذى يستند إلهمافى مثل هذه من أبعد المذاهب عن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال ؛ لأن مثل هذا الإقرار عندهم إقرار تلجئة لا يلتفت إليه؛ ولما عرف من مذهبهما فى الساب. والله أعلم. ٢٠٧ كتاب الأطعمة سئل شيخ الإسلام قدس الآّروجه عن أكل لحوم الخيل : هل هي حلال ؟ فأجاب : الحمد لله . هى حلال عند جمهور العلماء: كالشافعي، وأحمد ، وصاحبى أبى حنيفة ، وعامة فقهاء الحديث ، وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((حرم عام خيبر لحوم الحمر، وأباح لحوم الخيل)) وقد ثبت: ((أنهم نحروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلمفرساوأكل لحمه) وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن بغل تولد من حمار وحش وفرس: هل يؤكل، أم لا ؟ فأجاب : إذا تولد البغل بين فرس وحمار وحش ، أو بين أتان وحصان جازاً كله وهكذا كل متولد بين أصلين مباحين ؛ وإنما حرم ما تولد من بين حلال وحرام ((كالبغل)» الذى أحد أبويه حمارأهلي، و((كالسمع)» المتولد بين الضبع والذئب. ((والإسبار)) المتولد من بين الذئب والضبعان والله أعلم. ٢٠٨ وسئل رحم الله تعالى عن نعجة ولدت خروفا، نصفه كلب ونصفه خروف ، وهو نصفان بالطول : هل يحل أكله ؛ أو تحل ناحية الخروف ؟ فأجاب : الحمد لله . لا يؤ كل من ذلك شيء ، فإنه متولد من حلال وحرام، وإن كان مميزا . لأن الأكل لا يكون إلا بعد التذكية ؛ ولا يصح تذكية مثل هذا لأجل الاختلاط . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه تعالى عن عنز لرجل ولدت عناقا وماتت العنزة؛ فأرضعت امرأته العناق: فهل يجوزا كل لحمها . أو شرب لبنها ، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . نعم يجوز له ذلك ٢٠٩ وسئل رحم الله هل يجوز شرب ((الاقسما)) ؟ فأجاب . الحمد لله . إذا كانت من زبيب فقط فإنه يباح شربه ثلاثة أيام إذا لم يشتد باتفاق العلماء : أما إن كان من خليطين يفسد أحدهما الآخر مثل الزبيب والبسر، أو بقي أكثر من الثلاث : فهذا فيه نزاع . وإن وضع فيه ما يحمضه كالحل ونحوه وماء الليمون كما يوضع فى الفقاع المشذب فهذا يجوز شربه مطلقا ، فإن حموضته عنعه أن يشتد . فكل هذه الأشربة إذا حمضت ولم تصر مسكرة يجوز شربها . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل : نزل عند قوم ولم يكن معه مايا كل هو ولادابته ، وامتنع القوم أن يبيعوه وأن يضيفوه ، فحصل له ضرر ولدابته : فهل له أن يأخذمنهم مايكفيه بغير اختياره ؟ ٢١٠ فأجاب : إذا اضطر هو ودابته وعندهم مال يطعمونه ولم يطعموه فله أن يأخذ كفايته بغير اختيارم ، ويعطيهم ثمن المثل . وإن كان فى سفر وجب عليهم أن يضيفوه إن كانوا قادرين على ضيافته ؛ فإن لم يضيفوه أخذ ضيافته بغير اختيارم ولاشىء عليه ، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((حق الضيف واجب على كل مسلم)) وقال: ((أيما رجل نزل بقوم فعليهم أن يقروه ، فإن لم يقروه فله أن يعاقبهم بمثل قراه من زرعهم ومالهم)) وقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة)) . والله أعلم. مـ ٢١١ باب الذكاة سئل شيخ الإسلام قدس الآّروم عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل ذبيحة يهودي أو نصرانى مطلقا، ولا يدري ما حالهم: هل دخلوا فى دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أم بعد ذلك ؟ بل يتنا كمون وتقر منا كمتهم عند جميع الناس ، وهم أهل ذمة يؤدون الجزية ، ولا يعرف من هم ، ولامن آباؤه : فهل للمنكرين عليهم منعهم من الذبح للمسلمين ؟ أم لهم الأكل من ذبائحهم ، كسائر بلاد المسلمين . فأجاب : رضى الله عنه . ليس لأحد أن ينكر على أحد أ كل من ذبيحة اليهود والنصارى فى هذا الزمان ، ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ، ومن أنكر ذلك فهو جاهل ، مخطئ ؛ مخالف لإجماع المسلمين ، فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء المسلمين ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة: لا الإنكار المجرد المستند إلى ٢١٢ محض التقليد ؛ فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء كيف والقول بتحريم ذلك فى هذا الزمان وقبله قول ضعيف جداً ، مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان ؟ !! وذلك لأن المنكر لهذا لا يخرج عن ((قولين)). إما أن يكون ممن يحرم ((ذبائح أهل الكتاب)) مطلقا ، كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة . وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم ، وأكل ذبائحهم . وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ، ولا من أقوال أتباعهم . وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله تعالى قال فى كتابه: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ ◌َّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ فإن قيل هذه الآية معارضة بقوله: (وَلَا تَنكِحُواْالْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) وبقوله تعالى: ( وَلَا تُمْسِكُوا بِصَمِ اَلْكَوَافِ ). قيل الجواب من ثلاثة أوجه . أحدها أن الشرك المطلق فى القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب ؛ وإنما يدخلون فى الشرك المقيد، قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ اُلَّذِينَ كَفَرُواْمِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ ٢١٣ فجعل المشركين قسما غير أهل الكتاب ، وقال وَالْمُشْرِكِينَ ) تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوَأْ ) جعلهم قسما غيرهم . فأما دخولهم فى المقيد ففى قوله تعالى: (أَتَّخَذُوَ اْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أَمِرُوَ أْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدُ الَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فوصفهم بأنهم مشركون. وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك، كما قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ وقال تعالى : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ ) ◌ُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةَ يُعْبَدُونَ) وقال : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ ولکنهم بدلوا وغيروا أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) فابتدعوا من الشرك مالم ينزل به الله سلطانا، فصار فيهم شرك باعتبار ماابتدعوا : لا باعتبار أصل الدين. وقوله تعالى: ( وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ ) هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتى كن فى عصم المسلمين، وأولئك كن مشركات ؛ لا كتابيات، من أهل مكة ، ونحوها . ٢١٤ ((الوجه الثانى)) إذا قدر أن لفظ ((المشركات)) و((الكوافر)) يعم الكتابيات : فآية المائدة خاصة ، وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق العلماء، كما فى الحديث: ((المائدة من آخر القرآن نزولا ، فأحلوا حلالها ، وحرموا حرامها )) والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين ؛ لكن الجمهور يقولون : إنه مفسر له . فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام . وطائفة يقولون: إن ذلك نسخ بعد أن شرع. ((الوجه الثالث)) إذا فرضنا النصين خاصين ، فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم ، والآخر أحلهما . فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين . ((أحدهما)) أن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء ، فتكون ناسخة للنص المتقدم . ولا يقال إن هذا نسخ الحكم مرتين ؛ لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعى حلل ذلك؛ بل كان لعدم التحريم ؛ بمنزلة شرب الخمر ، وأكل الخنزير ، ونحو ذلك . والتحريم المبتدأ لا يكون نسخا الاستصحاب حكم الفعل ؛ ولهذا لم يكن تحريم النبى صلى الله عليه وسلم ((لكل ذي ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير )» ناسخا لما دل عليه قوله تعالى: (قُل لَّاَ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ ) الآية - من أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة؛ فإن هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية ؛ ولم يثبت تحليل ٢١٥ ما سوى ذلك ؛ بل كان ما سوى ذلك عفواً لا تحليل فيه ولا تحريم ، كفعل الصبي والمجنون . وكما فى الحديث المعروف ((الحلال ما حلله الله فى كتابه ، والحرام ما حرمه الله فى كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)) وهذا محفوظ عن سلمان الفارسى موقوفا عليه أو مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ويدل على ذلك أنه قال فى سورة المائدة: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ ) فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم، وسورة المائدة مدنية بالإجماع . وسورة الأنعام مكية بالإجماع . فعلم أن تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة ، وقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيِّبَتُ) وقال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ حِلٌ لَّكُ وَطَعَامُكُمْحِلٌ لَُّمْ) إلى آخرها. فثبت نكاح الكتابيات، وقبل ذلك كان إما عفواً على الصحيح، وإما محرما ثم نسخ. يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شىء . ((الوجه الثانى)) أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع ، والكلام فى نسائهم كالكلام فى ذبائحهم ، فإذا ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر ؛ وحل أطعمتهم ليس له معارض أصلا . ويدل على ذلك أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك . ٢١٦ فإن قيل قوله تعالى: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ حِلٌّ ◌َّكُمْ) محمول على الفواكه والحبوب. قيل : هذا خطأ لوجوه . ((أحدها)) أن هذه مباحة من أهل الكتاب والمشركين والمجوس، فليس فى تخصيصها بأهل الكتاب فائدة . ((الثانى)) أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعاما بفعلهم، وهذا إنما يستحق فى الذبائح التى صارت لحما بذكاتهم. فأما الفواكه فإن الله خلقها مطعومة لم تصر طعاما بفعل آدمي . ((الثالث)) أنه قرن حل الطعام بحل النساء، وأباح طعامنا لهم كما أباح طعامهم لنا . ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون المشركين فكذلك حكم الطعام. والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب. ((الرابع)) أن لفظ ((الطعام)) عام . وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله للفاكهة ، فيجب إقرار اللفظ على عمومه ؛ لا سيما وقد قرن به قوله تعالى: ( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّلَمْ ) ونحن يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا ، فكذلك يحل لنا أن نأكل جميع أنواع طعامهم . وأيضا فقد ثبت فى الصحاح ؛ بل بالنقل المستفيض : أن النبى صلى الله عليه وسلم أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية ، فأكل منها لقمة ، ثم ٢١٧ قال: ((إن هذه تخبرنى أن فيها سما)) ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة. وثبت فى الصحيح: ((أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم ، قال قلت لا أطعم اليوم من هذا أحداً ، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك! ولم ينكر عليه)). وهذا مما استدل به العلماء على جوازاً كل جيش المسلمين من طعام أهل الحرب قبل القسمة . وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة)) رواه الإمام أحمد. و((الإهالة)) من الورك الذى يكون من الذبيحة من السمن ونحوه الذى يكون فى أوعيتهم التى يطبخون فيها فى العادة ، ولو كانت ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم كأوانى المجوس ونحوهم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى عن الأكل فى أوعيتهم حتى رخص أن يغسل)). وأيضا فقد استفاض أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب اليهود والنصارى وإنما امتنعوا من ذبائح المجوس . ووقع فى جبن المجوس من النزاع ماهو معروف بين المسلمين ؛ لأن الجبن يحتاج إلى الإنفحة . وفى إنفحة الميتة نزاع معروف بين العلماء . فأبو حنيفة يقول بطهارتها ، ومالك والشافعى يقولان بنجاستها ، وعن أحمد روايتان . ٢١٨ فصل ((المأخذ الثانى)» الإنكار على من يأكل ذبائح أهل الكتاب هو كون هؤلاء الموجودين لا يعلم أنهم من ذرية من دخل فى دينهم قبل النسخ والتبديل وهو المأخذ الذى دل عليه كلام السائل ؛ وهو المأخذ الذى تنازع فيه علماء المسلمين أهل السنة والجماعة . وهذا مبني على أصل ؛ وهو أن قوله تعالى : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَُّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ): هل المراد به من هو بعد نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب ؟ أو المراد به من كان آباؤه قددخلوا فى دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل ؟ على قولين للعلماء. (( فالقول الأول )) هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف ، وهو مذهب أبى حنيفة ؛ ومالك ، وأحد القولين فى مذهب أحمد ؛ بل هو ء المنصوص عنه صريحا . و((الثانى)) قول الشافعى؛ وطائفة من أصحاب أحمد . وأصل هذا القول أن عليا وابن عباس تنازعا فى ذبائح بنى تغلب ، فقال علي: لاتباح ذبائحهم ولا نساؤهم ؛ فإنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب ٢١٩ الخمر وروى عنه [أنه قال ] نغزوم لأنهم لم يقوموا بالشروط التى شرطها عليهم عثمان؛ فإنه شرط عليهم أن (١) وغير ذلك من الشروط. وقال ابن عباس: بل تباح؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَّم ◌َمِّنَّكُمْفَإِنَّهُمِنْهُمْ). وعامة المسلمين من الصحابة وغيرهم لم يحرموا ذبائحهم ؛ ولا يعرف ذلك إلا عن على وحده، وقد روى معنى قول ابن عباس عن عمر بن الخطاب . فمن العلماء من رجح قول عمر وابن عباس ، وهو قول الجمهور : كأبى حنيفة ومالك ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ، وصححها طائفة من أصحابه ؛ بل هي آخر قوليه ؛ بل عامة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا القول . وقال أبو بكر الأثرم: ما علمت أحدا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كرهه إلا عليا، وهذا قول جماهير فقهاء الحجاز والعراق، وفقهاء الحديث والرأى كالحسن وإبراهيم النخعى والزهرى وغيرهم وهو الذى نقله عن أحمد أكثر أصحابه ، وقال إبراهيم بن الحارث: كان آخر قول أحمد على أنه لا يرى بذبائحهم بأسا . ومن العلماء من رجح قول علي ، وهو قول الشافعى، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. وأحمد إنما اختلف اجتهاده فى بنى تغلب ؛ وهم الذين تنازع فيهم الصحابة . فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل: تنوخ، وبهراء (١) بياض بالأصل. ٢٢٠