النص المفهرس
صفحات 161-180
وسئل رحمه اللّه تعالى عن «الدرزية)) و((النصيرية)): ما حكمهم؟ فأجاب: هؤلاء ((الدرزية)) و((النصيرية)) كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ، ولا نكاح نسائهم ؛ بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ، ليسوا مسلمين ؛ ولا يهود ، ولا نصارى ، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ،ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج؛ ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما . وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين . فأما (( النصيرية)) فهم أتباع أبى شعيب محمد بن نصير، وكان من الغلاة الذين يقولون : إن عليا إله ، وهم ينشدون حيدرة الأ نزع البطين أشهد أن لا إله إلا محمد الصادق الأمين ولا حجاب عليه إلا سلمان ذو القوة المتين ولاطريق إليه إلا وأما ((الدرزية)) فأتباع هشتكين الدرزى؛ وكان من موالى الحاكم أرسله إلى أهل وادى تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم، ويسمونه ١٦١ ((البارى، العلام)) ويحلفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله ، وم أعظم كفراً من الغالية ، يقولون بقدم العالم ، وإنكار المعاد ، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته ، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أ كفر من اليهود والنصارى ومشركى العرب، وغايتهم أن يكونوا ((فلاسفة)) على مذهب أرسطو وأمثاله ، أو ((مجوسا)). وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ، ويظهرون التشيع نفاقا . والله أعلم . وقال شيخ الإسلام رحمه الله ردا على نبذ لطوائف من ((الدروز)) كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون ؛ بل من شك فى كفره فهو كافر مثلهم ؛ لام بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين؛ بل هم الكفرة الضالون فلا يباح ء آكل طعامعهم، وتسبى نساؤهم، وتؤخذ أموالهم . فإنهم زنادقة مر تدون لا تقبل توبتهم؛ بل يقتلون أينما ثقفوا؛ ويلعنون كما وصفوا؛ ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ. ويجب قتل علمائهم وصلحا ئهم لئلا يضلوا غيرهم ؛ ويحرم النوم معهم فى بيوتهم ؛ ورفقتهم ؛ والمشى معهم ؛ وتشييع جنائزهم إذا علم موتها . ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه . والله المستعان وعليه التكلان. ١٦٢ وسئل رحمه اللّه تعالى عن هؤلاء ((القلندرية)) الذين يحلقون ذقونهم : مام؟ ومن أى الطوائف يحسبون ؟ وماقولكم فى اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم قلندر عنباً ، وكلمه بلسان العجم ؟ فأجاب : أما هؤلاء ((القلندرية)» المحلقى اللحى: فمن أهل الضلالة والجهالة ، وأكثرهم كافرون بالله ورسوله، لايرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ؛ بل كثير منهم أ كفر من اليهود والنصارى ، وهم ليسوا من أهل الملة؛ ولامن أهل الذمة. وقد يكون فيهم من هو مسلم ؛ لكن مبتدع ضال ، أو فاسق فاجر . ومن قال إن (( قلندر)) موجود فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب وافترى ؛ بل قد قيل : أصل هذا الصنف أنهم كانوا قوما من نساك الفرس، يدورون على مافيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات. هكذا فسرم الشيخ أبو حفص السهروردى فى عوارفه ، ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات ، وفعلوا المحرمات ١٦٣ بمنزلة ((الملامية)) الذين كانوا يخفون حسناتهم، ويظهرون مالا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ، ولبس العمامة ، فهذا قريب . وصاحبه مأجور على نيته ؛ ثم حدث قوم فدخلوا فى أمور مكروهة فى الشريعة ؛ ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات ، وترك الفرائض والواجبات ؛ وزعموا أن ذلك دخول منهم في ((الملاميات)) ولقد صدقوا فى استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله فى الدنيا والآخرة؛ وتجب عقوبتهم جميعهم ، ومنعهم من هذا الشعار الملعون ، كما يجب ذلك فى كل معلن يبدعة أو جور . وليس ذلك مختصاً بهم ؛ بل كل من كان من المتنسكة ، والمتفقهة، والمتعبدة ، والمتفقرة ، والمتزهدة ، والمتكلمة ، والمتفلسفة ، ومن وافقهم من الملوك، والأغنياء ؛ والكتاب ؛ والحساب ؛ والأطباء؛ وأهل الديوان والعامة : خارجا عن الهدى ودين الحق الذى بعث الله به رسوله ، لا يقر بجميع ماأخبر الله به على لسان رسوله ؛ ولا يحرم ماحرمه الله ورسوله ؛ أو يدين بدين يخالف الدين الذى بعث الله به رسوله باطناً وظاهراً: مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه ؛ أو ينصره أو يهديه ؛ أو يغيثه ؛ أو يعينه ؛ أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له ؛ أو كان يفضله على النبى صلى الله عليه وسلم تفضيلا مطلقا ؛ أو مقيداً فى شىء من الفضل الذى يقرب إلى الله تعالى؛ أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم : فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك؛ ومنافقون إن لم يظهروه . ١٦٤ وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا فى هذا الزمان ، فلقلة دعاة العلم والإيمان ، وفتورآثار الرسالة فى أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى ، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك . وفى أوقات الفترات ، وأمكنة الفترات : يثاب الرجل على مامعه من الإيمان القليل ، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه مالا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما فى الحديث العروف: ((يأتى على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولاصيامًاً ، ولاحجاً، ولاعمرة ، إلا الشيخ الكبير ؛ والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدر كنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله)) فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغنى عنهم لا إله إلا الله ؟ فقال: تنجيهم من النار . وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هى كفر قولا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية؛ فإن ((الإيمان)) من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ؛ ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم . ولا يجب أن يحكم فى كل شخص قال ذلك بأنه كافرحتى يثبت فى حقه شروط التكفير ، وتنتفى موانعه ، مثل من قال : إن الخمر أو الربا حلال ؛ لقرب عهده بالإسلام ؛ أو لنشوئه فى بادية بعيدة ، أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبى صلى الله عليه وسلم قالها ، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك ١٦٥ حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل الذى قال: إذا أنامت فاسحقوبى ، وذروني فى الم ؛ لعلي أصل عن الله ، ونحو ذلك ؛ فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة ، كما قال الله تعالى : وقد عفى الله لهذه الأمة عن (لِئَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام فى القواعد التى فى هذا الجواب فى أماكنها ، والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عمن يعتقد أن الكوا كب لها تأثير فى الوجود ، أو يقول : إن له بجما فى السماء يسعد بسعادته ويشقى بعكسه، ويحتج بقوله تعالى: (قَالْمُدََّاتِ أَمْرًا ) وبقوله: (فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ) ويقول: إنها صنعة إدريس عليه السلام، ويقول عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن نجمه كان بالعقرب والمريخ. فهل هذا من دين الإسلام، أم لا ؟ وحتى لو لم يكن من الدين : فماذا يجب على قائله ؟ والمنكرون على هؤلاء يكونون من الآمرين بالمعروف ؛ والناهين عن المنكر ، أم لا ؟ فأجاب: الحمدلله : النجوم من آيات الله الدالة عليه ، المسبحة له ، الساجدة له ؛ كما قال تعالى: ( أَلَمْتَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُلَهُ, مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ ١٦٦ وَالْقَمَرُ وَالنَّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) وهذا التفريق بين أنه ثم قال: (وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُّ) لم يرد السجود لمجرد مافيها من الدلالة على ربوبيته، كما يقول ذلك طوائف من الناس؛ إذ هذه الدلالة ؛ يشترك فيها جميع المخلوقات ؛ جميع الناس فيهم هذه الدلالة ؛ وهوقد فرق: فعلم أن ذلك قول زائد من جنس ما يختص به المؤمن ويتميز به عن الكافر الذي حق عليه العذاب . وهو سبحانه مع ذلك قد جعل فيها منافع لعباده، وسخرها لهم ، كما قال تعالى: (وَسَخَّرَلَكُمُ الشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَدَابِبَيْنِ وَسَخَّرَلَكُمُ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ ) وقال : ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَمْرِهِ ) وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ ومن منافعها الظاهرة ما يجعله سبحانه وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعَامِنْهُ ) بالشمس من الحر والبرد ، والليل والنهار ونضاج الثمار وخلق الحيوان والنبات والمعادن ؛ وكذلك ما يجعله بها لهم من الترطيب والتيبيس؛ وغير ذلك من الأمور المشهودة ، كما جعل فى النار الإشراق والإحراق ، وفى الماء التطهير والسقى وأمثال ذلك من نعمه التى يذكرها فى كتابه كما قال تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ طَهُورًا * لِنُحْتِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَا وَنُقِيَهُ، مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ) وقد أخبر الله فى غير موضع أنه يجعل حياة بعض مخلوقاته ببعض كما قال تعالى : (لِنُحْعِىَ بِ بَلْدَةً مَّيْتًا) وكما قال: (وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّجَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَ لَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن كُلِّ ١٦٧ الثَّمَزَتِ) وكما قال: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن ◌َآءٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ). فى قال من أهل الكلام: إن الله يفعل هذه الأمور عندها؛ لابها . فعبارته مخالفة لكتاب الله والأمور المشهودة ؛ كمن زعم أنها مستقلة بالفعل هو مشرك مخالف العقل والدين . وقد أخبر سبحانه فى كتابه من منافع النجوم ، فإنه يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر ، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا ، وأخبر أن الشياطين ترجم بالنجوم وإن كانت النجوم التى ترجم بها الشياطين من نوع آخر غير النجوم الثابتة في السماء التي يهتدى بها ؛ فإن هذه لا تزول عن مكانها؛ بخلاف تلك ؛ ولهذه حقيقة مخالفة لتلك ؛ وإن كان اسم النجوم يجمعها، كما يجمع اسم الدابة والحيوان للملك ، والآدمي ، والبهائم، والذباب ، والبعوض وقد ثبت بالأخبار الصحيحة التى اتفق عليها العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ؛ وأمر بالدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)) وفى رواية (( آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده )) هذا قاله رداً لما قاله بعض جهال الناس: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم بن النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنها كسفت يوم موته وظن بعض الناس لما كسفت أن كسوفها كان لأجل موته، وأن موته هو ١٦٨ السبب لكسوفها . كما يحدث عن موت بعض الأكابر مصائب فى الناس فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر لا يكون كسوفهما عن موت أحد من أهل الأرض، ولا عن حياته: ونفى أن يكون الموت والحياة أثراًفى كسوف الشمس والقمر ، وأخبر أنهما من آيات الله، وأنه يخوف عباده . فذكر أن من حكمة ذلك تخويف العباد؛ كما يكون تخويفهم فى سائر الآيات: كالرياح الشديدة، والزلازل، والجدب ، والأمطار المتواترة، ونحو ذلك من الأسباب التى قد تكون عذابا؛ كما عذب الله أمما بالريح والصيحة، والطوفان، وقال تعالى: ( فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِهِ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَابِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) وقد قال: (وَءَانَيْنَا تَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْأَيَتِ إِلَّاتَخْرِيفًا ) وإخباره بأنه يخوف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سببا لعذاب ينزل كالرياح العاصفة الشديدة. وإنما يكون ذلك إذا كان الله قد جعل ذلك سببا لما ينزل في الأرض . فمن أراد بقوله : إن لها تأثيرا . ما قد علم بالحس وغيره من هذه الأمور فهذا حق ؛ ولكن الله قد أمر بالعبادات التى تدفع عنا ما ترسل به من الشر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الخسوف بالصلاة والصدقة والدعاء والاستغفار والعتق ، وكما كان صلى الله عليه وسلم إذا هبت الربح أقبل وأدبر وتغير، وأمر أن يقال عند هبوبها: ((اللهم إنا نسألك خير هذه الريح، وخير ما ١٦٩ أرسلت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما أرسلت به)) وقال: (( إن الريح من روح الله، وإنها تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب ، فلا تسبوها؛ ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها)) فأخبر أنها تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب . وأمر أن نسأل الله من خيرها ، ونعوذ بالله من شرها. فهذه السنة فى أسباب الخير والشر: أن يفعل العبد عند أسباب الخير الظاهرة والأعمال الصالحة ما يجلب الله به الخير ، وعند أسباب الشر الظاهرة من العبادات ما يدفع الله به عنه الشر فأماما يخفى من الأسباب فليس العبد مأمورا بأن يتكلف معرفته ؛ بل إذا فعل ما أمر به وترك ما حظر : كفاه الله مؤنة الشر، ويسر له أسباب الخير (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ يَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ) . وقد قال تعالى فيمن يتعاطى السحر لجلب منافع الدنيا: (وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ - إلى قوله - وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) فأخبر سبحانه أن من اعتاض بذلك يعلم أنه لا نصيب له فى الآخرة ؛ وإنما يرجو بزعمه نفعه فى فى الدنيا . كما يرجون بما يفعلونه من السحر المتعلق بالكواكب وغيرها مثل الرياسة والمال. ثم قال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ١٧٠ خََّوْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) فبين أن الإيمان والتقوى هما خير لهما فى الدنيا والآخرة، قال تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوايَتَّقُونَ) الآية، وقال فى قصة يوسف: (وَكَذَلِكَ مَكَتَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ اُلْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَنَّقُونَ ) فأخبر أن أجر الآخرة خير للمؤمنين المتقين مما يعطون فى الدنيا من الملك والمال كما أعطى يوسف . وقد أخبر سبحانه بسوء عاقبة من ترك الإيمان والتقوى فى غير آية فى الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَ يُفْلِحُ السَّاحِرُحَيْثُ أَنَى) والمفلح الذي ينال المطلوب وينجو من المرهوب . فالساحر لا يحصل له ذلك ، وفي سنن أبى داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر )) و((السحر)) محرم بالكتاب والسنة والإجماع: وذلك أن النجوم التى من السحر نوعان ((أحدهما)) علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث؛ من جنس الاستقسام بالأزلام. ((الثانى)) عملي ، وهو الذى يقولون إنه القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية : كطلاسم ونحوها ، وهذا من أرفع أنواع السحر . وكل ما حرمه الله ورسوله فضرره أعظم من نفعه ١٧١ ((فالثانى)) وإن توم المتوهم أن فيه تقدمة للمعرفة بالحوادث، وأن ذلك ينفع. فالجهل فى ذلك أضعف، ومضرة ذلك أعظم من منفعته ؛ ولهذا قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التى يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق ، وهم فى ذلك من أنواع الكهان ، وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : إن منا قوماً يأتون الكهان، فقال: ((إنهم ليسوا بشىء)) فقالوا: يارسول الله! إنهم يحدثونا أحيانا بالشىء فيكون حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الكلمة من الحق يسمعها الجنى يقرها فى أذن وليه)) وأخبر) ((أن الله إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضمانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق . وأن كل أهل السماء يخبرون أهل السماء التى تليهم ، حتى ينتهى الخبر إلى السماء الدنيا ، وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض ، فربما سمع الكلمة قبل أن يدركه الشهاب، وربما أدركه الشهاب بعد أن يلقيها)) قال صلى الله عليه وسلم: ((فلو أتوا بالأمر على وجهه ؛ ولكن يزيدون فى الكلمة مائة كذبة)). وهكذا ((المنجمون)) حتى إنى خاطبتهم بدمشق، وحضر عندي رؤساؤهم. وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التى يعترفون بصحتها قال رئيس منهم : والله إنا نكذب مائة كذبة ، حتى نصدق فى كلمة . (١) الحديث ورد في فتح الباري مجلد ٨ ص ٥٣٧، ص ٥٣٨ (بلفظ مختلف) ١٧٢ وذلك أن مبنى علمهم على أن الحركات العلوية هى السبب فى الحوادث ، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب ، وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام الذي لا يتخلف عنه حكمه، وهؤلاءا كثر ما يعلمون - إن علموا - جزءا يسيراً من جملة الأسباب الكثيرة ، ولا يعلمون بقية الأسباب ، ولا الشروط، ولا الموانع مثل من يعلم أن الشمس فى الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر ، فيريد أن يعلم من هذا - مثلا - أنه حينئذ أن العنب الذى فى الأرض الفلانية يصير زييبا ؛ على أن هناك عنبا، وأنه ينضج، وينشره صاحبه فى الشمس وقت الحر فيتزبب . فهذا وإن كان يقع كثيراً ؛ لكن أخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم ؛ إذ قد يكون هناك عنب وقد لا يكون ، وقد يثمر ذلك الشجر إن خدم وقد لا يثمر، وقد يؤكل عنبا وقد يعصر ، وقد يسرق ، وقد يزبب، وأمثال ذلك . والدلالة الدالة على فسادهذه الصناعة وتحريمها كثيرة ؛ وليس هذا موضعها وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما)) و ((العراف)) قدقيل إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ويحوهم ممن يتكلم فى تقدم المعرفة بهذه الطرق ولو قيل : إنه فى اللغة اسم لبعض هذه الأنواع فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي ، كما قيل فى اسم الخمر والميسر ونحوهما . ١٧٣ وأما إنكار بعض الناس أن يكون شيء من حركات الكواكب وغيرها من الأسباب فهو أيضا قول بلاعلم ؛ وليس له فى ذلك دليل من الأدلة الشرعية ولا غيرها ؛ فإن النصوص تدل على خلاف ذلك ، كما فى الحديث الذى فى السنن عن عائشة رضى الله عنها: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال: (( يا عائشة! تعوذى بالله من شر هذا، فهذا الغاسق إذا وقب)) وكما تقدم فى حديث الكسوف حيث أخبر ((أن الله يخوف بهما عباده)) وقد تبين أن معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يخفان لموت أحد ولا لحياته)) أى لا يكون الكسوف معللا بالموت ، فهو نفي العلة الفاعلة ، كما فى الحديث الآخر الذى فى صحيح مسلم عن ابن عباس ، عن رجال من الأنصار ، أنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ رمى بنجم فاستنار ، فقال: ((ما كنتم تقولون لهذا فى الجاهلية؟)) فقالوا : كنا نقول : ولد الليلة عظيم، أو مات عظم ، فقال: ((إنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ، ولكن الله إذا قضى بالأمر سبح حملة العرش))، وذكر الحديث فى مسترق السمع . فنفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الرمي بها لأجل أنه قد ولد عظيم أو مات عظيم ؛ بل لأجل الشياطين المسترقين السمع . ففى كلا الحديثين من أن موت الناس وحياتهم لا يكون سببا لكسوف الشمس والقمر ولا الرمي بالنجم ؛ وإن كان موت بعض الناس قد يقتضى حدوث أمر فى السموات ، كما ثبت فى الصحاح ((أن العرش عرش الرحمن اهتز لموت سعد ١٧٤ ابن معاذ)) وأما كون الكسوف أو غيره قد يكون سببا لحادث فى الأرض من عذاب يقتضى موتا أو غيره : فهذا قد أثبته الحديث نفسه . وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافى لكون الكسوف لهوقت محدود يكون فيه ، حيث لا يكون كسوف الشمس إلا فى آخر الشهر ليلة السرار ، ولا يكون خسوف القمر إلا فى وسط الشهر وليالى الأبدار . ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه بالحساب ، ولهذا يمكن المعرفة بمامضى من الكسوف وما يستقبل كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل؛ إِذَ كل ذلك بحساب، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) وقال تعالى: ( الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بْحُسْبَانٍ ) وقال تعالى: (هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَنُورًا وَقَدَرَهُ، مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ) وقال: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ ). ومن هنا صار بعض العامة إذا رأى المنجم قد أصاب فى خبره عن الكسوف المستقبل يظن أن خبره عن الحوادث من هذا النوع ؛ فإن هذا جهل ، إذالخير الأول بمنزلة إخباره بأن الهلال يطلع: إما ليلة الثلاثين، وإما ليلة إحدى وثلاثين فإن هذا أمر أجرى الله به العادة لا يخرم أبداً؛ وبمنزلة خبره أن الشمس تغرب آخر النهار وأمثال ذلك . فمن عرف منزلة الشمس والقمر ، ومجاريهما علم ذلك ، وإن كان ذلك علما قليل المنفعة . ١٧٥ فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سببا لما يقضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله فى ذلك الوقت، أو لغيره ممن ينزل الله به ذلك، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة كقوم عاد كانت فى الوقت المناسب ، وهو آخر الشتاء ، كما قد ذكر ذلك أهل التفسير وقصص الأنبياء ؛ وكان النبى صلى الله عليه وسلم (( إذا رأى مخيلة - وهو السحاب الذى يخال فيه المطر - أقبل وأدبر ، وتغير وجهه، فقالت له عائشة: إن الناس إذا رأوا مخيلة استبشروا؟ فقال: ((يا عائشة! وما يؤمنى؟ قد رأى قوم عاد العذاب عارضا مستقبل أوديتهم فقالوا (هَذَا عَارِضٌ مُطِرُنَا) وكذلك (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الله تعالى : الأوقات الذى ينزل الله فيها الرحمة، كالعشر الآخرة من رمضان، والأول من ذى الحجة ، وكجوف الليل ؛ وغير ذلك هي أوقات محدودة لا تتقدم ولا تتأخر وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل فى غيرها . وقد جاء فى بعض طرق أحاديث الكسوف ما رواه ابن ماجه وغيره فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنهما لا ينكسفان لموت أحدولا لحياته، ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)) وقد طعن فى هذا الحديث أبو حامد ونحوه ، وردوا ذلك ؛ لا من جهة علم الحديث ؛ فإنهم قليلو المعرفة به كما كان أبو حامد يقول عن نفسه: أنا مزجى البضاعة فى علم الحديث، ١٧٦ ولكن من جهة كونهم اعتقدوا أن سبب الكسوف إذا كان - مثلا - كون القمر إذا حاذاها منع نورها أن يصل إلى الأرض لم يجز أن يعلل ذلك بالتجلى . والتجلى المذكور لا ينافى السبب المذكور ؛ فإن خشوع الشمس والقمر لله فى هذا الوقت إذا حصل لنوره ما يحصل من انقطاع يرفع تأثيره عن الأرض ؛ وحيل بينه وبين محل سلطانه وموضع انتشاره وتأثيره: فإن الملك المتصرف فى مكان بعيد لو منع ذلك لذل لذلك . وأما قوله تعالى: (فَالْمُدَيَِّتِ أَمْرًا) فالمدبرات هى الملائكة . وأما إقسام الله بالنجوم، كما أقسم بها فى قوله: (فَلَ أَقِمُ بِالْخُنَِّ * الْجَوَارِ اُلْكُنَسِ ) فهو كاقسامه بغير ذلك من مخلوقاته ، كما أقسم بالليل والنهار ، والشمس والقمر ، وغير ذلك : يقتضى تعظيم قدر المقسم به ، والتنبيه على ما فيه من الآيات والعبرة ، والمنفعة للناس ؛ والإنعام عليهم ، وغير ذلك ؛ ولا يوجب ذلك أن تتعلق القلوب به ، أو يظن أنه هو المسعد المنحس ، كما لا يظن ذلك فى (وَِّلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ) وفى (وَالَّرِيَتِ ذَرْوًا * فَالْحَمِلَتِ وِفْرًا ) وفى (وَاَلْتُورِ * وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ ) وأمثال ذلك. واعتقاد المعتقد أن يجما من النجوم السبعة هو المتولي لسعده ويحسه اعتقاده فاسد، [وأن المعتقد](١) أنه هو المدبرله: فهو كافر . وكذلك إن انضم إلى ذلك دعاؤه والاستعانة به كان كفراً ؛ وشركا محضا ، وغاية (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب [وإن اعتقد ] ١٧٧ من يقول ذلك أن يبنى ذلك على أن هنا الولد حين ولد بهذا الطالع . وهذا القدر يمتنع أن يكون وحده هو المؤثر فى أحوال هذا المولود ؛ بل غايته أن يكون جزءاً يسيرا من جملة الأسباب . وهذا القدر لا يوجب ما ذكر ؛ بل ما علم حقيقة تأثيره فيه مثل حال الوالدين ، وحال البلد الذى هوفيه ؛ فإن ذلك سبب محسوس فى أحوال المولود ؛ ومع هذا فليس هذا مستقلا . ثم إن الأوائل من هؤلاء المنجمين المشركين الصابئين وأتباعهم قد قيل إنهم كانوا إذا ولد لهم المولود أخذوا طالع المولود ، وسموا المولود باسم يدل على ذلك ، فإذا كبر سئل عن اسمه ، أخذ السائل حال الطالع . فجاء هؤلاء الطرقية يسألون الرجل عن اسمه واسم أمه ، ويزعمون أنهم يأخذون من ذلك الدلالة على أحواله ، وهذه ظلمات بعضها فوق بعض منافية للعقل والدين . وأما اختياراتهم ، وهو أنهم يأخذون الطالع لما يفعلونه من الأفعال : مثل اختياراتهم للسفر أن يكون القمر فى شرفه وهو ((السرطان)) وألا يكون فى هبوطه وهو ((العقرب)) فهو من هذا الباب المذموم. ولما أراد على بن أبى طالب أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم فقال : ياأمير المؤمنين ! لاتسافر ؛ فإن القمر فى العقرب ؛ فإنك إن سافرت ١٧٨ والقمر فى العقرب هزم أصحابك - أو كما قال - فقال علي : بل أسافر ثقة بالله ، وتوكلا على الله ، وتكذيبالك ؛ فسافر فبورك له فى ذلك السفر ، حتى قتل عامة الخوارج ، وكان ذلك من أعظم ماسربه ؛ حيث كان قتاله لهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم . وأماما يذكره بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لاتسافر والقمر فى العقرب )» فكذب مختلق باتفاق أهل الحديث . وأما قول القائل : إنها صنعة إدريس. فيقال ((أولاً)) هذا قول بلاعلم؛ فإن مثل هذا لا يعلم إلا بالنقل الصحيح ؛ ولاسبيل لهذا القائل إلى ذلك ؛ ولكن فى كتب هؤلاء ((هرمس الهرامسة)) ويزعمون أنه هو إدريس. ((والهرمس)) عندهم اسم جنس؛ ولهذا يقولون: ((هرمس الهرامسة)) وهذا القدر الذى يذكرونه عن هرمسهم يعلم المؤمن قطعاً أنه ليس هو مأخوذاً عن نبي من الأنبياء على وجهه ؛ لمافيه من الكذب والباطل . ويقال (( ثانياً)): هذا إن كان أصله مأخوذا عن إدريس فإنه كان معجزة له ، وعلماً أعطاه الله إياه، فيكون من العلوم النبوية. وهؤلاء إنما يحتجون بالتجربة والقياس ؛ لا بأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ١٧٩ ويقال ((ثالثا)) إن كان بعض هذا مأخوذا عن نبي فمن المعلوم قطعا أن فيه من الكذب والباطل أضعاف ماهو مأخوذ من ذلك النبى . ومعلوم قطعا أن الكذب والباطل الذى فى ذلك أضعاف الكذب والباطل الذى عند اليهود والنصارى فيما يأترونه على الأنبياء ، وإذا كان اليهود والنصارى قد تيقنا قطعا أن أصل دينهم مأخوذ عن المرسلين ، وأن الله أنزل التوراة والإنجيل والزبور كما أنزل القرآن، وقد أوجب الله علينا أن نؤمن بما أنزل علينا وما أنزل على من قبلنا، كما قال تعالى: ( قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ثم مع ذلك قد أخبرنا الله أن أهل الکتاب حرفوا وبدلوا ، و کذبوا و کتموا ؛ فإذا كانت هذه حال الوحی المحقق، والكتب المنزلة يقينا؛ مع أنها إلينا أقرب عهداً من إدريس ، ومع أن نقلتها أعظم من نقلة النجوم ، وأبعد عن تعمد الكذب والباطل ، وأبعد عن الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر . فما الظن بهذا القدر إن كان فيه ما هو منقول عن إدريس ؟ !! فإنا نعلم أن فيه من الكذب والباطل والتحريف أعظم مما فى علوم أهل الكتاب . وقد ثبت فى صحيح البخارى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم ولا تكذبوهم، وقولوا ١٨٠