النص المفهرس
صفحات 121-140
به فى كل ما يأمر به ويخبر به، ولا تكون مخالفته فى ذلك كفراً؛ بخلاف الأنبياء ؛ بل إذا خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر فى قوليهما ، وأيهما كان أشبه بالكتاب والسنة تابعه ، كما قال تعالى : (يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأْأَطِيعُواْاللّهَوَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنِ تَنَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِوَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) فأمر عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول ؛ إذ المعصوم لا يقول إلا حقا . ومن علم أنه قال الحق فى موارد النزاع وجب اتباعه ، كما لو ذكر آية من كتاب الله تعالى ، أو حديثا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد به قطع النزاع . أما وجوب اتباع القائل فى كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح؛ بل هذه المرتبة هي ((مرتبة الرسول)) التى لا تصلح إلاله ، كما قال تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُو أ ◌َسْلِيمًا) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْ سَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهُ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا) (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال تعالى : وقال تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ ١٢١ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقال: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وقال تعالى : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) (تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُ ودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيرٌ ) وقال تعالى: (رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وقال تعالى: ( وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وقال تعالى: (لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اُللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ). وأمثال هذه فى القرآن كثير ، بين فيه سعادة من امن بالرسل واتبعهم وأطاعهم ، وشقاوة من لم يؤمن بهم ولم يتبعهم ؛ بل عصام . فلو كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهى عنه لكان حكمه فى ذلك حكم الرسول . والنبى المبعوث إلى الخلق رسول إليهم ؛ بخلاف من لم يبعث إليهم. فمن كان آمراً ناهياً للخلق: من إمام، وعالم، وشيخ،وأولي أمر غير هؤلاء من أهل البيت أو غيرهم ، وكان معصوما : كان بمنزلة الرسول فى ذلك ، وكان من أطاعه وجبت له الجنة ، ومن عصاه وجبت له النار ، كما يقوله القائلون بعصمة على أو غيره من الأئمة؛ بل من أطاعه يكون مؤمنا؛ ومن عصاه يكون كافراً؛ وكان هؤلاء كأنبياء بنى إسرائيل ؛ فلا ١٢٢ يصح حينئذ قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا ني بعدى)) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)). فغاية العلماء من الأئمة وغيرهم من هذه الأمة أن يكونوا ورثة أنبياء. وأيضاً فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصديق فى تأويل رؤيا عبرها: ((أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً)) وقال الصديق : أطيعونى ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له أبو بردة : دعني أضرب عنقه، فقال له : أ كنت فاعلا ؟! قال : نعم . فقال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا اتفق الأئمة على أن من سب نبياً قتل ، ومن سب غير النبى لا يقتل بكل سب سبه ؛ بل يفصل فى ذلك ؛ فإن من قذف أم النبى صلى الله عليه وسلم ، قتل مسلماً كان أو كافراً ؛ لأنه قدح فى نسبه ، ولو قذف غير أم النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يعلم براءتها لم يقتل)). وكذلك عمر بن الخطاب كان يقر على نفسه فى مواضع بمثل هذه، فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين له الحق فى خلاف ماقال ، ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم، ويقول فى مواضع: والله ما يدرى عمر أصاب الحق أو أخطأه. ويقول: امرأة أصابت ، ورجل أخطأ . ومع هذا فقد ثبت فى ١٢٣ الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد كان فى الأمم قبلكم محدثون؛ فإن يكن فى أمتى أحد فعمر)) وفى الترمذي: (( لو لمأبعث فيكم لبعث فيكم معمر)) وقال: ((إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه)) فإذا كان المحدث الملهم الذى ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم، فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته؟! فإن أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة ، وأعظم طاعة لله ورسوله من سائرهم ، وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم ، وقد ثبت بالنقل المتواتر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر)» روي ذلك عنه من نحو ثمانين وجهاً، وقال علي رضي الله عنه : لا أولى بأحد يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى . والأقوال المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة [كثيرة]. بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر وكان الشافعى رضي الله عنه يناظر بعض فقهاء الكوفة فى مسائل الفقه ، فيحتجون عليه بقول علي ، فصنف كتاب ((اختلاف علي وعبدالله بن مسعود)) وبين فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما ؛ لمجىء السنة بخلافها ، وصنف بعده محمد بن نصر الثورى كتاباا كبر من ذلك، كما ترك من قول علي رضي الله عنه ١٢٤ أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا فإنها تعتد أ بعد الأجلين ، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضًا، واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما فى ذلك ، وهو أنها إذا وضعت حملها حلت ، لما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم: أن سبيعة الأسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال ، فدخل عليها هو أبو السنابل بن بعكك ، فقال : ماأنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً، فسألت النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: ((كذب أبو السنابل. حللت فانكحي)) فكذب النبى صلى الله عليه وسلم من قال بهذه الفتيا . وكذلك المفوضة التى تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهر قال فيها علي وابن عباس إنها لامهر لها ، وأفتى فيها ابن مسعود وغيره أن لها مهر المثل، فقام رجل من أشجع فقال: نشهد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضی فی بروع بنت واشق بمثل ماقضت به فى هذه )) . ومثل هذا كثير وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضًاً فى العلم والفتيا ، كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضاً ، ولو كانوا معصومين لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة ، وقد كان الحسن فى أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيراً مما يفعله ، ويرجع علي رضى الله عنه فى آخر الأمر إلى رأيه ، وكان يقول : سوف أ كيس بعدها وأستمر لئن عجزت عجزة لا أعتذر ستور وأجبر الرأي النسيب المنتشر ١٢٥ وتبين له فى آخر عمره أن لو فعل غير الذى كان فعله لكان هو الأصوب وله فتاوى رجع ببعضها عن بعض ، كقوله فى أمهات الأولاد، فإن له فيها قولين ((أحدهما)) المنع من بيعهن. ((والثانى)) إباحة ذلك . والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان؛ إلاأن يكون أحدهما ناسخا للآخر ، كما فى قول النبى صلى الله عليه وسلم السنة استقرت فلايرد عليها بعده نسخ إذلا نبي بعده وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ، ولا يطلب هذا الأمر ، وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين ألا يذهب إليهم ، لا يجيبهم إلى ما قالوه من المجىء إليهم والقتال معهم؛ وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين ولكنه رضى الله عنه فعل مارآه مصلحة ، والرأى يصيب ويخطى . والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه ؛ وليس له أن يخالف معصوماً آخر ؛ إلا أن يكونا على شريعتين، كالرسولين ، ومعلوم أن شريعتهما واحدة. وهذا باب واسع مبسوط فى غير هذا الموضع. ((والمقصود)) أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة، المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة : هو فى غاية الضلال والجهالة ، ولم يقل هذا القول من له فى الأمة لسان صدق ؛ بل ولا من له عقل محمود . ١٢٦ فكيف تكون العصمة فى ذرية ((عبد الله بن ميمون القداح)) مع شهرة النفاق والكذب والضلال؟! وهب أن الأمر ليس كذلك : فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك، وأكثرها ظلما وانتها كا للمحرمات ، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات ، وأعظم إظهارا للبدع المخالفة للكتاب والسنة ، وإعانة لأهل النفاق والبدعة . وقد اتفق أهل العلم على أن دولة بنى أمية وبنى العباس أقرب إلى الله ورسوله من دولتهم ، وأعظم علما وإيمانا من دولتهم ، وأقل بدءا وفجورا من بدعتهم ، وأن خليفة الدولتين أطوع لله ورسوله من خلفاء دولتهم ؛ ولم يكن فى خلفاء الدولتين من يجوز أن يقال فيه إنه معصوم ، فكيف يدعى العصمة من ظهرت عنه الفواحش والمنكرات ، والظلم والبغى ، والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة، والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق ؟! فهم من أفسق الناس . ومن أ كفر الناس. وما يدعى العصمة فى النفاق والفسوق إلا جاهل مبسوط الجهل ، أو زنديق يقول بلا علم. ومن المعلوم الذى لاريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى ، أو بصحة النسب فقد شهد لهم بمالا يعلم، وقد قال الله تعالى: (وَلَا نَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ) وقال تعالى: (إِلَّامَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقال عن إخوة يوسف: (وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم ١٢٧ ولا ثبوت إيمانهم وتقواه؛ فإن غاية مايزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه ؛ وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا فى الباطن ؛ إذ قد عرف فى المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق ، قال الله تعالى : وقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ) ( إِذَا جَآءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ) وقال تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَقُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ ) وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة ، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر . فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم فى ذلك صار فى إيمانهم نزاع مشهور. فالشاهد لهم بالإيمان شاهدلهم بمالا يعلمه ؛ إذ ليس معه شىء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم وكذلك ((النسب)) قد علم أن جمهور الأمة تطعن فى نسبهم ، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس ، أو اليهود. هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف : من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وأهل الحديث ، وأهل الكلام ، وعلماء النسب، والعامة ، وغيرهم. وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم ، حتى بعض من قد يتوقف فى أمرم كابن الأثير الموصلى فى تاريخه ونحوه ؛ فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم فى القدح فى نسبهم . ١٢٨ وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان فى تاريخه، فإنهم ذكروا بطلان نسبهم ، وكذلك ابن الجوزى ، وأبو شامة وغيرهما من أهل العلم بذلك ، حتى صنف العلماء فى كشف أسرارم وهتك أستارهم ، كما صنف القاضي أبو بكر الباقلانى كتابه المشهور فى كشف أسرارم وهتك أستارهم ، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى؛ بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلاهية علي أو نبوته ، فهم أ كفر من هؤلاء؛ وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى فى كتابه ((المعتمد)) فصلا طويلا فى شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالى فى كتابه الذى سماه ((فضائل المستظهرية ، وفضائح الباطنية)) قال: ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض . وكذلك القاضى عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على على غيره ؛ بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله: يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة. فهذه مقالة المعتزلة فى حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة ؟ !! والرافضة الإمامية - مع أنهم من أجهل الخلق ، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل ، ولا دين صحيح ، ولا دنيا منصورة - نعم يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين ؛ ويعلمون أن مقالة هؤلاء ١٢٩ الباطنية شر من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية على رضى الله عنه . وأما القدح فى نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف . وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف ، وكان فى بعضهم من البدعة والظلم ما فيه ؛ فلم يقدح الناس فى نسب أحد من أولئك، كما قد حوا فى نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء . وقد قام من ولد علي طوائف: من ولد الحسن ، وولد الحسين، كمحمد بن عبد الله بن حسن ، وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأمثالهما . ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولامن غير أعدائهم لا فى نسبهم ولا فى إسلامهم ، وكذلك الداعى القائم بطبر ستان وغيره من العلويين ، وكذلك بذو حمود الذين تغلبوا بالأندلس مدة ، وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد فى نسبهم ، ولا فى إسلامهم . وقد قتل جماعة من الطالبيين على الخلافة ، لاسيما فى الدولة العباسية ، وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره ، ولم يقدح أعداؤهم فى نسبهم ، ولا دينهم . وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدوأن يطفئه ؛ وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى ، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك ، فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلماء . ١٣٠ وهؤلاء ((بنو عبيد القداح)) ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا يقدحون فى نسبهم ودينهم ؛ لا يذمونهم بالرفض والتشيع ؛ فإن لهم فى هذا شركاء كثيرين؛ بل بجعلونهم ((من القرامطة الباطنية)» الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، ومن جنسهم الحرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار المنافقين ، الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ؛ ولا ريب أن اتباع هؤلاء باطل؛ وقد وصف العلماء أئمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه؛ وذكروا ما بنوا عليه مذاهبهم؛ وأنهم أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة؛ فوضعوا لهم ((السابق)) و((التالى)) و((الأساس)) و((الحجج))، و((الدعاوى)) وأمثال ذلك من المراتب. وترتيب الدعوة سبع درجات؛ آخرها ((البلاغ الأكبر؛ والناموس الأعظم)) مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك .. وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان فأقل ما فى شهادته أنه شاهد بلا علم ، قاف ما ليس له به علم ؛ وذلك حرام باتفاق الأمة ؛ بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق . ومعاداة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم : دليل على بطلان نسبهم الفاطمي ؛ فإن من يكون من أقارب النبى صلى الله عليه وسلم القائمين بالخلافة فى أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء ؛ فلم يعرف فى بني هاشم ، ولا ولد أبى طالب ، ولا بنى أمية : من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام ؛ فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة ١٣١ هؤلاء ؛ بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم ، فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذى بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادى دينه هذه المعاداة ؛ ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنا وظاهرا معادن لهؤلاء ، إلا من هو زنديق عدو الله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله . وهذا مما يدل على كفرهم ، و کذبهم فى نسبهم . فصل وأما سؤال القائل ((إنهم أصحاب العلم الباطن)) فدعواهم التى ادعوها من العلم الباطن هى أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون ؛ لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا باليوم الآخر ، فإن هذا العلم الباطن الذى ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى ؛ بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا ؛ فإن مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين فى الأوامر ، والنواهى، والأخبار . أما ((الأوامر)) فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمداً صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلوات المكتوبة ، والزكاة المفروضة ، وصيام شهر رمضان ، وحج البيت العتيق . ١٣٢ وأما ((النواهى)) فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم، والبغي بغير الحق، وأن يشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ، وأن يقولوا على الله مالا يعلمون، كما حرم الخمر ، ونكاح ذوات المحارم ، والربا والميسر ، وغير ذلك . فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون ، ولكن لهذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية، الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ، الذين يقولون إنهم معصومون، وأنهم أصحاب العلم الباطن، كقولهم: ((الصلاة)) معرفة أسرارنا؛ لا هذه الصلوات ذات الركوع والسجود والقراءة. و ((الصيام)) كتمان أسرارنا ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح. و((الحج)) زيارة شيوخنا المقدسين. وأمثال ذلك . وهؤلاء المدعون للباطن لا يوجبون هذه العبادات ولا يحرمون هذه المحرمات ؛ بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونكاح الأمهات والبنات ، وغير ذلك من المنكرات ، ومعلوم أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما ؟ ! ! وأما(الأخبار)» فإنهم لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة ؛ بل ولا ماذكرته من أسماء الله وصفاته ، بل أخبارهم التي يقيمونها اتباع المتفلسفة المشائين التابعين لأرسطو ، ويريدون أن يجمعوا ١٣٣ بين ما أخبر به الرسل وما يقوله هؤلاء، كما فعل أصحاب ((رسائل إخوان الصفا)) وهم على طريقة هؤلاء العبيديين، ذرية ((عبيد الله بن ميمون القداح)). فهل ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين، أو اليهود ، أو النصارى : أن ما يقوله أصحاب («رسائل إخوان الصفا)) مخالف للملل الثلاث وإن كان فى ذلك من العلوم الرياضية ، والطبيعية ، وبعض المنطقية ، والإلهية ، وعلوم الأخلاق ، والسياسة، والمنزل مالا ينكر ؛ فإن فى ذلك من مخالفة الرسل فيما أخبرت به وأمرت به ، والتكذيب بكثير مما جاءت به ، وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل . فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث . ومن أكاذيبهم وزعمهم: أن هذه (( الرسائل)) من كلام جعفر بن محمد الصادق . والعلماء يعلمون أنها إنما وضعت بعد المائة الثالثة زمان بناء القاهرة ، وقد ذكر واضعها فيها ما حدث فى الإسلام من استيلاء النصارى على سواحل الشام ، ونحو ذلك من الحوادث التى حدثت بعد المائة الثالثة . وجعفر بن محمد - رضي الله عنه - توفى سنة ثمان وأربعين ومائة، قبل بناء القاهرة بأكثر من مائتي سنة ؛ إذ القاهرة بنيت حول الستين وثلاثمائة ، كما فى ((تاريخ الجامع الأزهر)). ويقال: إن ابتداء بنائها سنة ثمان وخمسين ، وأنه فى سنة اثنتين وستين قدم ((معد بن تميم)) من المغرب واستوطنها . ١٣٤ ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام كانوا من أتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم، وأبى علي بن الهيثم اللذين كانا فى دولة الحاكم نازلين قريبا من الجامع الأزهر. وابن سينا وابنه وأخوه كانوا من أتباعهما: قال ابن سينا : وقرأت من الفلسفة، وكنت أسمع أبى وأخى يذكران ((العقل)) ((والنفس))، وكان وجوده على عهد الحاكم، وقد علم الناس من سيرة الحاكم ماعلموه، وما فعله هشكين الدرزي بأمره من دعوة الناس إلى عبادته، ومقاتلته أهل مصر على ذلك ، ثم ذهابه إلى الشام حتى أضل وادي التيم بن ثعلبة. والزندقة والنفاق فيهم إلى اليوم ، وعنده كتب الحاكم، وقد أخذتها منهم ، وقرأت مافيها من عبادتهم الحاكم ؛ وإسقاطه عنهم الصلاة، والزكاة ، والصيام، والحج، وتسمية المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرمين لما حرم الله ورسوله بالحشوية . إلى أمثال ذلك من أنواع النفاق التى لاتكاد حصى . وبالجملة (( فعلم الباطن)) الذى يدعون مضمونه الكفر بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ؛ بل هو جامع لكل كفر ، لكنهم فيه على درجات فليسوا مستوين فى الكفر ؛ إذ هو عنده سبع طبقات، كل طبقة يخاطبون بها طائفة من الناس بحسب بعدم من الدين وقربهم منه. ولهم ألقاب وترتيبات ركبوها من مذهب المجوس ، والفلاسفة ، والرافضة مثل قولهم: ((السابق)) و((التالي)) جعلوهما بإزاء ((العقل)) ١٣٥ و ((النفس)» كالذى يذكره الفلاسفة، وبإزاء النور والظلمة كالذى يذكره المجوس. وهم ينتمون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر)) ويدعون أنه هو السابع ويتكلمون فى الباطن ، والأساس، والحجة ، والباب ، وغير ذلك مما يطول وصفهم. ومن وصايا فى ((الناموس الأكبر، والبلاغ الأعظم)) أنهم يدخلون على المسلمين من ((باب التشيع)) وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف ، وأضعفها عقلا وعلما ، وأبعدها عن دين الإسلام علما وعملا، ولهذا دخلت الزنادقة على الإسلام من باب المتشيعة قديما وحديثا ، كما دخل الكفار المحاربون مدائن الإسلام بغداد بمعاونة الشيعة، كما جرى لهم فى دولة الترك الكفار ببغداد وحلب وغيرهما ؛ بل كما جرى بتغير المسلمين مع النصارى وغيرهم ، فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح فى الصحابة ، فإن رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن فى على وغيره ثم نقلوه إلى القدح فى نبينا وسائر الأنبياء، وقالوا: إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم ، وكانوا قوما أذكياء فضلاء قالوا بأغراضهم الدنيوية بما وضعوه من النواميس الشرعية ، ثم قدحوا فى المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار ، وجعلوه ضعيف الرأى حيث تمكن عدوه منه حتى صلبه فيوافقون اليهود فى القدح فى المسيح ؛ لكن هم شر من اليهود . فإنهم يقدحون فى الأنبياء. وأما موسى ومحمد فيعظمون أمرهما، لتمكنهما وقهر ١٣٦ عدوهما؛ ويدعون أنهما أظهرا ما أظهرا من الكتاب لذب العامة ، وأن لذلك أسرارا باطنة من عرفها صار من الكمل البالغين ويقولون إن الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات، وأخذ أموال الناس بكل طريق ؛ ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة : من صلاة، وزكاة وصيام وغير ذلك؛ إِذ البالغ عندم قد عرف أنه لا جنة ولا نار ؛ ولا ثواب ولا عقاب . وفى ((إثبات واجب الوجود)) المبدع للعالم على قولين لأئمتهم تنكره وتزعم أن المشائين من الفلاسفة فى نزاع إلا فى واجب الوجود؛ ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله فى أسفله؛ وأمثال ذلك من كفره كثير . وذو الدعوة التى كانت مشهورة ؛ والإسماعيلية الذين كانوا على هذا المذهب بقلاع الألموت وغيرها فى بلاد خراسان ؛ وبأرض اليمن وجبال الشام؛ وغير ذلك : كانوا على مذهب العبيديين المسئول عنهم ؛ وابن الصباح الذى كان رأس الإسماعيلية ؛ وكان الغزالى يناظر أصحابه لما كان قدم إلى مصر فى دولة المستنصر ، وكان أطولهم مدة ؛ وتلقى عنه أسرارهم . وفى دولة المستنصر كانت فتنة البساسرى فى المائة الخامسة سنة خمسين وأربعمائة لما جاهد البساسرى خارجا عن طاعة الخليفة القائم بأمر الله العباسى ، ١٣٧ واتفق مع المستنصر العبيدى وذهب يحشر إلى العراق ، وأظهروا فى بلاد الشام والعراق شعار الرافضة كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر ، وقتلوا طوائف من علماء المسلمين وشيوخهم كما كان سلفهم قتلوا قبل ذلك بالمغرب طوائف، وأذنوا على المنابر: ((حي على خير العمل)) حتى جاء الترك ((السلاجقة)) الذين كانوا ملوك المسلمين فهز موهم وطردوهم إلى مصر ، وكان من أواخره ((الشهيد نور الدين محمود)) الذى فتح أكثر الشام، واستنقذه من أيدى النصارى ؛ ثم بعث عسكره إلى مصر لما استنجدوه على الأفرنج ، وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذى فتح مصر ؛ فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية ، وأظهر فيها شرائع الإسلام ، حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام. وكان فى أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروى حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل، كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال صاحب عبد الغنى بن سعيد ، وامتنع من رواية الحديث خوفا أن يقتلوه، وكانوا ينادون بين القصرين : من لعن وسب ، فله دينار وأردب . وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها بالكفر الصريح، وكان لهم مدرسة بقرب ((المشهد)) الذى بنوه ونسبوه إلى الحسين وليس فيه الحسين، ولا شىء منه باتفاق العلماء. وكانوا لا يدرسون فى مدرستهم علوم المسلمين؛ بل المنطق ، والطبيعة ، والإلهى ، ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة. وبنوا أرصاداً على ١٣٨ الجبال وغير الجبال . يرصدون فيها الكواكب ، يعبدونها ، ويسبحونها. ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار ، كشياطين الأصنام ، ونحو ذلك. ((والمعز بن تميم بن معد)) أول من دخل القاهرة منهم فى ذلك، فصنف كلاما معروفا عند أتباعه؛ وليس هذا ((المعز بن باديس)) فإن ذاك كان مسلما من أهل السنة ، وكان رجلا من ملوك المغرب؛ وهذا بعد ذلك بمدة. ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتى سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان ، حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار .. ردة ونفاق ، كدار مسيلمة الكذاب . ((والقرامطة)) الخارجين بأرض العراق الذين كانوا سلفا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب ، ثم جاؤا من المغرب إلى مصر ؛ فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة، وهم أعظم كفراً وردة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين ؛ فإن أولئك لم يقولوا فى الإلهية والربوبية والشرائع ما قاله أمة هؤلاء . ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين، كما يميز بين قبور المسلمين والكفار ؛ فإن قبورهم موجهة إلى غير القبلة . وإذا أصاب الخيل مغل أتوا بها إلى قبورهم ، كما يأتون بها إلى قبور الكفار ، وهذه عادة معروفة للخيل إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور ١٣٩ النصارى بدمشق ، وإن كانوا بمسا كن الإسماعيلية والنصيرية ونحوهما ذهبوا بها إلى قبورهم ، وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى ، أو لهؤلاء العبيديين الذين قد يتسمون بالأشراف ، وليسوا من الأشراف. ولا يذهبون بالخيل إلى قبور الأنبياء والصالحين ؛ ولا إلى قبور عموم المسلمين وهذا أمر مجرب معلوم عند الجند وعلمائهم. وقدذكر سبب ذلك: أن الكفار يعاقبون فى قبورهم، فتسمع أصواتهم البها ئم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أن الكفار يعذبون فى قبورهم ، ففى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه كان راكباً على بغلته، فمر بقبور فادت به كادت تلقيه، فقال : هذه أصوات يهود تعذب فى قبورها)) فإن البهائم إذا سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما يذهب المغل ، وكان الجهال يظنون أن تمشية الخيل عند قبور هؤلاء لدينهم وفضلهم، فلما تبين لهم أنهم يمشونها عند قبور اليهود والنصارى والنصيرية ويحوهم دون قبور الأنبياء والصالحين ، وذكر ٠٠ العلماء أنهم لا يمشونها عند قبر من يعرف بالدين بمصر والشام وغيرها ؛ إنما يمشونها عند قبور الفجار والكفار: تبين بذلك ما كان مشتبها . ومن علم حوادث الإسلام ، وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين: علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذى بعث الله به رسوله أعظم من عداوة النتار ، وأن علم الباطن الذى كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التى بعث الله بها محمدا؛ بل إبطال جميع المرسلين ؛ وأنهم لا يقرون ١٤٠