النص المفهرس
صفحات 101-120
على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين ؛ فإن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الإقرار على ذلك، ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية ، والمالكية، والحنفية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث ، والتفسير ، والصوفية : الذين ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين ؛ بل أئمة هؤلاء يقولون بذلك . فالذي حكاه عن الشيخ أبى حامد الغزالى قد قال مثله أعة أصحاب الشافعى أصحاب الوجوه الذين م أعظم فى مذهب الشافعى من أبى حامد، كما قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني ، الذى هو إمام المذهب بعد الشافعى، وابن سريج فى تعليقه: وذلك أن عندنا أن النبى صلى الله عليه وسلم يجوز عليه الخطأ كما يجوز علينا ولكن الفرق بيننا أنا نقر على الخطأ والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقر عليه، وإنما يسهو ليسن، وروي عنه أنه قال: ((إنما أسهو لأسن لكم)). وهذه المسئلة قد ذكرها فى أصول الفقه هذا الشيخ أبو حامد ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى ، وكذلك ذكرها بقية طوائف أهل العلم : من أصحاب مالك ، والشافعي، وأحمد ، وأبى حنيفة. ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول، كما ذكر ذلك عن أبى سلمان الخطابى ونحوه ؛ ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة ؛ ومن كفرم بذلك استحق العقوبة الغليظة التى تزجره ١٠١ وأمثاله عن تكفير المسلمين ؛ وإنما يقال فى مثال ذلك : قولهم صواب أو خطأ . فمن وافقهم قال : إن قولهم الصواب . ومن نازعهم قال : ان قولهم خطأ ، والصواب قول مخالفهم . وهذا المسئول عنه كلامه يقتضي أنه لا يوافقهم على ذلك ؛ لكنه ينفى التكفير عنهم. ومثل هذا تجب عقوبة من اعتدى عليه، ونسبه إلى تنقيص الرسول صلى الله عليه وسلم أو العلماء؛ فإنه مصرح بنقيض هذا، وهذا. وقد ذكر القاضى عياض هذه المسئلة ، وهو من أبلغ القائلين بالعصمة ، قسم الكلام فى هذا الباب، إلى أن قال: ((الوجه السابع)) أن يذكر ما يجوز على النبى صلى الله عليه وسلم ، ويختلف فى إقراره عليه، وما يطرأ من الأمور البشرية منه ويمكن إضافتها إليه . أو يذكر ما امتحن به وصبر فى ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاه له ، ومعرفة ابتداء حاله ، وسيرته، ومالقيه من بؤس زمنه ، ومر عليه من معاناة عيشه ، كل ذلك على طريق الرواية ، ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت به العصمة للأنبياء ، وما يجوز عليهم . فقال : هذا فن خارج من هذه الفنون الستة ؛ ليس فيه غمض ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف ، ولا فى ظاهر اللفظ ولا فى مقصد اللافظ ؛ لكن يجب أن يكون الكلام مع أهل العلم ، وطلبة الدين ممن يفهم مقاصده، ويحققون فوائده؛ ويجنب ذلك ممن عساه لا يفقه ، أو يخشى بهفتنة. ١٠٢ وقد ذكر القاضي عياض قبل هذا : أن يقول القائل شيئا من أنواع السب حا كيا له عن غيره، وآثراً له عن سواه. قال : فهذا ينظر فى صورة حكايته، وقرينة مقالته؛ ويختلف الحكم باختلاف ذلك على ((أربعة وجوه)) الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم. ثم ذكر أنه يحمل من ذلك ما ذكره على وجه الشهادة ونحوها مما فيه إقامة الحكم الشرعى على القائل ، أو على وجه الرذالة والنقص على قائله ؛ بخلاف من ذكره لغير هذين . قال : وليس التفكه بعرض النبى صلى الله عليه وسلم، والتمضمض بسوء ذكره لأحد لاذا كراً ، ولا آثراً لغير غرض شرعي مباح . فقد تبين من كلام القاضى عياض أن ما ذكره هذا القائل ليس من هذا الباب ؛ فإنه من مسائل الخلاف ،وأن ما كان من هذا الباب ليس لأحد أن يذكره لغير غرض شرعی مباح . وهذا القائل إنما ذكر لدفع التكفير عن مثل الغزالى وأمثاله من علماء المسلمين، ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا فى هذا هو من أحق الباب ؛ بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطأوا الأغراض الشرعية ؛ حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر حماية له، ونصراً لأخيه المسلم: لكان هذا غرضا شرعيا حسنا ، وهو إذا اجتهد فى ذلك فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد. ١٠٣ فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل ، ما جور على ذلك ، مثاب عليه ء إذا كانت له فيه نية حسنة ؛ والمنكر لما فعله أحق بالتعزير منه ؛ فإن هذا يقتضى قوله القدح فى علماء المسلمين من الكفر ، ومعلوم أن الأول أحق بالتعزير من الثانى إن وجب التعزير لأحدهما ، وإن كان كل منهما مجتهداً اجتهاداً سائغا بحيث يقصد طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته فلا إثم على واحد منهما، وسواء أصاب فى هذا النقل أو أخطأ فليس فى ذلك تنقيص للنبي صلى الله عليه وسلم . وكذلك أحضر النقل أو لم يحضره ؛ فإنه ليس فى حضوره فائدة ؛ إذ ما نقله عن الغزالي قد قال مثله من علماء المسلمين من لا يحصى عددهم إلا الله تعالى ؛ وفيهم من هو أجل من الغزالى؛ وفيهم من هو دونه. ومن كفر هؤلاء ء استحق العقوبة باتفاق المسلمين ؛ بل أكثر علماء المسلمين وجمهور السلف يقولون مثل ذلك، حتى المتكلمون ، فإن أبا الحسن الأشعرى قال: أكثر الأشعرية والمعتزلة يقولون بذلك؛ ذكره فى ((أصول الفقه)) وذكره صاحبه أبو عمرو بن الحاجب. والمسئلة عندهم من الظنيات ؛ كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالى، وأبو الحسن الآمدى ، وغيرهما؛ فكيف يكفر علماء المسلمين فى مسائل الظنون ؟ !! أم كيف يكفر جمهور علماء المسلمين؛ أو جمهور سلف الأمة وأعيان العلماء بغير حجة أصلا؟ ! ! والله تعالى أعلم . ١٠٤ وسئل رحم الله ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فى رجل قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ولم يصل ، ولم يقم بشىء من الفرائض، وأنه لم يضره، ويدخل الجنة ، وأنه قد حرم جسمه على النار ؟ وفى رجل يقول: أطلب حاجتى من الله ومنك : فهل هذا باطل ، أم لا؟ وهل يجوز هذا القول ، أم لا؟ فأجاب : الحمد لله. إن من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس ، والزكاة المفروضة ، وصيام شهر رمضان ، وحج البيت العتيق ، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الفواحش ، والظلم، والشرك، والإفك: فهو كافر مرتد ، يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة المسلمين ، ولا يغنى عنه التكلم بالشهادتين . وإن قال: أنا أقر بوجوب ذلك علي ، وأعلم أنه فرض ، وأن من تركه كان مستحقا لذم الله وعقابه ؛ لكنى لاأفعل ذلك : فهذا أيضاً مستحق للعقوبة ١٠٥ فى الدنيا والآخرة باتفاق المسلمين، ويجب أن يصلى الصلوات الخمس باتفاق العلماء. وأكثر العلماء يقولون: يؤمر بالصلاة؛ فإن لم يصل وإلا قتل . فإذا أصر على الجحود حتى قتل كان كافراً باتفاق الأئمة ؛ لايغسل ؛ ولا يصلى عليه؛ ولا يدفن فى مقابر المسلمين . ومن قال: إن كل من تكلم بالشهادتين ، ولم يؤد الفرائض، ولم يجتنب المحارم : يدخل الجنة ، ولا يعذب أحد منهم بالنار: فهو كافر مرتد. يجب أن يستتاب. فإن تاب وإلا قتل؛ بل الذين يتكلمون بالشهادتين ((أصناف)) منهم منافقون فى الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى : (إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ) الآية ، وقال تعالى: (إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى ) الآية، وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قر بي شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فها إلا قليلا)) فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن الذى يؤخر الصلاة وينقرها منافق. فكيف بمن لا يصلى؟ !! وقد قال تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ) قال العلماء: ((الساهون عنها)) الذين يؤخرونها عن وقتها ، والذين يفرطون فى واجباتها . فإذا كان هؤلاء المصلون الويل لهم ، فكيف بمن لا يصلى ؟! ١٠٦ وقد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه يعرف أمته بأنهم غر محجلون من آثار الوضوء)) وإنما تكون الغرة والتحجيل لمن توضأ وصلى ، فابيض وجهه بالوضوء ، وابيضت يداه ورجلاه بالوضوء ، فصلى أغر محجلا . فمن لم يتوضأ ولم يصل لم يكن أغر ولا محجلا ، فلا يكون عليه سما المسلمين التى هى الرنك للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل الرنك الذى يعرف به المقدم أصحابه، ولا يكون هذا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وثبت فى الصحيح ((أن النار تأكل من ابن آدم كل شىء إلا آثار السجود)) فمن لم يكن من أهل السجود للواحد المعبود ، الغفور الودود ، ذو العرش المجيد : أكلته النار . وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليس بین العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة)) وقال: ((العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) وقال: ((أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة)). ولا ينبغى للعبد أن يقول: ماشاء الله، وشاء فلان، ومالى إلا الله وفلان، وأطلب حاجتى من الله؛ ومن فلان ، ونحو ذلك ؛ بل يقول : ماشاء الله ، ثم شاء فلان . وأطلب حاجتي من الله؛ ثم من فلان ، كما فى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تقولوا ماشاء الله وشاء محمد؛ ولكن قولوا ماشاء الله ثم شاء محمد)) وقال له رجل: ماشاء الله ، وشئت ، فقال : (أجعلتنى لله نداً؟! بل ماشاء الله وحده)). والله أعلم. وصلى الله على محمد. ١٠٧ ما تقول السادة العلماء رضى اللّعنهم فى ((الحلاج الحسين بن منصور)) هل كان صديقا؟ أو زنديقا؟ وهل كان وليا لله متقيا له؟ أم كان له حال رحمانى؟ أو من أهل السحر والخزعبلات؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين؟ أو قتل مظلوما؟ أفتونا مأجورين؟(١) فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية قدس الله روحه . الحمد لله رب العالمين. الحلاج قتل على الزندقة ، التى ثبتت عليه بإقراره، وبغير إقراره ؛ والأمر الذى ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين. ومن قال إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد ، وإماجاهل ضال . والذى قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر ، وبعضه يوجب قتله ؛ فضلا عن جميعه . ولم يكن من أولياء الله المتقين ؛ بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات : بعضها شيطانى ، وبعضها نفسانى، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه . فلبس الحق بالباطل . وكان قد ذهب إلى بلاد الهند ، وتعلم أنواعا من السحر ، وصنف كتابا فى السحر معروفا ، وهو موجود إلى اليوم ، وكان له أقوال شيطانية ، ومخاريق بهتانية . (١) تقدم محوها فى توحيد الربوبية لأجل الحلول والاتحاد. ١٠٨ وقد جمع العلماء أخباره فى كتب كثيرة أرخوها : الذين كانوا فى زمنه، والذين نقلوا عنهم مثل أبى علي الحطي ذكره فى ((تاريخ بغداد)) والحافظ أبو بكر الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة فى ((تاريخ بغداد)) وأبو يوسف القزوينى صنف مجلدا فى أخباره ، وأبو الفرج بن الجوزى له فيه مصنف سماه ((رفع اللجاج فى أخبار الحلاج)). وبسط ذكره فى تاريخه أبو عبد الرحمن السلمى فى ((طبقات الصوفية)) أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه، ولم يعدوه من مشايخ الطريق ؛ وأكثره حط عليه. وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد ؛ ولم يقتل فى حياة الجنيد؛ بل قتل بعد موت الجنيد؛ فإن الجنيد توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين ، والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة ، وقد موابه إلى بغداد راكبا على جمل ينادى عليه : هذا داعى القرامطة! وأقام فى الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر والزندقة ، واعترف به : مثل أنه ذكر فى كتاب له : من فاته الحج فإنه يبنى فى داره بيتا ويطوف به ، كما يطوف بالبيت ، ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها ، وقد أجزأه ذلك عن الحج . فقالوا له : أنت قلت هذا؟ قال نعم . فقالوا له : من أين لك هذا ؟ قال ذكره الحسن البصرى فى ((كتاب الصلاة)) فقال له القاضى أبوعمر : تكذب يازنديق ! أنا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه ، فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوه ، ويفتوا بمايجب عليه ، فاتفقواعلى وجوب قتله . ١٠٩ لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة : هل تقبل توبته فلا يقتل؟ أم يقتل؛ لأنه لا يعلم صدقه؛ فإنه مازال يظهر ذلك ؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب فلا يقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة فإن كان صادقا فى توبته نفعه ذلك عند الله وقتل فى الدنيا ، وكان الحد تطهيراً له ، كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لابد من إقامة الحد عليهم ؛ فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم ، ومن كان كاذبا فى التوبة كان قتله عقوبة له . فإن كان الحلاج وقت قتله تاب فى الباطن فإن الله ينفعه بتلك التوبة وإن كان كاذبا فإنه قتل كافراً . ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شىء من الكرامات ؛ وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله ، وأن رجله انقطع ماؤها ، أوغير ذلك ، فإنه كاذب . وهذه الأمور لايحكيها إلا جاهل أو منافق ، وإنما وضعها الزنادقة وأعداء الإسلام، حتى يقول قائلهم: إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء الله . حتى يسمعوا أمثال هذه الهذيانات ؛ وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون، وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم والتابعين وغيرهم من الصالحين من لا يحصى عددهم إلا الله، قتلوا بسيوف الفجار والكفار والظلمة وغيرهم ، ولم يكتب دم أحدثم اسم الله . والدم أيضا نجس ، ١١٠ فلا يجوز أن يكتب به اسم الله تعالى . فهل الحلاج خير من هؤلاء، ودمه أطهر من دمائهم ؟ !! وقد جزع وقت القتل، وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه . ولو عاش افتتن به كثير من الجهال ، لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية ، وأحوال شيطانية . ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية ، والنفسانية، والبهتانية. وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه؛ ولهذا لميذكره القشيري فى مشايخ رسالته ؛ وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها . وكان الشيخ أبو يعقوب النهر جورى قد زوجه بابنته ، فلما اطلع على زندقته نزعها منه . وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر ، ويقول : كنت معه فسمع قارئًا يقرأ القرآن ، فقال : أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن . أو نحو هذا من الكلام . وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه ؛ فيظهر عند أهل السنة أنه سنى، وعند أهل الشيعة أنه شيعي، ويلبس لباس الزهاد تارة ، ولباس الأجناد تارة . وكان من ((مخاريقه)) أنه بعث بعض أصحابه إلى مكان فى البرية يخبئ فيه شيئاً من الفاكهة والحلوى، ثم يجىء يجماعة من أهل الدنيا إلى قريب من ١١١ ذلك المكان ، فيقول لهم: ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية ؟ فيشتهى أحدم فاكهة، أو حلاوة، فيقول : امكثوا ؛ ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتى بما خباً أو ببعضه، فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له ! ! وكان صاحب سما وشياطين تخدمه أحيانا ، كانوا معه على جبل أبى قبيس ، فطلبوا منه حلاوة ، فذهب إلى مكان قريب منهم وجاء بصحن حلوى ، فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن ، حمله شيطان من تلك البقعة . ومثل هذا يحصل كثيراً لغير الحلاج ممن له حال شيطانى، ونحن نعرف كثيراً من هؤلاء فى زماننا وغير زماننا : مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق ، فيجىء من الهواء إلى طاقة البيت الذى فيه الناس، فيدخل وهم يرونه. ويجىء بالليل إلى ((باب الصغير)) فيعبر منه هو ورفقته، وهو من أخر الناس. وآخر كان بالشويك، فى قرية يقال لها: ((الشاهدة)) يطير فى الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه ، وكان شيطان تحمله ، وكان يقطع الطريق. جــ وأكثرهم شيوخ الشر، يقال لأحدم (البوى)) أي المخبث، ينصبون له حركات فى ليلة مظلمة، ويصنعون خبزاً على سبيل القربات ، فلا يذكرون الله ، ولا يكون عنده من يذكر الله، ولا كتاب فيه ذكر الله؛ ثم يصعد ذلك ١١٢ البواء فى الهوى، وهم يرونه. ويسمعون خطابه للشيطان ، وخطاب الشيطان له ، ومن ضحك أو شرق بالخبز ضربه الدف . ولا يرون من يضرب به . ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه، ويأمرهم بأن يقربوا له بقراً وخيلا وغير ذلك وأن يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها ، فإذا فعلوا قضى حاجتهم . وشيخ آخر أخبر عن نفسه أنه كان يزنى بالنساء ، ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم ((الحوارات)) وكان يقول: يأتينى كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان، فيقول لي: فلان ! إن فلانا نذر لك نذراً ، وغداً يأتيك به، وأنا قضيت حاجته لأجلك، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر؛ ويكاشفه هذا الشيخ الكافر . قال : وكنت إذا طلب منى تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلى؛ وإذا باللاذن فى يدى، أو فى فى وأنا لا أدرى من وضعه !! قال : وكنت أمشى وبين يدي عمود أسود عليه نور . فلما تاب هذا الشيخ، وصار يصلى، ويصوم ويجتنب المحارم: ذهب الكلب الأسود وذهب التغيير ؛ فلا يؤتى بلاذن ولا غيره . وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون منه ، إبراءه، فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك ١١٣ المصروع، ويعطون ذلك الشيخ درام كثيرة . وكان أحيانا تأتيه الجن بدرام وطعام تسرقه من الناس ، حتى إن بعض الناس كان له تين فى ڪوارة، فيطلب الشيخ من شياطينه تينا ، فيحضرونه له ، فيطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب . وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة ، فجاءته الشياطين أغرته ، وقالوا له : نحن نسقط عنك الصلاة، وتحضر لك ما تريد. فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة ، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه ، وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التى أكلها ذلك المفتون بالشيطان . فكل من خرج عن الكتاب والسنة ، وكان له حال : من مكاشفة، أو تأثير ؛ فإنه صاحب حال نفسانى؛ أو شيطاني. وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو صاحب حال بهتانى . وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطانى ، والحال البهتانى ، كما قال تعالى: (هَلْ أُنِِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَُّ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) و ((الحلاج)) كان من أئمة هؤلاء: أهل الحال الشيطانى، والحال البهتاني. وهؤلاء طوائف كثيرة . ١١٤ فائّة هؤلاءم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان . والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين ، ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك وغيرهم . ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجىء بعد الموت ؛ فيكلمهم ويقضى ديونه، ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا، فإنهم تأتيهم تلك الصورة التى كانت فى الحياة ، وهو شيطان يتمثل فى صورته ؛ فيظنو ىه إياه . وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول: ياسيدى فلان! أو ياشيخ فلان! اقض حاجتى. فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه، ويقول: أنا أقضى حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته ، أو يدفع عنه عدوه ، ويكون ذلك شيطانا قد تمثل فى صورته لما أشرك بالله فدعا غيره . وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة ؛ حتى إن طائفة من أصحابى ذكروا أنهم استغاثوا بي فى شدائد أصابتهم . أحدم كان خائفا من الأرمن، والآخركان خائفا من النقر : فذ كر كل منهم أنه لما استغات بى رآ نى فى الهواء وقد دفعت عنه عدوه . فأخبرتهم أنى لم أشعر بهذا ، ولا دفعت عنكم شيئا؛ وإنما هذا الشيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى. وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ مع أصحابهم ؛ يستغيث أحدهم بالشيخ ، فيرى ١١٥ الشيخ قد جاء وقضى حاجته ، ويقول ذلك الشيخ: إنى لم أعلم بهذا ، فيتبين أن ذلك كان شيطانا . وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لى أنه استغاث باثنين كان يعتقدهما، وأنهما أتياه في الهواء؛ وقالا له طيب قلبك، نحن ندفع عنك هؤلاء، ونفعل، ونصنع . قلت له : فهل كان من ذلك شئ ؟ فقال : لا . فكان هذا ممادله على أنهما شيطانان ؛ فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك ، كما كانت الجن يخبرون الكهان . ولهذا من اعتمد على مكاشفته التى هى من أخبار الجن كان كذبه أكثر من صدقه؛ كشيخ كان يقال له: ((الشياح)) توبناه ، وجددنا إسلامه، كان له قرين من الجن يقال له: ((عنتر)) يخبره بأشياء، فيصدق تارة ويكذب تارة، فلما ذكرت له أنك تعبد شيطاناً من دون الله ، اعترف بأنه يقول له : ياعنتر! لا سبحانك؛ إنك إله قذر، وتاب من ذلك، فى قصة مشهورة . وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذى قتلناه سنة خمس عشرة وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ، ويكذب تارة. وقد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة، فيكاشفهم حتى كشفه الله لهم. وذلك أن القرين كان تارة يقول له : أنا رسول الله، ويذكر أشياء ١١٦ تنا فى حال الرسول، فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتينى، ويقول لى كذا وكذا من الأمور التى يكفر من أضافها إلى الرسول ؛ فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان، وأن الذى يراهشيطانا؛ ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل يأتيه فى صورة منكرة، ويذكر عنه أنه يخضع له؛ ويبيح له أن يتناول المسكر وأموراً أخرى. وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية؛ ولم يكن كاذبا فى أنه رأى تلك الصورة ؛ لكن كان كافراً فى اعتقاده أن ذلك رسول الله. ومثل هذا كثير . ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب مافعلوه من مراد الشيطان ؛ فكلما بعدوا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان فيطيرون فى الهواء؛ والشيطان طاربهم. ومنهم من يصرع ء الحاضرين، وشياطينه صرعتهم. ومنهم من يحضر طعاما وإداما وملا الإبريق ماء من الهواء ، والشياطين فعلت ذلك ، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين ؛ وإنما هى من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم . ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ، ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من ١١٧ المبطل ؛ والتبس عليه الأمر والحال ، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين فى زعمهم أنهم أنبياء ؛ وإنمام كذابون، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه رسول الله)). وأعظم الدجاجلة فتنة ((الدجال الكبير)) الذى يقتله عيسى بن مريم ؛ فإنه ما خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من فتنته، وأمر المسلمين أن يستعيذوا من فتنته فى صلاتهم. وقد ثبت (( أنه يقول للسماء: أمطرى؛ فتمطر؛ وللأرض أنبتى، فتنبت)) ((وأنه يقتل رجلا مؤمناً؛ ثم يقول له قم فيقوم ؛ فيقول أنا ربك؛ فيقول له كذبت؛ بل أنت الأعور الكذاب الذى أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيقتله مرتين ، فيريد أن يقتله فى الثالثة فلا يسلطه الله عليه)) وهو يدعى الإلهية. وقد بين له النبى صلى الله عليه وسلم ثلاث علامات تنافى ما يدعيه : أحدها ((أنه أعور؛ وإن ربكم ليس بأعور)). والثانية ((أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ)) . والثالثة قوله : ((واعلموا أن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت)). ١١٨ فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعى النبوة ؛ ومنهم من يكذب بغير ادعاء النبوة ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((يكون فى آخر الزمان دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا أنّم ولا آباؤكم، فإيا كم وإيام )» . فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب؛ ولكن إذا قيل : هل تاب قبل الموت، أم لا ؟ قال الله أعلم ؛ فلا يقول ما ليس له به علم ؛ ولكن ظهر عنه من الأقوال والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين . والله أعلم به . ١١٩ وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((المعز معد بن تميم)) الذى بنى القاهرة ، والقصرين : هل كان شريفا فاطميا ؟ وهل كان هو وأولاده معصومين؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن ؟ وإن كانوا ليسوا أشرافا : فما الحجة على القول بذلك ؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة: فهل هم ((بغاة)) أم لا؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم ؟ ولتبسطوا القول فى ذلك . فأجاب : الحمد لله . أما القول بأنه هو أو أحد من أولاده أو نحوم كانوا معصومين من الذنوب والخطأ، كما يدعيه الرافضة فى ((الاثنى عشر)) فهذا القول شر من قول الرافضة بكثير ؛ فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لاشك فى إيمانه وتقواه ، بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة : كعلي ، والحسن ، والحسين . رضي الله عنهم . ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال ؛ وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان ؛ فإن العصمة فى ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم السلام . بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك ، ولا يجب طاعة من سوى الأنبياء والرسل فى كل ما يقول ، ولا يجب على الخلق اتباعه والإيمان ١٢٠