النص المفهرس
صفحات 41-60
يدهمها العدو ؛ وليس عندهم من يدفعه عنها ، وكانوا يسمون الثغور الشامية ((العواصم)) وهى قنسرين ، وحلب. وأحدثت ((المدارس)) لأهل العلم. وأحدثت ((الربط، والحوانق)» لأهل التعبد . وأظن مبدأ انتشار ذلك فى ((دولة السلاجقة)). فأول ما بنيت المدارس والرباطات للمسا كين ووقفت عليها وقوف تجرى على أهلها فى وزارة ((نظام الملك)). وأما قبل ذلك فقد وجد ذكر المدارس، وذكر الربط ؛ لكن ما أظن كان موقوفا عليها لأهلها ؛ وإنما كانت مساكن مختصة ، وقد ذكر الإمام معمر بن زياد من أصحاب الواحدى فى ((أخبار الصوفية )) أن أول دويرة بنيت لهم فى البصرة. وأما ((المدارس)) فقد رأيت لها ذكراً قبل دولة السلاجقة فى أثناء المائة الرابعة ، ودولتهم إنما كانت فى المائة الخامسة ، وكذلك هذه ((القلاع، والحصون)) التى بالشام عامتها محدث ، كما بنى الملك العادل قلعة دمشق وبصرى وحران ، وذلك أن النصارى كانوا كثيرى الغزو إليهم . وكان الناس بعد المائة الثالثة قد ضعفوا عن دفاع النصارى عن السواحل ، حتى استعلوا على كثير من ثغور الشام الساحلية . ٤١ فصل فى ((الخلافة والسلطان)) وكيفية كونه ظل الله فى الأرض ، قال الله تعالى : (وَإِذْقَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وقال الله تعالى : (يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) ٠ وقوله : ( إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) يعم آدم وبنيه ؛ لكن الاسم متناول لآدم عينا، كقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ْإِنسَانَ فِىَ أَحْسَنِّ ◌َقْوِيمٍ ) وقوله: (خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ ) وقوله: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ * تُوَّجَعَلَ نَسْلَهُمِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ) ( ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَارِقَّكِينٍ ) إِلى أمثال ذلك . ولهذا كان بين ((داود، وآدم)) من المناسبة ما أحب به داود حين أراه ذريته ، وسأل عن عمره ؟ فقيل : أربعون سنة . فوهبه من عمره الذي هو ألف سنة ستين سنة . والحديث صحيح رواه الترمذي وغيره وصححه ؛ ولهذا كلاهما ابتلي بما ابتلاه به من الخطيئة ، كما أن كلا منهما ٤٢ مناسبة الأخرى ؛ إذ جنس الشهوتين واحد ، ورفع درجته بالتوبة العظيمة التى نال بها من محبة الله له وفرحه به ما نال ، ويذكر عن كل منهما من البكاء والندم والحزن ما يناسب بعضه بعضا . ((والخليفة)) هو من كان خلفا عن غيره . فعيلة بمعنى فاعلة . كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول: ((اللهم أنت الصاحب فى السفر، والخليفة فى الأهل)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا)) وقال: ((أو كلما خرجنا فى الغزو خلف أحدهم وله نبيب كنبيب التيس يمنح إحداهن اللبنة من اللبن ، لئن أظفر فى الله بأحد منهم لأجعلته نكالا » وفى القرآن: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ اْأَعْرَابِ) وقوله: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ ) . والمراد ((بالخليفة)) أنه خلف من كان قبله من الخلق . والخلف فيه مناسبة ، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه خلفه على أمته بعد موته ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة . فيستخلف تارة ابن أم مكتوم، وتارة غيره ، واستخلف على بن أبى طالب فى غزوة تبوك. وتسمى الأمكنة التى يستخلف فيها الإمام ((مخاليف)) مثل: مخاليف اليمن ومخاليف أرض الحجاز، ومنه الحديث: ((حيث خرج من مخلاف إلى مخلاف))، ومنه قوله تعالى: (وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ٤٣ (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآءَاتَنْكُمْ) وقوله تعالى : مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ - إلى قوله تعالى - ثُمَّجَعَلْنَكُمْ خَلَِفَ فِى الْأَرْضِ ) ومنه قوله تعالى: (وَعَدَ اللّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّلَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ) الآية . وقد ظن بعض القائلين الغالطين - كابن عربى - أن ((الخليفة)) هو الخليفة عن الله ، مثل نائب الله؛ وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفا، وربما فسروا ((تعليم آدم الأسماء كلها )) التى جمع معانيها الإنسان. ويفسرون ((خلق آدم على صورته)) بهذا المعنى أيضا، وقد أخذوامن الفلاسفة قولهم: الإنسان هو العالم الصغير. وهذا قريب. وضموا إليه أن الله هو العالم الكبير ؛ بناء على أصلهم الكفري فى وحدة الوجود ، وأن الله هو عين وجود المخلوقات . فالإنسان من بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات ، ء ويتفرع على هذا ما يصيرون إليه من دعوى الربوبية والألوهية المخرجة لهم إلى الفرعونية والقرمطية والباطنية وربما جعلوا ((الرسالة)) مرتبة من المراتب، وأنهم أعظم منها فيقرون بالربوبية ، والوحدانية والألوهية ؛ وبالرسالة ، ويصيرون فى الفرعونية . هذا إيمانهم . أو يخرجون فى أعمالهم أن يصيروا ( سدى ) لا أمر عليهم ولا نهي ؛ ولا إيجاب ولا يحريم ٤٤ والله لا يجوز له خليفة؛ ولهذا لما قالوالأبى بكر: ياخليفة الله ! قال . لست بخليفة الله ؛ ولكنى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حسبي ذلك . بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت الصاحب فى السفر ، والخليفة فى الأهل، اللهم اصحبنا فى سفرنا واخلفنا فى أهلنا )) وذلك لأن الله حي ، شهيد، مهيمن ، قيوم، رقيب، حفيظ ، غني عن العالمين، ليس له شريك، ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه . والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف. وسمى ((خليفة)) لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم خلفه وكل هذه المعانى منتفية فى حق الله تعالى ، وهو منزه عنها ؛ فإنه حي قيوم شهيد ، لا يموت ولا يغيب ، وهو غنى يرزق ولا يرزق ، يرزق عباده ، وينصرم، ويهديهم ، ويعافيهم : بما خلقه من الأسباب التى هي من خلقه ، والتي هى مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها . فالله هو الغنى الحميد ، له ما ( يَسْشَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّكُلَّ يَوْمٍ فى السموات وما فى الأرض وما بينهما (وَهُوَ اُلَّذِى فِى السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ) ولا يجوز أن هُوَ فِ شَأَذٍ ) أن يكون أحد خلفا منه ، ولايقوم مقامه ؛ لأنه لاسمی له ، ولا كفء له . فمن جعل له خليفة فهو مشرك به . وأما الحديث النبوي (( السلطان ظل الله فى الأرض ، يأوى إليه كل ضعيف وملهوف)) وهذا صحيح ، فإن الظل مفتقر إلى أو ، وهو رفيق له ٤٥ مطابق له نوعا من المطابقة ، والآوى إلى الظل المكتنف بالمظل صاحب الظل فالسلطان عبد الله ، مخلوق ، مفتقر إليه، لا يستغنى عنه طرفة عين؛ وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معانى السؤدد والصمدية التى بها قوام الخلق ما يشبه أن يكون ظل الله فى الأرض وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس وإذا فسد فسدت بحسب فساده؛ ولا تفسد من كل وجه ؛ بل لا بدمن مصالح ؛ إذ هو ظل الله ؛ لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من جميع الأذى. وتارة لا يمنع إلا بعض الأذى. وأما إذا عدم الظل فسد الأمر ، كعدم سر الربوبية التى بها قيام الأمة الإنسانية. والله تعالى أعلم. ٤٦ وقال رحمه الله تعالى فصل حكى أصحابنا - كالقاضى أبى يعلى وغيره - عن الإمام أحمد فى خلافة أبى بكر ، هل ثبتت باختيار المسلمين له ؟ أو بالنص الخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو البين ؟ ((أحدهما)) بالاختيار ، وهو قول جمهور العلماء ، والفقهاء ، وأهل الحديث. والمتكلمين : كالمعتزلة ، والأشعرية ، وغيرهم . و ((الثانية)» بالنص الخفي، وهو قول طوائف أهل الحديث، والمتكلمين، ويروى عن الحسن البصري. وبعض أهل هذا القول يقولون بالنص الجلي . وأما قول (الإمامية)) أنها ثبتت بالنص الجلى على على. وقول ((الزيدية الجارودية)) أنها بالنص الخفى عليه. وقول ((الراوندية)) أنها بالنص على العباس. فهذه أقوال ظاهرة الفساد عند أهل العلم والدين؛ وإنما يدين بها . إما جاهل ، وإما ظالم. وكثير ممن يدين بها زنديق . ٤٧ والتحقيق فى ((خلافة أبي بكر)) وهو الذى يدل عليه كلام أحمد : أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضى بها ؛ وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه، وأنه دل الأمة وأرشده إلى بيعته . فهذه الأوجه الثلاثة: الخبر، والأمر والإرشاد: ثابت من النبى صلى الله عليه وسلم . ((فالأول)) كقوله: ((رأيت كأنى على قليب أنزع منها، فأتى ابن أبى قحافة، فنزع. ذنوبا أو ذنوبين)) الحديث، وكقوله: ((كان ميزانا ولي من السماء إلى الأرض . فوزنت بالأمة فرجحت ، ثم وزن عمر )) الحديث . وكقوله: ((ادعي لي أباك، وأخاك حتى أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدى)) ثم قال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). فهذا إخبار منه بأن الله والمؤمنين: لا يعقدونها إلا لأبى بكر الذى هم بالنص عليه. وكقوله: ((أري الليلة رجل صالح كأن أبا بكر نيط برسول الله)) الحديث، وقوله: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم تصير ملكا)) وأما ((الأمر)) فكقوله: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) وقوله: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى)) وقوله: للمرأة التي سألته إن لم أجدك؟ قال: ((فأتي أبا بكر)) وقوله لأصحاب الصدقات: ((إذا لم تجدوه أعطوها لأبى بكر)) ونحو ذلك. ٤٨ . و ((الثالث)) تقديمه له فى الصلاة، وقوله: ((سدوا كل خوخة فى المسجد إلا خوخة أبى بكر)) وغير ذلك، من خصائصه ومزاياه . وهذه الوجوه الثلاثة، الثابتة بالسنة دل عليها القرآن. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ «فالأول » فى قوله : لَيَسْتَظِفَنَّهُمْ ) الآية: وقوله: ( فَسَوْفَ يَأْتِى أَلَّهُ بِقَوْرِيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) وقوله: (وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ). والثاني قوله: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَِّلُونَهُمْ أَوْ ◌ُسْلِمُونَ) الآية . والثالث كقوله: (وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْقَى) وقوله: (النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ ) وقوله: ( وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرَ، وَالْأَنْصَارِ ) ونحو ذلك . فثبتت صحة خلافته ، ووجوب طاعته باكتاب، والسنة ؛ والإجماع ، وإن كانت إما انعقدت بالإجماع، والاختيار. كما أن الله إذا أمر بتولية شخص أو إنكاحه . أو غير ذلك من الأمورمعه؛ فإن ذلك الأمر لا يحصل إلا بعقد الولاية، والنكاح. والنصوص قد دلت على أمر الله بذلك العقد ، ومحبته له فالنصوص دلت على أنهم مأمورون باختياره، العقد له، وأن الله يرضى ذلك ويحبه . وأما حصول المأموربه المحبوب: فلا يحصل إلا بالامتثال . فلما امتثلوا ما أمروا به عقدوا له باختيارهم ، وكان هذا أفضل فى حقهم، وأعظم فى درجتهم. ٤٩ وقال رحمه الله فصل أهل الأهواء فى ((قتال علي ومن حاربه)) على أقوال: أما ((الخوارج)) فتكفر الطائفتين المقتتلتين جميعا. وأما (( الرافضة)) فتكفر من قاتل عليا؛ مع المتواتر عنه من أنه حكم فيهم بحكم المسلمين، ومنع من تكفيرم . (١) ولهم فى قتال طلحة، والزبير؛ وعائشة ثلاثة أقوال: ((أحدها)) تفسيق [ إحدى] الطائفتين؛ لا بعينها. وهو قول عمرو بن عبيد وأصحابه. و ((الثاني)) تفسيق من قاتله إلا من تاب، ويقولون : إن طلحة ، والزبير ، وعائشة تابوا ، وهذا مقتضى ما حكي عن جمهورهم ، كأبى الهذيل، وأصحابه. وأبى الحسين وغيرهم. وذهب بعض الناس إلى تخطئته فى قتال طلحة ؛ والزبير ؛ دون قتال أهل الشام . ففى الجملة ((أهل البدع)): من الخوارج، والروافض والمعتزلة؛ ويحوم: ٠ يجعلون القتال موجبا لكفر ، أو الفسق . (١) اضيفت حسب مفهوم السياق ٥٠ وأما ((أهل السنة)) فتفقون على عدالة القوم؛ ثم لهم فى التصويب ، والتخطئة مذاهب لأصحابنا وغيرهم . ((أحدها)) أن المصيب على فقط. و((الثانى)) الجميع مصيبون. و ((الثالث)) المصيب واحد؛ لا بعينه. و ((الرابع)) الإمساك عما شجر بينهم مطلقا؛ مع العلم بأن عليا وأصحابه م أولى الطائفتين بالحق ، كما فى حديث أبى سعيد لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، فيقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) وهذا فى حرب أهل الشام ، والأحاديث تدل على أن حرب الجمل فتنة، وأن ترك القتال فيها أولى، فعلى هذا نصوص أحمد وأكثر أهل السنة . وذلك الشجار بالألسنة ، والأيدى أصل لما جرى بين الأمة بعد ذلك ؛ في الدين والدنيا . فليعتبر العاقل بذلك ، وهو مذهب أهل السنة؛ والجماعة . وسئل رحمه اللّه عن طائفتين من الفلاحين اقتتلتا، فكسرت إحداهما الأخرى ؛ وانهزمت المكسورة، وقتل منهم بعد الهزيمة جماعة : فهل يحكم للمقتولين من المهزومين بالنار ، ويكونون داخلين فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((القاتل والمقتول فى النار)) أم لا؟ وهل يكون حكم المنهزم حكم من يقتل منهم فى المعركة ؟ أم لا ؟ ٥١ فأجاب : الحمد لله . إن كان المنهزم قد انهزم بنية التوبة عن المقاتلة المحرمة لميحكم له بالنار ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ، ويعفوعن السيئات . وأما إن كان انهزامه عجزا فقط، ولو قدر على خصمه لقتله ، فهو فى النار كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)) قيل : يارسول الله ! هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال ((إِنه أراد قتل صاحبه)) فإذا كان المقتول فى النار لأنه أراد قتل صاحبه فالمنهزم بطريق الأولى ؛ لأنهما اشتركا فى الإرادة والفعل ، والمقتول أصابه من الضرر ما لم يصب المهزوم؛ ثم إذا لم تكن هذه المصيبة مكفرة لاتم المقاتلة فلأن لا تكون مصيبة الهزيمة مكفرة أولى ؛ بل إنم المنهزم المصر على المقاتلة أعظم من إثم المقتول فى المعركة ، واستحقاقه للنار أشد ؛ لأن ذلك انقطع عمله السيء بموته ؛ وهذا مصر على الحبث العظيم ؛ ولهذا قالت طائفة من الفقهاء: إن منهزم البغاة يقتل إذا كان له طائفة يأوى إليها فيخاف عوده ؛ بخلاف المثخن بالجرح منهم فإنه لا يقتل . وسببه أن هذا انكف شره ، والمنهزم لم ينكف شره . وأيضا فالمقتول قد يقال : إنه بمصيبة القتل قد يخفف عنه العذاب؛ وإن كان من أهل النار ، ومصيبة الهزيمة دون مصيبة القتل. فظهر أن المهزوم أسوأ حالا من المقتول إذا كان مصرا على قتل أخيه . ومن تاب فإن الله غفور رحيم . ٥٢ وسئل رحم اللّه عن ((البغاة، والخوارج)): هل هى ألفاظ مترادفة بمعنى واحد ؟ أم بينهما فرق؟ وهل فرقت الشريعة بينهما فى الأحكام الجارية عليهما ، أم لا ؟ وإذا ادعى مدع أن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهم ، إلا فى الاسم؛ وخالفه مخالف مستدلا بأن أمير المؤمنين عليّاً رضي الله عنه فرق بين أهل الشام وأهل النهروان : فهل الحق مع المدعي؟ أو مع مخالفه ؟ فأجاب : الحمد لله . أما قول القائل : إن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهما إلا فى الاسم . فدعوى باطلة ، ومدعيها مجازف ، فإن نفي الفرق إنما هو قول طائفة من أهل العلم من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم: مثل كثير من المصنفين فى ((قتال أهل البغى » فإنهم قد يجعلون قتال أبى بكر لمانعى الزكاة ، وقتال على الخوارج، وقتاله لأهل الجمل وصفين إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام، من باب ((قتال أهل البغي )) ٥٣ ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة ؛ لا يجوز أن يحكم عليهم بكفر ولا فسق ؛ بل مجتهدون: إما مصيبون، وإما مخطئون. وذنوبهم مغفورة لهم. ويطلقون القول بأن البغاة ليسوا فساقا فإذا جعل هؤلاء وأولئك سواء لزم أن تكون الخوارج وسائر من يقاتلهم من أهل الاجتهاد الباقين على العدالة [سواء]؛ ولهذا قال طائفة بفسق البغاة ، ولكن أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة . وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين ((الخوارج المارقين)) وبين ((أهل الجمل وصفين)) وغير أهل الجمل وصفين . ممن يعد من البغاة المتأولين. وهذا هو المعروف عن الصحابة ، وعليه عامة أهل الحديث ، والفقهاء ، والمتكلمين وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم : من أصحاب مالك ، وأحمد ، والشافعي ، وغيرهم . وذلك أنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق )) وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة ، ويبين أن المارقين نوع ثالث ليسوا من ٥٤ جنس أولئك ؛ فإن طائفة على أولى بالحق من طائفة معاوية . وقال فى حق ٠٠ الخوارج المارقين: ((يحقر أحد كم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) وفى لفظ: ((لو يعلم الذين يقاتلونهم مالهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل)) . وقد روى مسلم أحاديثهم فى الصحيح من عشرة أوجه وروى هذا البخارى من غير وجه ، ورواه أهل السنن والمسانيد ؛ وهى مستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، متلقاة بالقبول ، أجمع عليها علماء الأمة من الصحابة ومن اتبعهم ، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء الخوارج. وأما ((أهل الجمل، وصفين)) فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب وأكثرأكابر الصحابة لم يقاتلوا لامن هذا الجانب ولا من هذا الجانب ، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ترك القتال فى الفتنة ، وبينوا أن هذا قتال فتنة . وكان علي رضي الله عنه مسروراً لقتال الخوارج، ويروى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الأمر بقتالهم؛ وأما قتال ((صفين)) فذكر أنه ليس معه فيه نص ؛ وإنما هو رأي رآه ، وكان أحيانا يحمد من لم ير القتال . ٥٥ وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فى الحسن: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) فقد مدح الحسن وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين: أصحاب علي ، وأصحاب معاوية ، وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن ، وأنه لم يكن القتال واجبا ولا مستحبا . ((وقتال الخوارج)) قد ثبت عنه أنه أمر به، وحض عليه ، فكيف یسوی بین ماأمر به وحض عليه ، وبین مامدح تار که وأنی علیه ؟ !! . فن سوى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفين، وبين قتال ذى الخويصرة التميمى وأمثاله من الخوارج المارقين ، والحرورية المعتدين : كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين. ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين، كما يقال مثل ذلك فى الخوارج المارقين ؛ فقد اختلف السلف والأئمة فى كفرهم على قولين مشهورين ، مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين ، والإمساك عما شجر بينهم . فكيف نسبة هذا بهذا ؟ !! وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال ((الخوارج)) قبل أن يقاتلوا. وأما (( أهل البغي )) فإن الله تعالى قال فيهم: (وَإِنْ طَانِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٥٦ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِىِ حَّ تَفِىَّ إِلَىَ أَمْرِالَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ) فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء . فالاقتال ابتداء ليس مأمورا به ؛ ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم ؛ ثم إن بغت الواحدة قوتلت ؛ ولهذا قال من قال من الفقهاء : إن البغاة لا يبتدأون بقتالهم حتى يقاتلوا . وأما الخوارج فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) وقال: ((لئن أدر كتهم لأقتلنهم قتل عاد )). وكذلك مانعو الزكاة ؛ فإن الصديق والصحابة ابتدؤوا قتالهم ، قال الصديق: والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب. ثم تنازع الفقهاء فى كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب ؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد ، كالروايتين عنه فى تكفير الخوارج وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن القرآن قد نص على إيمانهم وإخوتهم مع وجود الاقتال والبني . والله أعلم. ٥٧ وسئل رحمه اللّه عمن يلعن (معاوية)) فماذا يجب عليه؟ وهل قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأحاديث، وهى إذا ((اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون))؟ وأيضا ((إن عمارا تقتله الفئة الباغية)). وقتله عسكر معاوية؟ وهل سبوا أهل البيت؟ أو قتل الحجاج شريفا ؟ فأجاب : الحمد لله. من لمن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ونحوهما؛ ومن هو أفضل من هؤلاء : كأبى موسى الأشعرى ، وأبى هريرة ، ، ونحوهما ؛ أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلى بن أبى طالب، أو أبى بكر الصديق، وعمر ، أو عائشة أم المؤمنين، وغير هؤلاء من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم - فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين. وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل ؟ أو مادون القتل ؟ كما قد بسطنا ذلك فى غير هذا الموضع . وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تسبوا أصحابى، فوالذي نفسي بيده ! لو أنفق أحدكم مثل ٥٨ أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . واللعنة أعظم من السب. وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن المؤمن كقتله)) فقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله . وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار المؤمنين ، كما ثبت عنه أنه قال: ((خير القرون القرن الذى بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم . ثم الذين يلونهم)» وكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به فله من الصحبة بقدر ذلك، كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((يغزو جيش ، فيقول : هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو جيش فيقول: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون، نعم. فيفتح لهم، وذكر الطبقة الثالثة)) فعلق الحكم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما علقه بصحبته . ولما كان لفظ ((الصحبة)) فيه عموم وخصوص : كان من اختص من الصحابة بما يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة ، دون من لم يشركه فيها ، قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى سعيد المتقدم لخالد بن الوليد لما اختصم هو وعبد الرحمن: ((يا خالد! لا تسبوا أصحابى، فو الذى نفسى بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)» فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح فتح الحديبية ، وخالد بن الوليد وغيره من أسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا دون أولئك، قال تعالى: (لَ يَسْتَوِى مِنكُمَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَكَ ٥٩ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلََّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) والمراد ((بالفتح)) فتح الحديبية لما بايع النبى صلى الله عليه وسلم أصحا به تحت الشجرة ، وكان الذين بايعوه أكثر من ألف وأربعمائة، وهم الذين فتحوا خيبر ، وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)). ((وسورة الفتح)) التى فيها ذلك أنزلها الله قبل أن تفتح مكة؛ بل قبل أن يعتمر النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان قدبايع أصحابه تحت الشجرة عام الحديبية سنة ست من الهجرة ، وصالح المشركين صلح الحديبية المشهور ، وبذلك الصلح حصل من الفتح مالا يعلمه إلا الله ؛ مع أنه قد كان كرهه خلق من المسلمين ؛ ولم يعلموا مافيه من حسن العاقبة حتى قال سهل بن حنيف: أيها الناس ! اتهموا الرأي ، فقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت. رواه البخارى وغيره ، فلما كان من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخل هو ومن اعتمر معه مكة معتمرين ، وأهل مكة يومئذ مع المشركين ؛ ولما كان فى العام الثامن فتح مكة فى شهر رمضان ؛ وقد أنزل الله فى سورة الفتح: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُه ◌َامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحَاقَرِيبًا) فوعدهم فى سورة الفتح أن يدخلوا مكة آمنين، وأنجز موعده من ٦٠