النص المفهرس
صفحات 21-40
متابعتهم فى الحسنات التي لا يقوم بها إلام ؛ فإنه من ((باب التعاون على البر والتقوى)) ومانهى عنه من تصديقهم بكذبهم ، وإعانتهم على ظلمهم وطاعتهم فى معصية الله ونحو ذلك؛ مما هو من ((باب التعاون على الإثم ، والعدوان )) وما أمر به أيضا من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: لهم ولغيرهم على الوجه المشروع ؛ وما يدخل فى ذلك من تبليغ رسالات الله إليهم ؛ بحيث لا يترك ذلك جبنا ، ولايخلا ، ولاخشية لهم، ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله ؛ ولا يفعل أيضا للرئاسة عليهم ، ولاعلى العامة، ولا للحسد، ولا للكبر ولا لارياء لهم ، ولا للعامة . ولا يزال المنكر بماهو أنكر منه. بحيث يخرج عليهم بالسلاح ؛ وتقام الفتن، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة كما دلت عليه النصوص النبوية ؛ لما فى ذلك من الفساد الذي يربو على فساد ما يكون من ظلمهم ؛ بل يطاع الله فيهم وفى غيرهم ، ويفعل ما أمر به ، ويترك ما نهى عنه . وهذه جملة تفصيلها يحتاج إلى بسط كثير والغرض هنا بيان ((جماع الحسنات والسيئات)) الواقعة بعد خلافة النبوة : فى الإمارة ، وفى مركها ؛ فإنه مقام خطر ؛ وذلك أن خبره بانقضاء ((خلافة النبوة)) فيه الذم للملك والعيب له؛ لاسيما وفى حديث أبى ٢١ بكرة: أنه استاء للرؤيا، وقال: ((خلافة نبوة، ثم يؤنى الله الملك من يشاء )). ثم النصوص الموجبة لنصب الأئمة ، والأمراء وما فى الأعمال الصالحة التى يتولونها من الثواب : حمد لذلك ، وترغيب فيه ؛ فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه، وفى حكم اجتماع الأمرين، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله خيربى بين أن أكون عبدا رسولا وبين أن أكون نبيا ملكا ، فاخترت أن أكون عبدا رسولا)) فإذا كان الأصل فى ذلك شوب الولاية ؛ من الإمارة ، والقضاء، والملك: هل هو جائر فى الأصل، والخلافة مستحبة؟ أم ليس يجائز إلا لحاجة من نقص علم أونقص قدرة بدونه ؟ فنحتج بأنه ليس بجائز فى الأصل بل الواجب خلافة النبوة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوابها ؛ وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فكل بدعة ضلالة)) بعد قوله: ((من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا )» فهذا أمر وتحضيض على لزوم سنة الخلفاء، وأمر بالاستمساك بها ، وتحذير من المحدثات المخالفة لها ، وهذا الأمر منه، والنهي : دليل بين فى الوجوب . ٢٢ ثم اختص من ذلك قوله: ((اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر، وعمر)) فهذان أمر بالاقتداء بهما ، والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم . وفى هذا تخصيص للشیخین من وجهين ((أحدهما)» أن ((السنة)) ماسنوه للناس. وأما ((القدوة)) فيدخل فيها الاقتداء بها فيما فعلاه بمالم يجعلوه سنة ((الثانى)) أن السنة أضافها إلى الخلفاء؛ لا إلى كل مهم. فقديقال: أما ذلك فيما اتفقو اعليه ؛ دون ما انفرد به بعضهم . وأما القدوة فعين القدوة بهذا ، وبهذا . وفى هذا الوجه نظر. ويستفاد من هذا . أن ما فعله عثمان وعلى من الاجتهاد الذى سبقهما بماهو أفضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص، وموافقة جمهور الأمة على رجحانه وكان سببه افتراق الأمة : لا يؤمر بالاقتداء بهما فيه ؛ إذليس ذلك من سنة الخلفاء ؛ وذلك أن أبا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة ، وساما من التأويل فى الدماء ، والأموال. وعثمان رضى الله عنه غلب الرغبة، وتأول فى الأموال . وعلي غلب الرهبة ، وتأول فى الدماء . وأبو بكر وعمر كمل زهدهما فى المال ، والرياسة . وعمان كمل زهده فى الرياسة . وعلي كمل زهده فى المال . ٢٣ وأيضا فكون النبي صلى الله عليه وسلم استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب . وقد يحتج من يجوز ((الملك)) بالنصوص التى منها قوله لمعاوية: ((إن ملكت فأحسن)) ونحو ذلك، وفيه نظر، ويحتج بأن عمر أقر معاوية لما قدم الشام على مارآه من أبهة الملك ، لماذكرله المصلحة فيه فإن عمر قال: لاأمرك ، ولا أنهاك ، ويقال فى هذا : إن عمر لم ينهه ؛ لاأنه أذن له فى ذلك ؛ لأن معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ذلك ، ولم يثق عمر بالحاجة . فصار محل اجتهاد فى الجملة فهذان القولان متوسطان : أن يقال : الخلافة واجبة ، وإنما يجوز الخروج عنها بقدر الحاجة . أو أن يقال : يجوز قبولها من الملك بما يسر فعل المقصود بالولاية ولا يعسره ؛ إذ ما يبعد المقصود بدونه لا بد من إجازته وأما [ ملك ] فإيجابه أو استحبابه محل اجتهاد. وهنا طرفان (( أحدهما)) من يوجب ذلك فى كل حال وزمان وعلى كل أحد، ويذم من خرج عن ذلك مطلقا أو لحاجة ، كما هو حال أهل البدع ، من الخوارج، والمعتزلة، وطوائف من المتسننة والمتزهدة. ((والثانى)) ٢٤ من يبيح الملك مطلقا؛ من غير تقيد بسنة الخلفاء ؛ كما هو فعل الظلمة والإباحية ، وأفراد المرجئة . وهذا تفصيل جيد ، وسيأتى تمامه . و((تحقيق الأمر)) أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علما وعملا؛ فإن كان مع العجز علما أو عملاً كان ذو الملك معذورا فى ذلك . وإن كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة؛ كما تسقطسائر الواجبات مع العجز ، كمال النجاشى لما أسلم ، وعجز عن إظهار ذلك فى قومه ؛ بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه؛ لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء كداود وسلمان ويوسف . وإن كان مع القدرة علما وعملا، وقدرأن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة وأن اختيار الملك جائز فى شريعتنا كجوازه فى غير شريعتنا : فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضا . وهذا الوجه قد ذكره القاضى أبو يعلى فى ((المعتمد)) لما تكلم فى تثبيت خلافة معاوية ، وبنى ذلك على ظهور إسلامه، وعدالته وحسن سيرته وأنه ثبتت إمامته بعد موت على لما عقدها الحسن له، وسمى ذلك ((عام الجماعة)) وذكر حديث عبد الله بن مسعود: (( تدور رحا الإسلام على رأس خمس ٢٥ وثلاثين)) قال : قال أحمد فى رواية ابن الحكم: يروى عن الزهري أن معاوية كان أمره خمس سنين لا ينكر عليه شىء؛ فكان هذا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((خمس وثلاثين سنة)): قال ابن الحكم: قلت لأحمد : من قال حديث ابن مسعود ((تدوررحا الإسلام لخمس وثلاثين)) إنها من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لقد أخبر هذا، وما عليه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصف الإسلام بسير هو بالحمابه، إنما يصف ما يكون بعده من السنين . قال: وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث ؛ وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس والثلاثين، وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال : كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا . قال القاضى : وظاهر هذا : أن ما كان بغير المدينة لم يكن خلافة نبوة . قلت : نصوص أحمد على أن الخلافة عت بعلى كثيرة جداً . ثم عارض القاضي ذلك بقوله: ((الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا)) قال السائل : فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة: كان آخرها آخر أيام علي وأن بعد ذلك يكون ملكا : دل على أن ذلك ليس بخلافة ، فأجاب القاضى : بأنه يحتمل أن يكون المراد به ((الخلافة)) التى لا يشوبها ملك بعده ((ثلاثون ٢٦ سنة)) وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة. ومعاوية : قد شابها الملك؛ وليس هذا قادها فی خلافته ؛ کما أن ملك سلمان لم يقدح فی نبو ته ، وإن کان غيره من الأنبياء فقيرا . قلت: فهذا يقتضى أن شوب الخلافة بالملك جائز فى شريعتنا ، وأن ذلك لا ينافى العدالة ، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل. وكل من انتصر لمعاوية، وجعله مجتهدا في أموره ولم ينسبه إلى معصية : فعليه أن يقول بأحد القولين: إما جواز شوبها بالملك، أو عدم اللوم على ذلك فيتجه إذا (١) قال إن خلافة النبوة واجبة؛ فلو قدر فإن عمل سيئة فكبيرة وإن كان دينا ؛ أو لأن الفاسق من غلبت سيئاته حسناته ؛ وليس كذلك، وهذا رحمته بالملوك العادلين؛ إذ هم في الصحابة من يقتدى به . وأما أهل البدع كالمعتزلة : فيفسقون معاوية لحرب على، وغير ذلك ؛ بناء على أنه فعل كبيرة ، وهى توجب التفسيق ، فلابدمن منع إحدى المقدمتين. ثم إذا ساغ هذا للملوك: ساغ للقضاة والأمراء، ونحوم. وأما إذا كانت خلافة النبوة واجبة وهى مقدورة ؛ وقد تركت : فترك الواجب سبب للذم، والعقاب. ثم هل تركها كبيرة أو صغيرة؟ (١) خرم بالأصل مقدار سطر ٢٧ إن كان صغيرة لم يقدح فى العدالة ، وإن كان كبيرة ففيه القولان . لكن يقال هنا : إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ، ويترك من السيئات المنهى عنها ما يزيدبه ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب ، أو يفعله من محظور: فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته ؛ فإذا كان غيرهمقصرا فى هذه الطاعة التى فعلها مع سلامته عن سيئاته ؛ فله ((ثلاثة أحوال)) إما أن يكون الفاضل من حسنات الأمير أكثر من مجموع حسنات هذا أو أقل . فإن كانت فاضلة أكثر كان أفضل، وإن كان أقل كان مفضولا وإن تساويا تكافآً . هذا موجب العدل؛ ومقتضى نصوص الكتاب، والسنة فى الثواب ، والعقاب . وهو مبنى على قول من يعتبر الموازنة ، والمقابلة فى الجزاء ؛ وفى العدالة أيضا . وأما من يقول : إنه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد ؛ ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة : فلا يجىء هذا، وهو قول طائفة من العلماء فى العدالة . والأول أصح على ما تدل عليه النصوص . ويتفرع من هنا ((مسألة)) وهو ما إذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها فى العقاب : فلها صورتان : ٢٨ ((إحداهما)) إذا لم يمكن إلا ذلك، فهنا لا يبقى سيئة، فإن مالا يتم الواجب ؛ أو المستحب، إلا به: فهو واجب، أو مستحب . ثم إن كان مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورا ، كأكل الميتة للمضطر ونحو ذلك من الأمور المحظورة التى تبيحها الحاجات ، كلبس الحرير فى البرد، ونحو ذلك . وهذا باب عظيم . فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل ؛ ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التى يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك ؛ بحيث يصير المحظور مندرجا فى المحبوب أو يصير مباحا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة ، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجابا، أو استحبابا: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة ، كالصيام للمريض ، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال)). وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول أحيانا عن بعض سنة الخلفاء ، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة ، وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة؛ وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم ، أو وقعت الضرورة إلى بعض مانهوا عنه؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل. ٢٩ وهكذا (مسألة الترك)) كما قلناه أولاً وبينا أنه لا يخالفه إلا أهل البدع ونحوهم من أهل الجهل والظلم . ((والصورة الثانية)) إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة ؛ لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها ، أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار ، المأمور بها إيجابا، أو استحبابا ، إن لم يبذل لنفسه ما يحبه من بعض الأمور المنهى عنها ، التى إنمها دون منفعة الحسنة فهذا القسم واقع كثيراً : فى أهل الإمارة ، والسياسة ، والجهاد ، وأهل العلم، والقضاء ، والكلام ؛ وأهل العبادة ، والتصوف ، وفى العامة . مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة - من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وأمن السبل ، وجهاد العدو ، وقسمة المال - إلا بحظوظ منهي عنها ، من الاستئثار ببعض المال ؛ والرياسة على الناس، والمحاباة فى القسم، وغير ذلك من الشهوات ، وكذلك فى الجهاد : لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور . وفى العلم لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه ، وأصول الدين ، إلا بنوع من المنهى عنه ، من الرأي ، والكلام . ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة ، والمعرفة المأموربها ، إلا بنوع من الرهبانية . فهذا القسم كثر فى دول الملوك ؛ إذ هو واقع فيهم ، وفى كثير من أمرائهم وقضاتهم ، وعلمائهم ، وعباده . أعنى أهل زمانهم . وبسببه ٣٠ نشأت الفتن بين الأمة . فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الأمور المنهي عنها ؛ فذموم ، وأبغضوم . وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأمور بها ، فأحبوم . ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات . والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات . وقد تقدم أصل هذه المسألة ، وهو أنه إذا تعسر فعل الواجب فى الإمارة إلا بنوع من الملك : فهل يكون الملك مباحا ، كما يباح عند التعذر ؟ ذكرنا فيه القولين ؛ فإن أقيم التعسر مقام التعذر : لم يكن ذلك إنما . وإن لم يقم كان إنما . وأما مالا تعذر فيه ولا تعسر: فإن الخروج فيه عن سنة الخلفاء اتباع الهوى . ((فالتحقيق )) أن الحسنات: حسنات ، والسيئات: سيئات ، وهم خلطوا عملا صالحا ، وآخر سيئا . وحكم الشريعة أنهم لا يؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات، ولا يؤمرون به. ولا يجعل حظ أنفسهم عذراً لهم فى فعلهم ؛ إذا لم تكن الشريعة عذرتهم ؛ لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك؛ ويرغبون فيه . وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة ؛ كما يؤمر الأمراء بالجهاد ؛ وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم ، الذى تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد . ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة لم ينهوا عنها؛ لما فى النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة؛ إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين، فيفعل حينئذ تمام الواجب، كما كان ٣١ عمر بن الخطاب يستعمل من فيه نجور ؛ لرجحان المصلحة فى عمله ؛ ثم يزيل جوره بقوته وعدله. ويكون ترك النهي عنها حينئذ : مثل ترك الإنكار باليد ، أو بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر . فإذا كان النهى مستلزما فى القضية المعينة لترك المعروف الراجح : كان بمنزلة أن يكون مستلزما لفعل المنكر الراجح، كمن أسلم على أن لا يصلى إلا صلاتين. كما هو مأثورعن [ بعض من أسلم على عهد] النبي صلى الله عليه وسلم، أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو يشرب الخمر، أو يفعل بعض المحرمات ، ولو نهي عن ذلك ارتد عن الإسلام. ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان فى النهى مفسدة راجحة ، وبين إذنه فى فعله. وهذا يختلف باختلاف الأحوال. ففى حال أخرى يجب إظهار النهي: إما لبيان التحريم ، واعتقاده، والخوف من فعله . أو لرجاء الترك . أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال ؛ ولهذا تنوع حال النبي صلى الله عليه وسلم فى أمره ، ونهيه ، وجهاده ، وعفوه ، وإقامته الحدود ، وغلظته . ورحمته . ٣٢ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه تعالى فصل قد ذكرت فيما تقدم: الكلام على ((الملك)): هل هو جائز فى شريعتنا ولكن خلافة النبوة مستحبة وأفضل منه ؟ أم خلافة النبوة واجبة ؟ وإنما ھے بجويز ركها إلى الملك للعذر كسائر الواجبات ؟ تكلمت على ذلك . وأما فى شرع من قبلنا ؛ فإن الملك جائز ؛ كالغنى يكون للأنبياء تارة وللصالحين أخرى، قال الله تعالى فى داود : (وَءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ وَاَلِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّايَشَآءُ) وقال عن سلمان: (رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَّ لَا يَلْبَغِأَحَدٍ مِّنَ بَعْدِىِّ إِنَّكَ أَنْتَ أَلْوَهَّابُ ) وقال عن يوسف: (رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) فهؤلاء ثلاثة أنبياء أخبر الله أنه آتاهم الملك، وقال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَنّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَّيْنَهُمْ مُلْكَّا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم ج فهذا ملك لآل إبراهيم . مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) وملك لآل داود، وقد قال مجاهد فى قوله: (تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ ) قال : النبوة فجعل النبوة نفسها ملكا . ٣٣ والتحقيق أن من النبوة مايكون ملكا ؛ فإن النبي له ثلاثة أحوال : إما أن يكذب؛ ولا يتبع ، ولايطاع : فهو نبي لم يؤت ملكا . وإما أن يطاع . فنفس كونه مطاعا هو ملك ؛ لكن إن كان لا يأمر إلا ما أمر به : فهو عبد رسول ليس له ملك . وإن كان يأمر بما يريده مباحا له ذلك منزلة الملك كما قيل لسليمان: (هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْاَمْسِكْ بِغَيْرِحِسَابٍ ) فهذا نبي ملك. فالملك هنا قسيم العبد الرسول ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ((اختر إما عبدا رسولا ، وإما نبيا ملكا)). وأما بالتفسير الأول وهو ((الطاعة، والاتباع)» فقسم من النبوة والرسالة ، وهؤلاء أكمل . وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان عبداً رسولا . مؤيداً مطاعا متبوعا . فأعطى فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر من اتبعه ، ولينتفع به الخلق ، ويرحموا به . ويرحم بهم. ولم يختر أن يكون ملكا، لئلا ينقص ؛ لما فى ذلك من الاستمتاع بالرياسة ، والمال [ عن ] نصيبه فى الآخرة ؛ فإن العبد الرسول أفضل عند الله من النبى الملك؛ ولهذا كان أمر نوح، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى بن مريم: أفضل من داود ، وسليمان. ويوسف ، حتى إن من أهل الكتاب من طعن فى نبوة داود ، وسليمان ، كما يطعن كثير من الناس فى ولاية بعض أهل الرياسة والمال ؛ وليس الأمر كذلك . ٣٤ وأما ((الملوك الصالحون)) فقوله سبحانه: (إِنَّاللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَ قَالُواْأَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَخْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّاللَّهُ أَصْطَفَنُهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْوِّ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَنْ يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ) وقوله سبحانه: (وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَتََّلَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍسَبَبًا ) الآية . قال مجاهد: ملك الأرض مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان سليمان، وذو القرنين. والكافران بختنصر ، ونمرود، وسيملكها خامس من هذه الأمة . وقوله تعالى: (يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا ). وأما ((جنس الملوك)) فكثيرة كقوله: (وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وقوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ ) . ٣٥ وقال شيخ الإسلام قدس اللهروحه:(١) اعلم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ، وأكمل لأمته الدين ، وأم عليهم النعمة ، وجعله على شريعة من الأمر ، وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لايعلمون ، وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب، ومصدقا لها ، وجعل له شرعة ومنهاجا ، وشرع لأمته سنن الهدى ؛ ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد . كتاب يهدى به ، وحديد ينصره ، كما قال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ فالكتاب به يقوم بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ) العلم والدين . والميزان به تقوم الحقوق فى العقود المالية والقبوض. والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين. ولهذا كان فى الأزمان المتأخرة الكتاب للعلماء والعباد . والميزان للوزراء والكتاب ، وأهل الديوان. والحديد للأمراء والأجناد . والكتاب له الصلاة ؛ والحديد له الجهاد ؛ ولهذا كان أكثرالآيات والأحاديث النبوية فى الصلاة والجهاد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى عيادة المريض: ((اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة؛ وينكالك عدواً)) وقال عليه الصلاة والسلام ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله)) (١) قاعدة فى مواضع الأئمة فى مجامع الأمة. ٣٦ ولهذا جمع بينهما فى مواضع من القرآن ؛ كقوله تعالى : ( إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلِهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ). والصلاة أول أعمال الإسلام؛ وأصل أعمال الإيمان ؛ ولهذا سماها إيمانا فى قوله: ( وَمَا كَانَ اللّهُلِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ ) أى صلاتكم إلى بيت المقدس. هكذا نقل عن السلف، وقال تعالى: (أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَيَسْتَوُونَ ( فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عِندَ اللَّهِ ) وقال : أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِنَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِعٍ ) فوصفهم بالمحبة التى هى حقيقة الصلاة كما قال: (تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدّاًُ عَلَى الْكُغَارِرُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَهُمْ زَكَّعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) فوصفهم بالشدة على الكفار والضلال . وفى الصحيح، أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أفضل ؟ قال: ((إِيمان بالله، وجهاد فى سبيله)) فقيل: ثم ماذا؟ قال: ((ثم حج مبرور)) مع قوله فى الحديث الصحيح لما سأله ابن مسعود : أي العمل أفضل؟ قال ((الصلاة فى وقتها)) قال ثم ماذا؟ قال: ((بر الوالدين)) قال: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد فى سبيل الله)) فإن قوله ((إيمان بالله)) دخل فيه الصلاة؛ ولم يذكر فى الأول بر الوالدين ؛ إذ ليس لكل أحد والدان . فالأول مطلق والثانى مقيد من له والدان . ٣٧ ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور - فى الدولة الأموية والعباسية-أن الإمام يكون إماما فى هذين الأصلين جميعا : الصلاة ، والجهاد . فالذى يؤمهم فى الصلاة يؤمهم فى الجهاد ، وأمر الجهاد والصلاة واحد فى المقام والسفر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استعمل رجلا على بلد : مثل عتاب بن أسيد على مكة ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف . وغيرهما : كان هو الذى يصلي بهم ، ويقيم الحدود ، وكذلك إذا استعمل رجلا على مثل غزوة ؛ كاستعماله زيد بن حارثة ، وابنه أسامة ، وعمرو بن العاص، وغيرهم : كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس ؛ ولهذا استدل المسلمون بتقديمه أبا بكر فى الصلاة على أنه قدمه فى الإمامة العامة . وكذلك كان أمراء ((الصديق)) - كيزيد بن أبى سفيان، وخالد بن الوليد ، وشرحبيل بن حسنة ، وعمرو بن العاص وغيرهم - أمير الحرب هو إمام الصلاة . وكان نواب ((عمر بن الخطاب )) كاستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب والصلاة ، وابن مسعود على القضاء وبيت المال ، وعثمان بن حنيف على الخراج. ومن هنا أخذ الناس ولاية الحرب، وولاية الخراج ، وولاية القضاء ، فإن عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين ، فلما انتشر المؤمنون ، وغلبوا الكافرين على البلاد ، وفتحوها ، واحتاجوا إلى زيادة فى الترتيب: وضع ٣٨ لهم ((الديوان)) ديوان الخراج للمال المستخرج ، وديوان العطاء والنفقات للمال المصروف ، ومصر لهم الأمصار : فمصر الكوفة والبصرة ، ومصر الفسطاط ؛ فإنه لم يؤثر أن يكون بينه وبين جند المسلمين نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل ؛ فجعل هذه الأمصار مما يليه . فصل وكانت((مواضع الأمة، ومجامع الأمة)) هى المساجد ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى: ففيه الصلاة، والقراءة والذكر؛ وتعليم العلم، والخطب. وفيه السياسة ، وعقد الألوية والرايات ، وتأمير الأمراء ، وتعريف العرفاء . وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم . وكذلك عماله فى: مثل مكة ، والطائف ، وبلاد المن ، وغير ذلك من الأمصار والقرى، وكذلك عماله على البوادى؛ فإن لهم محمعا فيه يصلون ، وفيه يساسون ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بنى إسرائيل كان تسوسهم الأنبياء ؛ كما ذهب نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدى، وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون)) قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا يبيعة الأول فالأول ، واسألوا الله لكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعام)). ٣٩ وكان ((الخلفاء والأمراء)) يسكنون فى بيوتهم، كما يسكن سائر المسلمين فى بيوتهم ؛ لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع . وكان سعد بن أبى وقاص قد بنى له بالكوفة قصراً ، وقال: أقطع عنى الناس ، فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة ، وأمره أن يحرقه ، فاشترى من نبطي حزمة حطب ، وشرط عليه حملها إلى قصره ، خرقه ؛ فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته ؛ ولكن بنيت قصور الأمراء . فلما كانت إمارة معاوية احتجب لما خاف أن يغتال كما اغتيل على، واتخذ المقاصير فى المساجد ليصلي فيها ذو السلطان وحاشيته ، واتخذ المرا كب ؛ فاستن به الخلفاء الملوك بذلك ، فصاروا مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس ، ويباشرون الجمعة والجماعة والجهاد وإقامة الحدود: لهم قصور يسكنون فيها ويغشام رؤوس الناس فيها، كما كانت ((الخضراء)) لبنى أمية قبلي المسجد الجامع ، والمساجد يجتمع فيها للعبادات . والعلم ، ونحو ذلك . فصل طال الأمد، وتفرقت الأمة، وتمسك كل قوم بشعبة من الدين بزيادات زادوها فأعرضوا عن شعبة منه أخرى. أحدثت الملوك والأمراء («القلاع، والحصون)) وإنما كانت تبنى الحصون والمعاقل قديما فى الثغور ، خشية أن ٤٠