النص المفهرس
صفحات 221-240
وسئل رحمه اللّه تعالى عن جماعة من المسلمين رجال كهول وشبان ، وهم حجاج مواظبون على أداء ما افترض عليهم: من صوم ، وصلاة ، وعبادة. وفيهم كبير القدر معروفون بالثقة والأمانة بين المسلمين فى أقوالهم وأفعالهم ؛ ليس عليهم شىء من ظواهر السوء والفسوق ، وقد اجتمعت عقولهم وأذهانهم ورأيهم على أ كل ((الغبيراء)) وكان قولهم واعتقادهم فيها أنها معصية وسيئة ؛ غير أنهم مع ذلك يقولون فى اعتقادهم بدليل كتاب الله سبحانه وتعالى وهو (إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَالسَّيِّئَاتِ ) وذكروا أيضاً أنها حرام ؛ غير أن لهم ورداً بالليل ، وتعبدات ، ويزعمون أنها إذا حصلت نشوتها برءوسهم تأمرهم بتلك العبادة، ولا تأمرهم بسوء ولافاحشة، ونسبوا أنه ليس لها ضرر لأحد من خلق الله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة ، وأنه لا يجب على من أكلها حد من الحدود ؛ إلا أنها تتعلق بمخالفة أمر من أمور الله سبحانه وتعالى ، والله يغفر مابين العبد وربه . واجتمع بهم رجل صادق القول ، وذكر عنهم ذلك ، ووافقهم على أكلها بحكمهم عليه ، وحديثهم له ، واعترف على نفسه بذلك: فهل يجب على آ كلها حد شارب الخمر أم لا ؟ أفتونا . ٢٢١ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. نعم يجب على آ كلها حد شارب الخمر. وهؤلاء القوم ضلال جهال عصاة لله ولرسوله ، وكفى برجل جهلا أن يعرف بأن هذا الفعل محرم ، وأنه معصية لله ولرسوله ، ثم يقول: إنه تطيب له العبادة، وتصلح له حاله !!! ويح هذا القائل! أيظن أن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حرم على الخلق ما ينفعهم ، ويصلح لهم حالهم ؟! نعم قد يكون فى الشىء منفعة وفيه مضرة أكثر من منفعته فيحرمه الله سبحانه وتعالى ؛ لأن المضرة إذا كانت أكثر من المنفعة بقيت الزيادة مضرة محضة ، وصار هذا الرجل كأنه قال لرجل : خذ منى هذا الدرهم وأعطني ديناراً ، نجهله يقول له: هو يعطيك درهما نفذه ، والعقل يقول: إنما يحصل الدرهم بفوات الدينار ، وهذا ضرر لامنفعة له ؛ بل جميع ماحرمه الله ورسوله إن ثبت فيه منفعة ما فلابد أن يكون ضرره أكثر . فهذه (( الحشيشة الملعونة)) هى وآكلوها ومستحلوها، الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين ، المعرضة صاحبها لعقوبة الله ؛ إذا كانت كما يقوله الضالون: من أنها تجمع الهمة ؛ وتدعو إلى العبادة ؛ فإنها مشتملة على ضرر فى دين المرء وعقله وخلقه وطبعه أضعاف مافيها من خير ؛ ولا خير فيها ؛ ولكن هى تحلل الرطوبات ؛ فتتصاعد الأبخرة إلى الدماغ ؛ وتورث خيالات فاسدة ؛ فيهون على المرء ما يفعله من عبادة ؛ ويشغله بتلك التخيلات عن إضرار الناس . وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه ٢٢٢ فيها ؛ بمنزلة الفضة القليلة فى الدرم المغشوش ؛ وكل منفعة محصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة فى المآل ؛ ولا يبارك لصاحبها فيها ؛ وإنما هذا نظير السكران بالخمر ؛ فإنها تطيش عقله حتى يسخو بماله ؛ ويتشجع على أقرانه ؛ فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل ؛ وإنما أورثته عدم العقل . ومن لاعقل له لا يعرف قدر النفس والمال ، فيجود بجهله ؛ لاعن عقل فيه . وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل؛ وفتحت باب الخيال: تبقى العادة فيها مثل العبادات فى الدين الباطل دين النصارى ؛ فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف؛ فإن دينه باطل ، والباطل خفيف، ولهذا يجود النفوس فى السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق عالا تجود به فى الحق ؛ وما هذا بالذى يبيح تلك المحارم ، أو يدعو المؤمن إلى فعله، لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال ما بذله عوضاً عن ذلك ؛ وليس فى هذا منفعة فى دين المرء ولا دنياه ؛ وإنما ذلك لذة ساعة ، بمنزلة لذة الزانى حال الفعل ، ولذة شفاء الغضب حال القتل ، ولذة الخمر حال النشوة ، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا ، وذنوبه محيطة به ، وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه . وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة؛ وزوال الحمية حتى يصير آ كلها إما ديوثا ، وإما مأبونا ؛ وإما كلاهما . وتفسد الأمزجة ٢٢٣ حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفنج ، ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل ، ولو صما منها فإنه لابد أن يكون فى عقله خبل ؛ ثم إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهى وإن كانت لاتوجب قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم ، فكفى بالرجل شراً أنها قصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها، وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر. ثم إنها تورث من هانةآ كلها ، ودناءة نفسه، وانفتاح شهوته: مالا يورثه الخمر. فقها من المفاسد ماليس فى الخمر ؛ وإن كان فى الخمر مفسدة ليست فيها وهى الحدة ، فهي بالتحريم أولى من الخمر ؛ لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر؛ وضرر شارب الخمر على الناس أشد ؛ إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أ كل الحشيشة صار الضرر الذى منها على الناس أعظم من الخمر ؛ وإنما حرم الله المحارم لأنها تضر أصحابها وإلا فلو ضرت الناس ولم تضره لم يحرمها ؛ إذ الحاسد يضره حال المحسود، ولم يحرم الله اكتساب المعالى لدفع تضرر الحاسد . هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر؛ وكل مسكر حرام)) وهذه مسكرة، ولو لم يشملها لفظ بعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها ؛ مع أن فيها مفاسد أخر غير مفاسد الحمر توجب تحريمها . والله أعلم ٢٢٤ باب التعزير سئل شيخ الإسلام أبو العباس عن رجل من أمراء المسلمين له مماليك ، وعنده غلمان : فهل له أن يقيم على أحدم حدا إذا ارتكبه؟ وهل له أن يأمرهم بواجب إذا تركوه كالصلوات الخمس ونحوها ؟ وماصفة السوط الذى يعاقبهم به ؟ فأجاب : الحمد لله . الذى يجب عليه أن يأمرهم كلهم بالمعروف وينهام عن المنكر والبفي ، وأقل ما يفعل أنه إذا استأجر أجيرا منهم يشترط عليه ذلك ، كما يشترط عليه ما يشترطه من الأعمال ، ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرده . وإذا كان قادراً على عقوبتهم بحيث يقره السلطان على ذلك فى العرف الذى اعتاده الناس وغيره لا يعاقبهم على ذلك لكونهم تحت حمايته ونحو ذلك فينبغي له أن يعزرهم على ذلك إذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات إلا بالعقوبة ، وهو المخاطب بذلك حينئذ ، فإنه هو القادر عليه وغيره لا يقدر على ذلك ؛ مراعاة له . فإن لم يستطع أن يقيم هو الواجب ولم يقم غيره ٢٢٥ بالواجب صار الجميع مستحقين العقوبة، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)) وقال : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)) لاسيما إذا كان يضربهم لما يتر كونه من حقوقه ، فمن القبيح أن يعاقبهم على حقوقه ، ولا يعاقبهم على حقوق الله . والتأديب يكون بسوط معتدل ، وضرب معتدل . ولا يضرب الوجه ، ولا المقاتل . وسئل قمرس اللّه روم عن رجل يسفه على والديه : فما يجب عليه ؟ فأجاب : إذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه فإنه يجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك، بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحيحين أنه قال: ((من الكبائر أن يسب الرجل والديه)) قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: (( يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه فكيف إذا سب هو أباه مباشرة : فهذا يستحق العقوبة التى تمنعه عن عقوق الوالدين اللذين ٢٢٦ قرن الله حقهما بحقه حيث قال: (أَنِ اشْكُرْلِ وَلَوْ لِدَيْكَ ) وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّ تَعْبُدُ وَاإِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْكَلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَُّّمَآ أُفٍ وَلَا تَنْهُرْهُمَا) فكيف بسبهما ؟ !! وسئل رحمه الله تعالى عن رجل من أكابر مقدمى العسكر معروف بالخير والدين ، وكذب عليه بعض المكاسين، حتى ضربه ، وعلقه ، وطاف به على حمار بو حبسه بعد ذلك: هل يجب على ولي الأمر ضرب من ظلمه؟. فأجاب : من كذب علیه وظامه حتى فعل به ذلك فإنه تجب عقو بته التى تزجره وأمثاله عن مثل ذلك باتفاق المسلمين ؛ بل جمهور السلف يثبتون القصاص فى مثل ذلك ؛ فمن ضرب غيره وجرحه بغير حق فإنه يفعل به كما فعل؛ كما قال عمر بن الخطاب: ((أيها الناس! إنى لم أبعث عمالى إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلمو كم كتاب الله وسنة نبيكم ، ويقسموا بينكم فيئكم ، فلا يبلغنى أن أحداً ضربه عامله بغير حق إلا أقدته . فراجعه عمرو بن العاص فى ذلك ، فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد ممن ظلمه. ٢٢٧ وسئل قمس اللّ روجم عمن شتم رجلا وسبه ؟ فأجاب : إذا اعتدى عليه بالشتم والسب فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه ؛ فيشتمه إذا لم يكن ذلك محر ما لعينه : كالكذب . وأما إن كان محرما لعينه كالقذف بغير الزنا فإنه يعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعه وأمثاله من السفهاء، ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذى يشرع إذا تكرر سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه . والله أعلم. وسئل رحم الله تعالى عمن شتم رجلا فقال له : أنت ملعون ، ولد زنا؟ فأجاب : يجب تعزيره على هذا الكلام ، ويجب عليه حد القذف إن لم يقصد بهذه الكلمة ما يقصده كثير من الناس من قصده بهذه الكلمة أن المشتوم فعله خبيث كفعل ولدالزنا . ٢٢٨ وسئل رحمه اللّه عن سامري ضرب مسلما وشتمه ؟ فأجاب: تجب عقوبته عقوبة بليغة تردعه وأمثاله. والله أعلم وسئل رحمه اللّه عن ((الاستمناء)) فأجاب : أما الاستمناء فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء ، وعلى فاعله التعزير ؛ وليس مثل الزنا . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((الاستمناء)) هل هو حرام ؟ أم لا؟ فأجاب : أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين فى مذهب أحمد ، وكذلك يعزر من فعله . وفى القول الآخر هو ٢٢٩ مكروه غير محرم ، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره، ونقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة : مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه إلا به ، ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض ، وهذا قول أحمد وغيره . وأما بدون الضرورة فما علمت أحدا رخص فيه . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل يهيج عليه بدنه فيستمنى بيده ؛ وبعض الأوقات يلصق وركيه على ذكره؛ وهو يعلم أن إزالة هذا بالصوم ؛ لكن يشق عليه ؟ فأجاب : أما ما نزل من الماء بغير اختياره فلا إثم عليه فيه؛ لكن عليه الغسل إذا أنزل الماء الدافق. وأما إنزاله باختياره بأن يستمني بيده: فهذا حرام عندأ كثر العلماء؛ وهو أحد الروايتين عن أحمد ؛ بل أظهرهما . وفى رواية أنه مكروه؛ لكن إن اضطر إليه مثل أن يخاف الزنا إن لم يستمن أو يخاف المرض : فهذا فيه قولان مشهور ان العلماء؛ وقد رخص فى هذه الحال طوائف من السلف والخلف ، ونهى عنه آخرون . والله أعلم . ٢٣٠ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل جلد ذكره بيده حتى أمنى : فما يجب عليه ؟ فأجاب : وأما جلد الذكر باليد حتى ينزل فهو حرام عندأكثر الفقهاء مطلقاً ، وعند طائفة من الأئمة حرام إلا عند الضرورة مثل أن يخاف العنت ، أو يخاف المرض ، أو يخاف الزنا : فالاستمناء أصلح. وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل له ولد صغير فاتهم ، وضرب بالمقارع ؛ وخسر والده أربعمائة درهم ، ثم وجدت السرقة فجاء صاحب السرقة وصالح المتهوم على مائى درهم : فهل يصح منه إبراء بغير رضى والده إذا كان تحت الحجر ؟ وإذا لم يصح فما يجب فى دية الضرب ؟ وهل لوالده بعد إبراء الصغير أن يطالبه بضرب ولده أم لا ؟ ٢٣١ فأجاب : إذا كان المضروب تحت حجر أبيه لم يصح صلحه ولا إبراؤه . وما غرمه أبوه بسبب هذه التهمة الباطلة فله أن يرجع به على من غرمه إياه بعدوانه ، سواء أبرأه الابن أو لم يبرئه ، فالمضروب يستحق أن يضرب من طلب ضربه من المتهمين له مثل ما ضربه ، إذا لم يعرف بالشر قبل ذلك. هكذا ذكره النعمان بن بشير أن ذلك حكم الله ورسوله ، رواه أبو داود وغيره ؛ فإنه قال لقوم طلبوا منه أن يضرب رجلا على تهمة : إن شئتم ضربته لكم، فإن ظهر مالكم عنده وإلا ضربتكم مثل ما ضربته فقالوا هذا حكمك ؟ فقال هذا حكم الله ورسوله . وهذا فى ضرب من لم يعرف بالشر ، وأماضرب من عرف بالشر فذاك مقام آخر وقد ثبت القصاص فى الضرب واللطم ونحو ذلك عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين . وجاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونص عليه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره ؛ وإن كان كثير من الفقهاء لايرى القصاص فى مثل هذا ؛ بل يرى فيه التعزير ، فالأول هو الصحيح ؛ ولكن هل للأب أن يستوفي حق القصاص الذى لابنه؟ أم يتركه حتى يبلغ ؟ هذا فيه نزاع معروف بين العلماء. وأما إن كان الابن بالغا فله العقوبات البدنية واستبقاؤها . ٢٣٢ باب القطع فى السرقة سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل سرق بيته مرارا ، ثم وجد بعد ذلك فى بيته مملوك بعد أن أغلق بابه فأخذ فأقر أنه دخل البيت مختلسا مرارا عديدة ، ولم يقر أنه أخذ شيئا : فهل يلزمه ما عدم لهم من البيت ؟ وما الحكم فيه ؟ فأجاب : هذا العبد يعاقب باتفاق المسلمين على ما ثبت عليه من دخول البيت ؛ ويعاقب أيضا عند كثير من العلماء . فإذا أقر بما تبين أنه أخذ المال : مثل أن يدل على موضع المال ، أو على من أعطاه إياه ، ونحو ذلك : أخذ المال ، وأعطي لصاحبه إن كان موجودا ، وغرمه إن كان تالفا . وينبغى للمعاقب له أن يحتال عليه بما يقر به ، كما يفعل الحذاق من القضاة والولاة بمن يظهر لهم فجوره حتى يعترف ، وأقل ما فى ذلك أن يشهد عليهم برد المين على المدعى ، فإذا حلف رب المال حينئذ حكم لوب المال إذا حلف. وأما الحكم لرب المال بيمينه بماظهر من اللوث، والأمارات ٢٣٣ التى يغلب على الظن صدق المدعى: فهذا فيه اجتهاده . وأما فى النفوس فالحكم بذلك مذهب أكثر العلماء كالشافعي، وأحمد: والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل له مملوك ذكر أنه سرق له قماشا؛ وذكر الغلام أنه أودعه؟ عند سيده القديم [فى] منديل: فهل يقبل قوله فى ذلك؟ وما يلزم فى ذلك فأجاب : لا يؤخذ بمجرد قول الغلام باتفاق المسلمين ، سواء كان الحاكم بينهما والى الحرب ، أو قاضى الحكم ؛ بل الذى عليه جمهور الفقهاء فى المتهم بسرقة ونحوها أن ينظر فى المتهم : فإما أن يكون معروفا بالفجور ، وإما أن يكون مجهول الحال . فإن كان معروفا بالبر لم يجز مطالبته ولا عقوبته . وهل يحلف ؟ على قولين للعلماء . ومنهم من قال : يعزر من رماه بالتهمة . وإما أن يكون مجهول الحال فإنه يحبس حتى يكشف أمره. قيل : يحبس شهراً . وقيل: اجتهاد ولي الأمر ، لما فى السنن عن بهزبن حكيم ، عن أبيه، عن جده: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس فى تهمة)) ٢٣٤ وإن كان قد يكون الرجل معروفا بالفجور المناسب للتهمة ، فقال طائفة من الفقهاء : يضربه الوالي ؛ دون القاضي . وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك ، والشافعي، والإمام أحمد. ومن الفقهاء من قال: لا يضرب وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أمر الزبير بن العوام أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب)) لما كتم إخباره بالمال الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم قد عاهدم عليه، وقال له: ((أين كنز حيي بن أخطب ؟)) فقال: يا محمد! أذهبته النفقات والحروب. فقال: ((المال كثير، والعهد قريب من هذا)) وقال للزيير: ((دونك هذا)) فمسه الزبير بشىء من العذاب ؛ فدلهم على المال . وأما إذا ادعى أنه استودع المال فهذا أخف ، فإن كان معروفا بالخير لم يجز إلزامه بالمال باتفاق المسلمين ؛ بل يحلف المدعى عليه ، سواء كان الحاكم واليًا ، أو قاضياً . وسئل رحمه اللّه تعالى عما يتعلق بالتهم فى المسروقات فى ولايته ؛ فإن ترك الفحص فى ذلك ضاعت الأموال ، وطمعت الفساق . وإن و کله إلى غيره ممن هو تحت يده غلب على ظنه أنه يظلم فيها ، أو يتحقق أنه لا يفي بالمقصود فى ذلك ؟ وإن ٢٣٥ أقدم وسأل أو أمسك المتهومين وعاقبهم خاف الله تعالى فى إقدامه على أمر مشكوك فيه ؟ وهو يسأل ضابطا فى هذه الصورة ، وفى أمر قاطع الطريق ؟ فأجاب : أما التهم فى السرقة وقطع الطريق ونحو ذلك فليس له أن يفوضها إلى من يغلب على ظنه أنه يظلم فيها مع إمكان أن يقيم فيها من العدول ما يقدر عليه، وذلك أن الناس فى التهم ((ثلاثة أصناف)). ((صنف)) معروف عند الناس بالدين والورع وأنه ليس من أهل التهم. فهذا لا يحبس ، ولا يضرب ؛ بل ولا يستحلف فى أحد قولي العلماء ؛ بل يؤدب من يتهمه فيما ذكره كثير منهم . و ((الثانى)» من يكون مجهول الحال لا يعرف بيرولا نجور . فهذا يحبس حتى يكشف عن حاله . وقد قيل : يحبس شهراً . وقيل : يحبس بحسب اجتهاد ولي الأمر . والأصل في ذلك ما روى أبو داود وغيره ((أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس فى تهمة)) وقد نص على ذلك الأئمة، وذلك أن هذه بمنزلة مالوادعى عليه مدع فإنه يحضر مجلس ولي الأمر الحاكم بينهما ، وإن كان فى ذلك تعويقه عن أشغاله ، فكذلك تعويق هذا إلى أن يعلم أمره ، ثم إذا سأل عنه ووجد باراً أطلق . وإن وجد فاجراً كان من ((الصنف الثالث)) وهو الفاجر الذي قد عرف منه السرقة قبل ذلك ، أو عرف بأسباب السرقة : مثل أن يكون ٢٣٦ معروفا بالقمار، والفواحش التى لا تتانى إلا بالمال ، وليس له مال، ونحو ذلك فهذا لوث فى التهمة ؛ ولهذا قالت طائفة من العلماء أن مثل هذا يمتحن بالضرب يضربه الوالي والقاضى - كما قال أشهب صاحب مالك وغيره -- حتى يقر بالمال . وقالت طائفة : يضربه الوالى ؛ دون القاضى ، كما قال ذلك طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد ، كما ذكره القاضيان الماوردى والقاضى أبو يعلى فى كتابيهما فى الأحكام السلطانية ، وهو قول طائفة من المالكية ، كما ذكره الطرسوسي وغيره . ثم المتولى له أن يقصد بضربه مع تقريره عقوبته على نجوره المعروف، فيكون تعزيرا وتقريرا. وليس على المتولى أن يرسل جميع المتهومين حتى يأتي أرباب الأموال بالبينة على من سرق ؛ بل قد أنزل على نبيه فى قصة كانت تهمة فى سرقة قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَايِنِينَ خَصِيمًا * وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَ يَرْضَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَن يَكُونُ عَلَهِمْ وَكِيلًا ) إلى آخر الآيات ، وكان سبب ذلك أن قوما يقال لهم بنو أبيرق سرقوا ٢٣٧ لبعض الأنصار طعاما ودرعين، فجاء صاحب المال يشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء قوم يزكون المتهمين بالباطل ؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم ظن صدق المزكين فلام صاحب المال: فأنزل الله هذه الآية ، ولم يقل النبى صلى الله عليه وسلم لصاحب المال : أقم البيئة ؛ ولا حلف المتهمين ؛ لأن أولئك المتهمين كانوا معروفين بالشر ، وظهرت الريبة عليهم. وهكذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة فى الدماء إذا كان هناك لوث يغلب على الظن صدق المدعين ؛ فإن هذه الأمور من الحدود فى المصالح العامة ؛ ليست من الحقوق الخاصة ، فلو لا القسامة فى الدماء لأفضى إلى سفك الدماء فيقتل الرجل عدوه خفية ، ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة ؛ واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة ، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث بالمين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو يعطى الناس بدعوام لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ؛ ولكن اليمين على المدعى عليه» هذا فيما لا يمكن من المدعى حجة غير الدعوى فإنه لا يعطى بها شيئا، ولكن يحلف المدعى عليه. فأما إذا أقام شاهدا بالمال فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم فى المال بشاهد ويمين وهو قول فقهاء الحجاز وأهل الحديث ، كمالك ، والشافعى ، وأحمد وغيرهم، وإذا كان فى دعوى الدم لوث فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم للمدعين ((أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم؟)) ٢٣٨ ٠ كذلك أمر ((قطاع الطريق)) وأمر ((اللصوص)) وهو من المصالح العامة التي ليست من الحقوق الخاصة ؛ فإن الناس لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم فى المساكن والطرقات إلا بما يزجرهم فى قطع هؤلاء، ولا يزجرم أن يحلف كل منهم ؛ ولهذا اتفق الفقهاء على أن قاطع الطريق لأخذ المال يقتل حتما، وقتله حد لله؛ وليس قتله مفوضا إلى أولياء المقتول. قالوا ؛ لأن هذا لم يقتله لغرض خاص معه ؛ إنما قتله لأجل المال، فلا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، فقتله مصلحة عامة . فعلى الإمام أن يقيم ذلك . وكذلك ((السارق)) ليس غرضه فى مال معين، وإنما غرضه أخذ مال هذا ومال هذا ، كذلك كان قطعه حقا واجبا لله ليس لرب المال ؛ بل رب المال يأخذ ماله . وتقطع يد السارق، حتى لوقال صاحب المال: أنا أعطيه مالى لم يسقط عنه القطع، كما قال صفوان النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أهبه ردائى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((فهلا فعلت قبل أن تأتى به )) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله فى أمره ومن خاصم فى باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ، ومن قال فى مسلم ماليس فيه حبس فى ردغة الحبال حتى يخرج مما قال)) وقال للزبير بن العوام ((إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع)). ٢٣٩ ومما يشبه هذا من ظهر عنده مال يجب عليه إحضاره كالمدين إذا ظهر أنه غيب ماله وأصر على الحبس ، وكمن عنده أمانة ولم يردها إلى مستحقها ظهر كذبه . فإنه لا يحلف؛ لكن يضرب حتى يحضر المال الذى يجب إحضاره، أو يعرف مكانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام عام خيبر فى عم حيي بن أخطب، وكان النبى صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن له الذهب والفضة؛ فقال لهذا الرجل: ((أين كنز حيي بن أخطب؟)) فقال: يا محمد ! أذهبته النفقات، والحروب، فقال: ((المال كثير، والعهد أحدث من هذا)) ثم قال: ((دونك هذا)) فمسه بشيء من العذاب ، فدلهم عليه فى خربة هناك فهذا لما قال أذهبته النفقات والحروب والعادة تكذبه فى ذلك لم يلتفت إليه بل أمر بعقوبته حتى دلهم على المال ؛ فكذلك من أخذ من أموال الناس وادعى ذها بها دعوى تكذبه فيها العادة كان هذا حكمه . وسئل رحمه اللّه تعالى عمن كان له ذهب مخيط فى ثوبه فأعطاه للغسال نسيانا ؛ فلما رده الغسال إليه بعد غسله وجد مكان الذهب مفتقا ، ولم يجده : فما الحكم فيه ؟ الجواب: إما أن يحلف المدعى عليه بما يبريه، وإما أن يحلف المدعى أنه أخذ الذهب بغير حق ويضمنه ؛ فإن كان الغسال معروفا بالفجور وظهرت الربية بظهور الفتق جاز ضربه وتعزيره. والله أعلم ٠ ٢٤٠