النص المفهرس
صفحات 201-220
ما يقويه ويشده حتى يصير مسكرا ، فيصير بذلك من باب الخليطين ، وقد استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى عن الخليطين)) لتقوية أحدهما صاحبه ، كما نهى عن خليط التمر والزبيب ، وعن الرطب والتمر ونحو ذلك. وللعلماء نزاع فى ((الخليطين)) إذا لم يسكر، كما تنازع العلماء فى نبيذ الأوعية التى لا يشتد مافيها بالغليان ، وكما تنازعوا فى العصير والنبيذ بعد ثلاث. وأما إذا صار الخليطان من المسكر فإنه حرام باتفاق هؤلاء الأئمة . فالذى أباحه عمر من المطبوخ كان صرفا ، فإذا خلطه بما قواه وذهب ثلثاه لم يكن ذلك ما أباحه عمر . وربما يكون لبعض البلاد طبيعة يسكر فيها ماذهب ثلثاه فيحرم إذا أسكر ؛ فإن مناط التحريم هو السكر باتفاق الأئمة . ومن قال : إن عمر أوغيره من الصحابة أباح مسكرا فقد كذب عليهم . وسئل رحمه اللّه تعالى عمن قال : إن خمر العنب والحشيشة يجوز بعضه إذا لم يسكر فى مذهب الإمام أبى حنيفة : فهل هو صادق فى هذه الصورة ؟ أم كاذب فى نقله ؟ ومن استحل ذلك : هل يكفر ، أم لا ؟ وذكر أن قليل المزر يجوز شربه فهل حكمه حكم خمر العنب فى مذهب الإمام أبى حنيفة ؟ أم له حكم آخر كما ادعاه هذا الرجل ؟ ٢٠١ فأجاب : الحمدلله . أما الخمر التى هى عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فيحرم قليلها وكثيرها باتفاق المسلمين ، ومن نقل عن أبى حنيفة إباحة قليل ذلك فقد كذب ؛ بل من استحل ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، ولو استحل شرب الخمر بنوع شبهة وقعت لبعض السلف أنه ظن أنها إنما تحرم على العامة ؛ لاعلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؛ فاتفق الصحابة كعمر وعلى وغيرهما على أن مستحل ذلك يستتاب ، فإن أقر بالتحريم جلد ، وإن أصر على استحلالها قتل . بل وأبو حنيفة يحرم القليل والكثير من أشربة أخر : وإن لم يسمها خمرا ، كنبيذ التمر ، والزبيب النيء ، فإنه يحرم عنده قليله وكثيره إذا كان مسكرا ، وكذلك المطبوخ من عصير العنب الذى لم يذهب ثلثاه فإنه يحرم عنده قليله إذا كان كثيره يسكر . فهذه الأنواع الأربعة محرم عنده قليلها وكثيرها ، وإن لم يسكر منها . وإنما وقعت ((الشبهة)) فى سائر المسكر كالمزر الذي يصنع من القمح ونحوه : فالذى عليه جماهير أمة المسلمین کما فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن أهل اليمن قالوا يارسول الله! إن عندنا شرابا يقال له ((البتع)) من العسل؛ وشرابا من الذرة يقال له ((المزر)) وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أوتى جوامع الكلم فقال: ((كل مسكر فهو حرام )) وفى الصحيحين ٢٠٢ عن عائشة عنه أنه قال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) وفى الصحيح أيضا عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)) وفى السنن من غير وجه عنه أنه قال: «ماأسكر كثيره فقليله حرام )) واستفاضت الأحاديث بذلك . فإن الله لما حرم الخمر لم يكن لأهل مدينة النبى صلى الله عليه وسلم شراب يشربونه إلا من التمر ، فكانت تلك خمرم ، وجاء عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يشرب النبيذ)) والمراد به النبيذ الحلو، وهو أن يوضع التمر أو الزبيب فى الماء حتى يحلو ثم يشربه ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد نهام أن ينتبذوا فى القرع والخشب والحجر والظرف المزفت ، لأنهم إذا انتبذوا فيها دب السكر وهم لا يعلمون فيشرب الرجل مسكرا ، ونهام عن الخليطين من التمر والزبيب جميعا؛ لأن أحدهما يقوى الآخر ؛ ونهام عن شرب النبيذ بعد ثلاث ؛ لأنه قد يصير فيه السكر والإنسان لا يدرى . كل ذلك مبالغة منه صلى الله عليه وسلم . فمن اعتقد من العلماء أن النبيذ الذى أرخص فيه يكون مسكرا - يعني من نبيذ العسل، والقمح، ونحو ذلك فقال: يباح أن يتناول منه مالم يسكر - فقد أخطأ . وأما جماهير العلماء فعرفوا أن الذي أباحه هو الذى لا يسكر ، وهذا القول هو الصحيح فى النص، والقياس. أما ((النص)) فالأحاديث الكثيرة فيه. وأما ((القياس)) فلأن جميع الأشربة المسكرة متساوية فى كونها تسكر، ٢٠٣ والمفسدة الموجودة فى هذا موجودة فى هذا ، والله تعالى لا يفرق بين المتماثلين بل التسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجلي. فتبين . أن كل مسكر خمر: حرام، والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل السكر منها فقد كفر؛ بل هي فى أصح قولي العلماء نجسة كالخمر . فالخمر كالبول، والحشيشة كالعذرة . وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية فصل وأما ((الحشيشة)) الملعونة المسكرة: فهى بمنزلة غيرها من المسكرات والمسكر منها حرام باتفاق العلماء ؛ بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله ولو لم يكن مسكرا: كالبنج، فإن المسكر يجب فيه الحد، وغير المسكر يجب فيه التعزير . وأما قليل ((الحشيشة المسكرة)) حرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)) يتناول مايسكر . ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا ، أو مشروبا؛ أو جامداً، أو مائماً. فلو اصطبغ كالخمر كان حراما ، ولو أماع ٢٠٤ الحشيشة وشربها كان حراما. ونبينا صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة فى كل ما يدخل فى لفظها ومعناها ، سواء كانت الأعيان موجودة فى زمانه أو مكانه ، أو لم تكن . فلما قال: ((كل مسكر حرام)) تناول ذلك ما كان بالمدينة من خمر التمر وغيرها ، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل فى ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم. فلم يفرق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير وإن كان أحدهما موجودا فى زمنه كان يعرفه، والآخر لم يكن يعرفه ؛ إذلم يكن بأرض العرب من يتخذ خمرا من لبن الخيل . وهذه ((الحشيشة)) فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين فى أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة ، حيث ظهرت دولة التقر ؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف ((جنكسخان))، لما أظهر الناس مانهام الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو ، وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهى شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر ، فإنها مع أنها تسكراً كلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنيث والديوثة ، وتفسد المزاج، فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل ، وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنونا بسبب أ كلها . ٢٠٥ ومن الناس من يقول. إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطربا كالخر ، وهذا هو الداعى إلى تناولها ، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر ، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر ؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر ؛ ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب فيها الحد ، كما يجب فى الخمر. وتنازعوا فى ((نجاستها)) على ثلاثة أوجه فى مذهب أحمد وغيره . فقيل هى بجسه . وقيل: ليست بنجسة . وقيل : رطبها بجس كالخمر ، ويابسها ليس بنجس . والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع ، كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها، فن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو ، ولا [ تصح] صلاته حتى يعلم ما يقول ، ولا بد أن يغسل فيه، ويديه، وثيابه فى هذا وهذا، والصلاة فرض عينية؛ لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوما، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما ، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، قيل: وما طينة الخبال؟ قال : عصارة أهل النار أوعرق أهل النار )) وأما قول القائل: إن هذه مافيها آية ولا حديث : فهذا من جهله ؛ فإن القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هى قواعد عامة، وقضايا كلية . تتناول كلما ٢٠٦ دخل فيها ، وكلما دخل فيها فهو مذ كور فى القرآن والحديث باسمه العام، وإلا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق، وقال: ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) وقال: (وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ) وقال تعالى: (الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ) فاسم ((الناس)) و((العالمين)) يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس، والروم، والهند، والبربر فلو قال قائل : إن محمداً ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأن الله لم يذكره فى القرآن كان جاهلا، كما لو قال: إن الله لم يرسله إلى بنى عم، وبنى أسد وغطفان ، وغير ذلك من قبائل العرب ، فإن الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها الخاصة؛ وكما لو قال : إن الله لم يرسله إلى أبى جهل وعتبة، وشيبة؛ وغيرهم من قريش؛ لأن الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة فى القرآن . وكذلك لما قال : (إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ ) دخل فى الميسر الذى لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبى صلى الله عليه وسلم؛ وكل الميسر حرام باتفاق المسلمين . وإن لم يعرفه النبى صلى الله عليه وسلم كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض فإنه حرام بإجماع المسلمين، وهو (الميسر) الذي حرمه الله؛ ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. و(الفرد)) أيضا من (الميسر) الذى حرمه الله؛ وليس فى القرآن ذكر الفرد والشطر نج باسم ٢٠٧ خاص؛ بل لفظ الميسر يعمها وجمهور العلماء على أن الفرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض . (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِنْ وكذلك قوله : يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْ تُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفََّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ - إلى قوله - إِذَا حَلَفْتُمْ) وقوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ) تناول كل أمان المسلمين التى كانوا يحلفون بها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والتى صاروا يحلفون بها بعد ؛ فلو حلف بالفارسية والتركية والهندية والبربرية باسم الله تعالى بتلك اللغة انعقدت يمينه ؛ ووجبت عليه الكفارة إذا حنث باتفاق العلماء، مع أن اليمين بهذه اللغات لم تكن من أيمان المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا بخلاف من حلف بالمخلوقات: كالحلف بالكعبة والملائكة، والمشايخ، والملوك، وغير ذلك ؛ فإن هذه ليست من أيمان المسلمين؛ بل هى شرك، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد أشرك )) . وكذلك قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا ) يعم كل ما يسمى صعيدا ، ويعم كل ماء : سواء كان من المياه الموجودة فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم أو مما حدث بعده. فلو استخرج قوم عيونا وكان فيها ماء متغير اللون والريح والطعم وأصل الخلقة ، وجب الاغتسال به بلانزاع نعرفه بين ٢٠٨ العلماء، وإن لم تكن تلك المياه معروفة عند المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) فدخل فيه كل مشرك من العرب وغير العرب ، كمشركي الترك، والهند والبربر؛ وإن لم يكن هؤلاء ممن قتلوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . (قَائِلُواْالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ وكذلك قوله تعالى : اَلْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَاحَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ) يدخل فيه جميع أهل الكتاب ؛ وإن لم يكونوا ممن قتلوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الذين قتلوا على زمانه كانوا من نصارى العرب والروم ؛ وقاتل اليهود قبل نزول هذه الآية ؛ وقد دخل فيها النصارى: من القبط؛ والحبشة؛ والجركس، والأل واللاص؛ والكرج؛ وغيرهم. فهذا وأمثاله نظير عموم القرآن لكل ما دخل في لفظه ومعناه ؛ وإن لم يكن باسمه الخاص . ولو قدر بأن اللفظ لم يتناوله وكان فى معنى ما فى القرآن والسنة ألحق به بطريق الاعتبار والقياس ؛ [كما ] دخل اليهود والنصارى والفرس [فى عموم الآية] و [دخلت] جميع المسكرات فى معنى خمر العنب، وأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالكتاب والميزان ؛ ليقوم الناس بالقسط ٢٠٩ و (الكتاب) القرآن . و(الميزان) العدل. والقياس الصحيح هو من العدل؛ لأنه لا يفرق بين المتماثلين؛ بل سوى بينهما ، فاستوت السيئات فى المعنى الموجب للتحريم ؛ لم يخص أحدها بالتحريم دون الآخر؛ بل من العدل أن يسوى بينهما، ولو لم يسو بينهما كان تناقضا، وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض. ولو أن الطبيب حمى المريض عن شيء لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب . والشرع طب القلوب ، والأنبياء أطباء القلوب والأديان ، ولابد إذا أحل الشرع شيئا منه أن يخص هذا بما يفرق به بينه وبين هذا ، حتى يكون [ فيه ] معنى خاص بما حرمه دون ما أحله . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه ؟ فأجاب : الحمد الله. هذه الحشيشة الصلبة حرام ، سواء سكر منها أو لم يسكر ؛ والسكر منها حرام باتفاق المسلمين ؛ ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل مرتداً ، لا يصلى عليه ؛ ولا يدفن فى مقابر المسلمين . وأما إن اعتقد ذلك قربة ، وقال : هي القيمة الذكر والفكر ، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ، وتنفع فى ٢١٠ الطريق : فهو أعظم وأكبر ، فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر ؛ ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة ؛ قال الله تعالى: ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْوَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَآءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَأَ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ومن كان يستحل ذلك جاهلا وقد سمع بعض الفقهاء يقول وحرام تحريم غير الحرام حرموها من غير عقل ونقل فإنه ما يعرف الله ورسوله، وأنها محرمة ، والسكر منها حرام بالإجماع . وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافراً مرتداً، كما تقدم. وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم يحصل به نشوة ولا طرب ، فإن تغيب العقل حرام بإجماع المسلمين. وأما تعاطى ((البنج)) الذى لم يسكر، ولم يغيب العقل . ففيه التعزير . وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة ؛ وإنما يتناولها الفجار ؛ لما فيها من النشوة والطرب، فهى تجامع الشراب المسكر فى ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة ، وهذه توجب الفتور والذلة ، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل ؛ وفتح باب الشهوة ؛ وما توجبه من الدياثة : مما هي من شر الشراب المسكر ، وإنما حدثت فى الناس بحدوث التتار . ٢١١ وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب : ثمانون سوطا ؛ أو أربعون. إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر ، ويغيب العقل . وتنازع الفقهاء فى نجاستها ؟ على ثلاثة أقوال ((أحدها)) أنها ليست نجسة. ((والثاني)) أن مائعها نجس؛ وأن جامدها طاهر. و((الثالث)) وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر ؛ فهذه تشبه العذرة ؛ وذلك يشبه البول ، وكلاهما من الخبائث التى حرمها الله ورسوله ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر ؛ وشر منه من بعض الوجوه ؛ ويهجر ، ويعاقب على ذلك ، كما يعاقب هذا ؛ للوعيد الوارد فى الخمر ؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها؛ وبائعها ومبتاعها؛ وحاملها، وآ كل ثمنها)) ومثل قوله: ((من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما؛ فإن تاب تاب الله عليه؛ فإن عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما؛ فإن تاب تاب الله عليه ؛ وإن عاد فشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما؛ فان تاب تاب الله عليه ؛ وإن عاد فشربها فى الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال؛ وهى عصارة أهل النار)) وقد ثبت عنه فى الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل مسكر حرام)) وسئل عن هذه الأشربة وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام)). ٢١٢ وسئل رحمه اللّه تعالى عما يجب على آكل الحشيشة؟ ومن ادعى أن أ كلها جائز حلال مباح؟ فأجاب : أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، وسواء أ كل منها قليلا أو كثيراً؛ لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين ، ومن استحل ذلك فهو كافر يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً ؛ لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتدشر من حكم اليهودى والنصرانى ، سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الفكر والذكر ، وأنها محرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ، وأنهم لذلك يستعملونها . وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر تباح الخاصة ، متأولاً قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْ اْ إِذَا مَا أَنَّقَواْ وَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَ اتَّقَوْوَّءَامَنُواْتُمَ آَنَّقَوْ وَّأَحْسَنُواْ ) فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم اتفق عمر وعلي وغيرهمامن علماء الصحابة رضى الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال . ٢١٣ قتلوا . وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها وتناولها فإنه يجلد الحد ثمانين سوطا، أو أربعين . هذا هو الصواب . وقد توقف بعض الفقهاء فى الجلد ، لأنه ظن أنها مزيلة للعقل ، غير مسكرة، كالبنج ونحوه مما يغطى العقل من غير سكر ، فإن جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين : إن كان مسكراً ففيه جلد الخمر ، وإن لم يكن مسكراً ففيه التعزير بما دون ذلك . ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل . والصحيح أن الحشيشة مسكرة كالشراب ؛ فإن آ كليها ينشون بها ، ويكثرون تناولها ، بخلاف البنج وغيره ، فإنه لا ينشي ، ولا يشتهى . وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد ومالاتشتهيه كالميتة ففيه التعزير. ((والحشيشة)) مما يشتهيهاآ كلوها، ويمتنعون عن تركها ؛ ونصوص التحريم فى الكتاب والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك ، وإنما ظهر فى الناس أ كلها قريبا من نحو ظهور التتار ؛ فإنها خرجت ، وخرج معها سيف التتار . وسئل رحمه اللّه عمن يأخذ شيئا من العنب ، ويضيف إليه أصنافا من العطر ثم يغليه إلى أن ينقص الثلث ، ويشرب منه لأجل الدواء ، ومتى أكثر شربه أسكر ؟ ٢١٤ فأجاب : الحمد لله . متى كان كثيره يسكر فهو حرام ، وهو خمر ، ويحد صاحبه ، كما ثبت فى الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وعليه جماهير السلف والخلف ، كما فى صحيح مسلم عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)» وفى الصحيحين عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((البتع)) وهو نبيذ العسل ، وكان أهل اليمن يشربونه فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)» وفى الصحيح عن أبي موسى، قال قلت يارسول الله !: أفتنا فى شراب كنا نصنعه فى اليمن ((البتع)) وهو من نبيذ العسل، ينبذ حتى يشتد ، فقال : ((كل مسكر حرام)) وفى صحيح مسلم عن جابر أن رجلا من حبشان اليمن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يصنعونه بأرضهم يقال له ((المزر)) فقال: ((أيسكر؟)) قال نعم. فقال: ((كل مسكر حرام؛ إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا : يارسول الله !وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار؛ أو عصارة أهل النار)) وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ . والأحاديث فى ذلك متعددة . وإذا طبخ العصير حتى يذهب ثلثه أو نصفه وهو يسكر فهو حرام عند الأمّة الأربعة؛ بل هو خمر عند مالك والشافعى وأحمد. وأما إن ذهب ثلثاه وبقي ٢١٥ ثلثه : فهذا لا يسكر فى العادة؛ إلا إذا انضم إليه ما يقويه، أو لسبب آخر. فمتى أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين، وهو ((الطلاء)) الذى أباحه عمر بن الخطاب للمسلمين . وأما إن أسكر بعد ما طبخ وذهب ثلثاه : فهو حرام أيضا عند مالك ، والشافعى ، وأحمد وسئل رحمه الله تعالى عن المداومة على شرب الخمر، وترك الصلاة، وما حكمه فى الإصرار على ذلك ؟ فأجاب: الحمد لله. أما ((شارب الخمر)) فيجب باتفاق الأئمة أن يجلد الحد إذا ثبت ذلك عليه ، وحده أربعون جلدة ، أو ثمانون جلدة . فإن جلده ثمانين جاز باتفاق الأئمة، وإن اقتصر على الأربعين ففى الإجزاء نزاع مشهور . فذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين أنه يجب الثمانون ، ومذهب الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى عنه أن الأربعين الثانية تعزير يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام ، فإن احتاج إلى ذلك لكثرة الشرب أو إصرار الشارب ونحو ذلك فعل ، وقد كان عمر بن الخطاب يعزر بأكثر من ذلك ؛ كما روى عنه أنه كان ينفى الشارب عن بلده ، ويمثل به بحلق رأسه . ٢١٦ وقد روى من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شر بها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فى الثالثة ، أوالرابعة: فاقتلوه )) فأمر بقتل الشارب فى الثالثة أو الرابعة . وأكثر العلماء لا يوجبون القتل ؛ بل يجعلون هذا الحديث منسوخا ؛ وهو المشهور من مذاهب الأئمة . وطائفة يقولون: إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك، كما فى حديث آخر فى السنن أنه نهاهم عن أنواع من الأشربة قال: ((فإن لم يدعواذلك فاقتلوهم)). والحق ما تقدم. وقد ثبت فى الصحيح أن رجلا كان يدعى حمارا ، وهو كان يشرب الخمر ؛ فكان كما شرب جلده النبى صلى الله عليه وسلم، فلعنه رجل، فقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟! فقال: ((لا تلعنه ؛ فإنه يحب الله ورسوله)) وهذا يقتضى أنه جلد مع كثرة شربه . وأما ((تارك الصلاة)) فإنه يستحق العقوبة باتفاق الأئمة ، وأكثرم .. كمالك والشافعي وأحمد - يقولون: إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهل يقتل كافراً مرتداً، أو فاسقا كغيره من أصحاب الكبائر ؟ على قولين . فإذا لم تمكن إقامة الحد على مثل هذا فإنه يعمل معه الممكن: فيهجر : ويوبخ حتى يفعل المفروض، ويترك المحظور، ولا يكون ممن قال الله فيه : ( ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْالصَّلَوَةَ وَتَّبَعُواْ الشَّهُوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) مع أن إضاعتها تأخيرها عن وقتها، فكيف بتاركها ؟ !! ٢١٧ وسئل رحم الله عن رجل عنده حجرة خلفها فلوة : فهل يجوز الشرب من لبنها ، أم لا ؟ فأجاب : يجوز الشرب من لبنها ؛ إذا لم يصر مسكراً. وسئل قدس الآروج عن رجل اعتاد أن يتناول كل ليلة قبل العصر شيئا من المعاجين مدة سنين . فسئل عن ذلك ؟ فقال : أرى فيه أشياء من المنافع: فهل يباح ذلك له أم لا؟ فأجاب : إن كان ذلك يغيب العقل لم يجز له أكله ؛ فإن كل ما يغيب العقل يحرم باتفاق المسلمين . ٢١٨ وسئل رحمه اللّه عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه)) هل لهذا الحديث أصل؟ ومن رواه ؟ فأجاب : نعم. له أصل ، وهو مروي من وجوه متعددة ، وهو ثابت عند أهل الحديث ؛ لكن أكثر العلماء يقولون : هو منسوخ. وتنازعوا فى ناسخه؟ على عدة أقاويل. ومنهم من يقول: بل حكمه باق. وقيل : بل الوجوب منسوخ ، والجواز باق . وقد رواه أحمد ، والترمذى ، وغيرها ولا أعلم أحداً قدح فيه . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عمن هش الذرة فأخذ يغلى فى قدره ، ثم ينزله ويعمل عليه قمحا ، ويخليه إلى بكرة ، ويصفيه : فيكون مما لا يسكر فى ذلك اليوم ، ثم يخليه يومين أو ثلاثة بعد ذلك فيبقى يسكر : هل يجوز أن يشرب منه فى أول يوم أملا؟ م ٢١٩ فأجاب : يجوز شربه ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام . فأما إذا أسكر فإنه حرام بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء أسكر بعد الثلاثة ، أو قبل الثلاثة، ومتى أسكر حرم، فإنه ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام)). وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((الخمر)) إذا غلى على النار ونقص الثلث: هل يجوز استعماله، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا صار مسكرا فإنه حرام تجب إراقته، ولا يحل بالطبخ . وأما إذا طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلشاه وبقى ثلثه ولم يسكر فإنه حلال عند جماهير المسلمين. وأما إن طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلثه أو نصفه، فإن كان مسكرا فإنه حرام فى مذهب الأئمة الأربعة. وإن لم يكن مسكرا فإنه يستعمل ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام. ٢٢٠