النص المفهرس
صفحات 141-160
وسئل رحم الله عن رجل قتل رجلا عمداً ؛ وللمقتول بنت عمرها خمس سنين ، وزوجته حامل منه ، وأبناء عم : فهل يجوز أن يقتص منه قبل بلوغ البنت ووضع الحمل ؛ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . ليس لسائر الورثة قبل وضع الحمل أن يقتصوا منه؛ إلا عند مالك ، فإن عنده للعصبة أن يقتصوا منه قبل ذلك . أما إن وضعت بنتا أو بنتين بحيث يكون لابنى العم نصيب من التركة : كان للعصبة أن يقتصوا قبل بلوغ البنات عند أبي حنيفة ومالك وأحمد فى رواية ؛ ولم يجز لحن القصاص فى المشهور عنه ؛ وهو قول الشافعي . وهل لولي البنات كالحاكم أن يقوم مقامهن فى الاستيفاء والصلح على مال ؟ روايتان عن أحمد. ((إحداهما)) وهو قول جمهور العلماء جواز ذلك. و ((الثانية)) لا يجوز القصاص؛ كقول الشافعي؛ لكن إذا كانت البنات محاويج هل لوليهن المصالحة على مال لهن ؟ فيه خلاف مشهور فى مذهب الشافعي ١٤١ وسئل رحم اللّه عن رجل قتله جماعة وكان اثنان حاضران قتله ، واتفق الجماعة على قتله ، وقاضى الناحية عاين الضرب فيه ونواب الولاية ؟ فأجاب : الحمدلله . إذا قامت البينة على من ضربه حتى مات واحداً كان أو أكثر فإن لأولياء الدم أن يقتلوم كلهم ، ولهم أن يقتلوا بعضهم. وإن لم تعلم عين القاتل فلأولياء المقتول أن يحلفوا على واحد بعينه أنه قتله ويحكم لهم بالدم . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن جماعة اجتمعوا وتحالفوا على قتل رجل مسلم ، وقد أخذوا معهم جماعة أخرى ما حضروا تحليفهم ، وتقدموا إلى الشخص وضربوه بالسيف ، والدبابيس ؛ ورموه فى البحر : فهل القصاص عليهم جميعهم ، أم لا ؟ فأجاب : إذا اشتركوا فى قتل معصوم بحيث أنهم جميعهم باشروا قتله وجب القود عليهم جميعهم ؛ وإن كان بعضهم قد باشر وبعضهم قائم يحرس ١٤٢ المباشر؛ ويعاونه. ففيها قولان ((أحدهما)) لايجب القود إلا على المباشر، وهو قول أبى حنيفة ، والشافعي، وأحمد؛ بحيث أنه لا بد فى فعل كل شخص من أن يكون صالحا للزهوق. و ((الثانى)) يجب على الجميع؛ وهو قول مالك. وإِن كان قتله لغرض خاص : مثل أن يكون بينهم عداوة ، أو خصومة ، أو يكرهونه على فعل لا يبيح قتله : فهنا القود لوارثه: إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. وإن كان الوارث صغيراً لم يبلغ فامن له الولاية عليه، وإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه، والحاكم نائبه فى أحد القولين للعلماء كمذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين. وفى القول الثانى لاحتى يبلغ، وهو مذهب الشافعي وأحمد فى الرواية الأخرى. وسئل رحم اللّه عمن اتفق على قتله أولاده، وجواره، ورجل أجنبى: فما حكم الله فيهم ؟ فأجاب : إذا اشتركوا فى قتله جاز قتلهم جميعهم ، والأمر فى ذلك ليس للمشاركين فى قتله ؛ بل لغيرهم من ورثته ، فإن كان له أخوة كانوا هم أولياءه ؛ وكانوا أيضًا هم الوارثين لماله؛ فإن القاتل لايرث المقتول . وليس للسلطان حق لا فى دمه ، ولا فى ماله؛ بل الأخوة لهم الخيار: إن شاء واقتلوا جميع المشتركين فى قتله البالغ منهم، وإن شاءوا قتلوا بعضهم. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. وأما المباشرون لقتله فيجوز قتلهم باتفاق الأمة . ١٤٣ وأما الذين أعانوا بمثل إدخال الرجل إلى البيت، وحفظ الأبواب ، ونحو ذلك : ففى قتلهم قولان للعلماء، ويجوز قتلهم فى مذهب مالك وغيره . والممسك يقتل فى مذهب مالك وأحمد فى إحدى الروايتين وغيرهما ، ولا ميراث لهما . وإن كان الصغار من أولاده أمانوا أيضاً على قتله لم يكن دمه إليهم ، ولا إلى وليهم ؛ بل إلى الأخوة . وأما ميراثهم من ماله ففيه نزاع . والمشهور من مذهب الشافعى وأحمد أنهم لا يرثون من ماله، والصغار يعاقبون بالتأديب ولا يقتلون، ومذهب أبى حنيفة ومالك: الصغار يرتون من ماله والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجلين تضاربا وتخانقا ، فوقع أحدهما فات : فما يجب عليه ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. إذا خنقه الخنق الذى يموت به المرء غالباً وجب القود عليه عند جمهور العلماء: كمالك، والشافعى، وأحمد، وصاحبي أبى حنيفة؛ ولو ادعى ان هذا لا يقتل غالبا لم يقبل منه بغير حجة. فأما إن كان أحدهما قد غشي عليه بعد الخنق ، ورفسه الآخر برجله حتى خرج من فمه شىء فمات : فهذا يجب عليه القود بلا ريب ، فإن هذا قاتل نفساً عمداً؛ فيجب عليه القود ؛ إذا كان المقتول يكافؤه بأن يكون حراً مسلماً، فيسلم إلى ورثة المقتول إن شاءوا أن يقتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه، وإن شاءوا أخذوا الدية . ١٤٤ وسئل رحمه اللّه عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر فى أنفه ، نجرى دمه، فقام الذى جرى دمه خنقه ورفسه برجله فى مخاصيه فوقع ميتا ؟ فأجاب : يجب القود على الخانق الذى رفس الآخر فى أنثییه ؛ فإن مثل هذا الفعل قد يقتل غالباً ؛ فإن موته بهذا الفعل دليل على أنه فعل به ما يقتل غالباً؛ والفعل الذى يقتل غالباً يجب به القود فى مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبى أبى حنيفة : مثل مالو ضربه فى أنثييه حتى مات فيجب القود ، ولو خنقه حتى مات وجب القود ، فكيف إذا اجتمعا ؟! وولي المقتول مخير إن شاء قتل ، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئا لنفسه ولا لبيت المال ؛ وإنما الحق فى ذلك لأولياء المقتول. وسئل رحم الله عمن ضرب رجلا ضربة فمكث زمانا ثم مات ، والمدة التي مكث فها كان ضعيفا من الضربة : مالذى يجب عليه ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. إذا ضربه عدوانا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة ، ولا قود فيه ، وهذا إن لم يكن موته من الضربة . والله أعلم. ١٤٥ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل يهودى قتله مسلم : فهل يقتل به ؟ أو ماذا يجب عليه ؟ فأجاب : الحمدلله . لاقصاص عليه عند أمة المسلمين ، ولا يجوز قتل الذمي بغير حق ؛ فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لا يقتل مسلم بكافر)). ولكن تجب عليه الدية. فقيل: الدية الواجبة نصف دية المسلم . وقيل : ثلث ديته . وقيل : يفرق بين العمد والخطأ ، فيجب فى العمد مثل دية المسلم ، ويروى ذلك عن عثمان بن عفان : أن مساما قتل ذميا فغلظ عليه . وأوجب عليه كمال الدية . وفى الخطأ نصف الدية . ففى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه جعل دية الذمي نصف دية المسلم)». وعلى كل حال تجب كفارة القتل أيضا، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . ومثل رحم اللّه عن طائفة تسمى (( العشيرة قيس ويمن)) يكثر القتل بينهم، ولا يبالون به وإذا طلب منهم القاتل أحضروا شخصا غير القاتل يتفقون معه على أن يعترف ١٤٦ بالقتل عند ولى الأمر ، فإذا اعترف جهزوا إلى المتولي من يدعى أنه من قرابة المقتول، ويقول : أنا قد أبريت هذا القاتل مما أستحقه عليه، ويجعلون ذلك ذريعة إلى سفك الدماء، وإقامة الفتن، فإذا رأى ولي الأمر وضع دية المقتول الذى لا يعرف قاتله من الطوائف الذين أثبت أسماءهم فى الديوان على جميع الطوائف منهم له ذلك أم لا؟ أو رأى وضع ذلك على أهل محملة القاتل، كما نقل [عن] بعض الأئمة رضى الله عنهم؟ أو رأى تعزير هؤلاء العشير عند إظهارم الفتن وسفك الدماء والفساد بوضع مال عليهم يوخذ منهم ، ليكف نفوسهم العادية عن ذلك كله: فهل له ذلك أم لا؟ وهل يثاب على ذلك؟ أفتونا مأجورين. فأجاب : أيده الله . الحمدلله: أما إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل مكان المقتول باتفاق الأئمة. وأما إذا لم يعرف قاتله لا يبينة ولا إقرار : فقى مثل هذا تشرع القسامة . فإذا كان هناك لوث حلف المدعون خمسين يمينا عند الجمهور : مالك، والشافعي، وأحمد ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قصة القتيل الذى وجد بخيبر ، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه، ومذهب أبى حنيفة يحلف المدعى عليهم أولاً ؛ فإن مذهبه أن اليمين لاتكون إلا فى جانب المدعى عليه ، والجمهور يقولون هى فى جنب أقوى المتداعيين فأما إذا عرف القاتل فإن كان قتله لأخذ مال فهو محارب يقتله الإمام حدا وليس لأحد أن يعفو عنه؛ لا أولياء المقتول ، ولا غيرهم. وإن قتل لأمر خاص فهذا أمره إلى أولياء المقتول ، فإن شاءوا عفوا عنه . وللإمام فى مذهب ١٤٧ مالك أن يجلد ه مائة ، ويحبسه سنة . فهذا التعزير يحصل المقصود. وعلى هذا فإذا كان أولياء المقتول قد رضوا بقتل صاحبهم فلا أرغم الله إلا بآنافهم . وإذا قيل : توضع الدية فى بعض الصور على أهل المكان مع القسامة فى الدية لورثة المقتول؛ لا لبيت المال، ولم يقل أحد من الأئمة أن دية المقتول لبيت المال . وكذلك لاتوضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة . وهؤلاء المعروفون بالفتن والفساد لولي الأمر أن يمسك منهم من عرف بذلك فيحبسه ؛ وله أن ينقله إلى أرض أخرى ليكف بذلك عدوانه ؛ وله أن يعزر أيضا من ظهر منه الشر ليكف به شره وعدوانه . ففى العقوبات الجارية على سنن العدل والشرع ما يعصم الدماء والأموال ، ويغنى ولاة الأمور عن وضع جبايات تفسد العباد والبلاد . ومن اتهم بقتل وكان معروفا بالفجور فلولي الأمر عند طائفة من العلماء أن يعاقبه تعزيزا على نجوره ، وتعزيراً له ، وبهذا وأمثاله يحصل مقصود السياسة العادلة . والله أعلم وسئل رحم اللّه عمن قال : أنا ضاربه ، والله قاتله ؟ فأجاب : الحمدلله . هذا يؤاخذ بإقراره، ويجب عليه ما يجب على القاتل. وأما قوله : والله قاتله. إن أراد به أن الله قابض روحه، أو أن الله هو المميت كل أحد ، وهو خالق أفعال العباد ، ونحو ذلك : فهذا لا يندفع عنه موجب القتل بذلك ؛ بل يجب عليه ما يجب على القاتل . ١٤٨ - وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل را کب فرس ، مر به دباب ومعه دب ، ففل الفرس ورمی راكبه ، ثم هرب ورمى رجلا فمات ؟ فأجاب : لاضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكن الدباب عليه العقوبة . والله أعلم. وسئل رحمه الله تعالى عن رجل أخذ له مال فاتهم به رجلا من أهل التهم ذكر ذلك عنده فضربه على تقريره فأقر ، ثم أنكر. فضربه حتى مات: فما عليه ؟ ولم يضربه إلا لأجل ما أخبر عنه بذلك . فأجاب : عليه أن يعتق رقبة مؤمنة كفارة، وتجب دية هذا المقتول؛ إلا أن يصالح ورثته على أقل من ذلك، ولو كان قد فعل به فعلا يقتل غالبا بلاحق ولا شبهة لوجب القود، ولو كان يحق لم يجب شىء. والله أعلم. ١٤٩ وسئل قدم الآّ روح عن رجل جندى وله إقطاع فى بلد الريع ، وقال فى البلد قتيل ، فقالوا إن الفلاح النصرانى الذى هو من الربع هو القاتل فطلب القاتل إلى ولاة الأمور فلم يوجد ؛ ومسكوا أخا النصرانى المتهوم وهو فى السجن ، ومع ذلك يتطلبون الجندي بإحضار النصرانى ولم يكن ضامنا ؟ فأجاب : إذا كان الجندي لا يعلم حال المتهم ولا هو ضامن له لم يجز مطالبته لكن إذا كان مطلوبا بحق وهو يعرف مكانه دل عليه ، فإن قال : أنه لا يعرف مكانه فالقول قوله . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل عثر على سبعة أنفس ، فحصل بينهم خصومة ؛ فقاموا بأجمعهم ضربوه بحضرة رجلين لا يقربا لهؤلاء ولا لهؤلاء ؛ وعايناه إلى أن مات من ضربهم ؛ فما يلزم السبعة الذين يساعدون على قتله؟ ١٥٠ فأجاب : إذا شهد لأولياء المقتول شاهدان ، ولم يثبت عدالتهما : فهذا لوث إذا حلف معه المدعون خمسين يمينا - أيمان القسامة - على واحد بعينه حكم لهم بالدم ؛ وإن أقسموا على أكثر من واحد ففى القود نزاع. وأما إن ادعوا أن القتل كان خطأ أو شبه عمد مثل أن يضربوه بعصا ضربا لا يقتل مثله غالبا : فهنا إذا ادعوا على الجماعة أنهم اشتركوا فى ذلك فدعواهم مقبولة ويستحقون الدية . وسئل رحمه اللّه عما إذا قال المضروب: ما قاتلى إلا فلان: فهل يقبل قوله أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يؤخذ بمجرد قوله بلا نزاع؛ ولكن هل يكون قوله لوثا يحلف معه أولياء المقتول خمسين يمينا ويستحقون دم المحلوف عليه ؟ على قولين مذ كورين للعلماء: ((أحدهما )» أنه ليس بلوث، وهو مذهب الشافعى وأحمد وأبى حنيفة. و(( الثاني )» أنه لوث ، وهو قول مالك . وسئل رحمه اللّه عن رجلين شربا؛ وكان معهما رجل آخر ، فلما أرادوا أن يرجعوا إلى بیوتهم تكلما فضرب واحد صاحبه ضربة بالدبوس ، فوقع عن فرسه، فوقف ١٥١ عنده ذلك الرجل الذى معهما حتى ركب فرسه وجاء معه إلى منزله ؛ ولم يقف عنده، فوقع عن فرسه ثانية ، ثم إنه أصبح ميتا؛ فسأل رجل من أصحاب الميت ذلك الرجل خفية ؛ ولم يعلمه بموته ؛ فذكر له قضيتهما ، فشهد عليه الشهود بأن فلانا ضربه ولم يسمع الشهود من الميت ؛ وأن المتهوم لم يظهر نفسه خوف العقوبة ؛ لكى لا يقر على نفسه ، وللميت بنت ترضع ، وإخوة ؟ فأجاب : إن كان الذى شرب الخمر يعلم ما يقول فهذا إذا قتل فهو قاتل يجب عليه القود وعقوبة قاتل النفس باتفاق العلماء . وأما إن كان قد سكر بحيث لا يعلم ما يقول ، أو أكثر من ذلك ؛ وقتل : فهل يجب عليه القود، ويسلم إلى أولياء المقتول ليقتلوه إن شاءوا ؟ هذا فيه قولان للعلماء ، وفيه روايتان عن أحمد ؛ لكن أكثر الفقهاء من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وكثير من أصحاب أحمد يوجبون عليه القود؛ كما يوجبونه على الصاحى، فإن لم يشهد بالقتل إلا واحد لم يحكم به إلا أن يحلف مع ذلك أولياء المقتول خمسين يمينا ؛ وهذا إذا مات بضربه ، وكان ضربه عدوانا محضا ، فأما إن مات مع ضرب الآخر : ففى القود نزاع ، وكذلك إن ضربه دفعا لعدوانه عليه ، أو ضربه مثل ما ضربه ، سواءمات بسبب آخر أو غيره . والله أعلم . وسئل رحم الله عن رجل واعداً خر على قتل مسلم بمال معين، ثم قتله؛ فما يجب عليه فى الشرع ؟ ١٥٢ فأجاب: نعم إذا قتله الموعود والحالة هذه وجب القود، وأولياء المقتول بالخيار : إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية ، وإِن أحبوا عفوا وأما الواعد فيجب أن يعاقب عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا. وعند بعضهم يجب عليه القود . وسئل رحمه اللّه عن القاتل ولده عمداً لمن ديته ؟ فأجاب : وأما الوارث كالأب وغيره إذا قتل مورثه عمداً فإنه لا يرث شيئا من ماله ؛ ولا ديته باتفاق الأئمة ؛ بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل أبا كان أو غيره ، ويرثها سائر الورثة غير القاتل . وسئل رحمه الله عن رجل تخاصم مع شخص ، فراح إلى بيته ، فحصل له ضعف ، فلما قارب الوفاة أشهد على نفسه أن قاتله فلان فقيل له كيف قتلك؟ فلم يذكر شيئا . فهل يلزمه شيء، أم لا ؟ وليس بهذا المريض أثر قتل ولا ضرب أصلا وقد شهد خلق من العدول أنه لم يضربه ، ولا فعل به شيئا ؟ ١٥٣ فأجاب : أما بمجرد هذا القول فلا يلزمه شىء بإجماع المسلمين؛ بل إنما يجب على المدعى عليه المين بنفي ما ادعى عليه ، إما يمين واحدة عند أكثر العلماء : كأبى حنيفة ، وأحمد. وإما خمسون يمينا: كقول الشافعى. والعلماء قد تنازعوا فى الرجل إذا كان به أثر القتل - كجرح أو أثر ضرب - فقال فلان : ضربنى عمداً: هل يكون ذلك لوثا ؟ فقال أكثرم كأبي حنيفة والشافعى وأحمد : ليس بلوث ؛ وقال مالك : هو لوث ، فإذا حلف أولياء الدم خمسين يمينا حكم به . ولو كان القتل خطأً فلاقسامة فيه فى أصح الروايتين عن مالك . وهذه الصورة قيل : لم تكن خطأ ، فكيف وليس به أثر قتل ؛ وقد شهد الناس بما شهدوا به : فهذه الصورة ليس فيها قسامة بلا ريب على مذهب الأئمة . دسل عمن اتهم بقتيل : فهل يضرب ليقر ؟ أم لا ؟ فأجاب : إن كان هناك لوث وهو ما يغلب على الظن أنه قتله جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقون دمه ، وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلامع القرائن التى تدل على أنه قتله ، فإن بعض العلماء جوز تقريره بالضرب فى هذه الحال، وبعضهم منع من ذلك مطلقا . ١٥٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن أهل قريتين بينهما عداوة فى الاعتقاد ، وخاصم رجل آخر فى غنم ضاعت له ، وقال: مايكون عوض هذا إلا رقبتك . ثم وجد هذا مقتولا ، وأثر الدم أقرب إلى القرية التى منها المتهم ، وذكر رجل له قتله ؟ فأجاب : إذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا أن ذلك المخاصم هو الذى قتله حكم لهم بدمه ؛ وبراءة من سواه، فإنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثر الدم وغير ذلك لوث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذى قتله ، فإذا حلفوا مع ذلك أيمان القسامة الشرعية استحقوا دم المتهم ، وسلم إليهم برمته ، كما قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قضية الذى قتل بخيير ولم يجب على أهل البقعة جناية ؛ لا فى العادة السلطانية ، ولا فى حكم الشريعة . وسئل رحمه الله تعالى عن شخصين اتهما بقتيل ، فأمسكا، وعوقبا العقوبة المؤلمة ، فأقر أحدهما على نفسه وعلى رفيقه ، ولم يقر الآخر، ولا اعترف بشىء: فهل يقبل قوله ، أم لا ؟ ١٥٥ فأجاب : إن شهد شاهد مقبول على شخص أنه قتله كان لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا الدم. وكذلك إن كان هناك لوث يغلب على الظن الصدق ؛ وإلا حلف المدعى عليه ولا يؤاخذ بلا حجة . وسئل رحمه الله تعالى عمن اتهموا بقتيل فضربوهم ، واعترف واحد منهم بالعقوبة : فهل يسري على الباقى ؟ فأجاب : الحمدلله . إن أقر واحد عدل أنه قتله كان لوثا ، فلأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ، ويستحقوا به الدم. وأما إذا أقر مكرها ، ولم يتبين صدق إقراره: فهنا لا يترتب عليه حكم ، ولا يؤخذ هو به ولاغيره. والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن سفارة جاءتهم حرامية فقاتلوهم، فقتل الحرامية من السفارة رجلا ، ثم إن ابن عم المقتول اتبع الحرامية هو وناس من قومه، فلحقهم ، وقبضهم وسأل عن القاتل، فعين الحرامية شخصا منهم، وقالوا : هذا قتل ابن عمك: فقتله ؛ ثم بعد ذلك طلع القاتل أخا ذلك الشخص الذى عينه الحرامية ؟ ١٥٦ فأجاب : أما المسافر المقتول ظلما فيجب على من قتله من الحرامية القود بشروطه، وأما الشخص الثانى المقتول ظلما إذا كان معصوما فإن كان الدال عليه متعمدا الكذب فعليه القود ، وإن كان مخطئا وجبت الدية على عاقلته إن كان له عاقلة ؛ وإلا فعليه. وأما قاتله فإن لم يتعمد قتله؛ بل أخطأ فيه؛ فللورثة أن يطالبوا بالدية له ، أو لعاقلته ؛ لكنن إذا ضمن الدية رجع بها على الدال أو عاقلته ؛ فإنه هو الذى يضاف إليه القتل فى مثل هذا ؛ ولهذا يجب قتله إذا تعمد الكذب؛ كما يجب القتل على الشهود إذا رجعوا عن الشهادة وقالوا تعمدنا الكذب . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل قتل قتيلا؛ وله أب وأم، وقد وهبا للقاتل دم ولدهما، وكتبا عليه حجة أنه لا ينزل بلاده، ولا يسكن فيها ، ومتى سكن فى البلاد كان دم ولدهما على القاتل ، فإذا سكن: فهل يجوز لهم المطالبة بالدم ؛ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا عفوا عنه بهذا الشرط ولم يف بهذا الشرط لم يكن العفو لازما؛ بل لهم أن يطالبوه بالدية فى قول بعض العلماء، وبالدم فى قول آخر. وسواء قيل: هذا الشرط صحيح؛ أم فاسد . وسواء قيل : يفسد ء العقد بفساده، أولا يفسد ؛ فإن ذينك القولين مبنيان على هذه الأصول ١٥٧ وسئل رحمه الله تعالى عن صبي دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دية : مثل أن يكسر سنا، أو يفقأ عينا، ونحو ذلك؛ خطأ : فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دية الجناية من أبى الصبي وحده إن كان موسراً ؟ أم يطلبوها من عم الصبي أو ابن عمه ؟ فأجاب : الحمد لله . أما إذا فعل ذلك خطأ فديته على عاقلته بلا ريب ؛ كالبالغ وأولى. وان فعل عمدا فعمده خطأً عند الجمهور: كأبى حنيفة، ومالك وأحمد فى المشهور عنه ، والشافعى فى أحد قوليه . وفى القول الآخر عنه وعن أحمد أن عمده إذا كان غير بالغ فى ماله . وأما (( العاقلة)) التى تحمل: فهم عصبته: كالعم وبنيه، والاخوة وبنيهم باتفاق العلماء. وأما أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضا عند الجمهور : كأبي حنيفة، ومالك ، وأحمد فى أظهر الروايتين عنه. وفى الرواية الأخرى وهو قول الشافعى : أبوه وابنه ليسا من العاقلة . ١٥٨ والذى ((تحمله العاقلة)) بالاتفاق ما كان فوق ثلث الدية: مثل قلع العين فإنه يجب فيه نصف الدية . وأما دون الثلث: كدية السن : وهو نصف عشر الدية ، ودية الأصبع وهى عشر الدية : فهذا لا يحمله العاقلة فى مذهب مالك وأحمد ؛ بل هو فى ماله عند الشافعى . وعند أبى حنيفة لا يحمل ما دون دية السن والموضحة ، وهو المقدر كأرش الشجة التى دون الموضحة. وإذا وجب على الصبي شيء ولم يكن له مال حمله عنه أبوه فى إحدى الروايتين عن أحمد ، وروي ذلك عن ابن عباس . وفى الرواية الأخرى وهو قول الأكثرين : أنه فى ذمته؛ وليس على أبيه شىء . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل قال لزوجته: أسقطى ما فى بطنك والإثم على. فإذا فعلت هذا، وسمعت منه : فما يجب عليهما من الكفارة ؟ فأجاب : إن فعلت ذلك فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين وعليهما غرة عبد أو أمة لوارثه الذى لم يقتله ؛ لا للأب فإن الأب هو الآمر بقتله ، فلا يستحق شيئا . ١٥٩ وسئل رحم الله عن رجل عدل له جارية اعترف بوطئها بحضرة عدول ، وأنها حبلت منه، وأنه سأل بعض الناس عن أشياء تسقط الحمل ، وأنه ضرب الجارية ضربامبرحا على فؤادها فأسقطت عقيب ذلك ؛ وأن الجارية قالت: إنه كان يلطخ ذكره بالقطران ويطؤها حتى يسقطها ، وأنه أسقاها السم وغيره من الأشياء المسقطة مكرهة . فما يجب على مالك الجارية بما ذكر؟ وهل هذا مسقط لعدالته أم لا؟ فأجاب : الحمد لله : إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين ، وهو من الوأد الذى قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ * بِأَبِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ) وقد قال ( وَلَنَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ ) ولو قدر أن الشخص أسقط الحمل خطأ مثل أن يضرب المرأة خطأ فتسقط : فعليه غرة عبد أو أمة ؛ بنص النبي صلى الله عليه وسلم ، واتفاق الأئمة ، وتكون قيمة الغرة بقدر عشردية الأم عند جمهور العلماء : كمالك ، والشافعى ، وأحمد . كذلك عليه ((كفارة القتل)) عند جمهور الفقهاء، وهو المذكور فى قوله تعالى : (وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَىَ أَهْلِهِ. إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُواْ ) إلى قوله تعالى: ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ ١٦٠