النص المفهرس

صفحات 81-100

وكذلك لو كان الزوج مسافراً عنها مدة وهي مقيمة فى بيت أبيها
وادعت أنه لم يترك لها نفقة ، ولا أرسل إليها بنفقة : فالقول قولها مع يمينها
وأمثال ذلك . فلا بد من التفصيل فى الماضى مطلقا فى هذا الباب .
وهذه المعانى من تدبرها تبين له سر هذه المسئلة ، فإن قبول قول النساء
فى عدم النفقة فى الماضى فيه من الضرر والفساد . مالا يحصيه إلا رب العباد.
وهو يؤول إلى أن المرأة تقيم مع الزوج خمسين سنة ، ثم تدعى نفقة خمسين
سنة وكسوتها ، وتدعى أن زوجها مع يساره وفقرها لم يطعمها فى هذه المدة
شيئا ، وهذا مما يتبين الناس كذبها فيه قطعا ، وشريعة الإسلام منزهة عن
أن يحكم فيها بالكذب والبهتان ؛ والظلم والعدوان .
((الوجه الخامس)) أن الأصل المستقر فى الشريعة أن المين مشروعة
فى جنبة أقوى المتداعيين ؛ سواء ترجح ذلك بالبراءة الأصلية؛ أو اليد
الحسية ، أو العادة العملية ، ولهذا إذا ترجح جانب المدعى كانت المين
مشروعة فى حقه عند الجمهور كمالك والشافعى وأحمد ؛ كالأمان فى القسامة ،
وكما لو أقام شاهدا عدلا فى الأموال فإنه يحكم له بشاهد ويمين، والنبي
صلى الله عليه وسلم جعل البيئة على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعى حجة ترجح
جانبه ؛ ولهذا قال جمهور العلماء فى الزوجين إذا تنازعا فى متاع البيت فإنه
يحكم لكل منهما ماجرت العادة باستعماله إياه ، فيحكم للمرأة بمتاع النساء
٨١

وللرجل بمتاع الرجال ؛ وإن كانت اليد الحسية منهما ثابتة على هذا وهذا ،
لأنه يعلم بالعادة أن كلا منهما يتصرف فى متاع جنسه . وهنا العادة جارية
بأن الرجل ينفق على امرأته ويكسوها فإن لم يعلم لها جهة تنفق منها على
نفسها أجري الأمر على العادة :
((الوجه السادس)) أن هذه المرأة لابد أن تكون أكلت وا كتست
فى الزمان الماضي ، وذلك إما أن يكون من الزوج ، وإما أن يكون
من غيره . والأصل عدم غيره ، فيكون منه ، كما قلنا فى أصح الوجهين :
إن القول قوله فى أنه علمها الصناعة والقراءة التى أصدقها تعليمها؛ لأن الحكمـ
الحادث يضاف إلى السبب المعلوم ؛ كما لو سقط فى الماء نجاسة فرؤى متغيرا
بعد ذلك ، وشك هل تغير بالنجاسة أو غيرها ؟ فأصح الوجهين أنه يضاف
التغير إلى النجاسة . ويدل على ذلك ما ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله
عليه وسلم أفتى عدي بن حاتم فيما إذا رمى الصيد وغاب عنه ولم يجد فيه أثراً غير
سهمه أنه يأكله ؛ لأن الأصل عدم سبب آخر زهقت به نفسه ،
بخلاف ما إذا تردى فى ماء ، أو خالط كلبه كلاب أخرى ، فإن تلك
الأسباب شاركت فى الزهوق. وبسط هذه المسائل له موضع آخر
غير هذا .
٨٢

فصل
وأما تقدير الحاكم النفقة والكسوة ، فهذا يكون عند التنازع فيها
كما يقدر مهر المثل إذا تنازعا فيه ، وكما يقدر مقدار الوطء إذا ادعت المرأة
أنه يضربها ؛ فإن الحقوق التى لا يعلم مقدارها إلا بالمعروف متى تنازع فيها
الخصمان قدرها ولي الأمر . وأما الرجل إذا كان ينفق على امرأته بالمعروف
كما جرت عادة مثله لمثلها: فهذا يكفى، ولا يحتاج إلى تقدير الحاكم.
ولو طلبت المرأة أن يفرض لها نفقة يسلمها إليها مع العلم بأنه ينفق عليها
بالمعروف فالصحيح من قولي العلماء فى هذه الصورة أنه لا يفرض لها نفقة ،
ولا يجب مليكها ذلك ، كما تقدم ؛ فإن هذا هو الذي يدل عليه الكتاب
والسنة والاعتبار المبني على العدل . والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء
أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف ، وليست مقدرة بالشرع ؛ بل تختلف
باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال الزوجين وعادتهما ؛ فإن الله تعالى قال
:( وَعَاشِرُ وهُنَّ بِلْمَعْرُوفِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف)) وقال: ((لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)).
٨٣

وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه
فى قول الله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ)
(وَبُعُولَئُهُنَّأَحَقُّ بِهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ
إلى قوله :
إلى قوله تعالى: ( الطََّقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ
بِالْغُرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ )
يِمَعْرُوفٍ أَوْتَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ ).
فجعل المباح أحد أمرين:
إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخبر أن الرجال ليسوا أحق بالرد
إلا إذا أرادوا إصلاحا؛ وجعل لهن مثل الذى عليهن بالمعروف ، وقال تعالى:
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ )
وقال تعالى فى الآية الأخرى :
(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ ) وقال تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْبَيْنَهُمْ
وقوله هنا: ( بِلْمَعْرُوفِ ). يدل على أن المرأة
ء
بِالْمَعْرُوفِ )
لورضيت بغير المعروف لكان للأولياء العضل، والمعروف تزويج الكف .
وقد يستدل به من يقول: مهر مثلها من المعروف ؛ فإن المعروف هو الذى
يعرفه أولئك. وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ
إلى قوله :
النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ)
(وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فقد ذكر أن التراضي بالمعروف، والإمساك
٨٤

بالمعروف؛ التسريح بالمعروف ، والمعاشرة بالمعروف ، وأن لهن وعليهن
بالمعروف كما قال: (وَعَ الْمَلُودِلَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ) فهذا المذكور
فى القرآن هو الواجب العدل فى جميع ما يتعلق بالنكاح من أمور النكاح
وحقوق الزوجين ؛ فكما أن ما يجب للمرأة عليه من الرزق والكسوة هو
بالمعروف ؛ وهو العرف الذى يعرفه الناس فى حالهما نوعا وقدراً وصفة ، وإن
كان ذلك يتنوع بتنوع حالهما من اليسار والإعسار، والزمان كالشتاء والصيف
والليل والنهار ؛ والمكان فيطعمها فى كل بلد مماهو عادة أهل البلد وهو
العرف بينهم . وكذلك ما يجب لها عليه من المتعة والعشرة ، فعليه أن
يبيت عندها ، ويطأها بالمعروف . ويختلف ذلك باختلاف حالها وحاله .
وهذا أصح القولين فى الوطء الواجب أنه مقدر بالمعروف ؛ لا بتقدير
من الشرع ، قررته فى غير هذا الموضع .
والمثال المشهور هو ((النفقة)) فإنها مقدرة بالمعروف تتنوع بتنوع
حال الزوجين عند جمهور المسلمين . ومنهم من قال : هى مقدرة بالشرع
نوعا وقدرا : مدا من حنطة، أو مدا ونصفا ، أو مدين ؛ قياسا على الاطعام
الواجب فى الكفارة على أصل القياس
والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علما وعملا قديما وحديثا ؛
فإن القرآن قددل على ذلك ، وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم
٨٥

أنه قال لهند امرأة أبى سفيان لماقالت له يارسول الله! إن أباسفيان
رجل شحيح وإنه لا يعطينى ما يكفينى وولدي . فقال النى صلى الله عليه
وسلم: (( خذى مايكفيك وولدك بالمعروف)) فأمرها أن تأخذ الكفاية
بالمعروف ، ولم يقدر لها نوعا ولا قدرا ، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره
لبين لها القدر والنوع، كما بين فرائض الزكاة والديات. وفى صحيح مسلم
عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى خطبته العظيمة بعرفات: ((لهن
عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)).
وإذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف فمعلوم أن الكفاية بالمعروف
تتنوع بحالة الزوجة فى حاجتها ، ويتنوع الزمان والمكان ، ويتنوع
حال الزوج فى يساره وإعساره ، وليست كسوة القصيرة الضئيلة
ككسوة الطويلة الجسيمة ، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف،
ولا كفاية طعامه كطعامه ، ولاطعام البلاد الحارة كالباردة ، ولا المعروف
فى بلاد التمر والشعير . كالمعروف فى بلاد الفاكهة والخمير . وفى مسند
الإمام أحمد وسنن أبى داود وابن ماجه عن حكيم بن معاوية النميرى
عن أبيه أنه قال: قلت يارسول الله ماحق زوجة أحدنا عليه؟ قال: ((تطعمها
إذا أكلت ، وتكسوها إذا اكتسيت ؛ ولا تضرب الوجه ؛ ولا تقبح؛
ولا تهجر إلا فى البيت.))
فهذه ثلاثة أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ أن الزوجة مرة
أن تأخذ كفاية ولدها بالمعروف، وقال فى الخطبة التى خطبها يوم أكمل الله
٨٦

الدين فى أكبر مجمع كان له فى الإسلام: ((لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))
وقال للسائل المستفتى له عن حق الزوجة: (( تطعمها إذا أكلت، وتكسوها
إذا اكتسيت)) لم يأمر فى شىء من ذلك بقدر معين؛ لكن قيد ذلك
بالمعروف تارة، وبالمواساة بالزوج أخرى .
وهكذا قال فى نفقة الماليك ؛ ففى الصحيحين عن أبى ذر عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: (( هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم
فمن كان أخوه تحت يده ، فليطعمه مما يأكل ؛ وليلبسه مما يلبس؛
ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوم)) وفى صحيح مسلم عن أبى
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( للمملوك طعامه وكسوته ،
ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق))
ففى الزوجة والمملوك أمره واحد: تارة يذكر أنه يجب الرزق والكسوة
بالمعروف . وتارة يأمر بمواساتهم بالنفس. فمن العلماء من جعل المعروف هو
الواجب ، والمواساة مستحبة. وقد يقال أحدهما تفسير للآخر . وعلى هذا
فالواجب هو الرزق والكسوة بالمعروف فى النوع ، والقدر ، وصفة الإنفاق.
وإن كان العلماء قد تنازعوا فى ذلك .
أما ((النوع)) فلا يتعين أن يعطيها مكيلا كالبرولا موزونا كالخبز، ولا ثمن ذلك
كالدرام ؛ بل يرجع فى ذلك إلى العرف . فإذا أعطاها كفايتها بالمعروف مثل
أن يكون عادتهم أكل التمر والشعير فيعطيها ذلك.
٨٧

أو يكون أكل الخبز والإدام فيعطيها ذلك . وإن كان عادتهم أن
يعطيها حباًفتطحنه فى البيت فعل ذلك . وإن كان يطحن فى الطاحون ويخبز فى
البيت فعل ذلك . وإن كان يخبز فى البيت فعل ذلك . وإن كان يشترىخبزا
من السوق فعل ذلك . وكذلك الطبيخ ونحوه فعلى ماهو المعروف ، فلا
يتعين عليه درام ، ولاحبات أصلا ؛ لابشرع ، ولا بفرض ؛ فإن
تعين ذلك دائما من المنكر ليس من المعروف ، وهو مضر به تارة
وبها أخرى .
وكذلك ((القدر)) لا يتعين مقدار مطرد؛ بل تتنوع المقادير
بتنوع الأوقات .
وأما ((الإنفاق)) فقد قيل: إن الواجب تمليكها النفقة، والكسوة.
وقيل : لا يجب التمليك . وهو الصواب ؛ فإن ذلك ليس هو المعروف؛
بل عرف النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى يومنا هذا أن الرجل يأتى بالطعام
إلى منزله ، فيأكل هو وامر أته ومملوكه : تارة جميعا. وتارة أفرادا .
ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه ، ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم
دراهم تتصرف فيها تصرف المالك ؛ بل من عاشر امرأة بمثل هذا الفرض كانا
عند المسلمين قد تعاشرا بغير المعروف وتضارا فى العشرة؛ وإنما يفعل أحدهما
ذلك بصاحبه عند الضرر ؛ لاعند العشرة بالمعروف .
٨٨

وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب فى الزوجة مثل ما أوجب فى
المملوك. تارة قال: ((لمن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)» كما قال فى المملوك.
وتارة قال: ((تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت ((كما قال فى المملوك.
وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته ، فعلم أن هذا الكلام
لا يقتضى إيجاب التمليك . وإذا تنازع الزوجان فتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها
إذا أكل ويكسوها إذا اكتسى وذلك هو المعروف لمثلها فى بلدها فلا حق
لها سوى ذلك. وإن أنكرت ذلك أمره الحاكم أن ينفق بالمعروف ؛ بل ولاله
أن يأمر بدرام مقدرة مطلقا، أوحب مقدر مطلقا ؛ لكن يذكر المعروف
الذى يليق بهما .
فصل
وكذلك ((قسم الابتداء والوطء والعشرة والمتعة)) واجبان، كما قد
قررناه بأكثر من عشرة أدلة، ومن شك فى وجوب ذلك فقد أبعد تأمل الأدلة
الشرعية والسياسة الإنسانية . ثم الواجب قيل مبيت ليلة من أربع ليال ،
والوطء فى كل أربعة أشهر مرة، كما ثبت ذلك فى المولى والمتزوج أربعا .
وقيل : إن الواجب وطؤها بالمعروف ، فيقل ويكثر بحسب حاجتها
وقدرته ، كالقوت سواء .
فصل
وكذلك ما عليها من موافقته فى المسكن وعشرته ومطاوعته فى المتعة ،
فإن ذلك واجب عليها بالاتفاق . عليها أن تسكن معه فى أي بلد أو دار إذا
٨٩

كان ذلك بالمعروف ولم تشترط خلافه ؛ وعليها أن لا تفارق ذلك بغير أمره
إلا لموجب شرعي ، فلا تنتقل ، ولا تسافر ، ولا تخرج من منزله لغير
حاجة إلا بإذنه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((فإنهن عوان عندكم))
بمنزلة العبد والأسير، وعليها تمكينه من الاستمتاع بها إذا طلب ذلك، وذلك
كله بالمعروف غير المنكر ؛ فليس له أن يستمتع استمتاعا يضربها ،
ولا يسكنها مسكنا يضربها ، ولا يحبسها حبسا يضر بها .
فصل
وتنازع العلماء : هل عليها أن تخدمه فى مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام
والشراب والخبز ، والطحن ، والطعام لماليكه ، وبها ئمه : مثل علف دابته
ونحو ذلك ؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف
قول من قال : لا تجب عليه العشرة والوطء ؛ فإن هذا ليس معاشرة له
بالمعروف ؛ بل الصاحب فى السفر الذى هو نظير الإنسان وصاحبه فى
المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف . وقيل - وهو
الصواب - وجوب الخدمة ؛ فإن الزوج سيدها فى كتاب الله ؛ وهي
عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وعلى العانى والعبد الخدمة ؛
ولأن ذلك هو المعروف . ثم من هؤلاء من قال : تجب الخدمة اليسيرة .
ومنهم من قال : تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعلها أن تخدمه
٩٠

الخدمة المعروفة من مثلها لمثله ، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال : خدمة البدوية
ليست نكدمة القروية ، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة .
فصل
والمعروف فيما له ولها هو موجب العقد المطلق ؛ فإن العقد المطلق
يرجع فى موجبه إلى العرف ، كما يوجب العقد المطلق فى البيع النقد المعروف
فإن شرط أحدهما على صاحبه شرطا لا يحرم حلالا ولا يحلل حراما فالمسلمون
عند شروطهم ؛ فإن موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة . ومن العرف تارة
أخرى ؛ لكن كلاهما مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله ، فإن لكل من العاقدين
أن يوجب للآخر على نفسه مالم يمنعه الله من إيجابه، ولا يمنعه أن يوجب فى
المعاوضة ما يباح بذله بلا عوض : كمارية البضع ؛ والولاء لغير المعتق ؛
فلا سبيل إلى أن يجب بالشرط ، فإنه إذا حرم بذله كيف يجب بالشرط ؟!
فهذه أصول جامعة مع اختصار . والله أعلم .
وسُل
عن رجل متزوج بامرأة ، وسافر عنها سنة كاملة ؛ ولم يترك عندها
شيئا ، ولا لها شيء تنفقه علها، وهلكت من الجوع ، فحضر من يخطبها
٩١

ودخل بها ، وحملت منه ، فعلم الحاكم أن الزوج الأول موجود ففرق بينهما
ووضعت الحمل من الزوج الثانى؛ والزوج الثانى ينفق عليها إلى أن صار عمر
المولود أربع سنين ، ولم يحضر الزوج الأول ، ولا عرف له مكان : فهل
لها أن تراجع الزوج الثانى؟ أو تنتظر الأول .
فأجاب : إذا تعذرت النفقة من جهته فلها فسخ النكاح ، فإذا انقضت
عدتها تزوجت بغيره . والفسخ للحاكم؛ فإذا فسخت هي نفسها لتعذر
فسخ الحاكم أو غيره : ففيه نزاع . وأما إذا لم يفسخ الحاكم بل شهد لها
أنه قدمات ، وتزوجت لأجل ذلك ، ولم يمت الزوج : فالنكاح باطل ؛
لكن إذا اعتقد الزوج الثانى أنه صحيح لظنه موت الزوج الأول وانفساخ
النكاح أو نحو ذلك فإنه يلحق به النسب ؛ وعليه المهر ، ولا حد عليه؛
لكن تعتدله حتى تنقضي عدتها منه ، ثم بعد ذلك ينفسخ نكاح الأول إن
أمكن ، وتتزوج بمن شاءت .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل زوج ابنته لرجل ، وأراد الزوج السفر إلى بلاده، فقال له
وكيل الأب فى قبول النكاح : لا تسافر إما أن تعطي الحال من الصداق
وتنتقل بالزوجة ، أو ترضي الأب فسافر ولم يجب إلى ذلك ، وهو غائب
٩٢

عن الزوجة المذكورة مدة سنة ، ولم يصل منه نفقة : فهل لوالد الزوجة أن
يطلب فسخ النكاح
فأجاب : نعم! إذا عرضت المرأة عليه فبذل له تسليمها ؛ وهي ممن
بوطاً مثلها وجب عليه النفقة بذلك ؛ فإذا تعذرت النفقة من جهته كان للزوجة
المطالبة بالفسخ؛ إذا كان محجوراً عليها على وجهين .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل تبرع وفرض لأمه على نفسه وهى صحيحة عاقلة فى كل يوم
درهمين ، وأذن لها أن تستدين وتنفق عليها وترجع عليه ، وبقيت مقيمة
عنده مدة ولم تستدن لها نفقة، ثم توفيت ولم تترك علها دينا ، وخلفت
من الورثة ابنها هذا ، وبنتين . ثم توفي ابنها بعدها : فهل يصير
ما فرض على نفسه دينا فى ذمته يؤخذ من تركته، ويقسم على ورثتها ،
أم لا؟ وهل إذا حكم حاكم مع قولكم النفقة تسقط بمضي المدة : هل ينفذ
حكمه، أم لا ؟ وهل يجب استرجاع ما أخذ ورثتها من تركه ولدها بهذا
الوجه ، أم لا ؟
فأجاب : الحمد الله رب العالمين. ليس ذاك دينا لها فى ذمته ، ولا يقضي
من تركته، والمستحقة ورثتها ، وما علمت أن أحدا من العلماء قال إن نفقة
٩٣

القريب تثبت فى الذمة لما مضى من الزمان ؛ إلا إذا كان قد استدان عليه
النفقة بإذن حاكم، أو أنفق بغير إذن حاكم غير متبرع ، وطلب الرجوع بما أنفق:
فهذا فى رجوعه خلاف . فأما استقرارها فى الذمة بمجرد الفرض - إما بإنفاق
متبرع ، أو بكسبه ، كما يقال مثله فى نفقة الزوجة - فما علمت له قائلا ،
فإذا كان الحكم مخالفا للاجماع لم يلزم بحكم حاكم، ولمن أخذ منه المال بغيرحق
أن يرجع بما أخذه . ومذهب أبي حنيفة تسقط بمضي الزمان ؛ وإن قضى بها
القاضى ؛ إلا أن يأذن القاضى فى الاستدانة ؛ لأن للقاضى ولاية عامة ، فصار كإذن
الغائب. وذكر بعضهم فى قضاء القاضى هل يصير به دينا ؟ روايتين ؛ لكن
حملوا رواية الوجوب على ما إذا أمر بالاستدانة والإنفاق عليهم ، ويرجع بذلك
وكذا إذا كان الزوج موسرا وتمرد وامتنع عن الإنفاق فطلبت المرأة أن يأمرها
بالاستدانة فأمرها القاضى بذلك وترجع عليه ؛ لأن أمر القاضى كأمره، ولوقضى
القاضى لها بالنفقة فأمرها بالاستدانة على الزوج ؛ لئلا يبطل حقها فى النفقة بموت
أحدهما ؛ لأن النفقة تسقط بموت أحدهما ، فكانت فائدة الأمر بالاستدانة
لتأكيد حقها فى النفقة؛ لأن القاضى مأمور بإيصال الحق إلى المستحق ، وهذه
طريقة. لكن لوأمر القريب بالاستدانة ولم يستدن؛ بل استغنى بنفقة متبرع ؛
أو بكسب له: فقد فهم القاضى شمس الدين أن النفقة تستقر فى الذمة بهذه الصورة
لإطلاقهم الأمر بالاستدانة من غير اشتراط وجود الاستدانة وغيره ، إنما فهم
أن الاستدانة لأجل وجود الاستدانة. وأما الإذن فى الاستدانة من غير
وجودها لا يصير المأذون فيه ديناحتى يستدان .
٩٤

وسئل رحمد الله تعالى
عن امرأة توفيت ، وخلفت من الورثة ولدا ذكرا ، وقد ادعى على
أبيه بالصداق والكسوة : فهل يلزم الزوج الكسوة الماضية قبل موتها
والابن محتاج ؟
فأجاب : إذا كان الأمر على ماذكر فعلى الأب أن يوفيه ما يستحقه ؛
بل لو لم يكن للابن ميراث ، وكان محتاجا عاجزا عن الكسوة : فعلى
الأب إذا كان موسرا أن ينفق عليه ، وعلى زوجته وأولاده الصغار المحتاجين
والعاجزين عن الكسب .
وسئل رحم الله
عن رجل تزوج بامرأة ودخل بها ، وهو مستمر النفقة ، وهى ناشز،
ثم إن والدها أخذها وسافر من غير إذن الزوج : فماذا يجب عليهما ؟
فأجاب : الحمدلله . إذا سافر بها بغير إذن الزوج فإنه يعزر على ذلك
وتعزر الزوجة إذا كان التخلف يمكنها، ولا نفقة لها من حين سافرت. والله أعلم
٩٥

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل تزوج عند قوم مدة سنة ، ثم جرى بينهم كلام ، فادعوا عليه
بكسوة سنة ، فأخذوها منه ، ثم ادعوا عليه بالنفقة ، وقالوا : هي بحت
الحجر ؛ وما أذنا لك أن تنفق عليها : فهل يجوز ذلك ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إذا كان الزوج تسلمها التسليم الشرعي
وهو أو أبوه أو نحوهما يطعمها كما جرت به العادة: لم يكن للأب ولالها
أن تدعى بالنفقة ؛ فإن هذا هو الإنفاق بالمعروف الذى كان على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر المسلمين فى كل عصر ومصر، وكذلك
نص على ذلك أئمة العلماء؛ بل من كلف الزوج أن يسلم إلى أبيها درام ليشتري
لها بهاما يطعمها فى كل يوم فقد خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمين؛ وإن [ كان] هذا قد قاله بعض الناس. فكيف إذا كان قد أنفق عليها
بإقرار الأب لها بذلك ، وتسليمها إليهم ؛ مع أنه لابدلها من الأكل ؛ ثم
أراد أن يطلب النفقة ؛ ولا يعتد بما انفقوا عليها ؛ فإن هذا باطل فى الشريعة
لا تحتمله أصلا. ومن يوهم ذلك معتقدا أن النفقة حق لها كالدين ، فلابد أن يقبضه
الولي، وهو لم يأذن فيه : كان مخطئا من وجوه
٩٦

((منها)) أن المقصود بالنفقة إطعامها؛ لاحفظ المال لها. ((الثانى))
أن قبض الولي لها ليس فيه فائدة: ((الثالث)) أن ذلك لا يحتاج إلى إذنه ؛
فإنه واجب لها بالشرع ، والشارع أوجب الإنفاق عليها ، فلو نهى الولى عن
ذلك لم يلتفت إليه. ((الرابع)) إقراره لها مع حاجته إلى النفقة إذن عرفي
ولا يقال: إنه لم يأمن الزوج على النفقة؛ لوجهين: ((إحداهما)) أن الائتمان
بها حصل بالشرع، كما اؤتمن الزوج على بدنها ، والقسم لها ، وغير ذلك
من حقوقها ؛ فإن الرجال قوامون على النساء، والنساء عوان عند الرجال ،
كما دل على ذلك الكتاب والسنة. ((الثانى)) أن الائتمان العرفى
كاللفظى . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل حبسته زوجته على كسوتها وصداقها ، وبقي مدة : فهل لها
أن تطالبه بنفقتها مدة إقامته فى حبسها ، أم لا ؟
فأجاب : إن كان معسرا خميسته كانت ظالمة له ، مانعة له من المكن منها:
فلا تستحق عليه فى تلك المدة نفقة . وإن كان لها حق واجب حال ، وهو
قادر على أدائه فمنعه بعد الطلب الشرعى كان ظالما ، فإذا كانت مع هذاباذلة
ما [ يجب عليها ] وجبت لها النفقة .
٩٧

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل له زوجة ، وله مدة سبع سنين لم ينتفع بها ؛ لأجل مرضها :
فهل تستحق عليه نفقة ، أم لا ؟ فإن لم تكن تستحق وحكم عليه حاكم :
فهل يجب عليه إعطاؤها أم لا ؟
فأجاب : نعم . تستحق النفقة فى مذهب الأئمة الأربعة .
وسئل رحم اللّه
عن رجل طلق زوجته طلقة واحدة ، وكانت حاملا فأسقطت : فهل
تسقط عنه النفقة ، أم لا ؟
فأجاب : نعم . إذا ألقت سقطا انقضت به العدة ، وسقطت به النفقة
وسواء كان قد نفخ فيه الروح أم لا ، إذا كان قد تبين فيه خلق الإنسان ؛ فإن
لم يتبين ففيه نزاع .
٩٨

وسئل رحمه اللّه
عن رجل طلق زوجته ثلاثا ، وألزمها بوفاء العدة فى مكانها . خرجت
منه قبل أن توفي العدة ، وطلبها الزوج ماوجدها : فهل لها نفقة العدة .
فأجاب : لا نفقة لها ؛ وليس لها أن تطالب بنفقة الماضي فى مثل هذه
العدة فى المذاهب الأربعة . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل ماتت زوجته ، وخلفت له ثلاث بنات : فأعطاه لحميه وحماته
وقال : روحوا بهم إلى بلد كم ، حتى أجىء إليهم ؛ فغاب عنهم ثلاث سنين
فهل على والدم نفقتهم وكسوتهم فى هذه المدة أم لا ؟
فأجاب : ما أنفقوه عليهم بالمعروف بنية الرجوع به على والدم فلهم
الرجوع به عليه، إذا كان ممن تلزمه نفقتهم . والله أعلم .
٩٩

وسئل رحمه اللّه
عن رجل وطئ أجنبية حملت منه ، ثم بعد ذلك تزوج بها : فهل يجب
عليه فرض الولد فى تربيته ، أم لا؟
فأجاب : الولد ولدزنا ؛ لا يلحقه نسبه عند الأئمة الأربعة ؛ ولكن لابد
أن ينفق عليه المسلمون؛ فإنه يتيم من اليتامى، ونفقة اليتامى على المسلمين مؤكدة .
ـلم .
والله أعـ
وسئل رحمه الله
عن رجل متزوج بامرأة، ولها ولد من غيره ، وله فرض على أبيه تتناوله
أمه ، والزوج يقوم بالصبى بكلفته ومؤنته مدة سنين، وحين تزوج الرجل
كان من الصداق خمسة دنانير حالة ، فشارطته على أنها لا تطالبه بها إذا كان ينفق
على الولد مادام الصبى عنده ؛ ولم تعين له كلفة ، ولا نفقة : فهل له مطالبة أم
الصبى بكلفة مدة مقامه عنده ؟
١٠٠