النص المفهرس
صفحات 41-60
النسب ، فلا يجوز أن يقال : تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة ، فتبقي أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة، أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب : لانظير لها من الولادة ، فلا تحرم . وهذا متفق عليه بين المسلمين. والله أعلم وسئل رحمه اللّه تعالى عن طفل ارتضع من امرأة مع ولدها رضعة أو بعض رضعة ، ثم تزوجت برجل آخر فرزقت منه ابنة : فهل يحل للطفل المر تضع تزويج الإبنة على هذه الصورة ، أم لا؟ ومادليل مالك - رحمه الله - وأبى حنيفة فى أن ((المصة الواحدة)) أو ((الرضعة الواحدة)) تحرم؛ مع ماورد من الأحاديث التى خرجها مسلم فى صحيحه: منها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحرم المصة ولا المصتان)) ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان)) ومنها (( أن رجلا من بنى عامر بن صعصعة قال يارسول الله ! هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال: لا)) ومنها عن عائشة رضى الله عنها: أنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحر من نسخت بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن)) وماحجتهما مع هذه الأحاديث الصحيحة . ٤١ فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع مشهور فى مذهب الشافعى . وأحمد فى المشهور عنه لا يحرم إلا خمس رضعات ؛ لحديث عائشة المذكور، وحديث سالم مولى أبي حذيفة لما ((أمر النبى صلى الله عليه وسلم امرأة أبى حذيفة ابن عتبة بن أبى ربيعة أن ترضعه خمس رضعات)) وهو فى الصحيح أيضا ، فيكون مادون ذلك لم يحرم ، فيحتاج إلى خمس رضعات . وقيل يحرم الثلاث فصاعدا، وهو قول ((طائفة)) منهم أبو ثور وغيره وهو رواية عن أحمد. واحتجوا بما فى الصحيح: ((لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان)» قالوا : مفهومه أن الثلاث تحرم ، ولم يحتج هؤلاء بحديث عائشة. قالوا: لأنه لم يثبت أنه قرآن إلا بالتواتر ، وليس هذا بمتواتر . فقال لهم الأولون : معنا حديثان صحيحان مثبتان . أحدهما يتضمن شيئين حكما، وكونه قرآنًا. فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة . وأما مافيه من كونه قرآنا فهذا لم تثبته ، ولم نتصور أن ذلك قرآن؛ إنما نسخ رسمه وبقي حكمه . فقال أولئك : هذا تناقض ، وقراءة شاذة عند الشافعى ؛ فإن عنده أن القراءة الشاذة لا يجوز الاستدلال بها ؛ لأنها لم تثبت بالتواتر ، كقراءة ٤٢ ابن مسعود: ( فصيام ثلاثة أيام متابعات ) . وأجابوا عن ذلك بجوابين: (أحدهما)) أن هذا فيه حديث آخر صميح وأيضا فلم يثبت أنه بقي قرآناً لكن بقي حكمه. و((الثاني)) أن هذا الأصل لا يقول به أكثر العلماء؛ بل مذهب أبى حنيفة ؛ بل ذكر ابن عبد البر إجماع العلماء على أن القراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن الصحابة فإنه يجوز الاستدلال بها فى الأحكام . و ((القول الثاني)) فى المسألة انّه يحرم قليله و کثیره، كما هومذهب أبى حنيفة ومالك ، وهى رواية ضعيفة عن أحمد. وهؤلاء احتجوا بظاهر قوله: (وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ) وقال اسم ((الرضاعة)) فى القرآن مطلق. وأما الأحاديث فمنهم من لم تبلغه . ومنهم من اعتقد أنها ضعيفة. ومنهم من ظن أنها تخالف ظاهر القرآن، واعتقد انه لا يجوز تخصيص عموم القرآن وتقييد مطلقه بأخبار الآحاد . فقال ((الأولون)): هذه أخبار صحيحة ثابتة عند أهل العلم بالحديث، وكونها لم تبلغ بعض السلف لا يوجب ذلك ترك العمل بها عند من يعلم صحتها. وأما القرآن فإنه يحتمل أن يقال: فكما أنه قد على بدليل آخر أن الرضاعة مقيدة بسن مخصوص، فكذلك يعلم أنها مقيدة بقدر مخصوص. وهذا كما أنه على بالسنة مقدار الفدية فى قوله : ( فَفِذْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنٍُ ) وإن كان الخبر المروي خبرا واحدا ؛ بل كما ثبت بالسنة (( أنه لا تنكح المرأة على عمتها ٤٣ ولا تنكح المرأة على خالتها)» وهو خبر واحد بظاهر القرآن؛ واتفق الأمة على العمل به . وكذلك فسر بالسنة المتواترة وغير المتواترة بحمل قوله خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا). وفسر بالسنة المتواترة أمور من العبادات والكفارات ، والحدود : ماهو مطلق من القرآن . فالسنة تفسر القران وتبينه ، وتدل عليه وتعبر عنه . والتقييد ((بالخمس)) له أصول كثيرة فى الشريعة ؛ فإن الإسلام بني على خمس ، والصلوات المفروضات خمس ، وليس فيمادون خمس صدقة ، والأوقاص بين النصب خمس أو عشر ، أو خمس عشرة ، وأنواع البر خمس، كما قال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِنَ ) وقال فى الكفر: (وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِوَمَلَكَتِهِ،وَكُنُبِهِ، وأولو العزم ؛ وأمثال ذلك بقدر الرضاع وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ ) المحرم ليس بغريب فى أصول الشريعة . والرضاع إذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشز العظم فيصير نباته به كنباته من الأبوين ؛ وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ؛ ولهذا لم يحرم رضاع الكبير ؛ لأنه بمنزلة الطعام والشراب . والرضعة والرضعتان ليس لها تأثير كما أنه قد يسقط اعتبارها كما يسقط اعتبار مادون نصاب السرقة حتى لا تقطع الأيدى بشىء من التافه ؛ واعتباره فى نصاب الزكاة فلا يجب فيها شيء إذا كان أقل . ولابد من حد فاصل . فهذا هو ٤٤ التنبيه على مأخذ الأمة فى هذه المسألة. وبسط الكلام فيها يحتاج إلى ورقة أكبر من هذه ؛ وهي من أشهر مسائل النزاع . والتزاع فيها من زمان الصحابة ، والصحابة رضى الله عنهم تنازعوا فى هذه المسألة والتابعون بعدهم . وأما إذا شك : هل دخل اللبن فى جوف الصبى ، أو لم يحصل ؟ فهنا لا يحكم بالتحريم بلا ريب . وإن علم أنه حصل فى فمه ، فإن حصول اللبن فى الفم لا ينشر الحرمة باتفاق المسلمين . وسئل رحمه الله تعالى عن أختين ولهما بنات وبنين ، فإذا أرضع الأختان : هذه بنات هذه ، وهذه بنات هذه : فهل يحرمن على البنين ، أم لا ؟ فأجاب : إذا أرضعت المرأة الطفلة خمس رضعات فى الحولين صارت بنتا لها ، فصار جميع أولاد المرضعة إخوة لهذه المرتضعة: ذكورم؛ وإناتهم من ولد قبل الرضاع ، ومن ولد بعده . فلا يجوز لأحد من أولاد المرضعة أن يتزوج المرتضعة ؛ بل يجوز لإخوة المرتضعة أن يتزوجوا بأولاد المرضعة الذين لم يرتضعوا من أمهن . فالتحريم إنما هو على المرتضعة ؛ لا على ٤٥ إخوتها الذين لم يرتضعوا . فيجوز أن يتزوج أخت أخته إذا كان هو لم يرتضع من أمها وهى لم ترضع من أمه . وأما هذه المرتضعة فلا تتزوج واحداً من أولاد من أرضعتها . وهذا باتفاق الأئمة . وأصل هذا أن المرتضعة تصير المرضعة أمها ، فيحرم عليها أولادها ، وتصير إخوتها وأخواتها وأخوالها وخالاتها ، ويصير الرجل الذي له اللبن أباها ، وأولاده من تلك المرأة وغيرها إخوتها ، وإخوة الرجل أعمامها وعماتها ، ويصير المرتضع وأولاده وأولاد أولاده أولاد المرضعة، والرجل الذي در اللبن بوطئه. وأما إخوة المرتضع وأخواته وأبوه وأمه من النسب فهم أجانب ؛ لا يحرم عليهم بهذا الرضاع شىء. وهذا كله باتفاق الأئمة الأربعة وإن كان لهم نزاع فى غير ذلك . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل ارتضع مع رجل ، وجاء لأحدهما بنت : فهل للمر تضع أن يتزوج بالبنت ؟ فأجاب : إذا ارتضع الطفل من المرأة خمس رضعات فى الحولين صار ابنا لها ، وصار جميع أولادها إخوته الذين ولدتهم قبل الرضاعة والذين ولدتهم بعد الرضاعة . والرضاعة يحرم فيها ما يحرم من الولادة ، بسنة رسول الله ٤٦ صلى الله عليه وسلم واتفاق الأثمة، فلا يجوز لأحد أن يتزوج بنت الآخر ، كما لا يجوز أن يتزوج بنت أخيه من النسب باتفاق الأئمة . وسئل رحمه اللّه عن رجل له بنات خالة أختان ، واحدة رضعت معه ، والأخرى لم ترضع معه : فهل يجوز له أن يتزوج التى لم ترضع معه ؟ فأجاب : إذا ارتضع معها خمس رضعات فى الحولين صار ابنا لها ؛ ء حرم عليه جميع بناتها من ولد قبل الرضاع ومن ولد بعده ؛ لأنهن اخواته باتفاق العلماء. ومتى ارتضعت المخطوبة من أم لم يجز لها أن تتزوج واحداً من بني المرضعة. وأما إذا كان الخاطب لم يرتضع من أم المخطوبة ، ولاهى رضعت من أمه ؛ فإنه يجوز أن يتزوج أحدهما بالآخر . باتفاق العلماء ، وان كان إخوتها تراضا . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة استأجرت لبنتها مرضعة يوما أو شهراً ، ومضت السنون . وللمرضعة ولد قبلها : فهل يحل لهما الزواج ؟ ٤٧ فأجاب : الحمد لله . إذا أرضعتها الداية خمس رضعات فى الحولين صارت بنتا لها ؛ فجميع أولاد المرضعة حرام على هذه المرضعة ؛ وإن ولد قبل الرضاع أو بعده. وهذا باتفاق المسلمين . ومن استحل ذلك فإنه يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل ؛ ولكن إذا كان للمرتضعة أخوات من النسب جاز لهن أن يتزوجن بأخواتها من الرضاع باتفاق المسلمين . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج امرأة بعد امرأة ، وقد ارتضع طفل من الأولى ، وللأَّب من الثانية بنت : فهل للمرتضع أن يتزوج هذه البنت؟ وإذا تزوجها ودخل بها : فهل يفرق بينهما ؟ وهل فى ذلك خلاف بين الأئمة . فأجاب : إذا ارتضع الرضاع المحرم لم يجز له أن يتزوج هذه البنت فى مذاهب الأئمة الأربعة بلا خلاف بينهم ؛ لأن اللبن للفحل ، وقد سئل ابن عباس عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما طفلا والأخرى طفلة : فهل يتزوج أحدهما الآخر ؟ فقال: لا . اللقاح واحد. والأصل فى ذلك حديث عائشة المتفق عليه قالت . قالت استاذن علي أفلح أخو أبى القعيس ، وكانت قد أرضعتنى امرأة أبى القميس، فقالت: لا آ ذن لك حتى أستأذن رسول الله فسألته صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنه عمك فليلج عليك ، يحرم ٤٨ من الرضاع ما يحرم من الولادة)) وإذا تزوجها ودخل بها فإنه يفرق بينهما بلا خلاف بين الأئمة . والله أعلم . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل له قرينة لم يتراضع هو وأبوها ؛ لكن لهما إخوة صغار تراضعوا فهل يحل له أن يتزوج بها؟ وإن دخل بها ورزق منها ولداً : فما حكمهم ؟ وما قول العلماء فيهم ؟ فأجاب: الحمد لله . إذا لم يرتضع هو من أمها ولم ترضع هى من أمه ، بل إخوته رضعوا من أمها ، وإخوتها رضعوا من أمه : كانت حلالا له باتفاق المسلمين ، بمنزلة أخت أخيه من أبيه ؛ فإن الرضاع ينشر الحرمة إلى المر تضع وذريته ، وإلى المرضعة وإلى زوجها الذي وطئها حتى صار لها لبن ، فتصير ء المرضعة امرأته ، وولدها قبل الرضاع وبعده أخو الرضيع ، ويصير الرجل أباه، وولده قبل الرضاع وبعده أخو الرضيع . فأما إخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب فهم أجانب من أبويه من الرضاعة وإخوته من الرضاع . وهذا كله متفق عليه بين المسلمين : أن انتشار الحرمة إلى الرجل ؛ فإن هذه تسمى ((مسألة الفحل )) والذي ذكر ناه هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور الصحابة والتابعين . وكان بعض السلف يقول : لبن الفحل لا يحرم . والنصوص الصحيحة : هى تقرر مذهب الجماعة . ٤٩ وسئل رحمه اللّه عن اختين شقيقتين لإحداهما بنتان، والأخرى ذكر ، وقد ارتضعت واحدة من البنتين وهى الكبيرة مع الولد : فهل يجوز له أن يتزوج بالتى ء لم ترضع. فأجاب : إذا ارتضعت الواحدة من أم الصبي ولم يرتضع هو من أمها جاز له أن يتزوج أختها : باتفاق المسلمين . وسئل رحمه الله عن امرأة أودعت بنتها عند امرأة أخيها ، وغابت، وجاءت ، فقالت : أرضعتها . فقالت : لا . وحلفت على ذلك ، ثم إن ولد أخيها كبر وكبرت بنتها الصغيرة وأختها ارتضعت مع أخيه الذى يريد أن يتزوج بها فهل يجوز ذلك ؟ فأجاب : إذا كانت البنت لم ترضع من أم الخاطب ، ولا الخاطب ارتضع من أمها : جاز أن يتزوج أحدهما بالآخر ، وإن كان أخوها وأخواتها من أم الخاطب ؛ فإن هذا لا يؤثر بإجماع المسلمين ؛ بل الطفل إذا ارتضع ٥٠ من امرأة صارت أمه وزوجها صاحب اللبن أباه ، وصار أولادهما إخوته وأخواته . وأما إخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب وأمه من النسب فهم أجانب يجوز لهم أن يتزوجوا أخواته ، كما يجوز من النسب أن تتزوج أخت الرجل من أمه بأخيه من أبيه . وكل هذا متفق عليه بين المسلمين بلا نزاع فيه . والله أعلم . وسئل رحم الله عن امرأة ذات بعل ، ولها لبن على غير ولد ولا حمل ، فأرضعت طفلة لها دون الحولين خمس رضعات متفرقات ، وهذه المرضعة عمة الرضيعة من النسب ، ثم أراد ابن بنت هذه المرضعة أن يتزوج بهذه الرضيعة : فهل يحرم ذلك؟ فأجاب : أما إذا وطئها زوج ، ثم بعد ذلك ثاب لها لبن : فهذا اللبن ينشر الحرمة ، فإذا ارتضعت طفلة خمس رضعات صارت بنتها وابن بنتها ابن أختها ، وهى خالته ، سواء كان الارتضاع مع طفل أو لم يكن . وأما أختها من النسب التى لم ترضع فيحل له أن يتزوج بها . ولو قدر أن هذا اللبن تاب لامرأة لم تتزوج قط فهذا ينشر الحرمة فى مذهب أبى حنيفة ، ومالك والشافعي ، وهى رواية عن أحمد . وظاهر مذهبه أنه لا ينشر الحرمة. والله أعلم • ٥١ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل خطب قريبته ، فقال : والدها هي رضعت معك ، ونهاه عن التزويج بها ، فلما توفى أبوها تزوج بها ، وكان العدول شهدوا على والدتها أنها أرضعته ، ثم بعد ذلك أنكرت ، وقالت : ما قلت هذا القول إلا لغرض : فهل يحل تزويجها ؟ فأجاب إن كانت الأم معروفة بالصدق وذكرت أنها أرضعته خمس رضعات فإنه يقبل قولها فى ذلك، فيفرق بينهما إذا تزوجها في أصح قولى العلماء كما ثبت فى صحيح البخاري ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر عقبة بن الحارث أن يفارق امرأته ، لما ذكرت الأمة السوداء أنها أرضعتهما)). وأما إذاشك فى صدقها ، أو فى عدد الرضعات : فإنها تكون من الشبهات : فاجتنابها أولى، ولا يحكم بالتفريق بينهما إلا بحجة توجب ذلك . وإذا رجعت عن الشهادة قبل التزويج لم يحرم الزوجة ؛ لكن إن عرف أنها كاذبة فى رجوعها وأنها رجعت لأنه دخل عليها حتى كتمت الشهادة : لم يحمل التزويج . والله أعلم. ٥٢ وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بامرأة ؛ وولد له منها أولاد عديدة ، فلما كان فى فى هذه المدة حضر من نازع الزوجة ، وذكر لزوجها أن هذه الزوجة فى عصمتك شربت من لبن أمك ؟ فأجاب : إن كان هذا الرجل معروفا بالصدق ، وهو خبير بما ذكر ، وأخبر أنها رضعت من أم الزوج خمس رضعات فى الحولين : رجع إلى قوله فى ذلك ؛ وإلا لم يجب الرجوع؛ وإن كان قد عاين الرضاع. والله أعلم. • وسئل رحمه اللّه عن رجل ارتضع من امرأة وهو طفل صغير على بنت لها ؛ ولها أخوات أصغر منها : فهل يحرم منهن أحد، أم لا؟ فأجاب: إذا ارتضع من امرأة خمس رضعات فى الحولين صار ابنا لتلك المرأة، جميع الأولاد الذين ولدوا قبل الرضاع ؛ والذين ولدوا بعده : هم إخوة لهذا المرتضع باتفاق المسلمين أيضا . ٥٣ وسئل رحمه اللّه عن أختين إحداهما لها ابن ذكر، والأخرى لها أنثى، فأرضعت أم الذكر الأنثى ، ولم ترضع أم الأنثى الذكر، ثم جاءت هذه بنات ، وهذه ذكور فهل يجوز أن يتزوج أخو المرتضع بالبنت التى ارتضعت بلبن أخيه ، أم لا؟ وكذلك هل يتزوج أولاد هذه بأولاد هذه بسوى المرضعين؟ فأجاب : الحمدشه . الأنثى المرتضعة لا تتزوج أحداً من أولاد المرضعة؛ لامن ولدلها قبل الرضاعة، ولا بعدها. وأما إخوة المرتضعة فيتزوجون من شاءوا من أولاد المرضعة . فيتزوج كل واحد لم يرتضع بأولاد المرأة التى لم ترضعه، ولم يتزوج بأحد من أولاد من أرضعته. وإذا رضع طفل من أم هذا ، أوطفلة من أولاد هذا: لم يجز لأحدهما أن يتزوج أولاد الأخرى؛ ويجوز لإخوة كل من المتراضعين أن يتزوج بإخوة الآخر إذالم يرضع واحدمنها من أم الآخر ؛ والتحريم إنما يثبت فى حق المرتضع خاصة؛ دون من لم يرضع من أخوته؛ لكن يحرم عليه جميع أولاد المرضعة . والله أعلم. ٥٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل رمد فغسل عينيه بلبن زوجته : فهل تحرم عليه . إذا حصل لبنها فى بطنه؟ ورجل يحب زوجته فلعب معها، فرضع من لبنها : فهل تحرم عليه ؟ فأجاب : الحمد لله . من غسل عينيه بلبن امرأته يجوز، ولا تحرم بذلك عليه امرأته لوجهين . ((أحدهما)) أنه كبير. والكبير إذا ارتضع من امرأته أو من غير امرأته لم تنشر بذلك حرمة الرضاع عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء؛ كمادل على ذلك الكتاب والسنة . وحديث عائشة فى قصة سالم مولى أبي حذيفة مختص عندهم a بذلك؛ لأجل أنهم تبنوه قبل تحريم التبنى . ((الثانى)) أن حصول اللبن فى العين لا ينشر الحرمة، ولا أعلم فى هذا نزاعا ؛ ولكن تنازع العلماء فى السعوط وهو ما إذا دخل فى أنفه ، بعد تنازعهم فى الوجور ، وهو ما يطرح فيه من غير رضاع، وأكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر الروايتين عن أحمد. وكذلك يحرم السعوط فى إحدى الروايتين عنه وهو مذهب أبى حنيفة ومالك . وللشافعي قولان . والجواب عن المسألة الثانية أن ارتضاعه لا يحرم امرأته فى مذهب الأئمة الأربعة . ٥٥ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل إذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات قبل أن يتم له حولان فإنه يصير ولدها ؛ فيحرم عليه كل من ولدها قبل الرضاع وبعده ؛ ويصير زوجها الذى أحبلها در لبنها أباه ؛ فيحرم عليه جميع أولاد ذلك الرجل . فإذا أرضعت امرأته طفلا وطفلة كل واحد خمس رضعات لم يجز أن يتزوج أحدهما بالآخر ؛ بل هما أخوان . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن صبي أرضعته كرتين ، ثم حملت بعد ذلك بعشر سنين ؛ وجاءت ببنت وصار الصبى شابا : فهل له أن يتزوج بتلك البنت، أم لا؟ فأجاب إذا ارتضع منها خمس رضعات فى حولين فقد صار ابنها ؛ ويحرم عليه كل ماولدته المرأة ؛ سواء ولدته قبل الرضاع أو بعده: باتفاق العلماء ٥٦ و ((الرضعة)) أن يلتقم الثدى فيشرب منه ثم يدعه: فهذه رضعة . فإذا كان فى كرة واحدة قد جرى له خمس مرات فهذه خمس رضعات ؛ وإن جرى ذلك خمس مرات فى كرتين فهو أيضا خمس رضعات ، وليس المراد بالرضعة ما يشربه فى نوبة واحدة فى شربه ؛ فإنها قد ترضعه بالغداة ثم بالعشي ويكون فى كل نوبة قد أرضعته رضعات كثيرة . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عن الصبى إذا رضع من غير أمه ؛ وكذلك الصبية إذا رضعت : ماذا يحرم عليه نكاحه بعد ذلك ؟ وماحد الرضعة المحرمة ؟ وهل للرضاعة بعد الفطام تأثير فى التحريم ؟ وهل تبقى المرأة حراما على من تعدى سنين الرضاعة أم لا ؟ فأجاب : إذا ارتضع الطفل أو الطفلة من امرأة خمس رضعات فى الحولين فقد صار ولدها من الرضاعة ؛ وصار الرجل الذى در اللبن بوطئه أباه من الرضاعة وأخوة المرأة أخواله وخالاته، وأخوة الرجل أعمامه وعماته. وآ باؤها أجداده وجداته؛ وأولاده كل منهما أخوته وأخواته . وكل هؤلاء حرام عليه ، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب . وكذلك أولاد هذا المرتضع يحرمون على أجداده وجداته ؛ وإخوته وأخواته ، وأعمامه وعماته ؛ ٥٧ وأخواله وخالاته من الرضاعة . وهذا كله باتفاق المسلمين فيثبت حرمة الرضاع من جهة الأبوين ومن جهة الولد . وأما أبو المرتضع من النسب وأمهاته وأخوته وأخواته من النسب : فكل هؤلاء أجانب من المرتضعة وأقاربها : باتفاق العلماء ، فيجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة ، ويجوز لجميع أخوة المرتضع أن يتزوجوا بمن شاؤوا من بنات المرضعة، سواء فى ذلك التى ارضعت مع الطفل وغيرها . ولا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحداً من أولاد المرضعة ؛ لابمن ولد قبل الرضاع ولا من ولد بعده باتفاق العلماء . وكثير من الناس يغلط فى هذا الموضوع فلا يميز بين إخوة المرتضع من النسب الذين هم أجانب من المرأة وبين أولاد المرتضعة الذين هم أخوته من الرضاع ، ويجعل الجميع نوعاً واحد ؛ وليس كذلك ؛ بل يجوز لهؤلاء أن يتزوجوا من هؤلاء . وأما المرتضع فلا يتزوج أحداً من أولاد المرضعة . ولو تراضع طفلان فرضع هذا أم هذا ورضعت هذه أم هذا ولم يرضع أحد من أخوتها من أم الآخر حرم على كل منهم أن يتزوج أولاد مرضعته، سواء ولد قبل الرضاعة أو بعدها ، ولم يحرم على أخ واحد منهما من النسب أن يتزوج أخت الآخر من الرضاعة . ٥٨ و ((الرضاعة المحرمة بلاريب)» أن يرضع خمس رضعات، فيأخذ الثدي ء فيشرب منه ثم يدعه ، ثم يأخذه فيشرب مرة ثم يدعه ، ولو كان ذلك في زمن واحد مثل غدائه وعشائه . وأما دون الخمس فلا يحرم فى مذهب الشافعي . وقيل : يحرم القليل والكثير : كقول أبى حنيفة ومالك . وقيل لا يحرم إلا ثلاث رضعات . والأقوال الثلاثة مروية عن أحمد ؛ لكن الأول أشهر عنه لحديث عائشة الذى فى الصحيحين ((كان مما نزل فى القرآن عشر رضعات يحرمن ، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك)) ((وفى المسند وغيره أيضا أنه صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن ترضع شخصا خمس رضعات ؛ لتحرم عليه)). (( والرضاع المحرم)» ما كان في الحولين؛ فإن تمام الرضاع حولان كاملان، كما قال تعالى: (وَالْوَلِدَاتُّ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةُ ) وما كان بعد تمام الرضاعة فليس من الرضاعة ؛ ولهذا كان جمهور العلماء والأئمة الأربعة وغيرهم على أن رضاع الكبير لاتأثيرله، واحتجوا بما فى الصحيحين عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندى رجل، فقال (من هذا ياعائشة؟)) قلت: أخي من الرضاعة قال. ((ياعائشة انظرن من إخوانكن؟ إنما الرضاعة من المجاعة )) وروى الترمذي عن أمسلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدى وكان قبل الفطام». ومعنى قوله فى: ((الثدي)) أى وقته، وهو الحولان، كما جاء ٥٩ فى الحديث ((إن ابني إبراهيم مات فى الثدي)) أى وهو فى زمن الرضاع. وهذا لا يقتضي أنه لارضاع بعد الحولين ولابعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام الحولين . وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرم . واحتجوا بما فى صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة أن أم سلمة قالت لعائشة : إنه يدخل عليك الغلام الأ يفع الذى ما أحب أن يدخل علي ! فقالت عائشة : مالك فى رسول الله أسوة حسنة ؟! قالت : إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله! إن سالما يدخل على وهو رجل فى نفس أبى حذيفة منه شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرضعيه حتى يدخل عليك)) وفى رواية لمالك في الموطأ قال: ((أرضعيه خمس رضعات)) فكان بمنزلة ولده من الرضاعة. وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به ؛ مع أن عائشة روت عنه قال: ((الرضاعة من المجاعة)) لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية. فمتى كان المقصود الثانى لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام. وهذا هو إرضاع عامة الناس. وأما الأول فيجوزإن احتيج إلى جعله ذا محرم. وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها . وهذا قول متوجه . ولبن الآدميات طاهر عند جمهور العلماء ؛ ولكن شك بعض المتأخرين، فقال : هو نجس . ٦٠