النص المفهرس
صفحات 21-40
إياس ؟ أو ارتفاع لعارض ثم يعود : كالمرض ، والرضاع ؟ فهذه ((ثلاثة أنواع)). فا ارتفع لعارض : كالمرض ، والرضاع ؛ فإنها تنتظر زوال العارض بلاريب . ومتى ارتفع لايدرى مارفعه: فمذهب مالك وأحمد فى المنصوص عنه، وقول الشافعى: أنها تعتد عدة الآيسات بعد أن تمكث مدة الحمل ، كما قضى بذلك عمر. ومذهب أبى حنيفة والشافعي فى الجديد أنها تمكث حتى تطعن فى سن الإياس ، فتعتد عدة الآيسات . وفى هذا ضرر عظم عليها ؛ فإنها تمكث عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة لا تتزوج. ومثل هذا الحرج مر فوع عن الأمة؛ وإنما ( الَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ) فإنهن يعتدون ثلاثة أشهر بنص القرآن، وإجماع الأمة . لكن العلماء مختلفون: هل للإياس سن لا يكون الدم بعده إلا دم إياس؟ وهل ذلك السن خمسون ، أو ستون؟ أو فيه تفصيل؟ ومتنازعون : هل يعلم الإیاس بدون السن ؟ وهذه المرأة قد طعنت فى سن الإياس على أحد القولين، وهو الخمسون ، ولها مدة طويلة لم تحض، وقد ذكرت أنها شربت ما يقطع الدم ، والدم يأتى بدواء: فهذه لا ترجو عود الدم إليها، فهي من الآيسات تعتد عدة الآيسات. والله أعلم . ٢١ وسئل رحمه اللّه عن امرأة فسخ الحاكم نكاحها عقب الولادة ، لما ثبت عنده من تضررها بانقطاع نفقة زوجها ، وعدم تصرفه الشرعى عليها المدة التى يسوغ فيها فسخ النكاح لمثلها . وبعد ثلاثة شهور من فسخ النكاح رغب فيها من يتزوجها: فهل يجوز أن تعتد بالشهور ؛إذا كثر النساء لا يحضن مع الرضاعة أو يستمر بها الضرر إلى حيث ينقضى الرضاع ويعود إليها حيضها، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . بل تبقى فى العدة حتى تحيض ثلاث حيض ، وإن تأخر ذلك إلى انقضاء مدة الرضاع ، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم ، وبذلك قضى عثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب بين المهاجرين والأنصار ، ولم يخالفهما أحد . فإن أحبت المرأة أن تسترضع لابنها من يرضعه لتحيض ، أو تشرب ما يحيض به : فلها ذلك . والله أعلم وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة كانت تحيض وهى بكر ، فلما تزوجت ولدت ستة أولاد ولم تحض بعد ذلك ، ووقعت الفرقة من زوجها وهى مرضع ، وأقامت عند أهلها ٢٢ نصف سنة ولم بحض ، وجاء رجل يتزوجها غير الزوج الأول ، خضر واعند قاض من القضاة ، فسألها عن الحيض ؟ فقالت : لى مدة سنين ما حضت فقال القاضى: ما يحل لك عندى زواج ، فزوجها حاكم آخر ولم يسألها عن الحيض، فبلغ خبرها إلى قاض آخر ، فاستحضر الزوج والزوجة ، فضرب الرجل مائة جلدة ، وقال : زنيت ، وطلق عليه ، ولم يذكر الزوج الطلاق فهل يقع به طلاق ؟ فأجاب : إن كان قد ارتفع حيضها بمرض أو رضاع فإنها تتربص حتى يزول العارض وتحيض باتفاق العلماء ؛ وإن كان ارتفع حيضها لا تدرى مارفعه فهذه فى أصح قولي العلماء على ما قال عمر : مكث سنة ، ثم تزوج ، وهو مذهب أحمد المعروف فى مذهبه ، وقول للشافعى: وإن كانت (( فى القسم الأول )) فنكاحها باطل ، والذي فرق بينهما أصاب فى ذلك ، وأصاب فى تأديب من فعل ذلك وإن كانت من ((القسم الثانى)) قد زوجها حاكم لم يكن لغيره من الحكام أن يفرق بينهما، ولم يقع بها طلاق ، فإن فعل الحاكم لمثل ذلك يجوز فى أصح الوجهين . وسئل رحمه اللّه تعالى عن مرضع استبطات الحيض ، فتداوت لمجىء الحيض ، فاضت ثلاث حيض وكانت مطلقة : فهل تنقضى عدتها ؛ أم لا ؟ ٢٣ فأجاب : نعم إذا أبى الحيض المعروف لذلك اعتدت به . كما أنها لو شربت دواء قطع الحيض أو باعد بينه : كان ذلك طهراً . وكما لو جاءت أو تعبت؛ أو أتت غير ذلك من الأسباب التى تسخن طبعها وتثير الدم فاضت بذلك والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن امرأة شابت لم تبلغ سن الإياس ، وكانت عادتها أن تحيض ، فشربت دواء، فانقطع عنها الدم واستمر انقطاعه ؛ ثم طلقها زوجها وهى على هذه الحالة : فهل تكون عدتها من حين الطلاق بالشهور ، أو تتربص حتى تبلغ سن الآيسات؟ فأجاب . الحمدلله رب العالمين . إن كانت تعلم أن الدم [لا](١) يأتى فما ٠٠ بعد فعدتها ثلاثة أشهر . وإن كان يمكن أن يعود الدم ويمكن أن لا يعود فإنها تتربص بعد سنة ثم تتزوج، كما قضى به عمر بن الخطاب فى المرأة يرتفع حيضها لا تدرى ما رفعه ؛ فإنها تتربص سنة، وهذا مذهب الجمهور: كمالك، والشافعي. ومن قال: إنها تدخل فى سن الآيسات: فهذا قول ضعيف جدا ؛ مع ما فيه من الضرر الذى لا تأتي الشريعة بمثله، أو تمنع من النكاح وقت حاجتها إليه؟! ويؤذن لها فيه حين لا يحتاج إليه .؟! (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٢٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل مرض مرضا متصلا بموته ، وله زوجة ، فأمرها أن تخرج من داخل الدار إلى خارجها ، فتوقفت عن الخروج ، فقال لها : أنت طالق . خرجت وحجبت وجهها عنه ، فطلبها فدخلت عليه محتجبة فسألها عن احتجابها لما هو ؟ فأخبرته بما أوقع من الطلاق ؛ فأنكر ، وقال : ما حلفت ، ولا طلقت ، ومات بعد أيام : فهل يلزمها الطلاق ؟ أم عدة الوفاة ؟ فأجاب : عليها عدة الوفاة مع عدة الطلاق ؛ ولها الميراث. هذا إن كان عقله حاضراً حين تكلم بالطلاق ؛ وإن كان عقله غائبا لم يلزمها [إلا](١) عدة الوفاة. والله أعلم. (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٢٥ وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين، ورزق منها ولداً له من العمر سنتان ، وذكرت أنها لما تزوجت لم تحض إلا حيضتين، وصدقها الزوج ، وكان قد طلقها ثانيا على هذا العقد المذكور . فهل يجوز الطلاق على هذا العقد المفسوخ ؟ فأجاب : إن صدقها الزوج فى كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة فالنكاح باطل ، وعليه أن يفارقها . وعليها أن تكمل عدة الأول ، ثم تعتد من وطء الثانى . فإن كانت حاضت الثالثة قبل أن يطأها الثاني فقد انقضت عدة الأول ؛ ثم إذا فارقها الثاني اعتدت له ثلاث حيض ، ثم تزوج منشاءت بنكاح جديد . وولده ولد حلال يلحقه نسبه ؛ وإن كان قد ولد بوطء فى عقد فاسد لا يعلم فساده . ٢٦ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل ((المعتدة عدة الوفاة)) تتربص أربعة أشهر وعشرا ويجتنب الزينة والطيب فى بدنها وثيابها ، ولا تتزين ، ولا تتطيب ، ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها فلا يخرج بالنهار إلا لحاجة ، ولا بالليل إلا لضرورة ، ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله: كالفاكهة واللحم: لحم الذكر والأنثى، ولها أكل ذلك باتفاق علماء المسلمين ، وكذلك شرب مايباح من الأشربة ويجوز لها أن تلبس ثياب القطن والكتان وغير ذلك مما أباحه الله ؛ وليس عليها أن تصنع ثيابا بيضاء أو غير بيض للعدة ؛ بل يجوز لهالبس المقفص ؛ لكن لا تلبس ماتتزين به المرأة : مثل الأحمر ، والأصفر ، والأخضر الصافى ، والأزرق الصافى ، ونحو ذلك ولاتلبس الحلى مثل الأسورة ، والخلاخل ، والقلايد ، ولا تختضب بحناء ولاغيره ؛ ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة : مثل التطريز، والخياطة ، والغزل، وغير ذلك مما تفعله النساء . ٢٧ ويجوز لها سائر ما يباح لها فى غير العدة : مثل كلام من يحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة ، وغير ذلك . وهذا الذى ذكرته هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان يفعله نساء الصحابة إذامات أزواجهن [ونساؤه صلى الله عليه وسلم ] ولا يحل لهن أن يتزوجن بغيره أبداً لافى العدة ولابعدها ؛ بخلاف غيرهن ، وعلى المسلمين احترامهن كما يحترم الرجل أمه ؛ لكن لا يجوز لغير محرم يخلو بواحدة منهن ، ولا يسافر بها . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة معتدة عدة وفاة ؛ ولم تعتد فى بيتها بل يخرج فى ضرورتها الشرعية : فهل يجب عليها إعادة العدة ؟ وهل تأثم بذلك ؟ فأجاب العدة انقضت بمضى أربعة أشهر وعشرا من حين الموت ، ولا تقضى العدة فإن كانت خرجت الأمر يحتاج إليه ولم تبت إلا فى منزلها فلاشىء عليها . وإن كانت قدخرجت لغير حاجة وباتت فى غير منزلها لغير حاجة ، أوباتت فى غير ضرورة ، أوتركت الإحداد : فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك ؛ ولا إعادة عليها . ٢٨ وسئل رحم الله تعالى عن رجل توفي وقعدت زوجته فى عدته أربعين يوما ؛ فما قدرت تخالف مرسوم السلطان ؛ ثم سافرت وحضرت إلى القاهرة ، ولم تتزين لابطيب ؛ ولاغيره : فهل يجوز خطبتها ؛ أملا؟ فأجاب : العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام ؛ فإن كان قد بقى من هذه شىء فلنتمه فى بيتها ، ولا تخرج ليلا ولانهارا إلا لأمر ضرورى؛ وتجتنب الزينة، والطيب فى بدنها وثيابها . ولتأ كل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوزلها الاجتماع به فى غير العدة؛ لكن إن خطبها إنسان لا تجيبه صريحا . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة عزمت على الحج هى وزوجها ، فمات زوجها فى شعبان : فهل يجوز لها أن تحج ؟ فأجاب : ليس لها أن تسافر فى العدة عن الوفاة إلى الحج فى مذهب الأئمة الأربعة . ٢٩ باب الاستبراء سئل شيخ الإسلام رحمه اللّه عن رجل اشترى جارية ؛ ثم بعد يومين أو ثلاثة وطئها قبل أن تحيض، ثم باعها بعد عشرة أيام : فهل يجوز للسيد الثانى أن يطأها قبل أن تحيض ؟ فأجاب : لم يكن يحل له وطؤها قبل أن يستبرئها باتفاق الأئمة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا توطأ حامل حتى تضع ، ولاغير ذات حمل حتى تستبرئ بحيضة)) وكذالك المشترى الثانى لا يجوزله وطؤها قبل أن تحيض عنده باتفاق الأئمة ؛ بل لا يجوز فى أحد قولى العلماء أن يبيعها الواطئ حتى يستبرتها . وهل عليه استبراء، وعلى المشترى استبراء؟ أو استبراءان ؟ أو يكفيهما استبراء واحد؟ على قولين . والله أعلم . ٣٠ باب الرضاع قال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل وأما ((المحرمات بالرضاع)) فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من ١ الرضاع ما يحرم من النسب)) وفى لفظ: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)) وهذا مما اتفق عليه علماء المسلمين؛ لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء المعروفين . فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات فى الحولين قبل الفطام صار ولدها باتفاق الأئمة، وصار الرجل الذى در اللبن بوطئه أبا لهذا المرتضع باتفاق الأئمة المشهورين، وهذا يسمى (( لبن الفحل )) وقد ثبت ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن عائشة كانت قد أرضعتها امرأة، وكان لها زوج يقال له أبو القعيس نفجاء أخوه يستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، حتى سألت ٣١ النبى صلى الله عليه وسلم فقال لها: ((إيذني له فإنه عمك)) فقالت عائشة: إنما أرضعتني المرأة؛ ولم يرضعني الرجل، فقال: ((إنه عمك فليلح عليك . وقال : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)). وإذا صار الرجل والمرأة والدي المرتضع صار كل من أولادهما إخوة المرضع ؛ سواء كانوا من الأب فقط أو من المرأة، أو منهما، أو كانوا أولادا لهما من الرضاعة ؛ فإنهم يصيرور إخوة لهذا المرتضع من الرضاعة؛ حتى لو كان لرجل امرأتان فأرضعت هذه طفلا ، وهذه طفلة كانا أخوين؛ ولم يجز لأحدهما التزوج بالآخر باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين . وهذه ((المسألة)) سئل عنها ابن عباس فقال: اللقاح واحد. يعنى الرجل الذى وطىء المرأتين حتى در اللبن واحد. ولافرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة ، وبعد الرضاعة : باتفاق المسلمين . وما يظنه كثير من الجهال أنه إنما يحرم من رضع معه : هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه ، فإن أصر على استحلال ذلك استقيب كما يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة ، فإن تاب وإلا قتل . وإذا كان كذلك فجميع ((أقارب المرأة أقارب للمرتضع من الرضاعة)) أولادها إخوته ، وأولاد أولادها أولاد إخوته، وآباؤها وأمهاتها ٣٢ أجداده ، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته : وكل هؤلاء حرام عليه وأما (( بنات أخواله وخالاته من الرضاع)» خلال كما يحل ذلك من النسب ؛ وأقارب الرجل أقاربه من الرضاع: أولاد إخوته وأولادهم أولاد إخوته. وإخوته أعمامه وعماته، وهن حرام عليه . وحل له بنات عمه وبنات عماته. وأولاد المرتضع بمنزلته، كما أن أولاد المولود بمنزلته فليس لأولاده من النسب والرضاع أن يتزوجوا إخوته ولا إخوة أبيه ، لا من نسب ولارضاع ، لأنهم أعمامهم وعماتهم ، وأخوالهم وخالاتهم . وأما إخوة المرتضع من نسب أو رضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم أجانب منها ومن أقاربها، فيجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة؛ كما إذا كان أخ للرجل من أبيه وأخت من أمه . وبالعكس : جاز أن يتزوج أحدهما الآخر ؛ وهو نفسه لا يتزوج واحداً منهما : فكذلك المرتضع هو نفسه لا يتزوج واحدا من أولاد مرضعه ؛ ولا أحداً من أولاد والديه ، فإن هؤلاء إخوته من الرضاع ؛ وهؤلاء أخوته من النسب . ويجوز لإخوته من الرضاع أن يتزوجوا إخوته من النسب، كما يجوز لإخوته من أبيه أن يتزوجوا إخوته من أمه . وهذا كله متفق عليه بين العلماء . ٣٣ ولكن بعض المنتصبين للفتيا قد يغلط فى هذه المسائل؛ لالتباس أمرها على المستفتين ، ولا يذكرون ما يسألون عنه بالأسماء والصفات المعتبرة فى الشرع ، مثل أن يقول : اثنان تراضعا: هل يتزوج هذا بأخت هذا؟ وهذا سؤال محمل . فالمرتضع نفسه ليس له أن يتزوج من أخوات الآخر اللاتى هن من أمه التى أرضعت ؛ وإن كان له أخوات من غير تلك الأم فهن أجانب من المرتضع فللمر تضع أن يتزوج منهن. وكذلك إذا قيل: طفل وطفلة تراضعا ، أو طفلان تراضعا : هل يحل أن يتزوج أحدهما بأخوة الآخر ، ويتزوج الأخوات من الجانبين بعضهم لبعض ؟ نجواب ذلك أن إخوة كل من المتراضعين لهم أن يتزوجوا أخوات الآخر ؛ إذا لم يرتضع الخاطب من أم المخطوبة، ولا المخطوبة من أم الخاطب وهذا متفق عليه بين العلماء. وأما المتراضعان فليس لأحدهما أن يتزوج شيئا من أولاد المرضعة، فلا يتزوج هذا بأحد من إخوة الأخر من الأم التى أرضعته أو من الأب صاحب اللبن ، ويجوز أن يتزوج كل منهما من إخوة الآخر الذين ليسوا من أولاد أبويه من الرضاعة. فهذا جواب هذه الأقسام . فإن الرضيع: إما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من تلك المرأة أو الرجل ، وإما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من النسب أو من رضاعة أخرى. وإخوة الرضيع إما أن يتزوجوا من هؤلاء ، وإما من هؤلاء وإما من هؤلاء . فإخوة الرضيع لهم أن يتزوجوا الجميع: أولاد المرضعة ٣٤ وزوجها من نسب أو رضاع . ولإخوة هذا أن يتزوجوا بإخوة هذا ؛ بل لأب هذا من النسب أن يتزوج أخته من الرضاع . وأما أولاد المرضعة فلا يتزوج أحد منهن المرتضع ؛ ولا أولاده ؛ ولا يتزوج أحداً من أولاد إخوته وأخواته ؛ لا من نسب ؛ ولا من رضاع ، فإنه يكون : إما عما وإما خالا . وهذا كله متفق عليه بين العلماء . ((ثم الرضاع المحرم)) فيه ثلاثة أقوال مشهورة هى ثلاث روايات عن أحمد ((أحدها)) أنه يحرم كثيره وقليله . وهى مذهب مالك ، وأبى حنيفة ؛ لإطلاق القرآن . ((والثانى)) لا تحرم الرضعة والرضعتان، ويحرم ما فوق ذلك. وهو مذهب طائفة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح : ((لا تحرم الرضعة والرضعتان)) وروى ((المصة، والمصتان)) وروي ((الإملاجة؛ والإملاجتان)) فنفى التحريم عنهما وبقى الباقى على العموم والمفهوم. ((والثالث)) أنه لا يحرم إلا خمس رضعات، وهو مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد، لحديثين صحيحين. حديث عائشة: ((إن مما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك)) ولأمره صلى الله عليه وسلم لامرأة أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة بن عتبة ابن ربيعة خمس رضعات ؛ ليصير محرما لها بذلك . ٣٥ وعلى هذا فالرضعة فى مذهب الشافعي وأحمد ليست هى الشبعة وهو أن يلتقم الثدى ثم يسببه ثم يلتقمه ثم يسببه حتى يشبع ، بل إذا أخذ الثدي ثم تركه باختياره فهى رضعة ، سواء شبع بها أو لم يشبع إلا برضعات ، فإذا التقمه بعد ذلك فرضع ثم تركه فرضعة أخرى ، وإن تركه بغير اختياره ثم عاد قريباففيه نزاع . وسئل رحمه اللّه تعالى ما الذى يحرم من الرضاع ؟ وما الذى لا يحرم؟ وما دليل حديث عائشة رضى الله عنها ((أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)). ولتبينوا جميع التحريم منه؟ وهل للعلماء فيه اختلاف ؟ وإن كان لهم اختلاف فما هو الصواب والراجح فيه ؟ وهل حكم رضاع الصبى الكبير الذى دون البلوغ أو الذى يبلغ حكمه حكم الصغير الرضيع ؛ فإن بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين؛ وأكثر ، وأقل؟ وهل يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض ؟ وبينوه بيانا شافيا ؟ الجواب: الحمد لله. حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته؛ وهو متلقى بالقبول ؛ فإن الأئمة اتفقوا على العمل به، ولفظه: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من ٣٦ النسب)) والثاني: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة)): وقد استثنى بعض الفقهاء المستأخرين من هذا العموم صورتين، وبعضهم أكثر من ذلك وهذا خطأ ؛ فإنه لا يحتاج أن يستثنى من الحديث شىء. ونحن نبين ذلك فنقول . إذا ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات فى الحولين صارت المرأة أمه وصار زوجها الذي جاء اللبن بوطئه أباه ، فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة ، وحينئذ فيكون جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن غيرها إخوة له ، سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة . وإذا كان أولادهما إخوته كان أولاد أولادهما أولاد إخوته، فلا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولادهما، ولا أولادأولادهما؛ فإنهم: إما إخوته وإما أولاد إخوته ، وذلك يحرم من الولادة. وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته من الرضاع ، وأبوها وأمها أجداده وجداته من الرضاع ، فلا يجوز له أن يتزوج أحدا من إخوتها . ولا من أخواتها وإخوة الرجل أعمامه وعماته. وأبو الرجل وأمهاته أجداده وجداته ؛ فلا يتزوج بأعمامه وعماته، ولا بأجداده وجداته ؛ لكن يتزوج بأولاد الأعمام والعمات ؛ فإن جميع أقارب الرجل حرام عليه ؛ أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الخال والحالات ، كما ذكر الله فى قوله ٣٧ ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّاً أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ ) فهؤلاء ((الأصناف الأربعة)) هى المباحات من الأقارب ، فيبحن من الرضاعة . وإذا كان المرتضع ابنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد أولادهما ، ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب. فهذه الجهات الثلاث منها تنتشر حرمة الرضاع. وأما إخوة المرتضع من النسب؛ وأبوه من النسب وأمه من النسب : فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع؛ ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع؛ لأن الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما؛ بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتجوز أخاه من أمه ؛ فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع ؛ فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا، ولهذا ان يتزوج بهذا . وبهذا تزول الشبهة التى تعرض لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب ، كما يتزوج بأخته من النسب . ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة ، وهذا لا نظير له فى النسب؛ فإن أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب. وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ، ولاريببته ، فلهذا جاز أن تتزوج به. ٣٨ فيقول من لا يحقق : يحرم فى النسب على أخي أن يتزوج أمي ، ولا يحرم مثل هذا فى الرضاع . وهذا غلط منه ؛ فإن نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة، كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن الفحل ؛ فإنه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه واخته من الرضاعة ؛ لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة؛ لكونهما ولديهما من الرضاعة ؛ لالكونها أخوي ولديهما . فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة . وأما ((رضاع الكبير)) فإنه لا يحرم فى مذهب الأئمة الأربعة ؛ بل لا يحرم الإرضاع الصغير ، كالذى رضع فى الحولين . وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين الأئمة ؛ لكن مذهب الشافعى وأحمد أنه لا يحرم . فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يحرم أحدهما على الآخر برضاع القرايب: مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب : فهنا لا تحرم عليه زوجته ؛ لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتى هى أخته من الرضاعة لأخيه من النسب ؛ اذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولارضاع ؛ وإنما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع ، وليست أم نفسه من الرضاع وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أما لإخوته من النسب ؛ لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره . نعم: ٣٩ لوكان للرجل نسوة يطأهن وأرضعت كل واحدة طفلا لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر ؛ ولهذا لما سئل ابن عباس عن ذلك قال : اللقاح واحد . وهذا مذهب الأئمة الأربعة ؛ لحديث أبى القعيس الذى فى الصحيحين عن عائشة وهو معروف . وتحرم عليه أم أخيه من النسب ؛ لأنها أمه أو امرأة أبيه ، وكلاهما حرام عليه . وأما أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه ؛ لأن زوجها صاحب اللبن ليس أبا لهذا ؛ لامن النسب ، ولا من الرضاعة . فاذا قال القائل: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)) وأم أخيه من النسب حرام ، فكذلك من الرضاع . قلنا : هذا تلبيس ، وتدليس ؛ فإن الله لم يقل: حرمت عليكم أمهات أخواتكم ؛ وإنما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ) وقال تعالى: ( وَلَا نَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) حرم على الرجل أمه، ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه . وهذه تحرم من الرضاعة ، فلا يتزوج أمه من الرضاعة . وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم ؛ لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر ؛ لا بالنسب والولادة . وليس الكلام هنا فى تحريمها ، فإنه إذا قيل : تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث . وأما أم أخيه التى ليست أما ولامنكوحة أب: فهذه لا توجد فى ٤٠