النص المفهرس

صفحات 1-20

2
مجموع فتاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ))
جَمْعْوَترتیبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّد بْقَاسْم «رَحْمَةُ الَه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه)»
المجلّد الرابع والثلاثون
طُبعَ بأمْر
خَادِمِ الجَّهَيْنِ الشَّرِفَيْنُ المَلِكِ فَدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌ِلُود
أجْزَل اللّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتاوى في
مُجَمِعْ المَلِ فَهَلِ لِطْبَابَةِ المُتِحِ الشَريف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافِةِ وَاللَّجْوَةِ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٢٧٢ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٠-٥٤-٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ٣٤)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٠-٥٤-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٣٤)

كتاب الظهار
إلى
قتال أهل البغي

3
3
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
( باب الظهار )
سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
عن رجل قال لامرأته : أنت على مثل أمى ، وأختى ؟
فأجاب : إن كان مقصوده أنت على مثل أمى وأختى فى الكرامة فلا
شيء عليه، وإن كان مقصوده: يشبها بأمه وأخته فى ((باب النكاح))
فهذا ظهار ، عليه ماعلى المظاهر ، فإذا أمسكها فلا يقربها حتى يكفر
كفارة ظهار .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج ، وأراد الدخول الليلة الفلانية ؛ وإلا كانت عندي
مثل أمى وأختى ، ولم تتهياً له ذلك الوقت الذى طلبها فيه : فهل يقع طلاق ؟

فأجاب : لا يقع عليه طلاق فى المذاهب الأربعة ؛ لكن يكون مظاهراً
فإذا أراد الدخول فإنه يكفر قبل ذلك الكفارة التى ذكرها الله فى
((سورة المجادلة )) فيعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ؛
فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل حنق من زوجته فقال : إن بقيت أنكحك أنكح أمي تحت
ستور الكعبة . هل يجوز أن يصالحها ؟
فأجاب : الحمد لله. إذا نكحها فعليه كفارة الظهار : عتق رقبة مؤمنة
فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ،
ولا يمسها حتى يكفر .
وسئل رحم الله
عن رجلین قال أحدهما لصاحبه : يا أخى ! لا تفعل هذه الأمور بین یدی
امرأتك، قبيح عليك، فقال: ماهى إلا مثل أمى. فقال : لأي شىء
قلت ؟! سمعت أنها تحرم بهذا اللفظ ، ثم كرر على نفسه ، وقال : أى والله
هى عندى مثل أمى : هل تحرم على الزوج بهذا اللفظ ؟
٦

فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إن أراد بقوله: إنها مثل أمى أنها تستر
على ولا تهتكنى ولا تلومنى، كما تفعل الأم مع ولدها ؛ فإنه يؤدب على هذا
القول، ولا تحرم عليه امرأته ؛ فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمع رجلا
يقول لامرأته: ياأختى! فأدبه - وإن كان جاهلا لم يؤدب على ذلك، وإناستحق
العقوبة على ما فعله من المنكر . وقال أختك هي ؟! فلا ينبغى أن يجعل
الإنسان امرأته كأمه .
وإن أراد بها عندى مثل أمى. أى فى الامتناع عن وطئها ، والاستمتاع
بها ، ونحو ذلك مما يحرم من الأم ، فهى مثل أمى التى ليست محلا للاستمتاع
بها: فهذا ((مظاهر)) يجب عليه ما يجب على المظاهر، فلا يحل له أن
يطأها حتى يكفر ((كفارة الظهار)) فيعتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا . وإذا فعل ذلك حل له ذلك
باتفاق المسلمين ؛ إلا أن ينوي أنها محرمة علي كأمي: فهذا يكون مظاهرا فى
مذهب أبى حنيفة ، والشافعي، وأحمد . وحكى فى مذهب مالك نزاع فى
ذلك : هل يقع به الثلاث ؟ أم لا ؟
والصواب المقطوع به أنه لا يقع به طلاق ، ولا يحل له الوطء حتى
يكفر باتفاقهم ، ولا يقع به الطلاق بذلك. والله أعلم .
٧

وسئل رحمه اللّه
عن رجل قال لامرأته بإين عنه إن رددتك تكونى مثل أمى وأختى :
هل يجوز أن يردها ؟ وما الذى يجب عليه ؟
فأجاب : فى أحد قولى العلماء عليه كفارة ظهار، وإذا ردها فى الآخر
لا شىء. والأول أحوط .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل قال فى غيظه لزوجته : أنت على حرام مثل أمي ؟
فأجاب : هذا مظاهر من امرأته ، داخل فى قوله :
( الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْكُمْ مِّن نِسَابِهِمِ مَا هُنَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ
وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن
نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ ذَ لِكُمْتُوعَطُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فهذا إذا أراد إمساك زوجته ووطأها فإنه لا يقربها
حتى يكفر هذه الكفارة التى ذكرها الله .
٨

وسئل رحمه اللّه
عن رجل قالت له زوجته: أنت علي حرام مثل أبي وأمى . وقال لها :
أنت علي حرام مثل أمى وأختى : فهل يجب عليه طلاق ؟
فأجاب : لا طلاق بذلك؛ ولكن إن استمر على النكاح فعلى كل منهما
كفارة ظهار قبل أن يحتمعا ، وهى عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين ؛ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.
٩

باب ما يلحق من النسب
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل تزوج بنتا بكراً ، بالغاً ، ودخل بها ؛ فوجدها بكرا، ثم
إنها ولدت ولدا بعد مضي ستة أشهر بعد دخوله بها : فهل يلحق به الولد
أم لا؟ وأن الزوج حلف فى الطلاق منها أن الولد ولده من صلبه : فهل
يقع به الطلاق أم لا ؟ والولد ابن سوي كامل الخلقة ، وعمر سنين .
أفتونا مأجورين ؟
فأجاب رضى الله عنه : الحمد لله . إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر من
حين دخل بها ولو بلحظة لحقه الولد باتفاق الأئمة - ومثل هذه القصة وقعت فى
زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه . واستدل الصحابة على إمكان كون الولد
لستة أشهر بقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا)
مع قوله :
(وَاُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ )
فإذا كان مدة الرضاع من الثلاثين
حولين يكون الحمل ستة أشهر ؛ نجمع فى الآية أقل الحمل وتمام الرضاع
ولولم يستلحقه، فكيف إذا استلحقه وأقر به ؟! بل لو استلحق مجهول
النسب ؛ وقال: إنه ابنى لحقه باتفاق المسلمين ؛ إذا كان ذلك ممكنا ، ولم يدع
أحد أنه ابنه : كان بارا فى يمينه ؛ ولا حنث عليه . والله أعلم .
١٠

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل اشترى جارية بكرا ، وباشرها ، وهي لا تخرج ولا تدخل ،
وهى حامل منه ، فأخرجها إلى السوق ، وينكر ويحلف : أنه ما هو ولده ؟
فأجاب : إذا اعترف أنه وطنها مثل أن يكون قد أقر بذلك فإن الولد
يلحقه ، ويجعل هذا الحمل منه إذا وضعت لمدة الإمكان ، وليس له أن
يبيع الحمل ، ولا أمه ؛ لكن إذا ادعى الاستبراء ففى قبول قوله ويحليفه نزاع
بين العلماء . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج امرأة وأقامت فى صحبته خمسة عشريوما ، ثم طلقها الطلاق
البائن، وتزوجت بعده بزوج آخر بعد إخبارها بانقضاء العدة من الأول ؛
ثم طلقها الزوج الثانى بعدمدة ست سنين ، وجاءت بابنة ، وادعت أنها
من الزوج الأول: فهل يصح دعواها . ويلزم الزوج الأول، ولم يثبت أنها
ولدت البنت ، وهذا الزوج والمرأة مقمان يبلد واحد ، وليس لها مانع من
دعوى النساء ، ولا طالبته بنفقة ولا فرض ؟
١١

فأجاب : الحمد لله . لا يلحق هذا الولد الذي هو البنت بمجرد دعواها
والحالة هذه باتفاق الأئمة ؛ بل لو ادعت أنها ولدته فى حال يلحق به نسبه إذا
ولدته وكانت مطلقة وأنكر هو أن تكون ولدته لم تقبل فى دعوى الولادة بلا
نزاع ، حتى تقيم بذلك بينة . ويكفى امرأة واحدة: عند أبى حنيفة وأحمد فى
المشهور عنه ، وعند مالك وأحمد فى الرواية الأخرى لابد من امرأتين. وأما
الشافعي فيحتاج عنده إلى أربع نسوة . ويكفى يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته .
وأما إن كانت الزوجية قائمة ففيها قولان فى مذهب أحمد ((أحدهما))
لا يقبل قولها ، كمذهب الشافعي. ((والثاني)) يقبل، كمذهب مالك.
وأما إذا انقضت عدتها ومضى لها أكثر الحمل . ثم ادعت وجود حمل من
الزوج الأول المطلق : فهذه لا يقبل قولها بلا نزاع ، بل لو أخبرت بانقضاء
عدتها ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا ولدون مدة الحمل : فهل يلحقه ؟ على
قولين مشهورين لأهل العلم . ومذهب أبى حنيفة وأحمد أنه يلحق ، وهذا
اختيار ابن سريج من أصحاب الشافعى ؛ لكن المشهور من مذهب الشافعى
ومالك أنه لا يلحقه .
وهذا النزاع إذا لم تتزوج، فأما إذا تزوجت بعد إخبارها بانقضاء عدّها،
ثم أنت بولد لأكثر من ستة أشهر ؛ فإن هذا لا يلحق نسبه بالأول قولا
واحدا . فإذا عرفت مذهب الأئمة فى هذين الأصلين فكيف يلحقه نسبه
١٢

بدعواها بعد ست سنين. ولو قالت ولدته ذلك الزمن قبل أن يطلقنى لم يقبل
قولها أيضا ؛ بل القول قوله مع يمينه إنها لم تلدها على فراشه
ولو قالت هى: وضعت هذا الحمل قبل أن أتزوج بالثانى، وأنكر الزوج
الأول ذلك : فالقول قوله أيضا أنها لم تضعها قبل تزوجها بالثانى ؛ لا سمامع
تأخر دعواها إلى أن تزوجت الثانى ؛ فإن هذا مما يدل على كذبها فى
دعواها؛ لا سما على أصل مالك فى تأخر الدعوى الممكنة بغير عذر فى هذه
المسائل ونحوها .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عمن طلق امرأته ثلاثا ، وأفتاه مفت بأنه لم يقع الطلاق ، فقلده الزوج
ووطىء زوجته بعد ذلك ، وأتت منه بولد : فقيل : إنه ولد زنا ؟
فأجاب : من قال ذلك فهو فى غاية الجهل والضلالة ، والمشاقة لله ورسوله
فإن المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج أنه نكاح سائغ إذا وطئ
فيه فإنه يلحقه فيه ولده ويتوارثان باتفاق المسلمين، وإن كان ذلك النكاح
باطلا فى نفس الأمر باتفاق المسلمين، سواء كان الناكح كافرا أو مسلماً.
واليهودى إذا تزوج بنت أخيه كان ولده منها يلحقه نسبه ويرثه باتفاق المسلمين
١٣

وإن كان ذلك النكاح باطلا باتفاق المسلمين، ومن استحله كان كافراً تجب
استتابته . وكذلك المسلم الجاهل لوتزوج امرأة فى عدتها كما يفعل جهال
الأعراب ووطنها يعتقدها زوجة كان ولده منها يلحقه نسبه وير ثه باتفاق
المسلمين . ومثل هذا كثير .
فإن ((ثبوت النسب)) لا يفتقر إلى صحة النكاح فى نفس الأمر ؛ بل الولد
للفراش، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) فمن
طلق امرأته ثلاثا ووطئها يعتقد أنه لم يقع به الطلاق: إما لجهله . وإما لفتوى
مفت مخطئ قلده الزوج . وإماغير ذلك ، فإنه يلحقه النسب ، ويتوارثان
بالاتفاق ؛ بل ولا تحسب العدة إلا من حين ترك وطنها ؛ فإنه كان يطؤها يعتقد
أنها زوجته ، فهى فراش له فلا تعتد منه حتى تترك الفراش .
ومن نكح امرأة ((نكاحاً فاسداً)) متفقا على فساده، أو مختلفا فى فساده
أو ملكها ملكا فاسد امتفقا على فساده ، أو مختلفا فى فساده ، أو وطئها
يعتقدها زوجته الحرة، أو أمته المملوكة: فإن ولده منها يلحقه نسبه، ويتوارثان
باتفاق المسلمين. والولد أيضا يكون حرا؛ وإن كانت الموطوءة مملوكة للغير
فى نفس الأمر ووطئت بدون إذن سيدها ؛ لكن لما كان الواطئ مغرورا بها
زوج بها وقيل: هي حرة، أو بيعت فاشتراها يعتقدها ملكا للبائع؛ فإنما وطئ من
١٤

يعتقدها زوجته الحرة، أو أمته المملوكة: فولده منها حر؛ لاعتقاده. وإن كان
اعتقاده مخطئا ، وبهذا قضى الخلفاء الراشدون ، واتفق عليه أئمة المسلمين .
فهؤلاء الذين وطئوا وجاءهم أولاد لوكانوا قد وطئوا فى نكاح فاسد متفق
على فساده، وكان الطلاق وقع بهم باتفاق المسلمين، وهم وطئوا يعتقدون أن
النكاح باق؛ لإفتاء من أفتام ، أو لغير ذلك: كان نسب الأولاد بهم لاحقا ،
ولم يكونوا أولاد زنا؛ بل يتوارثون باتفاق المسلمين. هذا فى المجمع على فساده
فكيف في المختلف فى فساده؟ وإن كان القول الذى وطئ به قولا ضعيفا: كمن
وطئ فى نكاح المتعة أو نكاح المرأة نفسها بلاولى ولاشهود ؛ فإن هذا إذا
وطئ فيه يعتقده نكاحالحقه فيه النسب، فكيف بنكاح مختلف فيه ،وقد
ظهرت حجة القول بصحته بالكتاب والسنة والقياس ، وظهر ضعف القول
الذى يناقضه، وعجز أهله عن نصرته بعد البحث التام ؛ لانتفاء الحجة الشرعية ؟!
فمن قال إنهذا النكاح أو مثله يكون فيه الولد ولد زنا [لا] يتوارثان هو
وأبوه الوطئ مخالف لإجماع المسلمين. منسلخ من رتبة الدين ، فإن كان جاهلا
عرف وبين له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين وسائراً معة الدين
ألحقوا أولادأهل الجاهلية بآبائهم وإن كانت محرمة بالإجماع؛ ولم يشترطوا فى لحوق
النسب أن يكون النكاح جائزا فى شرع المسلمين. فإن أصر على مشاقة الرسول من
١٥

بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل .
فقد ظهر أن من أنكر الفتيا بأنه لا يقع الطلاق وادعى الإجماع على وقوعه ،
وقال إن الولد ولد زنا : هو المخالف لإجماع المسلمين ، مخالف لكتاب الله وسنة
رسول الله رب العالمين، وإن المفتى بذلك أو القاضى بذلك فعل ما لا يسوغ له بإجماع
المسلمين. وليس لأحد المنع من الفتيا بقوله ، ولا القضاء بذلك، ولا الحكم بالمنع
من ذلك باتفاق المسلمين ، والأحكام باطلة بإجماع المسلمين . والحمد لله
رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل ادعت عليه مطلقته بعدست سنين بينت ، وبعدأن تزوجت زوج
آخر ، فألزمه بعض الحكام باليمين ، فقال الرجل : أحلف أن هذه ماهي بنتى .
فقال الحاكم: ما تحلف إلا أنها ماهى بنتها ، فامتنع أن يحلف إلا أنها ماهى بنتى،
وكان معه إنسان فقال للحاكم : هذا ما يحل له أن يحلف أنها ماهى بنت هذه
المرأة ، فضربه الحاكم بالدرة ، وأحرق به ، خلف الرجل ، فكتب عليه
فرض البنت . فهل يصح هذا الفرض ؟
١٦

فأجاب: الحمد لله . عليه اليمين أنها لم تلدها فى العدة ، أو أنها لم تلدها
على فراشه ، أو أنها لم تلدها فى بيته ؛ بحيث أمكن لحوق النسب به . فأما إذا
تزوجت بغيره وأمكن أنها ولدتها من الثانى فليس عليه المين أنها لم تلدها . وإذا
حلفت أنها لم تلدها قبل نكاح الثانى آخراً . وإذا أكره على الإقرار لم يصح
إقراره .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها ولا أصابها ، فولدت بعد شهرين :
فهل يصح النكاح ؟ وهل يلزمه الصداق ، أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله . لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين ، وكذلك لا يستقر
عليه المهر باتفاق المسلمين؛ لكن للعلماء فى العقد ((قولان)) أصمعما أن العقد
باطل ؛ كمذهب مالك ، وأحمد ، وغيرهما. وحينئذ فيجب التفريق بينهما ،
ولامهر عليه، ولا نصف مهر، ولا متعة ؛ كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت
الفرقة فيها قبل الدخول ؛ لكن ينبغى أن يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد
لقطع النزاع. و((القول الثانى)) أن العقد صحيح؛ ثم لا يحل له الوطء حتى
تضع ؛ كقول أبى حنيفة. وقيل: يجوز له الوط. قبل الوضع، كقول الشافى.
١٧

فعلى هذين القولين إذا طلقها قبل الدخول فعليه نصف المهر ؛ لكن هذا النزاع
إذا كانت حاملا من وطء شبهة أو سيد أو زوج ؛ فإن النكاح باطل باتفاق
المسلمين ، ولا مهر عليه إذا فارق قبل الدخول وأما الحامل من الزنا فلا كلام
فى صحة نكاحها . والنزاع فيما إذا كان نكحها طائعا . وأما إذا نكحها مكرها
فالنكاح باطل فى مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما
١٨

باب العدد
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة طلقها زوجها فى الثامن والعشرين من ربيع الأول ، وأن دم
الحيض جاءها مرة، ثم تزوجت بعدذلك فى الثالث والعشرين من جمادى الآخر
من السنة ، وادعت أنها حاضت ثلاث حيض ، ولم تكن حاضت إلا مرة ،
فلما علم الزوج الثانى طلقها طلقة واحدة ثانيا فى العشر من شعبان من السنة، ثم
أرادت أن تزوج بالمطلق الثانى ، وادعت أنها آيسة : فهل يقبل قولها
وهل يجوز ترويجها ؟
فأجاب الإياس لا يثبت بقول المرأة ؛ لكن هذه إذا قالت إنه ارتفع
لا تدرى مارفعه فإنها تؤجل سنة ، فإن لم يحض فيها زوجت. وإذا طعنت فى
سن الإياس فلا تحتاج إلى تأجيل . وإن علم أن حيضها ارتفع بمرض أو رضاع
كانت فى عدة حتى يزول العارض .
فهذه المرأة كان عليها ((عدتان)): عدة للأول، وعدة من وطء الثانى.
ونكاحه فاسد لا يحتاج إلى طلاق ، فإذا لم تحض إلا مرة واستمر انقطاع الدم
١٩

فإنها تعتد العدتين بالشهور ستة أشهر بعد فراق الثانى إذا كانت آيسة. وإذا
كانت مستريبة كان سنة وثلاثة أشهر . وهذا على قول من يقول : إن
العدتين لا تتداخلان: كمالك ، والشافعى ، وأحمد . وعند أبى حنيفة تتداخل
العدتان من رجلين ؛ لكن عنده الإياس حد بالسن وهذا الذى ذكر ناه هو
أحسن قولي الفقهاء وأسهلهما ، وبه قضى عمر وغيره . وأما على القول الآخر
فهذه المستريبة تبقى فى عدة حتى تطعن فى سن الإياس ، فتبقى على قولهم عام
خمسين أو ستين سنة لا تتزوج . ولكن فى هذا عسر وحرج فى الدين
وتضييع مصالح المسلمين.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج امرأة ولها عنده أربع سنين لم تحض ، وذكرت أن
لها أربع سنين قبل زواجها لم تحض ، حصل من زوجها الطلاق الثلاث :
فكيف يكون تزويجها بالزوج الآخر ؟ وكيف تكون العدة وعمرها
خمسون سنة ؟
فأجاب: الحمد لله . هذه تعتد عدة الآيسات ((ثلاثة أشهر)) فى أظهر
قولي العلماء ؛ فإنها قد عرفت أن حيضها قد انقطع ، وقد عرفت أنه قد انقطع
انقطاعا مستمراً ؛ بخلاف المستريبة الى لايدرى مارفع حيضها : هل هو ارتفاع
٢٠