النص المفهرس
صفحات 161-180
أو أوقع ، وهو المنقول عن أحمد . وقيل : بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين، وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار. وهذا أقوى وأقيس على أصل أحمد وغيره. فالحالف بالحرام تجزئه كفارة يمين ، كما تجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلى الحج ، أو فالي صدقة . وكذلك إذا حلف بالعتق لزمته كفارة يمين عنداً كثر السلف من الصحابة والتابعين ، وكذلك الحلف بالطلاق تجزئ أيضًاً فيه كفارة يمين ، كما أفتى من أفتى به من السلف والخلف ، والثابت عن الصحابة لايخالف ذاك؛ بل معناه يوافقه . وكل يمين يحلف بها المسلمون من أيمانهم فقها كفارة يمين، كما دل عليه الكتاب والسنة . وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو يعتق أو أن يظاهر : فهذا يلزمه ما أوقعه، سواء كان منجزاً أو معلقاً، فلا تجزئه كفارة يمين. والله أعلم بالصواب . ١٦١ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل قال: الطلاق يلزمنى ما بقيت أحلف بالطلاق ؛ إلا إن كنت ساهيا؛ أو غالطا . لأنه تخاصم مع شخص وحصل له حرج فقال : أيمان المسلمين تلزمنى . أو الأيمان تلزمنى على مذهب مالك : لا بد أن أشكوك إلى المحتسب؛ ولم يكن ذكر اليمين الأول؛ وهو شافعى المذهب : فما يجب على اليمين ؟ . فأجاب: إذا كان ناسيا لليمين الأول وحلف الثانية ثم ذكرها بعد ذلك فلا حنث عليه فى ذلك. والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل قال لزوجته : الطلاق يلزمنى متى رأيت فلانة عندك طلقتك : فهل يحنث إذا طلعت ولم يرها أو اجتمعوا ثلاثتهم فى مكان غير المحلوف عليه ؟ فأجاب : رضى الله عنه: إذا طلعت ولم يرها أو اجتمع بها فى بيت غيره لم يحنث، إلا أن يكون فى بيته؛ أو [فى](١) سبب اليمين ما يقتضي ذلك والله أعلم. (١) اضيفت حسب مفهوم السياق ١٦٢ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل خرجت زوجته بغير إذنه ، ثم قال لها : الطلاق يلزمنى ثلاثا ما بقيت أرفع العصا عنك ؛ ونيته فى ذلك إذا خرجت بغير إذنه : فهل يجب الطلاق بالحال : أو إذا خرجت بغير إذنه؟ وهل إذا أذن لها بعد ذلك ؟ فأجاب : لا طلاق عليه بالحال ؛ بل إذا خرجت بغير إذنه حنث ، فإن أذن لها إذنا عاما جاز إذالم يكن له نية أو سبب يخالف ذلك . والله أعلم . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل اتهم زوجته بسرقة درام ؛ فقالت: والله ما أخذت شيئا . فقال الطلاق يلزمنى منك ثلاثا إن لم يحضرى الدرام : ما تكون له زوجته ؟ فأجاب : إن تبين أنها لم تأخذ الدرام فلا حنث عليه فى أصح قولى العلماء لأن المحلوف عليه ممتنع ؛ ولأنه لم يقصد بردها إلا إذا كانت أخذتها. والله أعلم . ١٦٣ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل جرى منه كلام فى زوجته وهى حامل ، فقال: إن جاءت زوجتى ببنت فهى طالق، ثم إنه قبل الولادة جرى بينهم كلام فنزل عن طلاقه، ثم إنها بعد ذلك وضعت بنتا . فهل يقع على الزوج الطلاق، أم لا ؟ فأجاب . إن كان قد أبانها بالطلقة بأن تكون الطلقة بعوض ، أو ودعها حتى تنقضى عدتها: فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء. وفيها قولان للشافعى ((أحدهما)) يقع وهو رواية مخرجة فى مذهب أحمد. وإن كان لم يبنها بل راجع فى العدة فإن النكاح باق ، فإن وجدت الصفة المعلق بها وقع الطلاق وسئل رحمه الله تعالى عن رجل تخاصم هو وامرأته ، وانجرح منها ؛ فقال : الطلاق يلزمنى منك ثلاثا : إن قلت طلقنى طلقتك . فسكتت ، ثم قالت لأمها : أي شيء يقول؟ قالت أمها : يقول كذا. قولى له : طلقنى ثم قالت المرأة : طلقنى . فهل يقع طلاق بواحدة؛ أو بثلاث ؟ أو لا يقع ؟ ١٦٤ فأجاب الحمد لله : إذا لم ينو بقوله: إذا قلت طلقنى طلقتك . أنه طلقها فى المجلس ؛ بل يطلقها عند الشهود . وأما إذا لم ينوشيئا لم يحنث إذا افترقا من غير طلاق ؛ لكن يطلقها بعد ذلك الطلاق الذى قصد بيمينه . وأما إذا لم يقصد أن يطلقها ثلاثا ، ولا اثنتين أجزاً أن يطلقها طلقة واحدة. هذا إن كان مقصوده إجابة سؤالها مطلقا . وأما إذا قصد إجابة سؤالها إذا كانت طالبة للطلاق ، فإذا رجعت ، وقالت: لا أريد الطلاق : لم يكن عليه شيء إذا لم يطلقها . والله أعلم . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل قال لزوجته وهو ساكن بها فى غير منزل سكنها : إن قعدت عند كم فأنت طالق؛ وإن سكنت عند كم فأنت طالق ؛ ثم قال أيضا : أنت علي حرام ؛ ثم انتقل بنفسه ومتاعه دون زوجته إلى مكانآخر ؛ وعادت زوجته إلى مكانها الأول؛ فإذا عاد وقعد عند زوجته يقع عليه طلقة واحدة ؟ أم طلقتان؟ وهل السكن هو القعود ؟ أو بينهما عموم وخصوص ؟ وإذا لم ينو بالحرام الطلاق : هل يقع عليه كما لو نوى ؟ وهل إذا كان مذهب تزول به هذه الصورة مخالفا لمذهبه هل يجوز له التقليد أم لا ؟ ١٦٥ فأجاب: الحمد لله . أما قوله: إن قعدت عند كم وإن سكنت عندكم فإن كان نية الحالف بالقعود إذا انتقض سبب تلك الحال ؛ بمنزلة من دعي إلى غداء خلف أنه لا يتغدى؛ فإن سبب المين أنه أراد بذلك الغداء المعين ، ولهذا كان الصحيح أنه لا يحنث بغداء غير ذلك : وهكذا إذا كان قد زار هو وامر أته قوما فرأى من الأحوال ما كره أن تقيم تلك المرأة عندهم خلف أنه لا يقيم، ولا يسكن ، وقصد على تلك الحال ، أو كان سبب اليمين يدل على ذلك . وأما إن كان قد نوى العموم بحيث قصد أنه لا يقعد عنده ولا يساكنهم بحال فإنه لا يحنث بالقعود . وإن أطلق المين ففيه نزاع مشهور بين العلماء . وحيث يحنث بالقعود فإنه إذا كان القعود الذى قصده هو السكنى لم يحنث بأكثر من طلقة ؛ إلا أن يقصد أكثر من ذلك؛ كما لو كرر المين بالله على فعل واحد لم يلزمه إلا كفارة واحدة على الصحيح . وإن كان القعود داخلا فى ضمن السكنى - كما هو ظاهر اللفظ المطلق - فهذه المسألة تداخل الصفات ، كمالوقال : إن أكلت تفاحة واحدة : فقد قيل : تقع طلقتان ؛ لوجود الصفتين. وقيل : لا يقع إلاطلقة واحدة أيضا . وهو أقوى ، فإن المفهوم من هذا الكلام أنك طالق سواء أكلت تفاحة كاملة أو نصفها، وكذلك إذا قال : إن قعدت . فالقعود (( لفظ مشترك)) يراد به السكنى مشتملا على القعود ، ويكون ١٦٦ - أولاً حلف أنه لايقعد ، ثم حلف على ماهو أعم من ذلك وهو السكنى فإذا سكن كان الأول بعض الثانى، فلايقع أكثر من طلقة إذا قيل بوقوع الطلاق عليه على أقوى القولين . وأما قوله: ((أنت علي حرام)) فإن حلف أن لا يفعل شيئا ففعله: فعليه كفارة يمين . وإن لم يحلف ؛بل حرمها تحريما : فهذا عليه كفارة ظهار ، ولا يقع به طلاق فى الصورتين . وهذا قول جمهور أهل العلم من أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين : يقولون: إن الحرام لا يقع به طلاق إذا لم ينوه ، كماروي ذلك عن أبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم . وإن كان من متأخرى أتباع بعض الأمة من زعم أن هذا اللفظ قد صار بحكم العرف صريحا فى الطلاق : فهذا ليس من قول هؤلاء الأئمة المتبوعين . وقد كانوا فى أول الإسلام يرون لفظ ((الظهار)) صريحا فى الطلاق وهو قوله : أنت علي كظهر أمى ، حتى تظاهر أوس بن الصامت (قَدْ سَمِعَاللَّهُ قَوْلَ الَّتِىِ من امرأته المجادلة ، التي ثبت حكمها فيما أنزل الله تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ ) وأفتاها النبى صلى الله عليه وسلم أولاً بالطلاق ، حتى نسخ الله ذلك ، وجعل الظهار موجبا للكفارة ولو نوى به الطلاق . ١٦٧ ((والحرام)) نظير الظهار ، لأن ذلك تشبيه لها بالمحرمة ، وهذا نطق بالتحريم، وكلاهما منكر من القول وزور ، فقد دل كتاب الله على أن تحريم الحلال يمين بقوله: (لِمَ تُحُُّ مَا أَحَلَّ اللّهُلَكَ) إلى قوله : ( قَدْ فَضَ اللهُ لَكُمْ فَجِلَةَ أَيْمَنِّكُمْ ) . مع أن هذا ليس موضع بسط ذلك . وأما تقليد المستفتي للمفتي فالذى عليه الأئمة الأربعة وسائر أئمة العلم أنه ليس على أحد ولاشرع له التزام قول شخص معين فى كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لكن منهم من يقول : على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكنه استفتاؤه. ومنهم من يقول: بل يخير بين المفتين؛ [ و] إذا كان له نوع تمييز، فقد قيل : يتبع أى القولين أرجح عنده بحسب تميزه ، فإن هذا أولى من التخيير المطلق . وقيل : لا يجتهد إلا إذاصار من أهل الاجتهاد. والأول أشبه . فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله بحسب تمييزه، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب . وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل قال لحماته : إن لم تبيعينى جاريتك وإلا ابنتك طالق ثلاثا . فقالوا : ما نبيعك الجارية . فقال : ابنتكم طالق ثلاثا . ونيته إن لم تعطينى الجارية ؟ ١٦٨ فأجاب : إن كان قد نوى الشرط بقلبه ولم يقصد الطلاق فلا حنث عليه. وهذا مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما أنه لا يلزمه الطلاق فيما بينه وبين الله . والله أعلم. وسُل عن من قال لزوجته : إن دخلت الدار فأنت طالق . فدخلت ناسية ؟ فأجاب : الحمد لله إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت ناسية لم يقع الطلاق فى أظهر قولي العلماء وهو مذهب أهل مكة : كعمرو بن دينار وابن جريج وغيرهما ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والله أعلم . وسئل شيخ الإسلام الشجاع المقدام ، ليث الحروب وأسد السنة ؛ الصابر فى ذات الله على المحنة ، العلم الحجة ، أحمد بن عبد الحليم ، بن عبد السلام، بن تيمية ، رحمه الله رب البرية: عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن صوت وحرف، وأن الرحمن على العرش استوى : على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره هل يحنث فى هذا ؟ أم لا ؟ ١٦٩ فأجاب رحمه الله تعالى : الحمد لله رب العالمين . إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن ، والمداد الذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية : فقد حنث فى يمينه . وما علمت أحداً من الناس يقول ذلك ، وإن كان قد يكره تجريد الكلام فى المداد الذى فى المصحف وفى صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن . ومن الناس من تكلم فى صوت العبد وإن كنا نعلم أن الذى نقرؤه هو كلام الله حقيقة ؛ لا كلام غيره ، وأن الذى بين اللوحين هو كلام الله حقيقة؛ لكن ما علمت أحدا حكم على مجموع المداد المكتوب به ، وصوت العبد بالقرآن : بأنه قديم . ولكن الذين فى قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام رسوله وكلام السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان فى (( باب صفات الله )) إلا المعانى التى تليق بالخلق ؛ لا بالخالق ، ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه فى كلام الله وكلام رسوله إذا وجدوا ذلك فيها ، وإن وجدوه فى كلام التابعين للسلف افتروا الكذب عليهم ، ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الذى فهموه ، أو زادوا علهم فى الألفاظ، وغيروها قدرا ووصفا ، كما نسمع من ألسنتهم ، ونرى فى كتبهم . ثم بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكى هذا المذهب عمن حكوه عنهم ، ويذم ويبحث مع من لاوجود له ، وذمه واقع على موصوف غير ١٧٠ موجود ، نظير ماصرف الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ((ألا تعجبون من قريش يشتمون مذمما، وأنا محمد؟!)). وهذا نظير ما تحكي الرافضة عن أهل السنة من أهل الحديث والفقه والعبادة والمعرفة أنهم ناصبة، وتحكي القدرية عنهم أنهم مجبرة ، وتحكى الجهمية عنهم أنهم مشبهة ، ويحكى من خالف الحديث ونابذ أهله عنهم : أنهم نابتة ، وحشوية ، وغثاء ، وغثرة . إلى غير ذلك من الأسماء المكذوبة . ومن تأمل كتب المتكلمين الذين يخالفون هذا القول وجدم لا يبحثون فى الغالب أو فى الجميع إلا مع هذا القول الذى ما علمنا لقائله وجودا. وإن كان مقصود الحالف : أن القرآن الذى أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو هذه المائة والأربع عشرة سورة: حروفها ومعانيها ، وأن القرآن ليس هو الحروف دون المعانى ، ولا المعانى دون الحروف ؛ بل هو مجموع الحروف والمعانى ، وأن تلاوتنا للحروف وتصورنا للمعانى لايخرج المعانى والحروف من أن تكون موجودة قبل وجودنا : فهذا مذهب المسلمين . ولا حنث عليه . وكذلك إن كان مقصوده أن هذا القرآن الذى يقرؤه المسلمون ، ويكتبونه فى مصاحفهم : هو كلام الله سبحانه حقيقة ؛ لامجازا ، وأنه ١٧١ لا يجوز نفى كونه كلام الله ؛ إذ الكلام يضاف حقيقة لمن قاله متصفا به مبتديا وإن كان قد قالهغيره مبلغا مؤديا ، وهو كلام من اتصف بهمبتدیا؛ لا من بلغه مؤديا. فإنا بالاضطرار نعلم من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين سلف الأمة أن قائلا لو قال: إن هذه الحروف - حروف القرآن - ماهى من القرآن وإنما القرآن اسم لمجرد المعانى: لأنكروا ذلك عليه غاية الإنكار ، وكان عندهم بمنزلة من يقول : إن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماهو داخل فى اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هذا اسم للروح دون الجسد. أو يقول : إن الصلاة ليست اسما لحركات القلب والبدن ؛ وإنما هي اسم الأعمال القلب فقط . وكذلك ذكر الشهر ستانى - وهو من أخبر الناس بالملل والنحل والمقالات فى نهاية الإقدام - أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن مذهب سلف الأمة نفي الخلق عنها ؛ وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها . ولا يحسب اللبيب أن فى العقل أو فى السمع ما يخالف ذلك ؛ بل من تبحر فى المعقولات ووقف على أسرارها: علم قطعا أن ليس فى العقل الصريح الذى لا يكذب قط ما يخالف مذهب السلف وأهل الحديث ؛ بل يخالف ١٧٢ ماقد يتوهمه المنازعون لهم بظلمة قلوبهم وأهواء نفوسهم ؛ أو ماقد يفترونه عليهم ؛ لعدم التقوى ، وقلة الدين . ولو فرض - على سبيل التقدير - أن العقل الصريح الذى لا يكذب يناقض بعض الأخبار: للزم أحد الأمرين: إما تكذيب الناقل . أو تأويل المنقول ؛ لكن - ولله الحمد - هذا لم يقع ؛ ولا ينبغى أن يقع قط فإن حفظ الله لما أنزله من الكتاب والحكمة يأبى ذلك . نعم! يوجد مثل هذا فى أحاديث وضعتها الزنادقة ليشينوا بها أهل الحديث، حديث ((عرق الخيل)) و((الجمل الأورق)) وغير ذلك مما يعلم العلماء بالحديث أنه كذب . ومما يوضح هذا ما قد استفاض عن علماء الإسلام : مثل الشافعى ، والحميدى . وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم : من إنكارهم على من زعم أن لفظ القرآن مخلوق ، والآثار بذلك مشهورة فى كتاب ابن أبى حاتم ، وكتاب اللالكائي؛ تلميذ أبى حامد الإسفرائيني. وكتاب الطبرانى ؛ وكتاب شيخ الإسلام ، وغيرهم ممن يطول ذكره . وليس هذا موضع التقرير بالأدلة والأسئلة ، والأجوبة . ١٧٣ وكذلك إن كان مراد الحالف بذكر الصوت : التصديق بالآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيهم ، التى وافقت القرآن وتلقاها السلف بالقبول : مثل ما خرجا فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من (( أن الله ينادى آدم بصوت)) وما استشهد به البخارى فى هذا الباب من (( أن الله ينادى عباده يوم القيامة بصوت يسمعه من بعدكما يسمعه من قرب)) ومثل (( أن الله إذا تكلم بالوحي - القرآن ؛ أو غيره - سمع أهل السموات صوته )) وفى قول ابن عباس : سمعوا صوت الجبار . وأن الله كلم موسى بصوت . إلى غير ذلك من الآثار التى قالها : إما ذا كراً وإما آثراً : مثل عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وأبي هريرة وعبد الله بن أنيس ، وجابر بن عبد الله، ومسروق أحد أعيان كبار التابعين وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أحد الفقهاء السبعة ، وعكرمة مولى ابن عباس، والزهرى ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل ؛ ومن لا يحصى كثرة. ولا ينقل عن أحد من علماء الإسلام قبل المائة الثانية أنه أنكر ذلك ولا قال خلافه ؛ بل كانت الآثار مشهورة بينهم متداولة فى كل عصر ومصر ؛ بل أنكر ذلك شخص فى وقت الإمام أحمد ؛ وهو أول الأزمنة التى نبغت فيها البدع بإنكار ذلك على النصوص ، وإلا فقبله قد نبغ من أنكر ذلك وغيره ، فهجر أهل الإسلام من أنكر ذلك ؛ وصار بين المسلمين كالجمل الأجرب . فإن أراد الحالف ماهو منقول عن السلف نقلا صحيحا فلا حنث عليه ١٧٤ وأما حلفه: أن ((الرحمن على العرش استوى)) على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره: فلفظة ((الظاهر)) قد صارت مشتركة ؛ فإن الظاهر فى الفطر السليمة واللسان العربى والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر فى عرف كثير من المتأخرين . فإن أراد الحالف بالظاهر شيئا من المعانى التى هى من خصائص المحدثين، أو ما يقتضى نوع نقص: بأن يتوم أن الاستواء مثل استواء الأجسام على الأجسام ، أوكاستواء الأرواح إن كانت لا تدخل عنده فى اسم الأجسام : فقد حنث فى ذلك ، وكذب ؛ وما أعلم أحداً يقول ذلك ؛ إلا ما يروى عن مثل داود الجواربي البصرى ، ومقاتل بن سليمان الخراسانى ، وهشام بن الحـ كم الرافضي ؛ ونحوهم؛ إن صح النقل عنهم فإنه يجب القطع بأن الله ليس كمثله شىء ؛ لا فى نفسه ، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، وأن مباينته للمخلوقين؛ وتنزهه عن مشاركتهم أكبر وأعظم مما يعرفه العارفون من خليقته ، ويصفه الواصفون . وأن كل صفة تستلزم حدوثا أو نقصا غير الحدوث فيجب نفيها عنه. ومن حكى عن أحد من أهل السنة أنه قاس صفاته بصفات خلقه : فهو إما كاذب ؛ أو مخطئ . وإن أراد الحالف بالظاهر ما هو الظاهر فى فطر المسلمين قبل ظهور الأهواء وتشتت الآراء ؛ وهو الظاهر الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى ١٧٥ كما أن هذا هو الظاهر فى سائر ما يطلق عليه سبحانه من أسمائه وصفاته كالحياة ؛ والعلم، والقدرة ؛ والسمع ، والبصر ؛ والكلام ؛ والإرادة ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ والمحبة ، والغضب ؛ والرضا ؛ كقوله : بِيَدَىَ) و((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة)) إلى غير ذلك؛ فإن ظاهر هذه الألفاظ إذا أطلقت علينا أن تكون أعراضا أو أجساما ؛ لأن ذواتنا كذلك ؛ وليس ظاهرها إذا أطلقت على الله سبحانه وتعالى إلا ما يليق بجلاله ويناسب نفسه الكريمة ؛ فكما أن لفظ ((ذات)) و((وجود)) و ((حقيقة)): تطلق على الله وعلى عباده، وهو على ظاهره فى الإطلاقين؛ مع القطع بأنه ليس ظاهره فى حق الله مساويا لظاهره فى حقنا؛ ولامشاركا له : فيما يوجب نقصا أو حدوثا ، سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة ، أو مشتركة؛ أو مشككة كذلك قوله : (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) و(إِنَّاللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَةِ الْمَتِينُ ) (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ) (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى): الباب فى الجميع واحد. وكان قدماء (( الجهمية)) ينكرون جميع الصفات لله التى هى فينا أعراض كالعلم ، والقدرة. أوأجسام: كاليد، والوجه. وحدثاؤهم أقروا بكثير من الصفات التى هي فينا أعراض : كالعلم ، والقدرة . وأنكروا بعضها ، والصفات التى هى فينا أجسام . وفيهم من أقر ببعض الصفات التى هى فينا أجسام کالید . ١٧٦ ((وأما السلفية)) فعلى ما حكاه الخطابى وأبو بكر الخطيب وغيرهما ، قالوا : مذهب السلف إجراء أحاديث الصفات وآيات الصفات على ظاهرها. مع نفى الكيفية والتشبيه عنها ؛ فلا نقول : إن معنى اليد القدرة ، ولا إن معنى السمع العلم . وذلك أن الكلام فى الصفات فرع على الكلام فى الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله . فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لاإثبات كيفية فقد أخبرك الخطابى ، والخطيب - وهما إمامان من أصحاب الشافعى متفق على عالمهما بالنقل ، وعلم الخطابى بالمعانى - أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها . والله يعلم أني قد بالغت فى البحث عن مذاهب السلف فما علمت أحداً منهم خالف ذلك. ومن قال من المتأخرين : إن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد. فيجب لمن أحسن به الظن أن يعرف أن معنى قوله ((الظاهر)) الذى يليق بالمخلوق لا بالخالق . ولا شك أن هذا غير مراد. ومن قال: إنه مراد فهو بعد قيام الحجة عليه كافر . فهنا ((بحثان)): لفظي، ومعنوي. أما المعنوى: فالأقسام ثلاثة فى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ونحوه . أن يقال: استواء كاستواء ١٧٧ مخلوق : أو يفسر باستواء مستلزم حدوثا أو نقصا: فهذا الذى يحكى عن الضلال المشبهة والمجسمة وهو باطل قطعا بالقرآن وبالعقل . وإما أن يقال : ما ثم استواء حقيقى أصلا، ولا على العرش إله ولا فوق السموات رب: فهذا مذهب الضالة الجهمية المعطلة وهو باطل قطعا بما علم بالاضطرار من دين الإسلام لمن أمعن النظر فى العلوم النبوية ، وبما فطر الله عليه خليقته من الإقرار بأنه فوق خلقه ، كإقرارم بأنه ربهم. قال ابن قتيبة : ما زالت الأمم عربها وحجمها فى جاهليتها وإسلامها معترفة بأن الله فى السماء أي على السماء . أو يقال : بل استوى سبحانه على العرش على الوجه الذى يليق بجلاله ويناسب كبرياءه، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ، مع أنه سبحانه هو حامل للعرش ولحملة العرش ، وأن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، كما قالته أم سلمة وربيعة بن أبى عبد الرحمن ، ومالك بن أنس. فهذا مذهب المسلمين . وهو الظاهر من لفظ ( استوى) عند عامة المسلمين الباقين على الفطر السليمة ، التى لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل. هذا هو الذى أراده يزيد بن هارون الواسطى المتفق على إمامته وجلالته وفضله ، وهو من أتباع التابعين حيث قال ١٧٨ من زعم أن ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) خلاف ما يقر فى نفوس العامة فهو جهمي ، فإن الذى أقره الله فى فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سمواته ، كما أنشد عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم . وأن النار مثوى الكافرينا شهدت بأن وعد الله حق وفوق العرش رب العالمينا وأن العرش فوق الماء طاف وقال عبدالله بن المبارك - الذى أجمعت فرق الأمة على إمامته وجلالته حتى قيل : إنه أمير المؤمنين فى كل شىء. وقيل : ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك، وقد أخذ عن عامة علماء وقته : مثل الثورى، ومالك ، وأبى حنيفة ، والأوزاعي وطبقتهم - قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال : بأنه فوق سمواته، على عرشه ، بائن من خلقه . وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة - الملقب إمام الأئمة، وهو ممن يعرج أصحاب الشافعي بما ينصره من مذهبه ، ويكاد يقال: ليس فيهم أعلم بذلك منه -: من لم يقل : إن الله فوق سمواته، على عرشه، باين من خلقه : وجب أن يستتاب ، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة ؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة ولا أهل الذمة ، وكان ماله فيئا . وقال مالك بن أنس الإمام فيما رواه عنه عبد الله بن نافع وهو مشهور ١٧٩ عنه: إن الله فى السماء؛ وعلمه فى كل مكان، لا يخلو من علمه مكان. وقال الإمام أحمد بن حنبل : مثل ما قال مالك ، وما قاله ابن المبارك . والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر علماء الأمة بذلك متواترة عندمن تتبعها ؛ وقد جمع العلماء فيها مصنفات صغارا وكبارا ؛ ومن تتبع الآثار علم أيضا قطعا أنه لا يمكن أن ينقل عن أحد منهم حرف واحد يناقض ذلك ؛ بل كلهم مجمعون على كلمة واحدة ؛ وعقيدة واحدة ؛ يصدق بعضهم بعضا؛ وإن كان بعضهم أعلم من بعض ؛ كما أنهم متفقون على الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وإن كان فيهم من هو أعلم بخصائص النبوة ومزاياها وحقوقها وموجباتها وحقيقتها وصفاتها ثم ليس أحد منهم قال يوما من الدهر : ظاهر هذا غير مراد ؛ ولا قال هذه الآية أو هذا الحديث مصروف عن ظاهره ؛ مع أنهم قد قالوا مثل ذلك فى آيات الأحكام المصروفة عن عمومها وظاهرها ؛ وتكلموا فما يستشكل مما قد يتوهم أنه تناقض . وهذا مشهور لمن تأمله . وهذه الصفات أطلقوها بسلامة ، وطهارة ، وصفاء، لم يشوبوه بكدر ولا غش . ولو لم يكن هذا هو الظاهر عند المسلمين لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلف الأمة قالوا للأمة : الظاهر الذى تفهمونه غير مراد، ولكان أحد من المسلمين استشكل هذه الآية وغيرها . ١٨٠