النص المفهرس
صفحات 61-80
كالشافعي ، وأحمد . وغيرهما: فى تعليق النذر. قالوا : إذا كان مقصوده النذر فقال: لئن شفى الله مريضي فعلى الحج. فهو ناذر إذا شفى الله مريضه لزمه الحج فهذا حالف تجزئه كفارة يمين ، ولاحج عليه . وكذلك قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وأم سلمة . وزينب ربيبة النبى صلى الله عليه وسلم ، وغير واحد من الصحابة فى من قال إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر . قالوا : يكفر عن يمينه . ولا يلزمه العتق. هذامع أن العتق طاعة وقربة ؛ فالطلاق لا يلزمه بطريق الأولى، كما قال ابن عباس رضى الله عنه : الطلاق عن وطر ، والعتق ما ابتغي به وجه الله. ذكره البخارى فى صحيحه . بين ابن عباس أن الطلاق إنما يقع من غرضه أن يوقعه؛ لا لمن يكره وقوعه. كالحالف به ، والمكره عليه، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: كل عين وإن عظمت فكفارتها كفارة اليمين بالله. وهذا يتناول جميع الأيمان: من الحلف بالطلاق، والعتاق ، والنذر . وغير ذلك . والقول بأن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق مذهب خلق كثير من السلف والخلف ؛ لكن فيهم من لا يلزمه الكفارة : ڪداود، وأصحابه . ومنهم من يلزمه كفارة يمين : كطاووس ، وغيره من السلف والخلف . والأيمان التى يحلف بها الخلق ثلاثة أنواع. ((أحدها)) عين محترمة منعقدة: كالحلف باسم الله تعالى: فهذه فيها الكفارة بالكتاب والسنة والإجماع . ٦١ ((الثانى)) الحلف بالمخلوقات: كالحالف بالكعبة. فهذه لاكفارة فيها باتفاق المسلمين . (( والثالث)) أن يعقد اليمين لله، فيقول: إن فعلت كذا فعلي الحج. أو مالي صدقة . أو فنسائي طوالق . أو فعبيدي أحرار ؛ ونحو ذلك ، فهذه فيها الأقوال الثلاثة المتقدمة : إما لزوم المحلوف به، وإما الكفارة ، وإما لاهذا ولا هذا . وليس فى حكم الله ورسوله إلا يمينان: يعين من أيمان المسلمين ففها الكفارة . أو يمين ليست من أيمان المسلمين: فهذه لاشيء فيها إذا حنث. فهذه الأيمان إن كانت من أيمان المسلمين فقها كفارة ؛ وإن لم تكن من أيمان المسلمين لم يلزم بها شىء. فأما إثبات يمين يلزم الحالف بها ما التزمه، ولا تجزئه فيها كفارة : فهذا ليس فى دين المسلمين؛ بل هو مخالف للكتاب والسنة . والله تعالى ذكر فى سورة التحريم حكم أيمان المسلمين. وذكر فى السورة التى قبلها حكم طلاق المسلمين فقال فى سورة التحريم: (يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَحِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْفَرَضَ اللَّهُ لَكُمْشِهِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَكُمْ وَهُوَالْعَلِمُ الْحَكِيمُ ) وقال فى سورة الطلاق: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ وَأَحْصُواْ اَلِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَرَبِّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِنَةٍ وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ ٦٢ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَابَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَقِمُواْ الشَّهَدَةَلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَنَوَكَّلْ عَلَى فهو سبحانه اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ بَلِغُ أَمْرِ هِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ) بين فى هذه السورة حكم الطلاق ، وبين فى تلك حكم أيمان المسلمين . وعلى المسلمين أن يعرفوا حدود ماأنزل الله على رسوله ، فيعرفوا ما يدخل فى الطلاق وما يدخل فى أيمان المسلمين، ويحكموا فى هذا بما حكم الله ورسوله، ولا يتعدوا حدود الله فيجعلوا حكم أيمان المسلمين، وحكم طلاقهم حكم أيمانهم ؛ فإن هذا مخالف لكتاب الله وسنة رسوله . وإن كان قد اشتبه بعض ذلك على كثير من علماء المسلمين فقد عرف ذلك غيرم من علماء المسلمين ، والذين ميزوا بين هذا وهذا من الصحابة والتابعين هم أجل قدرا عند المسلمين ممن اشتبه عليه هذا (يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ وهذا ، وقد قال الله تعالى : اُلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِ تَعْهُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) فما تنازع فيه المسلمون وجب رده إلى الكتاب والسنة . والاعتبار - الذى هو أصح القياس وأجلاه - إنما يدل على قول من فرق بين هذا وهذا ، مع مافی ذلك من صلاح المسلمین فی دینهم ودنیام إذا ٦٣ فرقوا بين مافرق الله ورسوله بينه ، فإن الذين لم يفرقوا بين هذا وهذا أوقعهم هذا الاشتباه : إما فى آصار وأغلال ، وإما فى مكر واحتيال : كالاحتيال فى ألفاظ الأيمان ، والاحتيال بطلب إفساد النكاح ، والاحتيال بدور الطلاق والاحتيال بخلع اليمين ، والاحتيال بالتحليل . والله أغنى المسلمين بنبيهم الذى قال الله فيه: ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ ) أى يخلصهم من الآصار والأغلال ؛ ومن الدخول فى منكرات أهل الحيل . والله تعالى أعلم. فصل فى التفريق بين التعليق الذى يقصد به الإيقاع والذى يقصد به اليمين . ((فالأول)) أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط، وإن كان الشرط مكروها له ؛ لكنه إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق ؛ لكون الشرط أكره إليه من الطلاق ؛ فإنه وإن كان يكره طلاقها ، ويكره الشرط؛ لكن إذا وجد الشرط فإنه يختار طلاقها : مثل أن يكون كارها للتزوج بامرأة بغي أو فاجرة أو خائنة أو هو لا يختار طلاقها ؛ لكن إذا فعلت هذه الأمور : اختار طلاقها ؛ فيقول إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق . ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها : إما عقوبة لها ؛ وإما كراهة لمقامه معها ٦٤ على هذا الحال : فهذا موقع للطلاق عند الصفة ؛ لاحالف : ووقوع الطلاق فى مثل هذا هو المأثور عن الصحابة : كابن مسعود ؛ وابن عمر ؛ وعن التابعين وسائر العلماء ؛ وما علمت أحدا من السلف قال فى مثل هذا: إنه لا يقع به الطلاق ؛ ولكن نازع فى ذلك طائفة من الشيعة ، وطائفة من الظاهرية. وهذا ليس بحالف ؛ ولا يدخل فى لفظ اليمين المكفرة الواردة فى الكتاب والسنة : ولكن من الناس من سمى هذا حالفا ، كما أن منهم من يسمى كل معلق حالفا ؛ ومن الناس من يسمى كل منجز للطلاق حالفا . وهذه الاصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل فى اللغة ؛ ولافى كلام الشارع ، ولا كلام الصحابة ؛ وإنما سمي ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين من القدر المشترك عند المسمى . وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة . وأما التعليق الذى يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم. بخلاف النوع الأول فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم . وهذا القسم إذا ذكره بصيغة الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء ؛ وهو أكره إليه من الشرط : فيكون كارها للشرط ؛ وهو للجزاء أ كره، ويلتزم أعظم المكروهين عنده ليمتنع به من أدنى المكروهين. فيقول : إن فعلت كذا فامرأتى طالق. أو عبيدى أحرار . أو علي الحج ، ونحو ذلك . أو يقول لامرأته : إن زنيت أو سرقت أو خنت : فأنت طالق يقصد زجرها أو تخويفها باليمين، لا إيقاع الطلاق إذا فعلت؛ لأنه يكون مريداً لها وإن ٦٥ فعلت ذلك ؛ لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال ، فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع ؛ لا لقصد الإيقاع : فهذا حالف ليس بموقع . وهذا هو الحالف فى الكتاب والسنة ، وهو الذى تجزئه الكفارة. والناس يحلفون بصيغة القسم ، وقد يحافون بصيغة الشرط التى فى معناها ؛ فإن علم هذا وهذا سواء باتفاق العلماء. والله أعلم . وقال رحمه اللّه تعالى بعد أن ذكر مبنى أحكام أصول الدين على ثلاثة أقسام الكتاب والسنة والإجماع ، وتقدم. فصل ((والطلاق نوعان)) نوع أباحه الله، ونوع حرمه. فالذى أباحه أن يطلقها إذا كانت ممن تحيض بعد أن تطهر من الحيض قبل أن يطأها ، ويسمى («طلاق السنة)) فإن كانت ممن لا تحيض طلقها أي وقت شاء، أو يطلقها حاملا قد تبين حملها ، فإن طلقها بالحيض ، أو فى طهر بعد أن وطئها : كان هذا طلاقا محرما بإجماع المسلمين. وفى وقوعه ((قولان)) للعلماء . والأظهر أنه لا يقع ٦٦ وطلاق السنة المباح: إما أن يطلقها طلقة واحدة ويدعها حتى تنقضي العدة فتبين . أو يراجعها فى العدة. فإن طلقها ثلاثا، أو طلقها الثانية، أو الثالثة فى ذلك الطهر: فهذا حرام ، وفاعله مبتدع عندا كثر العلماء : كمالك ، وأبى حنيفة ، وأحمد فى المشهور عنه، وكذلك إذا طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة أو العقد عند مالك وأحمد فى ظاهر مذهبه وغيرهما ؛ ولكن هل يلزمه واحدة؟ أو ثلاث ؟ فيه قولان . قيل : يلزمه الثلاث؛ وهو مذهب الشافعي؛ والمعروف من مذهب الثلاثة . وقيل : لا يلزمه إلاطلقة واحدة؛ وهو قول كثير من السلف والخلف ، وقول طائفة من أصحاب مالك وأبى حنيفة ؛ وهذا القول أظهر ؛ وقد ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عباس قال : كان الطلاق الثلاث علىعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأبى بكر ؛ وصدراً من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة . وفى مسند الإمام أحمد بإسناد جيد عن ابن عباس : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فى مجلس واحد؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هى واحدة)) ولم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد ثابث أنه ألزم بالثلاث لمن طلقها جملة واحدة ؛ وحديث ركانة الذى يروى فيه أنه طلقها ألبتة ؛ وأن النبى صلى الله عليه وسلم (( سأله؛ وقال: (( ما أردت إلا واحدة)»؟ ضعيف عند أئمة الحديث: ضعفه أحمد ؛ والبخاري ؛ وأبو عبيد. وابن حزم. بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط . وبين أحمد أن الصحيح فى حديث ركانة أنه طلقها ثلاثا وجعلها واحدة. وقد بسطنا الكلام فى غير هذا الموضع. والله أعلم . ٦٧ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان. فالأيمان ((ثلاثة أقسام)) ((أحدها)) ماليس من أمان المسلمين، وهو الحلف بالمخلوقات. كالكعبة والملائكة، والمشايخ، والملوك والآباء؛ وتربتهم ، ونحو ذلك فهذه يمين غير منعقدة ، ولا كفارة فيها باتفاق العلماء؛ بل هي منهي عنها باتفاق أهل العلم والنعى نعي تحريم فى أصح قوليهم. ففى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كان حالفا فيلحلف بالله أو ليصمت)) وقال ((إن الله ينها كم أن تحلفوا بآبائكم)) وفى السنن عنه أنه قال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)). ((والثاني)) اليمين بالله تعالى كقوله: والله لأفعلن. فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين. وأيمان المسلمين التى هى فى معنى الحلف بالله مقصود الحالف بها تعظيم الخالق - لا الحلف بالمخلوقات - كالحلف بالنذر، والحرام ، والطلاق، والعتاق ، كقوله : إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج إلى بيت الله . أو الحل علي حرام لا أفعل كذا . أو إن فعلت كذا فكل ما أملكه حرام. أو الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا . أو لا أفعله . أو إن ٦٨ فعلته فنسائى طوالق ، وعبيدي أحرار، وكل ما أملكه صدقة ، ونحو ذلك فهذه الأمان للعلماء فيها ثلاثة أقوال . قيل إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به. وقيل لا يلزمه شىء. وقيل: يلزمه كفارة يمين. ومنهم من قال: الحلف بالنذر يجزيه فيه الكفارة ، والحلف بالطلاق والعتاق يلزمه ما حلف به . وأظهر الأقوال وهو القول الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار : أنه يجزئه كفارة يمين فى جميع أيمان المسلمين ، كما قال الله تعالى: (ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) وقال تعالى و ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله : (قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَمِلَّةَ أَبْمَنِكُمْ ) عليه وسلم أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا، فليأت الذى هو خير، وليكفر عن يمينه)، فإذا قال: الحل علي حرام لا أفعل كذا. أو الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا . أو إن فعلت كذا فعلي الحج. أو مالي صدقة: أجزأه فى ذلك كفارة يمين، فإن كفر كفارة الظهار فهو أحسن. وكفارة اليمين يخير فيها بين العتق ، أو إطعام عشرة مسا كين، أو كسوتهم، وإذا أطعمهم أطعم كل واحد جراية من الجرايات المعروفة فى بلده : مثل أن يطعم ثمان أواق ، أو تسع أواق بالشامي ، ويطعم مع ذلك إدامها ؛ كما جرت عادة أهل الشام فى إعطاء الجرايات خبزا وإداما . وإذا كفر يمينه لم يقع به الطلاق . ٦٩ وأما إذا قصد إيقاع الطلاق على الوجه الشرعي : مثل أن ينجز الطلاق فيطلقها واحدة فى طهر لم يصبها فيه : فهذا يقع به الطلاق باتفاق العلماء، وكذلك إذا علق الطلاق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها : مثل أن يكون مريداً للطلاق إذا فعات أمراً من الأمور . فيقول لها : إن فعلته فأنت طالق . قصده أن يطلقها إذا فعلته: فهذا مطلق يقع به الطلاق عند السلف وجماهير الخلف ؛ بخلاف من قصده أن ينهاها ويزجرها باليمين ؛ ولوفعلت ذلك الذى يكرهه لم يجز أن يطلقها؛ بل هو مريد لها وإن فعلته ؛ لكنه قصد اليمين لمنعها عن الفعل ؛ لا مريداً أن يقع الطلاق وإن فعلته : فهذا حالف لا يقع به الطلاق فى أظهر قولي العلماء من السلف والخلف ؛ بل يجزئه كفارة يمين ، كما تقدم . فصل والطلاق الذى يقع بلا ريب هو الطلاق الذى أذن الله فيه وأباحه، وهو أن يطلقها فى الطهر قبل أن يطأها ، أو بعد ما يبين حملها : طلقة واحدة ٧٠ فأما ((الطلاق المحرم)) مثل أن يطلقها فى الحيض، أو يطلقها بعد أن يطأها وقبل أن يبين حملها : فهذا الطلاق محرم باتفاق العلماء . وكذلك إذا طلقها ثلاثا بكلمة أو كلمات فى طهر واحد : فهو محرم عند جمهور العلماء . وتنازعوا فيما يقع بها . فقيل: يقع بها الثلاث . وقيل: لا يقع بها إلا طلقة واحدة ، وهذا هو الأظهر الذى يدل عليه الكتاب والسنة ، كما قد بسط فى موضعه . وكذلك الطلاق المحرم فى الحيض وبعد الوطء : هل يلزم ؟ فيه قولان للعلماء ، والأظهر أنه لا يلزم ، كما لا يلزم النكاح المحرم ، والبيع المحرم . وقد ثبت فى الصحيح عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدراً من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة . وثبت أيضا فى مسند أحمد: أن ركانة ابن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فى مجلس واحد ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ((هي واحدة)) ولم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم خلاف هذه السنة، بل ما يخالفها إما أنه ضعيف؛ بل مرجوح . وإما أنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك ، كما قد بسط ذلك فى موضعه . والله أعلم . ٧١ فصل الطلاق منه طلاق سنة أباحه الله تعالى ، وطلاق بدعة حرمه الله . فطلاق السنة أن يطلقها طلقة واحدة إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها : أو يطلقها حاملا قد تبين حملها . فإن طلقها وهى حائض ، أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها فهذا (طلاق محرم)) بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وتنازع العلماء: هل يلزم؟ أو لا يلزم؟ على ((قولين)). والأظهر أنه لا يلزم. وإن طلقها ثلاثا بكلمة، أو بكلمات في طهر واحد قبل أن يراجعها مثل أن يقول : أنت طالق ثلاثا . أو أنت طالق ألف طلقة . أو أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . ونحو ذلك من الكلام : فهذا حرام عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وظاهر مذهبه . وكذلك لو طلقها ثلاثا قبل أن تنقضي عدتها: فهو أيضا حرام عند الأكثرين، وهو مذهب مالك وأحمد فى ظاهر مذهبه . وأما ((السنة)) إذا طلقها طلقة واحدة لم يطلقها الثانية حتى يراجعها فى العدة، أو يتزوجها بعقد جديد بعد العدة، فحينئذ له أن يطلقها الثانية ٧٢ وكذلك الثالثة ، فإذا طلقها الثالثة كما أمر الله ورسوله حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره . وأما لو طلقها ((الثلاث)) طلاقا محرما، مثل أن يقول: لها أنت طالق ثلاثا جملة واحدة: فهذا فيه قولان للعلماء ((أحدهما)) يلزمه الثلاث. و((الثانى)) لا يلزمه إلا طلقة واحدة، وله أن يرجعها فى العدة، وينكحها بعقد جديد بعد العدة. وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو قول طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد ابن حنبل؛ وهذا أظهر القولين ؛ لدلائل كثيرة: منها ما ثبت فى الصحيح عن ابن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدراً من خلافة عمر واحدة . ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد جيدعن ابن عباس: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فى مجلس واحد، وجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنما هي واحدة وردها عليه)) وهذا الحديث قد ثبته أحمد بن حنبل وغيره. وضعف أحمد وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم ماروي ((أنه طلقها ألبتة)) وقد استحلفه («ما أردت إلا واحدة؟)) فإن رواة هذا مجاهيل لا يعرف حفظهم وعد لهم ؛ ورواة الأول معروفون بذلك. ولم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد مقبول أن أحداً طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث ؛ بل روي فى ذلك أحاديث كلها كذب باتفاق أهل العلم ؛ ولكن جاء فى أحاديث صحيحة: ((أن فلانا طلق امرأته ثلاثا)). أى ثلاثا متفرقة. وجاء (( أن الملاعن طلق ثلاثا)) وتلك امرأة لا سبيل له إلى رجعتها؛ بل هي ٧٣ محرمة عليه سواء طلقها أو لم يطلقها، كما لو طلق المسلم امرأته إذا ارتدت ثلاثا. وكما لو أسلمت امرأة اليهودى فطلقها ثلاثا؛ أو أسلم زوج المشركة فطلقها ثلاثا. وإنما الطلاق الشرعى أن يطلق من يملك أن يرتجعها أو يتزوجها بعقد جديد والله أعلم. فصل إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمنى لا أفعل كذا . أو الحل على حرام لا أفعل كذا أو ما أحل الله على حرام إن فعلت كذا. أو ما يحل للمسلمين يحرم على إن فعلت كذا. أو نحو ذلك ، وله زوجة : ففى هذه المسئلة نزاع مشهور بين السلف والخلف : ولكن القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق ، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق . وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه حتى لو قال: أنت على حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده. ولو قال: أنت على كظهر أمى وقصد به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفى ذلك أنزل الله القرآن ؛ فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا، والإيلاء طلاقا ، فرفع الله ذلك كله ، وجعل فى الظهار الكفارة الكبرى. وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر: فإما أن يمسك بمعروف، أو يسرح بإحسان. كذلك قال كثير من السلف والخلف: إنه إذا كان مزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا ، وهذا مذهب أحمد وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث ٧٤ فى يمينه أجزأته الكفارة فى مذهبه؛ لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار وسواء حلف ، أو أوقع. وهو المنقول عن أحمد . وقيل: بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين. وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار. وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره . فالحالف بالحرام يجزيه كفارة يمين، كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. أو مالي صدقة كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أ كثر السلف من الصحابة والتابعين؛ وكذلك الحلف. بالطلاق يجزئ فيه أيضا كفارة يمين كما أفتى به [ جماعة] من السلف والخلف، والثابت عن الصحابة لايخالف ذلك؛ بل معناه يوافقه . فكل يمين يحلف بها المسلمون فى أيمانهم ففيها كفارة يمين، كما دل عليه الكتاب والسنة . وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر ، فهذا يلزمه ما أوقعه، سواء كان منجزا أو معلقا، ولا يجزئه كفارة يمين. والله سبحانه أعلى. وسئل رحمه الله تعالى عمن طلق فى الحيض والنفاس : هل يقع عليه الطلاق أم لا ؟ فأجاب : أما قوله لها. أنت طالق ثلاثا وهى حائض فهي مبنية على أصلين ((أحدهما)) أن الطلاق فى الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإنه ٧٥ لا يعلم فى تحريمه نزاع، وهو طلاق بدعة. وأما ((طلاق السنة)) أن يطلقها فى طهر لا يمسها فيه ، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها ؛ فإن طلقها فى الحيض : أو بعد ما وطئها وقبل أن يستبين حملها له : فهو طلاق بدعة . كما قال تعالى : وفى (يَيُّهَا النَّبِىُّإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ◌ِعِذَّتِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ ). الصحاح والسنن والمسانيد : أن ابن عمر طلق امرأته وهى حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مره فليراجعها حتى يحيض ثم تطهر ثم يحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق فيها النساء)). وأما جمع ((الطلقات الثلاث)) ففيه قولان ((أحدهما)) محرم أيضا عندأكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وهذا مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. واختاره أكثر أصحابه ، وقال أحمد : تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعنى طلاق (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَعِلُّ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ المدخول بها - غير قوله : زَوْجَّا غَيْرَهُ ) وعلى هذا القول : فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار فيطلقها فى كل طهر طلقة؟ فيه ((قولان)) هما روايتان عن أحمد ((إحداهما)) له ذلك ، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبى حنيفة. ((والثانية)) ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف ٧٦ وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التى اختارها أكثر أصحابه كأبى بكر عبد العزيز ، والقاضى أبى يعلي ، وأصحابه . ((والقول الثانى)) أن جمع الثلاث ليس بمحرم؛ بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعى ، والرواية الأخرى عن أحمد : اختارها الخرقي . واحتجوا بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا ، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا ، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . وأجاب الأكثرون بأن حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات،هكذا ثبت فى الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات؛ لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات . وقول الصحابى : طلق ثلاثا . يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات . بأن يطلقها ثم يراجعها ، ثم يطلقها ثم يراجعها ؛ ثم يطلقها . وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة . وهو المشهور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى معنى الطلاق ثلاثا. وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكراً عندهم، إنما يقع قليلا؛ فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق ، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لاهذا ولا هذا ؛ بل هذا قول بلادليل ؛ بل هو بخلاف الدليل . وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة ، فكان مؤكداً لموجب اللعان والنزاع إنما هو فى طلاق من يمكنه إمساكها ؛ لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما ، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح . والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها ، إذلو وقعت لكانت قدحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، وامتنع حينئذ أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ؛ لأنهما صارا أجنبيين ، ولكن غاية ما يمكن أن يقال : حرمها عليه تحريما مؤبداً . فيقال : فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما ؛ فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح ، وأن الثلاث لم تقع جميعا ؛ بخلاف ما إذا قيل أنه يقع بها واحدة رجعية فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما . وقول سهل بن سعد : طلقها ثلاثًا . فأنفذه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه احتاج إلى إنفاذ النبى صلى الله عليه وسلم، واختصاص الملاعن بذلك ، ولو كان من شرعه أنها محرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ . فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبى صلى الله عليه وسلم مقصوده ؛ بل زاده ؛ فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق؛ إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره ، وهو مؤبد فى أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة . واستدل الأكثرون بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي ، وإلا الطلاق للعدة، كما فى قوله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ ٧٨ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَةَ) إلى قوله: (لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَابَغْنَ أَجَلَهُنَّفَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِفُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) وهذا إنما يكون فى الرجعى. وقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) يدل على أنه لايجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضى العدة أو يراجعها ؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة . أي لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين . فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده فى موضع آخر ؛ فإن هذا قول ضعيف: لأنهم كانوا فى أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها ، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن حاجة إلى أن يراجعها ، والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعاً لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار، ودل على أنه كان مستقراً عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة ، سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة؟ أو يقع ولا يستأنف له العدة؟ وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة ، فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة؛ إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن ، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد. وأما من أخذ بمقتضى القرآن ومادلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذى شرعه الله هو ما يتعقبه العدة ، وما كان صاحبه مخيرافيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف فى إيقاع الثلاث فى العدة قبل الرجعة ، فلا ٧٩ ( فَإِذَابَلَغْنَ أَجَلَهُنّ يكون جائزاً ، فلم يكن ذلك طلاقا للعدة ، ولأنه قال: فَأَمْسِكُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّبِمَعْرُوفٍ ) خیره بین الرجعة وبين أن يدعها تقضى العدة فيسر حها بإحسان ، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان . (وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ وقد قال تعالى : بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُّ ◌َهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ إِنَكُنَّيُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ وَبُعُولَئُهُنَّأَحَقُّ بَوِّهِنَ فِي ذَلِكَ ) فهذا يقتضى أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق، ثم قال: ( الطَّلَقُ مَّقَانِ ) أى هذا الطلاق المذكور (مَّتَانِ). وإذا قيل: سبح مرتين. أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقولسبحانالله مرتين؛ بل لابد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة ، فكذلك لا يقال : طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا. أومرتين: لم يجزأن يقال: طلق ثلاث مرات ولامرتين؛ وإن جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين ؛ ثم قال بعد ذلك : (فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَمِلُ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ) فهذه الطلقة الثالثة لم يشر عها الله إلا بعد الطلاق الرجعى مرتين (وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ وقد قال الله تعالى : أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ) الآية . وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع . ودلائل تحريم الثلاث ٨٠