النص المفهرس
صفحات 341-360
فبين سبحانه أن مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا ) العدة للرجل على المطلقة إذا وجبت ؛ فإذا مسها كان له عليها العدة لأجل مسه لها ، وكان له الرجعة عليها ، ولها بإزاء ذلك النفقة والسكنى ، كما لها متاع لأجل الطلاق . أما غير المطلقة إذا لم يكن لها نفقة ولاسكنى ولا متاع ، ولا للزوج الحق برجمتها: [ فالتأكد] من براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة، كما يحصل فى المملوكات ، وكونها حرة لاأثر له ، بدليل أن أم الولد تعتد بعد وفاة زوجها بحيضة عندا كثر الفقهاء ، كما هو قول ابن عمر وغيره ، وهى حرة : فالموطوءة بشبهة ليست خيراً منها . والتى فورقت بغير طلاق ، وليس لها نفقة ، ولا سكنى ، ولارجعة عليها ، ولامتاع : هي بمنزلتها . فإن قيل : هذا ينتقض بالمطلقة آخر ثلاث تطليقات فإنه لا نفقة لها ولاسكنى ولارجعة ، ومع هذا تعتد بحيضة ؟ قيل : هذه المطلقة لها المتعة عند الشافعى ، وأحمد فى إحدى الروايتين، وكثير من السلف أو أكثره ولها النفقة عند مالك والشافعي ، وكثير من فقهاء الحجاز ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ولها السكنى مع ذلك عند كثير من فقهاء العراق كأبي حنيفة وغيره : فلابد لها من متاع ، أو سكنى عند عامة العلماء . فإذا وجبت العدة بإزاء ذلك كان فيه من المناسبة ماليس فى إيجابها على من لامتاع لها ولا نفقة ولا سكنى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أمر فاطمة بنت قيس ٣٤١ لما طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات ((أن تعتد))، و((أمرها أن تعتد فى بيت ابن أم مكتوم))، ثم ((أمرها بالانتقال إلى بيت أم شريك)) والحديث وإن لم يكن فى لفظه أن تعتد ثلاث حيض فهذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء ؛ فإن كان هذا إجماعا : فهو الحق ، والأمة لا تجتمع على ضلالة . وإن كان من العلماء من قال: إن المطلقة ثلاثا إنما عليها الاستبراء لا الاعتداد بثلاث حيض: فهذا له وجه قوي بأن يكون طول العدة فى مقابلة استحقاق الرجعة ؛ وهذا هو السبب فى كونها جعلت ثلاثة قروء . فمن لارجعة عليها لا تتربص ثلاثة قروء ؛ وليس فى ظاهر القرآن إلا مايوافق هذا القول ؛ لايخالفه ، وكذلك ليس فى ظاهره إلا مايوافق القول المعروف لا يخالفه . فأي القولين قضت السنة كان حقا موافقا لظاهر القرآن . والمعروف عند العلماء هو الأول ، بخلاف المختلعة فإن السنة مضت فيها بماذكر، وثبت ذلك عن أكابر الصحابة وغير واحد من السلف ؛ وهو مذهب غير واحد من أئمة العلم ؛ وليس فى القرآن إلا ما يوافقه لا يخالفه ؛ فلا يقاس هذا بهذا . والمعاني المفرقة بين الاعتداد بثلاثة قروء والاستبراء إن علمناها وإلا فيكفينا اتباع مادلت عليه الأدلة الشرعية الظاهرة المعروفة . ومما يوضح هذا أن المسبيات اللائى يبتدئ الرق عليهن قد تقدم الإشارة إلى حديث أبى سعيد الذى فيه: أن الله أباح وطأهن للمسلمين لما تحرجوا من ٣٤٢ وطئهن، وأنزل فى ذلك: (وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ) وقال فيه : إن أجل وطئهن إذا انقضت عدتهن . وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى سبي أو طاس: ((لا توطأ عامل حتى تضع، ولاغير ذات حمل حتى تستبرأ)) وروى: ((حتى تحيض حيضة)) والعلماء عامة إنما يوجبون فى ذلك استبراء بحيضة، وهو اعتداد من وطء زوج يلحقه النسب ، ووطؤه محترم وإن كان كافراً حريباً، فإن محاربته أباحت قتله، وأخذ ماله، واستراق امرأته. على نزاع وتفصيل بين العلماء ؛ لكن لاخلاف أن نسب ولده ثابت منه، وأن ماءه ماء محترم لا يحل لأحد أن يطأ زوجته قبل الاستبراء باتفاق المسلمين؛ بل قد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك كما فى الحديث الصحيح فى مسلم: ((أنه أتى على امرأة محمح على باب فسطاط، فقال: ((لعل سيدها يلم بها)) قالوا: نعم. قال: ((لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟! كيف يستعبده وهو لا يحل له؟!)) و((نهى أن يسقى الرجل ماءه زرع غيره)). لكن هذه الزوجة لم يفارقها زوجها باختياره ؛ لا بطلاق ؛ ولا غيره ؛ لكن طريان الرق عليها أزال ملكه إلى المسترق ، أو اشتباه زوجها بغيره أزال ذلك . فعلم أنه ليس بنكاح زال عن امرأة ؛ فإنه يوجب العدة بثلاثة قروء . ولو أن الكافر تحاكم إلينا هو وامرأته فى العدة ثم طلق امرأته ٣٤٣ لألزمناها بثلاثة قروء : فعلم أن المطلقة عليها ثلاثة قروء مطلقا، وأن هذه لما زال نكاحها بغير طلاق لم يكن عليها ثلاثة قروء . فلا يقال: إن كل معتدة من مفارقة زوج فى الحياة عليها ثلاثة قروء ؛ بل هذا منقوض بهذه بالنص والإجماع . فصل وهذا الذى دل عليه القرآن والسنة وآثار أكابر الصحابة - كمثمان وغيره - من أن عدة المختلفة : حيضة واحدة : يزول به الإشكال فى مسئلة ((تداخل العدتين)): كما إذا تزوجت المرأة فى عدتها بمن أصابها؛ فإن المأثور عن الصحابة كعمر وعلي : أنها تكمل عدة الأول ، ثم تعتد من وطء الثانى فعليها تمام عدة الأول ، وعدة الثانى . وبه أخذ جمهور الفقهاء : كمالك والشافعي ، وأحمد . واختلف عمر وعلي: هل تباح للأول بعد قضاء العدتين؟ فقال عمر : لا ينكحها أبداً . وبه أخذ مالك . وقال علي : هو خاطب من الخطاب. وبه أخذ الشافعي. وعن أحمد روايتان. وأما أبو حنيفة فعنده لا يجب عليها إلا عدة واحدة من الثانى ، وتدخل فيها بقية عدة الأول ، وذكربعض أصحابه أن هذا القول منقول عن ابن مسعود ؛ لكن لم نعرف لذلك إسنادا . فنقول بتداخل العدتين ؛ فإن العدة حق له ؛ إذ لو أراد الزوج إسقاطها لم يمكنه ذلك ، فدخل بعضها فى بعض : كالحدود ؛ والكفارات ؛ فإنه ٣٤٤ لو سرق ، ثم سرق: لم يقطع إلا يد واحدة، وكذلك أو شرب؛ ثم شرب لم يكن عليه إلاحد واحد . فالحدود وجبت فى جنس الذنب ؛ لا فى قدره. ولهذا تجب بسرقة المال الكثير والقليل ؛ ويجب بشرب القليل والكثير ؛ لأن الموجب له جنس الذنب؛ لاقدره . فإذا لم يفترق الحكم بين قليله وكثيره فى القدر لم يفترق بين واحده وعده ؛ فإن الجميع من جنس القدر وكذلك كفارة الجماع فى رمضان إذا وطئ ثم وطئ قبل أن يكفر. فمن قال بتداخل العدتين قال : عدة المطلقة من هذا الباب ، فإن سببها الوطء ، ليست مثل عدة الوفاة التى سببها العقد ؟ وهي تجب مع قليل الوطء وكثيره ، فإن الموجب لها جنس الوطء ؛ ولافرق بين أن يكون الواطئ واحداً أو اثنين . وطرده لو اشترى أمة قد اشترك فى وطئها جماعة لم يكن عليها إلا استبراء واحد ؛ وإن كان الواطئ جماعة . وقد نوزعوا فى هذه الصورة. فقيل : بل تستبرأ لكل من الشريكين استبراء واحداً إذا كانت فى ملكهما. فأما إذا باعاها لغيرهما: فهنا لا يجب على المشترى إلا استبراء واحد، ولم يقل أحد علمناه إن الأمة المملوكة بسبي أو شراء أو إرث ونحو ذلك عليها استبراءات متعددة بعدد الواطئين. وكذلك لو اشترى رجل جارية وباعها قبل أن يستبرئها لم يكن على المشتري الثاني إلا استبراء واحد. قال الفقهاء: ولا نقول عليه أن يستبرئها مرتين. واعتذر بعضهم بأن الاستبراء سببه تعدد الملك ولم يتعدد؛ ولهذا لا يوجبون الاستبراء إذا أعتقها وتزوجها إذا لم يكن البائع قد وطئها ، ويوجبونه إذا لم يعتقها؛ بخلاف العدة فإن سببها الرق. والكلام فى عدة الاستبراء له موضع آخر. ٣٤٥ ((والمقصود)) هنا: أنه لا يتعدد، وما علمنا أحداً قال يتعدد؛ وإن كان أحد قال هذا فإن السنة تخصمه ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر إلا بمجرد الاستبراء حيث قال: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى نستبرأ)) فعلق الحل بمجرد الاستبراء ولم يفرق، وإذا كان الاستبراء من جنس العدة، ولا يتعدد بتعدد الواطئ: فالعدة كذلك. هذا ما يحتج به لأبي حنيفة رحمه الله . وأما الجمهور فقالوا : العدة فيها حق لآدمي. واستدلوا بقوله تعالى : ( إِذَانَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَطَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ ٤٠٠٠ رره الآية . قالوا : فقد نفى الله أن يكون تَعْنَدُّونَهَا فَمَنِعُوهُنَّ) للرجال على النساء عدة فى هذا الموضع؛ وليس هنا عدة لغير الرجال ، فعلم أن العدة فيها حق للرجال حيث وجبت ، إذلو لم يكن كذلك لم يكن فى نفي أن يكون للرجال عليهن عدة ما ينفى أن يكون له عدة، فلو كانت العدة حقا محضا لله لم يقل: (فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ ) إذ لا عدة لهم لا فى هذا الموضع ولاغيره ، ولو كانت العدة نوعين نوعاً لله، ونوعاً فيه حق للأزواج : لم يكن فى نفي عدة الأزواج ما ينفي العدة الأخرى، فدل القرآن على أن العدة حيث وجبت ففيها حق للازواج ، وحينئذ فإذا كانت العدة فيها حق ء ٠٠ لرجلين لم يدخل حق أحدهما فى الآخر؛ فإن حقوق الآدميين لا تتداخل، كما لو كان لرجلين دينان على واحد، أو كان لهما عنده أمانة ، أو غصب؛ فإن عليه أن يعطي كل ذي حق حقه . فهذا الذي قاله الجمهور من أصحاب الشافعى وأحمدوغيرهم. ٣٤٦ واحتجوا على أبي حنيفة بأنه يقول : لوتزوج المسلم ذمية وجبت عليها العدة حقا محضا للزوج ؛ لأن الذمية لا تؤاخذ بحق الله؛ ولهذا لا يوجبها إذا كان زوجها ذميا ، وهم لا يعتقدون وجوب العدة، وهذا الذى قاله له الأكثرون حسن ، موافق لدلالة القرآن، ولما قضى به الخلفاء الراشدون لا سيما ولم يثبت عن غيرهم خلافه؛ وإن ثبت فإن الخلفاء الراشدين إذا ء خالفهم غيرهم كان قولهم هو الراجح؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ((عليكم بسنتى، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى: تمسكوا بها، ء وعضوا عليها بالنواجذ، وإيا كم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)). لكن من تمام كون العدة حقا للرجل أن يكون له فيها حق على المرأة وهو ثبوت الرجعة؛ كما قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ فُرُوْءٍ ( وَبُعُولَهُنَّأَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى وَلَا يَجِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَ ) ذَلِكَ ) فأمرهن بالتربص ؛ وجعل الرجل أحق بردها فى مدة التربص ، وليس فى القرآن طلاق إلا طلاق رجعي: إلا الثالثة المذكورة فى قوله : (فَإِن وذلك طلاق أوجب تحريمها طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) فلا تحل له بعقد يكون برضاها ورضا وليها؛ فكيف تباح بالرجعة .. ؟! أما المرأة التى تباح لزوجها فى العدة فإن زوجها أحق برجعتها فى العدة بدون عقد ، وليس فى القرآن طلاق بائن تباح فيه بعقد ولا يكون الزوج أحق بها؛ بل متی کانت حلالا له كان أحق بها . ٣٤٧ وعلى هذا فيظهر كون العدة حقا للرجل . فإنه يستحق بها الرجعة ؛ بخلاف ما إذا أوجبت فى الطلاق البان التى تباح فيه بعقد ؛ فإنه هنا لاحق له إذ النكاح إنما يباح برضاهما جميعا؛ ولهذا طرد أبو حنيفة أصله؛ لما كان الطلاق عنده ينقسم إلى: بائن، ورجعي ، وله أن يوقع البائن بلا رضاها. جعل الرجعة حقا محضا للزوج: له أن يسقطها ، وله ألا يسقطها؛ بخلاف العدة فإنه ليس له إسقاطها ؛ فلا تكون حقا له وهذا يؤيد أن الخلع ليس بطلاق ؛ فإنه موجب للتسوية . ويؤيد أنه ليس للرجل فيه عدة على المرأة كما يكون فى الطلاق ؛ بل عليها استبراء بحيضة ؛ فإن الاستبراء بحيضة حق الله ؛ لأجل براءة الرحم فلابد منه فى كل موطوءة، سواء وطئت بنكاح صحيح ، أو فاسد ، أو بملك يمين ، فإنه يجب لبراءة رحمها من ماء الواطئى الأول ؛ لئلا يختلط ماؤه بماء غيره ، وكذلك يجب على أصح قولي العلماء على الموطوءة بالزنى ؛ لأجل ماء الواطفى الثانى ؛ لئلا يختلط ماؤه ماء الزانى . وهذا مذهب مالك وأحمد. وإذا لم يجب على المختلعة إلا عدة بحيضة : فعلى المنكوحة نكاحا فاسداً أولى ؛ فإنه لارجعة عليها: ولا نفقة لها . فإن قيل : ففى حديث طليحة أن عمر بن الخطاب قال: أما امرأة نكحت فى عدتها فإن لم يدخل بها الثانى أتمت عدة زوجها ، وإن دخل بها أتمت بقية عدتها للأول ، ثم اعتدت للثانى . وكذلك عن على : أنه قضى أنها تأتي ببقية عدتها للأول ، ثم تأبى الثاني بعدة مستقبلة ، فإذا انقضت عدتها فإن شاءت ؟ نكحت ، وإن شاءت لم تنكح ٣٤٨ قيل: نعم. لكن لفظ ((العدة)) فى كلام السلف يقال على القروء الثلاثة ، وعلى الاستبراء بحيضة ، كما تقدم نظائره . وحينئذ فعمر وعلي إن كان قولهما فى المختلفة ونحوها أنها تعتد بحيضة فيكو نان أراداأنها تعتد بحيضة. وإن كان قولهما أنها تعتد بثلاثة قروء : فيكون هذا فيه قولان للصحابة ؛ فإن عثمان قد ثبت عنه أن المختلعة تعتد بحيضة. وإن قيل: بل قد نقول: تعتد المختلفة بحيضة ، والمنكوحة نكاحا فاسداً بثلاثة قروء : فهذا القول إذا قيل به يحتاج إلى بيان الفرق بين المسألتين. فإن قيل : فقد اختلف عمر وعلي هل تباح الثانى ؟ فقال عمر: لاينكحها أبداً . وقال على: إذا انقضت عدتها - يعنى من الثانى - فإن شاءت نكحت وإن شاءت لم تنكح . ولو كان وطء الثانى كوطء الشبهة لم يمنع الأول أن يتزوجها ؛ فإن الرجل لو وطئت امرأته بشبهة لم يزل نكاحه بالإجماع ؛ بل يعتزلها حتى تعتد ، ولو وطئت الرجعية بشبهة لم يسقط حق الزوج شيء ؟ قيل: أولاً هذا السؤال لا تعلق له بقدر العدة ، فسواء كانت العدة استبراء بحيضة ، أو كانت بتربص ثلاثة قروء. هذا وارد فى الصورتين . ولا ريب أن الزوج المطلق الذى اعتدت من وطئه إن كان طلقها الطلقة الثالثة فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، فلا يمكنه أن يراجعها فى عدتها منه، وأما إن فارقها فرقة بائنة كالخلع - ونكحت في مدة اعتدادها منه: مثل أن تنكح قبل أن تستبرأ بحيضة : فهنا إذا أراد أن يتزوجها فى عدتها فإنما يتزوجها بعقد ٣٤٩ جديد ؛ وليس له أن يتزوج بعدة من غيره بعقد جديد؛ فإن العدة من الغير تمنع ابتداء النكاح، ولا تمنع دوامه فليس لأحد أن يتزوج بعدة ؛ لا من وطء شبهة، ولا نكاح فاسد ؛ بل ولازنى؛ وإن كانت امرأته إذا وطئت بشبهة أو زنى لم يبطل نكاحه ؛ بل يجتنبها حتى يستبرتها، ثم يطؤها . وإذا قيل : فهذه معتدة من الوطء ، فكيف يمنع من نكاحها فى العدة ؟ قيل: ((أولاً)) هذا لا يتعلق بقدر العدة. وقيل ((ثانيا)) لا نص ولا إجماع يبيح لكل معتدة أن تنكح في عدتها ؛ لكن الإجماع انعقد على ذلك فى مثل المختلفة؛ إذ لا عدة عليها لغير الناكح. فأما إذا وجبت عليها عدة من غيره : فهنا المانع كونها معتدة من غيره، كما يمنع بعد انقضاء عدتها منه ؛ فإن الخلية من عدتها له أن ينكحها ؛ وإذا كان بعدة من الغير لم يكن له ذلك . فالعدة ليست ما نعة من النكاح ولا موجبة لحله ، وانتفاء مانع واحد لا يبيح الغير إذا وجد مانع آخر ؛ ولكن يظن الظان أن العدة منه وجبت لإباحة عقده. وهذا غلط . وأما إن كان الطلاق الأول رجعيا فارتجاعه إياها فى بقية عدتها منه كارتجاعه لو وطئت بشبهة فى عدتها من الطلاق الرجمي ، لا فرق بينهما . ٣٥٠ وكذلك الذى قضى به علي: أن الثاني لا ينكحها حتى تنقضى عدتها منه. وهو ظاهر مذهب أحمد . وأما مذهب الشافعى فيجوز عنده الثانى أن ينكحها فى عدتها منه، كما يجوز للواطئ بشبهة أن يتزوج الموطوءة فى عدتها منه، وكذلك كل من نكح امرأة نكاحا فاسدا له أن يتزوجها فى عدتها منه . وأحمد له فى هذا الأصل روايتان . ((إحداهما)) لا يجوز، وهو مذهب مالك؛ ليميز بين ماء وطء الشبهة ، وماء المباح المحض . ((والثانى)) يجوز كمذهب الشافعي؛ لأن النسب لاحق فى كليهما . وعلى هذه الرواية فمن أصحاب أحمد من جوز للثانى أن ينكحها فى عدتهامنه، كما هو قول الشافعي، كما يجوز ذلك لكل معتدة من نكاح فاسد على هذه الرواية. ومنهم من أنكر نصه، وقال هنا: كان يذكر فيها عدة من الواطئ الأول، وهذا الواطئ الثانى لم تعتد منه عقب مفارقته لها ؛ بل تخلل بين مفارقته وعدته عدة الأول، وهي قد وجب عليها عدتان لهما ، وتقديم عدة الأول كان لقدم حقه ؛ وإلا فلو وضعت ولداً ألحق بالثانى لكانت عدةالثانى متقدمة على عدة الأول ، فهي فى أيام عدة الأول عليها حق الثانى، وفى الاعتداد ٣٥١ من الثانى عليها حق للأول: بدليل أنها لو وضعت ولدا بعد اعتدادها من الأول وأمكن كونه من الأول والثانى عرض على القافة . فإذا كان للاول حق فى ء مدة عدتها من الثانى لم يكن للثانى أن يتزوجها فى مدة العدة . فهذا أشهر الأقوال فى هذه المسألة ، وهو المأثور عن الصحابة ، وهو نص أحمد، وعليه جمهور أصحابه، وقد تبعه الجد - رحمه الله - فى ((محرره)). وأما مقدار العدة فقدذكرنا عن أحمد روايتين فى المختلفة فإن لم يكن بينها وبين المنكوحة نكاحا فاسداً فرق شرعي وإلا وجب أن يقال فى المنكوحة نكاحا فاسداً : إنما تعتد بحيضة ، كما مضت به السنة . والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل تخاصم مع زوجته وهى معه بطلقة واحدة ، فقالت له : طلقني. فقال: إن أبرأتينى فأنت طالق ، فقالت . أبرأك الله مما يدعى النساء على الرجال. فقال لها : أنت طالق . وظن أنه يبرأ من الحقوق ، وهو شافعي المذهب ؟ فأجاب: نعم هو برىء مما تدعى النساء على الرجال إذا كانت رشيدة . ء ٣٥٢ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل قالت له زوجته: طلقني وأنا أبرأتك من جميع حقوقي عليك؛ وآخذ البنت بكفايتها ، يكون لها عليك مائة درهم . كل يوم سدس درهم. وشهد العدول بذلك فطلقها على ذلك بحكم الإبراء أو الكفالة : فهل لها أن تطالبه بفرض البنت بعد ذلك؟ أم لا ؟ فأجاب . إذا خالمها على أن تبرئه من حقوقها، وتأخذ الولد بكفالته . ولا تطالبه بنفقة . صح ذلك عند جماهير العلماء : كمالك، وأحمد فى المشهورمن مذهبه وغيرهما ؛ فإنه عند الجمهور يصح الخلع بالمعدوم الذي ينتظر وجوده كما تحمل أمتها وشجرها. وأما نفقة حملها ورضاع ولدها، ونفقته. فقد انعقد سبب وجوده وجوازه ؛ وكذلك إذا قالت له : طلقنى وأنا أبرأتك من حقوقي وأنا آخذ الولد بكفالته. وأنا أبرأتك من نفقته، ونحو ذلك مما يدل على المقصود . وإذا خالع بينهما على ذلك من يرى صمة مثل هذا الخلع - كالحاكم المالكي -لم يجز لغيره أن ينقضه ، وإن رآه فاسداً ، ولا يجوز له أں یفرض له ٣٥٣ عليه بعد هذا نفقة للولد ؛ فإن فعل الحاكم الأول كذلك حكم فى أصح قولي العلماء. والحاكم متى عقد عقداً ساغ فيه الاجتهاد؛ أو فسخ فسخاً جاز فيه الاجتهاد : لم يكن لغيره نقضه. وسئل رحمه اللّه عن رجل قال لصهره: إن جئت لي بكتابى وأبرأتني منه فبنتك طالق ثلاثا ؛ فجاء له بكتاب غير كتابه ؛ فقطعه الزوج ولم يعلم هل هو كتابه أم لا ؟ فقال : أبو الزوجة : اشهد واعليه أن بنتى تحت حجرى ، واشهدوا علي أنى أبرأته من كتابها ، ولم يعين ما فى الكتاب، ثم إنه مكث ساعة وجاء أبو الزوجة بحضور الشهود ؛ وقال له : أي شىء قلت يازوج ؟ فقال الزوج اشهدوا على أن بنت هذا طالق ثلاثا ، ثم إن الزوج ادعى أن هذا الطلاق الصريح بناء على أن الإبراء الأول صحيح : فهل يقع ؟ أم لا ؟ فأجاب: قوله الأول معلق على الإبراء، فإن لم يبره لم يقع الطلاق . وأما قوله الثانى فهو إقرار منه ؛ بناء على أن الأول قد وقع ، فإن كان الأول لم يقع فإنه لم يقع بالثانى شيء ٣٥٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل له زوجة ، خلف أبوها أنه ما يخليها معه، وضربها ، وقال لها أبوها : أبرئيه. فأبر أته، وطلقها طلقة؛ ثم ادعت أنها لم تبرئه إلا خوفا من أبيها : فهل تقع على الزوجة الطلقة ؟ أم لا . فأجاب: الحمد لله إن كانت أبرأته مكرهة بغير حق لم يصح الإبراء، ولم يقع الطلاق المعلق به. وإن كانت تحت حجر الأب وقد رأى الأب أن ذلك مصلحة لها فإن ذلك جائز فى أحد قولي العلماء، كما فى مذهب مالك وقول فى مذهب أحمد . وسئل رحمه الله تعالى عن بنت يتيمة تحت الحجر مزوجة، قال لها الزوج : إن أبرئتينى من صداقك فأنت طالق ثلاثاً: فمن شدة الضرب والفزع أو هبته. ثم رجعت فندمت : هل لها أن ترجع . ولا يحنث ؟ أم لا؟ فأجاب: إذا أكرهها على الهبة، أو كانت تحت الحجر: لم تصح الهبة ؛ ولم يقع الطلاق. والله أعلم. ٣٥٥ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل لهامرأة كساها كسوة مثمنة: مثل مصاغ ، وحلي، وقلائد ، وما أشبه ذلك خارجا عن كسوة القيمة، وطلبت منه المخالفة ، وعليه مال كثير مستحق لها عليه ، وطلب حلية منها ليستعين به على حقها أو على غير حقها، فأنكرته، ويعلم أنها تحلف وتأخذ الذي ذكره عندها، والثمن يلزمه؛ ولم يكن له بينة عليها ؟ . فأجاب: إن كان قد أعطاها ذلك الزائد عن الواجب على وجه التمليك لها فقد ملكته، وليس له إذا طلقها هو ابتداء أن يطالبها بذلك؛ لكن إن كانت الكارهة لصحبته ، وأرادت الاختلاع منه: فلتعطه ما أعطاها من ذلك ومن الصداق الذى ساقه إليها ، والباقي فى ذمته ؛ ليخلعها ، كما مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى امرأة ثابت بن قيس بن شماس، حيث ((أمرها برد ما أعطاها)» وإن كان قد أعطاها لتجمل به ، كما يركبها دابته، ويحذيها غلامه، ونحو ذلك ؛ لا على وجه التمليك للعين: فهو باق على ملكه، فله أن يرجع ٣٥٦ فيه متى شاء ؛ سواء طلقها أو لم يطلقها وإن تنازعا هل أعطاها على وجه التمليك؟ أو على وجه الإباحة؟ ولم يكن هناك عرف يقضى به : فالقول قوله مع يمينه أنه لم يملكها ذلك. وإن تنازعا هل أعطاها شيئا أو لم يعطها، ولم يكن حجة يقضى له بها ؛ لا شاهد واحد ، ولا إقرار ، ولا غير ذلك : فالقول قولها مع يمينها أنه لم يعطها. وسئل رحم الله عن رجل باع شيئا من قماشه ، خاصمته زوجته لأجل أنه باع قاشه ، وحصل بينهما شنآن عليه وهم فى الخصام جاء ناس من قرابتها، فقال الرجل للناس الذين حضروا : هذه المرأة إن لم تقعد مثل الناس وإلا تخلى وتزوج. ثم قال : إن أعطيتنى كتابك لهذا الرجل كنت طالقا ثلاثا وكان نيته أنها تبرئه ، فينقت وأعطت الكتاب للرجل : فهل يقع الطلاق ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا كان مقصوده إعطاء الكتاب على وجه الإبراء فأعطته عطاء مجرداً ولم تبرئه منه: لم يقع به الطلاق وإذا قال : كان مقصودي الإعطاء فى ذلك ؛ إذ لاغرض له إلا فى الإبراء، وتسليم الصداق يمنع من الادعاء به ومجرد إيداعه لا غرض له فيه . والله أعلم. ٣٥٧ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل مالكي المذهب حصل له نكد بينه وبين والد زوجته خضر قدام القاضى . فقال الزوج لوالد الزوجة : إن أبرأتني ابنتك أوقعت عليها الطلاق . فقال والدها أنا أبرأتك . خضر الزوج ووالد الزوجة قدام بعض الفقهاء ، فأبرأه والدها بغير حضورها، وبغير إذنها : فهل يقع الطلاق أم لا؟ فأجاب : الحمدلله . أصل هذه المسئلة فيه نزاع بين العلماء ، فذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد فى المنصوص المعروف عنهم : أنه ليس للأب أن يخالع على شيء من مال ابنته ، سواء كانت محجوراً عليها أو لم تكن ، لأن ذلك تبرع بمالها فلا يملكه ، كما لا يملك إسقاط سائر ديونها . ومذهب مالك يجوز له أن يخالع عن ابنته الصغيرة بكراً كانت أو ثيبًا، لكونه على مالها. وروي عنه : أن له أن يخالع عن ابنته البكر مطلقا ؛ لكونه يجبرها على النكاح . وروي عنه : يخالع عن ابنته مطلقا، كما يجوز له أن يزوجها بدون ٣٥٨ مهر المثل للمصلحة، وقد صرح بعض أصحاب الشافعي وجها فى مذهبه أنه يجوز فى حق البكر الصغيرة أن يخالع عنها بالإبراء من نصف مهرها إذا قلنا: إن الذى بيده عقدة النكاح هو الولي - وخطأه بعضهم: لأنه إنما يملك الإبراء بعد الطلاق - لأنه إذا ملك إسقاط حقها بعد الطلاق لغير فائدة جواز ذلك لمنفعتها وهو يخلعها من الزوج أولى؛ ولهذا يجوز عندهم كلهم أن يختلعها من الزوج بشىء من ماله ؛ وكذلك لها أن تخالمه عالها إذا ضمن ذلك الأب . فإذا جاز له أن يختلعها لم يبق عليها ضرر إلا إسقاط نصف صداقها . ومذهب مالك يخرج على أصول أحمد من وجوه . منها أن الأب له أن يطلق ويخلع امرأة ابنه الطفل فى إحدى الروايتين؛ كما ذهب إليه طوائف من السلف . ومالك يجوز الخلع دون الطلاق ؛ لأن في الخلع معاوضة . وأحمد يقول : له التطليق عليه ، لأنه قد يكون ذلك مصلحة له لتخليصه من حقوق المرأة وضررها ، وكذلك لافرق فى إسقاط حقوقه بين المال وغير المال ((وأيضا)» فإنه يجوز فى إحدى الروايتين للحكم فى الشقاق أن يخلع المرأة بشيء من مالها بدون إذنها ؛ ويطلق على الزوج بدون إذنه : كمذهب ٣٥٩ مالك وغيره . وكذلك يجوز للأب أن يزوج المرأة بدون مهر المثل ، وعنده فى إحدى الروايتين أن الأب بيده عقدة النكاح، وله أن يسقط نصف الصداق. ومذهبه أن للاب أن يتملك لنفسه من مال ولده مالا يضر بالولد، ء حتى لو زوجها واشترط لنفسه بعض الصداق : جازله ذلك . وإذا كان له من التصرف فى المال والتملك هذا التصرف لم يبق إلا طلبه لفرقتها، وذلك يملكه بإجماع المسلمين. ويجوز عنده للأب أن يعتق بعض رقبة المولى عليه للمصلحة . فقد يقال : الأظهر أن المرأة إن كانت تحت حجر الأب له أن يخالع معاوضة وافتداء لنفسها من الزوج فيملكه الأب . كما يملك غيره من المعاوضات، وكما يملك افتداءها من الأسر؛ وليس له أن يفعل ذلك إلا إذا كان مصلحة لها . وقد يقال : قدلا يكون مصلحتها فى الطلاق ؛ ولكن الزوج يملك أن يطلقها وهو لا يقدر على منعه؛ فإذا بذل له العوض من غيرها لم يمكنها منعه من البذل . فأما إسقاط مهرها وحقها الذى تستحقه بالنكاح فقد يكون عليها فى ذلك ضرر. والأب قد يكون غرضه باختلاعها حظه لالمصلحتها ، وهو لا يملك إسقاط حقها بمجرد حظه بالاتفاق . فعلى قول من يصحح الإبراء يقع الإبراء والطلاق . وعلى قول من لا يجوز إبراءه إن ضمنه وقع الطلاق بلا نزاع ؛ وكان على الأب للزوج ٣٦٠