النص المفهرس
صفحات 241-260
فى أنه لا يوجب رد الشهادة، فأما كراهيته اللعب بها فقد صرح بها فيما قدمنا ذكره، وهو الأشبه والأولى مذهبه. فالذين كرهوا أكثر، ومعهم من يحتج بقوله . وروى بإسناده عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: الشطر يج ميسر العجم . وروى بإسناده عن علي : أنه من يقوم يلعبون بالشطرنج، وقال: (مَاهَذِالتَّاثِلُ الَّ أَنْتُلَا عَكِّقُونَ)؟ لأن يمس أحدكم جراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها . وعن علي رضي الله عنه أنه مر بمجلس من مجالس تيم الله وهم يلعبون بالشطرنج فقال: أما والله لغير هذا خلقتم ! أما والله لولا أن يكون سنة لضربت بها وجوهكم! وعن مالك قال: بلغنا أن ابن عباس ولي مال يتيم فأحرقها. وعن ابن عمر أنه سئل عن الشطريج فقال: هو شر من النرد. وعن أبى موسى الأشعرى قال : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وعن عائشة: أنها كانت تكره الكيل، وإن لم يقامر عليها. وأبو سعيد الخدري كان يكره اللعب بها. فهذه أقوال الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عن صحابي خلاف ذلك. ثم روى البيهقى أيضاً عن أبى جعفر محمد بن على المعروف بالباقر أنه سئل عن الشطرنج فقال : دعونا من هذه المجوسية . قال البيهقى : روينا فى كراهية اللعب بها . عن يزيد بن أبى حبيب، ومحمد ابن سيرين ، وإبراهيم، ومالك بن أنس . قلت: ((والكراهية)) فى كلام السلف كثيراً وغالباً يراد بها التحريم، وقد صرح هؤلاء بأنها كراهة تحريم ؛ بل صرحوا بأنها شر من الفرد، والفرد حرام؛ وإن لم يكن فها عوض . ٢٤١ وروى بإسناده عن جامع بن وهب ، عن أبى سلمة ، قال: قلت للقاسم بن محمد: ما (الميسر)؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة: فهو ميسر. قال يحيى بن أيوب : حدثنى عبد الله بن عمر . أنه سمع عمر بن عبد الله يقول: قلت القاسم بن محمد: هذا النرد ميسر. أرأيت الشطر مج ميسر هي؟ قال القاسم : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر . وقال ابن وهب: حدثنى يحيى بن أيوب ، حدثنا أبو قيس ، عن عقبة بن عامر ، قال: لأن أعبد صنما يعبد فى الجاهلية أحب إليّ من أن ألعب بهذا الميسر. قال القيسى: وهى عيدان كان يلعب بها فى الأرض. وبإسناده عن فضالة بن عبيد، قال: ما أبالي ألعبت بالكيل، أو توضأت بدم خنزير ثم قمت إلى الصلاة. وما ذكر عن على بن أبى طالب: أنه مر بقوم يلعبون بالشطر مج، فقال: (مَاهَذِهِالتَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْلَهَا عَكِفُونَ)؟ ثابت عنه، يشبههم بعباد الأصنام، وذلك كقوله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِوَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ . و ((الميسر)) يدخل فيه ((النردشير)» ونحوه، وقد فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من لعب بالنردشير فقد صبغ يده فى لحم خنزير ودمه)) وفى السنن أنه قال. ((من لعب بالفردشير فقد عصى الله ورسوله)) . ومذهب الأئمة الأربعة أن اللعب بالفرد حرام ، وإن لم يكن بعوض. وقد قال ابن عمر ومالك بن أنس وغيرهما : إن الشطر نج شر من الفرد ، وقال أبو حنيفة ٢٤٢ وأحمد بن حنبل والشافعي وغيرهم: الفردشير من الشطرنج. وكلا القولين صحيح باعتبار ؛ فإن الفرد إذا كان بعوض، والشطر مج بغير عوض: فالفرد شر منه، وهو حرام حينئذ بالإجماع . وأما إن كان كلاهما بعوض أو كلاهما بلا عوض فالشطرنج شر من الفرد ؛ لأن الشطرنج يشغل القلب ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من الفرد. ولهذا قيل: الشطر مج مبني على مذهب القدر، والفرد مبنى على مذهب الجبر . فإن صاحب الفرد يومي ويحسب بعد ذلك ، وأما صاحب الشطر نج فإنه يقدر ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل ؛ فإفساد الشطر مج للقلب أعظم من إفساد الفرد ؛ ولكن كان معروفا عند العرب، والشطر مج لم يعرف إلا بعد أن فتحت البلاد ؛ فإن أصله من الهند، وانتقل منهم إلى الفرس ؛ فلهذا جاء ذكر الفرد فى الحديث؛ وإلا فالشطر مج شر منه إذا استويا فى العوض، أو عدمه. وقد بسط جواب السؤال فى موضع آخر . والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل لعب بالشطرنج، وقال: هو خير من النرد: فهل هذا صحيح؟ وهل اللعب بالشطرنج بعوض أو غير عوض حرام ؟ وماقول العلماء فيه ؟ فأجاب : الحمدلله. اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالفرد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لعب بالفرد ٢٤٣ فكانما صبغ يده فى لحم خنزير ودمه)) وقال: ((من لعب بالفرد فقد عصى الله ورسوله)) وثبت عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: أنه مر بقوم يلعبون بالشطر بج، فقال: (مَاهَذِهِ التَّمَاثِلُ الَتَّى أَنْتُمْلهَا عَكِّفُونَ ) ؟ وروى أنه قلب الرقعة عليهم . وقالت طائفة من السلف : الشطرنج من الميسر ، وهو كما قالوا ؛ فإن الله حرم الميسر ، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالفرد والشطرنج حرام ، إذا كان بعوض ، وهو من القمار والميسر الذى حرمه الله . والفرد حرام عند الأئمة الأربعة ، سواء كان بعوض أو غير عوض ؛ ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض ؛ لاعتقاده أنه لا يكون حينئذ من الميسر . وأما الشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وأبو حنيفة وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض ؛ وكذلك الشطرنج صرح هؤلاء الأئمة بتحريمها : مالك ؛ وأبو حنيفة ، وأحمد، وغيرهم . وتنازعوا أيهما أشد ؟ فقال مالك وغيره: الشطرنج شر من الفرد. وقال أحمد وغيره : الشطرنج أخف من النرد ؛ ولهذا توقف الشافعي فى النرد إذا خلا عن المحرمات ؛ إذ سبب الشبهة فى ذلك أن أكثر من يلعب فيها بعوض بخلاف الشطرنج فإنها تلعب بغير عوض غالبا . وأيضا فظن بعضهم أن اللعب بالشطر مج يعين على القتال ؛ لما فيها من صف الطائفتين . و ((التحقيق)) أن الفرد والشطرنج إذا لعب بهما بعوض فالشطرنج شرمنها ؛ لأن الشطرنج حينئذ حرام بإجماع المسلمين، وكذلك يحرم ٢٤٤ بالإجماع إذا اشتملت على محرم: من كذب ، ويمين فاجرة، أو ظلم، أوجناية أو حديث غير واجب، ونحوها ، وهى حرام عند الجمهور وإن خلت عن هذه المحرمات ؛ فإنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء أعظم من الفرد إذا كان بعوض. وإذا كانا بعوض فالشطرنج شر فى الحالين . وأما إذا كان العوض من أحدهما فيه من أكل المال بالباطل ماليس فى الآخر والله تعالى قرن الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام، لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وفيها إيقاع العداوة والبغضاء؛ فإن الشطر مج إذا استكثر منها تستر القلب وتصده عن ذلك أعظم من تستر الخمر . وقد شبه أمير المؤمنين على رضى الله عنه لاعبيها بعباد الأصنام حيث قال: (مَاهَذِهِالتَّمَاثِلُ الَّتِيِّ أَنْشُوْلَهَا عَكِّفُونَ )؟ كما شبه النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر بعابد الوثن فى الحديث الذي فى المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((شارب الخمر كعابدوثن)). وأماما يروى عن سعيد بن جبير من اللعب بها : فقد بين سبب ذلك : أن الحجاج طلبه للقضاء فلعب بها ؛ ليكون ذلك قادحا فيه فلا يولى القضاء. وذلك أنه رأى ولاية الحجاج أشد ضررا عليه فى دينه من ذلك ، والأعمال بالنيات ، وقد يباح ماهو أعظم تحريما من ذلك لأجل الحاجة . وهذا يبين أن اللعب بالشطرنج كان عندهم من المنكرات ، كما نقل عن علي وابن عمر وغيرهما؛ ولهذا قال أبو حنيفة وأحمد وغيرهما : إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج ؛ لأنه مظهر للمعصية ، وقال صاحبا أبى حنيفة : يسلم عليه . ٢٤٥ وسئل رحمه اللّه تعالى عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده فى لحم خنزير ودمه)»؟ فأجاب . الحمد لله. أما قوله: ((من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده فى لحم خنزير ودمه)) فهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره. واللعب بالفرد حرام وإن لم يكن بعوض عند جماهير العلماء، وبالعوض حرام بالإجماع . وسئل رحمه الله عن اللعب بالحمام؟ فأجاب : اللعب بالمام منهي عنه ، وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: ((شيطان يتبع شيطانة)). ومن لعب بالحمام فأشرف على حريم الناس ، أو رمام بالحجارة فوقعت على الجيران فإنه يعزر على ذلك تعزيرا يردعه عن ذلك ، ويمنع من ذلك، فإن هذا فيه ظلم وعدوان على الجيران؛ مع ما فيه من اللعب المنهي عنه . والله أعلم . ٢٤٦ باب العشرة وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن أقوام يعاشرون ((المردان)) وقد يقع من أحدم قبلة ومضاجعة للصبي ويدعون أنهم يصحبون لله ؛ ولا يعدون ذلك ذنبا ولا عاراً ؛ ويقولون : نحن نصحبهم بغير خنا ؛ ويعلم أبو الصبى بذلك وعمه وأخوه فلا ينكرون : فاحكم الله تعالى فى هؤلاء؟ وماذا ينبغى للمرء المسلم أن يعاملهم به والحالة هذه ؟ فأجاب: الحمد لله . الصبى الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية فى كثير من الأمور ، ولا يجوز تقبيله على وجه اللذة؛ بل لا يقبله إلا من يؤمن عليه : كالأب ؛ والإخوة . ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه باتفاق الناس ؛ بل يحرم عند جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك ؛ وإنما ينظر إليه لحاجة بلاريبة مثل معاملته ؛ والشهادة عليه ؛ ونحو ذلك كما ينظر إلى المرأة للحاجة . وأما ((مضاجعته)): فهذا أخش من أن يسأل عنه ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((مروم بالصلاة لسبع؛ واضربوهم عليها لعشر؛ وفرقوا ٢٤٧ بينهم فى المضاجع)) إذا بلغوا عشر سنين ولم يحتلموا بعد ، فكيف بما هو فوق ذلك ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: « لا يخلو رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)) وقال: ((إياكم والدخول على النساء . قالوا : يا رسول الله! أفرأيت الحم ؟ قال الحم الموت )) فإذا كانت الحلوة محرمة لما يخاف منها فكيف بالمضاجعة ؟! وأما قول القائل : إنه يفعل ذلك لله . فهذا أكثره كذب ، وقد يكون لله مع هوى النفس، كما يدعي من يدعى مثل ذلك فى صحبة النساء الأجانب؛ فيبقى كما قال تعالى فى الخمر (فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن تَفْعِهِمَا) وقد روى الشعبى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه خلف ظهره ؛ وقال: إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظر». هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مزوج بتسع نسوة ؛ والوفد قوم صالحون، ولم تكن الفاحشة معروفة فى العرب ؟ !! وقد روى عن المشايخ من التحذير عن صحبة ((الأحداث)) ما يطول وصفه . وليس لأحد من الناس أن يفعل ما يفضى إلى هذه المفاسد المحرمة ، وإن ضم إلى ذلك مصلحة من تعليم أو تأديب؛ فإن ((المردان)) يمكن تعليمهم وتأديبهم بدون هذه المفاسد التى فيها مضرة عليهم ، وعلى من يصحبهم ، وعلى المسلمين: بسوء الظن تارة ، وبالشبهة أخرى؛ بل روي : أن رجلا كان يجلس ٢٤٨ إليه المردان ، فنهى عمر رضى الله عنه عن مجالسته . ولقي عمر بن الخطاب شابا فقطع شعره ؛ لميل بعض النساء إليه ؛ مع ما فى ذلك من إخراجه من وطنه ؛ والتفريق بينه وبين أهله . ومن أقر صبيا يتولاه : مثل ابنه ، وأخيه ، أو مملوكه، أو يتيم عند من يعاشره على هذا الوجه: فهو ديوث ملعون، ((ولا يدخل الجنة ديوث)) فإن الفاحشة الباطنة ما يقوم عليها بينة فى العادة؛ وإنما تقوم على الظاهرة ، وهذه العشرة القبيحة من الظاهرة، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَابَطَنَ ) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَاظَهَرَمِنْهَا وَمَا . فلو ذكرنا ما حصل فى مثل هذا من الضرر والمفاسد ، بَطَنَ ) وما ذكروه العلماء: لطال . سواء كان الرجل تقيا أو فاجرا؛ فإن التقي يعالج مرارة فى مجاهدة هواه وخلاف نفسه؛ وكثيراما يغلبه شيطانه ونفسه ؛ منزلة من يحمل حملا لا يطيقه فيعذبه أو يقتله؛ والفاجر يكمل فجوره بذلك. والله أعلم وسئل رحمه اللّه عن رجلين تراهنا فى عمل زجلين ، وكل منهما له عصبية ؟ وعلى من تعصب لهما؟ وفى ذكرهما التغزل فى المردان وغير ذلك وما أشبههما ؟ أفتونا مأجورين . ٢٤٩ فأجاب: الحمد لله . هؤلاء المتغالبون بهذه الأزجال ؛ وما كان من جنسها هم والمتعصبون من الطرفين؛ والمراهنة فى ذلك وغير المراهنة ظالمون معتدون آثمون، مستحقون العقوبة البليغة الشرعية التى تردعهم وأمثالهم من سفهاء الغواة العصاة الفاسقين عن مثل هذه الأقوال والأعمال ، التى لا تنفع فى دين ولا دنيا؛ بل تضر أصحابها فى دينهم ودنياهم. وعلى ((ولاة الأمور ، وجميع المسلمين)) الإنكار على هؤلاء وأعوانهم ؛ حتى ينتهوا عن هذه المنكرات ويراجعوا طاعة الله ورسوله، وملازمة الصراط المستقيم الذى يجب على المسلمين ملازمته ؛ فإن هذه المغالبات مشتملات على منكرات محرمات ؛ وغير محرمات بل مكروهات . ومن المحرمات التى فيها [ما] (١) تحريمه ثابت بالإجماع وبالنصوص الشرعية ؛ وذلك من وجوه . ((أحدها )) المراهنة على ذلك بإجماع المسلمين؛ وكذلك لوكان المال مبذولا من أحدهما ؛ أو من غيرهما: لم يجز ؛ لا على قول من يقول: لاسبق إلا فى خف أو حافر ، أو نصل. ولاعلى قول من يقول: السبق فى غير هذه الثلاثة . أما على القول الأول فظاهر ، وفى ذلك الحديث المعروف فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا سبق إلا خف أو حافر أو نصل)). وهذه الثلاثة من (٢) أعمال الجهاد فى سبيل الله، فإخراج السبق فيها من أنواع إنفاق المال فى سبيل الله؛ بخلاف غيرها من المباحات : كالمصارعة ، والمسابقة بالأقدام ؛ فإن هذه الأعمال ليست من الجهاد؛ فلهذا رخص فيها من غير سبق ؛ فإن النبي صلى الله (١) أضيفت حسب مفهوم السياق (٢) الحديث ورد في كتاب عيون المعبود شرح سنن أبي داود مجلد ٤ ص ١٧٣ ولفظه (لاسبق إلا في خف أو حافر أو نصل) ٢٥٠ عليه وسلم صارع ابن عبد يزيد ؛ وسابق عائشة رضى الله عنها؛ وأذن فى السباق لسلمة بن الأكوع. وأما على القول الثانى فلابد أن تكون المغالبة فى عمل مباح؛ وهذه ليست كذلك. وذلك يظهر (( بالوجه الثانى)): وهو أن هذه الأقوال فيها من وصف المردان وعشقهم ، ومقدمات الفجور بهم ما يقتضى ترغيب النفوس فى ذلك؛ وتهييج ذلك فى القلوب . وكل مافيه إعانة على الفاحشة والترغيب فيها : فهو حرام ؛ وتحريم هذا أعظم من تحريم الندب والنياحة ، ذلك يثير الحزن؛ وهذا يثير الفسق. والحزن قديرخص فيه؛ وأما الفسق فلا يرخص فى شيء منه. وهذا من جنس ((القيادة)). وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها )) فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن وصف المرأة ؛ لئلا تتمثل فى نفسه صورتها ، فكيف بمن يصف المردان بهذه الصفات ، ويرغب فى الفواحش بمثل هذه الأقوال المنكرات : التى تخرج القلب السليم ؛ وتعمى القلب السقيم ؛ وتسوق الإنسان إلى العذاب الأليم ؟! وقد أمر عمر رضى الله عنه بضرب نائحة : فضربت حتى بدا شعرها ؛ فقيل له : يا أمير المؤمنين! إنه قد بدا شعرها ؟ فقال : لا حرمة لها ؛ إنما تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه ، وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به ؛ وتفتن الحي وتؤذي الميت ؛ وتبيع عبرتها ، وتبكى شجو غيرها : إنها لا تبكي على ميتكم، وإنما تبكي على أخذ دراهمكم. وبلغ عمر أن شابا يقال له: ((نصر ٢٥١: ابن حجاج)) تغنت به امرأة فأخذ شعره ، ثم رآه جميلا فنفاه إلى البصرة، وقال: لا يكون عندى من تغنى به النساء . فكيف لو رأى عمر من يغنى بمثل هذه الأقوال الموزونة فى المردان ، مع كثرة الفجور ؛ وظهور الفواحش، وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ! ! فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله ولدينه . ويدعون إلى ما نهى الله عنه ؛ ويصدون عما أمر الله به، ويصدون عن سبيل الله ؛ ويبغونها عوجا . ((الوجه الثالث)) أن هذا الكلام الموزون كلام فاسد مفرداً أو مركبا لأنهم غيروافيه كلام العرب ، وبدلوه ؛ بقولهم: ماعوا وبدوا وعدوا . وأمثال ذلك مما تمجه القلوب والأسماع ، وتنفر عنه العقول والطباع . وأما ((مركباته)) فإنه ليس من أوزان العرب ؛ ولاهو من جنس الشعر ولا من أبحره الستة عشر ، ولا من جنس الأسجاع والرسائل والخطب. ومعلوم أن ((تعلم العربية؛ وتعليم العربية)) فرض على الكفاية ؛ وكان السلف يؤديون أولادهم على اللحن . فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربى؛ ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة ، والاقتداء بالعرب فى خطابها . فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصا وعيبا ؛ فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة ، والأوزان القويمة : فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان ، الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان؛ الذى لا يهذى به إلاقوم من الأعاجم الطماطم الصميان ؟ !! ٢٥٢ ((الوجه الرابع)) أن المغالبة بمثل هذا توقع العداوة والبغضاء وتصدم عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا من جنس النقار بين الديوك، والنطاح بين الكباش ؛ ومن جنس مغالبات العامة التي تضرهم ولا تنفعهم، والله سبحانه حرم الخمر والميسر. والميسر هو القمار ؛ لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء. و((الميسر المحرم)) ليس من شرطه أن يكون فيه عوض، بل اللعب بالفرد حرام باتفاق العلماء وإن لم يكن فيه عوض ، وإن كان فيه خلاف شاذ لا يلتفت إليه . وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من لعب بالفرد فقد عصى الله ورسوله)) لأن النرد يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء؛ وهذه المغالبات تصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ وتوقع بينهم العداوة والبغضاء: أعظم من النرد، فإذا كان أكثر الأئمة قد حرم الشطرنج، وجعله مالك أعظم من الفرد ، مع أن اللاعبين بالفرد، والشطرنج وإن كانوا فساقا : فهم أمثل من هؤلاء وهذا بين. ((الوجه الخامس)) وهو أن غالب هؤلاء: إما زنديق منافق؛ وإما فاجر فاسق ، ولا يكاد يوجد فيهم مؤمن بر ؛ بل وجد حاذقهم منسلخا من دين الإسلام ، مضيعا للصلوات ، متبعا للشهوات؛ لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ؛ ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، ولا يدين دين المسلمين . وإن كان مسلما كان فاسقا مرتكبا للمحرمات ؛ تاركا للواجبات . وإن كان الغالب عليهم ، إما النفاق ، وإما الفسق : كان حكم الله فى الزنديق قتله من غير استتابة ، وحكمه فى الفاسق إقامة الحد عليه: إما بالقتل ، أو بغيره والمخالط ٢٥٣ لهم والمعاشر إذا ادعى سلامته من ذلك لم يقبل ؛ فإنه إما أن يفعل معهم المحرمات ، ويترك الواجبات ، وإما أن يقوم على المنكرات ، فلا يأمرهم بمعروف، ولا ينهام عن منكر . وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة ، وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز أقوام يشربون الخمر فأمر بجلدم الحد ، فقيل : إن فيهم صائمًا ؟ فقال: ابدءوا بالصائم فاجلدوه : ألم يسمع إلى قوله تعالى : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعُمْ ءَايَتِ اللَّهِيُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ ؟ !!. وقوله تعالى : نَقْعُدُ واْمَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) (وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَالذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظََّلِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ) فنهى سبحانه عن القعود مع الظالمين ؛ فكيف بمعاشرتهم ؟ أم كيف بمخادنتهم ؟! وهؤلاء قوم تركوا المقامرة بالأيدى ، وعجزوا عنها : ففتحوا القمار بالألسنة ، والقمار بالألسنة أفسد العقل والدين من القمار بالأيدى . والواجب على المسلمين المبالغة فى عقوبة هؤلاء ، وهجرهم ، واستتابتهم ؛ بل لو فرض أن الرجل نظم هذه الأزجال العربية من غير مبالغة لنهي عن ذلك ؛ بل لو نظمها فى غير الغزل . فإنهم تارة ينظمونها بالكفر بالله وبكتابه ورسوله ، كما نظمها ((أبو الحسن التسترى)) فى ((وحدة الوجود)) وأن الخالق هو المخلوق . وتارة ينظمونها فى الفسق : كنظم هؤلاء الغواة ، والسفهاء الفساق . ولو قدر أن ناظما نظم هذه الأزجال فى مكان حانوت : نهي ؛ فإنها تفسد اللسان العربي ، وتنقله إلى العجمة المنكرة . ٢٥٤ ومازال السلف يكر هون تغيير شعائر العرب حتى فى المعاملات ، وهو ((التكلم بغير العربية)) إلا لحاجة، كمانص على ذلك مالك والشافعي وأحمد؛ بل قال مالك : من تكلم فى مسجدنا بغير العربية أخرج منه. مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها؛ ولكن سوغوها للحاجة ، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام ؛ فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي، وبعث به نبيه العربي، وجعل الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام، فكيف بمن تقدم على الكلام العربى - مفرده ومنظومه - فیغیرەويبدله ، ويخرجهعن قانونه ويكلف الانتقال عنه؟ !! إنما هذا نظير ما يفعله بعض أهل الضلال من الشيوخ الجهال ، حيث يصمدون إلى الرجل العاقل فيولهونه ، ويختثونه ؛ فإنهم ضادوا الرسول إذ بعث بإصلاح العقول والأديان . وتكميل نوع الإنسان وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان . فإذا جاء هؤلاء إلى صحيح العقل فأفسدوا عقله وفهمه ، فقدضادوا الله وراغموا حكمه . والذين يبدلون اللسان العربى ويفسدونه، لهم من هذا الذم والعقاب بقدر ما يفتحونه ؛ فإن صلاح العقل واللسان، مما يؤمر به الإنسان. ويعين ذلك على تمام الإيمان، وضد ذلك يوجب الشقاق والضلال والخسران . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عمن يتحدث بين الناس بكلام وحكايات مفتعلة، كلها كذب : هل يجوز ذلك ؟ ٢٥٥ فأجاب : أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس ، أو لغرض آخر : فإنه عاص لله ورسوله ، وقدروى بهز بن حكيم ، عن أبيه، عن جده ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الذى يحدث فيكذب ليضحك القوم: ويل له، ويل له، ثم ويل له)) وقد قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح فى جد ولاهزل، ولا يعد أحدكم صبيه شيئًاثم لا ينجزه. وأما إنكان فى ذلك مافيه عدوان على مسلم وضرر فى الدين : فهو أشد تحريماً من ذلك. وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التى تردعه عن ذلك . والله أعلم. وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل ((التشبه بالبهائم)» فى الأمور المذمومة فى الشرع مذموم، منهي عنه: فى أصواتها ، وأفعالها؛ ونحو ذلك مثل : أن ينبح نبيح الكلاب ؛ أو ينهق نهيق الحمير ، ونحو ذلك . وذلك لوجوه : ((أحدها)) أنا قررنا فى ((اقتضاء الصراط المستقيم)) نهي الشارع عن ھے التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه ؛ بالأعراب ، وبالأعاجم، وبأهل الكتاب ونحو ذلك : فى أمور من خصائصهم، وبينا أن من أسباب ذلك ٢٥٦ أن المشابهة تورث مشابهة الأخلاق؛ وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها : كالكلابين، والجمالين. وذكر نامافى النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب: أهل الإبل، ومن مدح أهل الغنم؛ فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فماهي مذمومة؟! بل هذه القاعدة تقتضى بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبها ئم مطلقا فيما هو من خصائصها، وإن لم يكن مذموما بعينه ؛ لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه؛ إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيا أو عجميا خير من كونه كلبا أو حمارا أو خنزيرا، فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين فى خصائصه ؛ لكون ذلك تشبها فيما يستلزم النقص ، ويدعو إليه: فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذموما ومنهيا عنه . ((الوجه الثانى)) أن كون الإنسان مثل البها ئم مذموم؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّ ◌ُبْصِرُونَبِهَا وَهُمْءَاذَاٌ لَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَلِ بَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ). ((الوجه الثالث)): أن اللهسبحانه إنما شبه الإنسان بالكلب والحمارونحوهما فى معرض الذم له كقوله: (فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِنَا يَئِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ ٢٥٧ يَتَفَكَّرُونَ * سَآءَ مَثَلً اٌلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِنَا يَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوايَظْلِمُونَ ) وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُعِلُواْالنَّوْرَنَ ثُمَّلَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَشْفَارًا) الآية وإذا كان التشبه بها إنما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه بها: فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذموما؛ لكن إن كان تشبه بها فى عين ماذمه الشارع : صار مذموما من وجهين. وإن كان فما لم يذمه بعينه : صار مذموما من جهة التشبه المستلزم للوقوع فى المذموم بعينه . يؤيد هذا : ((الوجه الرابع)) وهو قوله صلى الله عليه وسلم فى الصحيح: ((العائد فى هبته كالعائد فى قيئه؛ ليس لنا مثل السوء)). ولهذا يذكر: أن الشافعى وأحمد تناظرا فى هذه المسألة ، فقال له الشافعى : الكلب ليس بمكلف . فقال له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة فى نفس الحديث؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا المثل إلا ليبن أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموما، وإن لم يكن الكلب مذموما فى ذلك من جهة التكليف ؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله سبحانه قد بين بقوله: ( سَآءَ مَثَلًا) أن التمثيل بالكلب مثل سوء. والمؤمن منزه عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموما بقدر ذلك المثل السوء . (الوجه الخامس)» أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب)) وقال: ((إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ، وإذا ٢٥٨ سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا)) فدل ذلك على أن أصواتها مقارنة للشياطين، وأنها منفرة للملائكة. ومعلوم أن المشابه للشيء لابد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة ، فإذا نبح نباحها كان فى ذلك من مقارنة الشياطين وتنفير الملائكة بحسبه . وما يستدعي الشياطين ، وينفر الملائكة : لا يباح إلا لضرورة؛ ولهذا لم يبح اقتناء الكلب إلالضرورة؛ لجلب منفعة : كالصيد . أو دفع مضرة عن الماشية والحرث ، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراط)). ((وبالجملة)) فالتشبه بالشيء يقتضى من الحمد والذم بحسب الشبه ؛ لكن كون المشبه به غير مكلف لا ينفى التكليف عن المنشبه ، كما لو تشبه بالأطفال والمجانين . والله سبحانه أعلم. ((الوجه السادس)) أن النبي صلى الله عليه وسلم ((لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشهات من النساء بالرجال)) وذلك لأن الله خلق كل نوع من الحيوان، وجعل صلاحه وكماله فى أمر مشترك بينه وبين غيره، وبين أمر مختص به . فأما الأمور المشتركة فليست من خصائص أحد النوعين؛ ولهذا لم يكن من مواقع النهي ؛ وإنما مواقع النهي الأمور المختصة . فإذا كانت الأمور التى هي من خصائص النساء ليس للرجال التشبه بهن فيها ، والأمور التى هي من خصائص الرجال ليس (١) الحديث ورد في صحيح مسلم مجلد ٤ ص ٢٠٩٢ بلفظ (فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا) (الحمار) بدل ( الحمير ) ٢٥٩ للنساء التشبه بهم فيها: فالأمور التى هى من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التشبه بالبها ئم فيها بطريق الأولى والأحرى . وذلك لأن الإنسان بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك، وقدر فارق مختص. ثم الأمر المشترك : كالأكل، والشرب، والنكاح، والأصوات ، والحركات ؛ لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان فيها أحكام تخصه؛ ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فها . فالأمور المختصة به أولى ؛ مع أنه فى الحقيقة لامشترك بينه وبينها ؛ ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه . والقدر المشترك إنما وجوده فى الذهن؛ لافى الخارج . وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفاً بالحقيقة للحيوان ، وجعل كماله وصلاحه فى الأمور التى تناسبه ، وهى جميعها لا يماثل فيها الحيوان : فإذا تعمد مماثلة الحيوان ، وتغيير خلق الله : فقد دخل فى فساد الفطرة والشرعة . وذلك محرم . والله أعلم وقال رحم الله فصل قوله: (فَالضََّلِحَتُ قَنِشَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) يقتضى وجوب طاعتها لزوجها مطلقا: من خدمة ، وسفر معه ، وتمكين له ، وغير ذلك ، كما ٢٦٠