النص المفهرس
صفحات 161-180
فإلزامه بدون تلك الصفة إلزام بعقد لم يرض به ، وهو خلاف النصوص والأصول ؛ ولهذا لم يجوز أن يلزم فى البيع بما لم يرض به . ولهذا قال أصحاب أحمد كالقاضي أبى يعلى وغيره: إذا صححنا البيع دون الشرط الفاسد على إحدى الروايتين عنه - فامشترط الشرط إذا لم يعلم بحريمه الفسخ، أو المطالبة بأرش فواته؛ كما قالوا مثل ذلك فى الشرط الصحيح إذا لم يوف به؛ لكن الشرط الصحيح يلزم الوفاء به كالعقد الصحيح ، وإذا لم يوف به فله الفسخ مطلقاً ؛ لأنه لم يرض بدونه . وأما الشرط الفاسد فلا يلزم الوفاء به، كما لا يلزم الوفاء بالعقد الفاسد ؛ لكن له أيضا العقد بدونه، وله فسخ العقد، كما لو اشترط صفة فى البيع فلم يكن على تلك الصفة، وكما لوظهر بالبيع عيب. فأحمد - رضى الله عنه - يقول فى البيع مع الشرط الفاسد: إنه يصح البيع فى إحدى الروايتين ؛ بل فى أنصهما عنه، لأن فوات الشرط والصفة لا يبطل البيع ، والمشترط ينجبر ضرره بتخليته من الفسخ، كما فى فوات الصفات المشروطة ، ومن العيوب . وأما النكاح فالشروطفيه ألزم . وإذا شرط صفة فى أحد الزوجين كالشرط الأوفى - فى إحدى الروايتين ، وهو أحد الوجهين لمالك والشافعى - ملك الفسخ لفواتها ، وكذلك له الفسخ عنده بالعيوب المانعة من مقصود النكاح (١) ويملك الفسخ ، وأما التحليل فهو غير مقصود ، والمقصود فى العقود عنده معتبر ، والمتعة نكاح إلى أجل، والنكاح لا يتأجل . (١) خرم بالأصل . ١٦١ ((والشغار)) علله هو وكثير من أصحابه كالخلال وأبى بكر عبد العزيز بنفي المهر، وكونه جعل أحد البضعين مهراً للآخر ، وهذا تعليل أصحاب مالك ، وعلله كثير من أصحابه بتعليل أصحاب الشافعى . يبقى أن يقال: فكان ينبغى مع الشرط الفاسد أن يخير العاقد بين التزام العقد بدونه وبين فسخه ، كما فى الشروط الفاسدة فى البيع . قيل : إن قلنا إن النكاح لا ينعقد إلا بصيغة الإنكاح والتزويج ؛ لأن ذلك هو الصريح فيه، وهو لا ينعقد بالكناية - كما يقوله أبو حامد والقاضى أبو يعلى وأتباعهما من أصحاب أحمد موافقة لأصحاب الشافعي ، وقلنا إن البيع يصح فيه شرط الخيار دون النكاح: ظهر الفرق، لأن البيع يمكن عقده جائزاً بخلاف النكاح . والمصححون النكاح التحليل والشغار ونحوهما قد يقولون : ما نعى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لم نصححه؛ فإنا لا نصححه مع كونه شغاراً وتحليلا ومتعة ، ولكن نبطل شرط أصل العقد فى المهر ، ونبطل شرط التحليل ، كذلك شرط التأجيل عند من يقول بذلك. ويبقى العقد لازما ليس فيه شغار ولا تحليل؛ ولهذا قال أصحاب أبى حنيفة فى أحد القولين: إنه يصح نكاح التحليل ، ولا تحل به للمطلق ثلاثًا؛ عملا بقوله: ((لعن الله المحلل والمحلل له)) فإنهم إنما يصححونه مع إبطال شرط التحليل ، فيكون نكاحا لازما، ولا يحلونها ١٦٢ للأول ؛ لأنه إذا أحلت للأول قصد بذلك تحليلها للأول، فإذا لم تحل به للأول لم يقصد به التحليل للأول، فلا يكون نكاح تحليل. وعلى هذا القول لا ينكح أحد المرأة إلا نكاح رغبة؛ لا نكاح تحليل ولو نكحها بنية التحليل أو شرطه ثم قصد الرغبة هي وهو وأسقطا شرط التحليل : فهل يحتاج إلى استئناف عقد ، أم يكفى استصحاب العقد الأول ؟ فيه نزاع. وهو يشبه إسقاط الشرط الفاسد في البيع : هل يصح معه أم لا وهو قصد. ومثله إذا عقد العقد بدون إذن من اشترط إذنه : هل يقع باطلا (أ) وموقوفا على الإجازة؟ فيه قولان مشهوران، وهما قولان فى مذهب أحمد ((أحدهما)) أنه يقع باطلا، ولا يوقف، كقول الشافعي. ((الثانى)) أنه يقف على الإجازة، كقول أبى حنيفة ومالك ، فإذا عقد العقد بنية فاسدة أو شرط فاسد فقد يقول : إنه على القولين فى الوقف؛ فمن قال بالوقف وقفه على إزالة المفسد، ومن لا فلا. فزوال المانع كوجود المقتضى. وإذا كان موقوفا على حصول بعض شروطه فهو كالوقف على زوال بعض موانعه (١) إذا جعلتموه زوجا مطلقا يلزمها نكاحه فقد ألزمتموها بنكاح لم ترض به وهذا خلاف الأصول والنصوص [وأصح] الأقوال فى هذا الباب: أن الأمر إليها فإن رضيت بدون ذلك الشرط كان زوجا ، ولا يحتاج إلى استئناف عقد. وإن لم ترض به لم يكن زوجا: كالنكاح الموقوف على إجازتها، وكذلك فى النكاح (١) خرم بالأصل. ١٦٣ على مهر لم يسلم لها ؛ لتحرمه، أو استحقاقه [فإن شاءت ] أن ترضى به زوجا بمهر آخر كان ذلك، وإن شاءت أن تفارقه فلها ذلك ؛ وليس قبل رضاها نكاح لازم. وسئل رحم الله عن رجل تزوج بامرأة فشرط عليه عند النكاح أنه لا يتزوج عليها ، ولا ينقلها من منزلها . وكانت لها ابنة فشرط عليه أن تكون عند أمها وعنده ماتزال فدخل على ذلك كله : فهل يلزمه الوفاء؟ وإذا أخلف هذا الشرط : فهل للزوجة الفسخ، أم لا؟ ((فأجاب)»: الحمد لله. نعم تصح هذه الشروط ومافى معناها فى مذهب الإمام أحمد، وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم: كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص رضى الله عنهما، وشريح القاضى ، والأوزاعي ، وإسحق ولهذا يوجد فى هذا الوقت صداقات أهل المغرب القديمة لما كانوا على مذهب الأوزاعي فيها هذه الشروط. ومذهب مالك إذا شرط أنه إذا تزوج عليها أو تسرى أن يكون أمرها بيدها ونحو ذلك: صح هذا الشرط أيضا ، وملكت الفرقة به . وهو فى المعنى نحو مذهب أحمد فى ذلك ؛ لما أخرجاه فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللم به الفروج .)) وقال عمر بن الخطاب: مقاطع الحقوق عند الشروط ١٦٤ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء من غيره وهذا نص في مثل هذه الشروط ؛ إذ ليس هناك شرط يوفى به بالإجماع غير الصداق والكلام ، فتعين أن تكون هي هذه الشروط . وأما شرط مقام ولدها عندها ، ونفقته عليه: فهذا مثل الزيادة فى الصداق والصداق يحتمل من الجهالة فيه ــ فى المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبى حنيفة ومالك - مالا يحتمل فى الثمن والأجرة. وكل جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز؛ لا سما مثل هذا يجوز فى الإجارة ويحوها فى مذهب أحمد وغيره: إن استأجر الأجير بطعامه وكسوته، ويرجع فى ذلك إلى العرف . فكذلك اشتراط النفقة على ولدها يرجع فيه إلى العرف بطريق الأولى . ومتى لم يوف لها بهذه الشروط فتزوج ، وتسرى: فلها فسخ النكاح . لكن فى توقف ذلك على الحاكم نزاع ؛ لكونه خياراً مجتهدا فيه ، كخيار العنة والعيوب؛ إذ فيه خلاف . أو يقال: لا يحتاج إلى اجتهاد فى ثبوته ، وإن وقع نزاع فى الفسخ به ؛ كيار المعتقة : يثبت فى مواضع الخلاف عند القائلين به بلا حكم حاكم مثل أن يفسخ على التراخي . وأصل ذلك أن توقف الفسخ على الحكم هل هو الاجتهاد فى ثبوت الحكم أيضا؟ أو أن الفرقة يحتاط لها ؟ والأقوى أن الفسخ المختلف فيه كالعنة لا يفتقر إلى حكم حاكم؛ لكن إذا رفع إلى حاكم يرى فيه إمضاءه أمضاه. وإن رأى إبطاله أبطله. واللهً على. ١٦٥ وسئل رحمه اللّه عمن شرط أنه لا يتزوج على الزوجة ولا يتسرى ، ولا يخرجها من دارها أو من بلدها . فإذا شرطت على الزوج قبل العقد ، واتفقا علها ، وخلا العقد عن ذكرها : هل تكون صحيحة لازمة يجب العمل بها كالمقارنة أو لا؟ فأجاب: الحمد لله. نعم تكون صحيحة لازمة إذا لم يبطلاها، كما لو قارنت عقد العقد . هذا ظاهر مذهب الإمام أبى حنيفة والإمام مالك وغيرهما فى جميع العقود ، وهو وجه فى مذهب الشافعى : يخرج من مسألة ((صداق السر والعلانية)) وهكذا يطرده مالك وأحمد فى العبادات؛ فإن النية المتقدمة عندهما كالمقارنة . وفى مذهب أحمد قول ثان : أن الشروط المتقدمة لا تؤثر . وفيه قول ثالث ، وهو الفرق بين الشرط الذى يجعل غير مقصود، كالتواطؤ على أن البيع تلجئة لا حقيقة له ، وبين الشرط •٠ الذى لا يخرجه عن أن يكون مقصوداً ، كاشتراط الخيار ونحوه . وأما عامة نصوص أحمد وقدماء أصحابه ويحققى المتأخرين : على أن الشروط والمواطأة التى يجرى بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حتى عقدا العقد فإن العقد يقع ١٦٦ مقيدا بها ، وعلى هذا جواب أحمد في مسائل الحيل فى البيع ، والإجارة ، والرهن ، والقرض ، وغير ذلك . وهذا كثير موجود فى كلامه وكلام أصحابه ، تضيق الفتوى عن تعديد أعيان المسائل. وكثير منها مشهور عند من له أدنى خبرة بأصول أحمد ونصوصه ؛ لا يخفى عليه ذلك . وقد قررنا دلائل ذلك من الكتاب والسنة وإجماع السلف وأصول الشريعة فى ((مسئلة التحليل)). ومن تأمل العقود التى كانت تجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وغيره مثل عقد البيعة التى كانت بينه وبين الأنصار ليلة العقبة ، وعقد الهدنة الذى كان بينه وبين قريش عام الحديبية. وغير ذلك: علم أنهم اتفقوا على الشروط ثم عقدوا العقد بلفظ مطلق ، وكذلك عامة نصوص الكتاب والسنة فى الأمر بالوفاء بالعقود والعهود والشروط والنهي عن الغدر ، والثلاث تتناول ذلك تناولا واحداً ؛ فإن أهل اللغة والعرف متفقون على التسمية ، والمعانى الشرعية توافق ذلك . وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل تزوج بنتا عمرها عشر سنين ، واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم ولا ينقلها عنهم، ولا يدخل عليها إلا بعد سنة. فأخذها إليه ، واختلف ذلك ، ودخل عليها ، وذكر الدايات: أنه نقلها ، ثم ١٦٧ سكن بها فى مكان يضربها فيه الضرب المبرح ، ثم بعد ذلك سافر بها ثم حضر بها ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضربها : فهل محل أن يدوم معه على هذا الحال ؟ فأجاب : إذا كان الأمر على ما ذكر فلا يحل إقرارها معه على هذه الحالة ؛ بل إذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فرق بينهما ؛ وليس له أن يطأها وطأ يضربها؛ بل إذا لم يمتنع من العدوان عليها فرق بينهما. والله أعلم وسئل رحمه اللّه 4 عن رجل شرط على امرأته بالشهود ألا يسكنها فى منزل أبيه ، فكانت مدة السكنى منفردة ، وهو عاجز عن ذلك: فهل يجب عليه ذلك ؟ وهل لها أن تفسخ النكاح إذا أراد إبطال الشرط ؟ وهل يجب عليه أن يمكن أمها أو أختها من الدخول عليها والمبيت عندها ، أم لا؟ فأجاب : لا يجب عليه ما هو عاجز عنه ؛ لا سيما إذا شرطت الرضا بذلك بل إذا كان قادراً على مسكن آخر لم يكن لها عند كثير من أهل العلم - كمالك وأحد القولين فى مذهب أحمد وغيرهما - ما شرط لها، فكيف إذا كان عاجزاً؟ وليس لها أن تفسخ النكاح عندهؤلاء وإن كان قادراً. فأما إذا كان ذلك للسكن ويصلح لسكنى الفقير وهو عاجز عن غيره فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء. وليس عليه أن يمكن من الدخول إلى منزله: لاأمها ولاأختها: إذا كان معاشراً لها بالمعروف . والله أعلم. ١٦٨ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل تزوج ، وشرطوا عليه فى العقد أن كل امرأة يتزوج بها تكون طالقا ، وكل جارية يتسرى بها تعتق عليه ؛ ثم إنه تزوج وتسرى : فا الحكم فى المذاهب الأربعة ؟ فأجاب هذا الشرط غير لازم فى مذهب الإمام الشافعي. ولازم له فى مذهب أبى حنيفة : متى تزوج وقع به الطلاق ، ومتى تسرى عتقت عليه الأمة ، وكذلك مذهب مالك . وأما مذهب أحمد فلا يقع به الطلاق ولا العناق؛ لكن إذا تزوج وتسرى كان الأمر بيدها: إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)) ولأن رجلا تزوج امرأة بشرط أن لا يتزوج عليها ، فرفع ذلك إلى عمر ، فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط . فالأقوال فى هذه المسألة ثلاثة: ((أحدها)) يقع به الطلاق والعتاق. و((الثاني)) لا يقع به، ولا تملك امرأته فراقه. و((الثالث)) - وهو أعدل الأقوال أنه لا يقع به طلاق ولاعتاق ؛ لكن لامر أته ماشرط لها : فإن شاءت أن أن تقيم معه ؛ وإن شاءت أن تفارقه . وهذا أوسط الأقوال . ١٦٩ وسئل الشيخ رحمه اللّه عن رجل حلف بالطلاق : أنه ما يتزوج فلانة ، ثم بداله أن ينكحها : فهل له ذلك ؟ وفى رجل تزوج امرأة ، وشرط فى العقد أنه لا يتزوج عليها ثم تزوج : فهل يثبت لها الخيار ، أم لا ؟ فأجاب: الحمدلله رب العالمين . له أن يتزوجها ، ولا يقع به الطلاق إذا تزوجها عند جمهور السلف ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما . وإذا شرط فى العقد أنه لا يتزوج عليها ، وإن تزوج عليها كان أمرها بيدها: كان هذا الشرط صحيحا لازما في مذهب مالك وأحمد وغيرهما . ومتى تزوج عليها فأمرها بيدها إن شاءت أقامت ، وإن شاءت فارقت والله أعلم . ١٧٠ باب العيوب فى النكاح وسئل رحمه اللّـه عن امرأة تزوجت برجل ، فلما دخل رأت بجسمه برصاً : فهل لها أن تفسخ عليه النكاح ؟ فأجاب: إذا ظهر بأحد الزوجين جنون، أو جذام، أو برص: فللآخر فسخ النكاح ؛ لكن إذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسخ له . وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئاً من جهازها ، وإن فسخت قبل الدخول سقط مهرها وإن فسخت بعده لم يسقط . وسئل رحمه اللّه عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجدوماً : فهل لها فسخ النكاح ؟ فأجاب : الحمدلله . إذا ظهر أن الزوج مجزوم . فللمرأة فسخ النكاح بغير اختيار الزوج . والله أعلم . ١٧١ وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بكرا فوجدها مستحاضة لا ينقطع دمها من بيت أمها ، وأنهم غروه : فهل له فسخ النكاح ، ويرجع على من غره بالصداق ؟ وهل يجب على أمها وأبيها مين إذا أنكروا أم لا؟ وهل يكون له وطؤها أم لا؟ فأجاب : هذا عيب يثبت به فسخ النكاح فى أظهر الوجهين فى مذهب أحمد وغيره؛ لوجهين ((أحدهما)) أن هذا مما لا يمكن الوطء معه إلا بضرر يخافه وأذى يحصل له. ((والثاني)) أن وطء المستحاضة عند أحمد فى المشهور عنه لا يجوز؛ إلا لضرورة. وما يمنع الوطء حسا : كاستداد الفرج. أو طبعا كالجنون، والجذام: يثبت الفسخ عند مالك والشافعى وأحمد ؛ كما جاء عن عمر. وأما ما يمنع كمال الوطء كالنجاسة فى الفرج : ففيه نزاع مشهور، والمستحاضة أشد من غيرها . وإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر عليه، وإن فسخ بعده ؟ قيل : إن الصداق يستقر بمثل هذه الحلوة، وإن كان قد وطئها فإنه يرجع بالمهر على من غره. وقيل : لا يستقر ، فلا شىء عليه، وله أن يحلف من ادعى الغرور عليه أنه لم يغره. ووطء المستحاضة فيه نزاع مشهور. وقيل: يجوز وطؤها؛ كقول ١٧٢ الشافعى وغيره . وقيل: لا يجوز إلا الضرورة؛ وهو مذهب أحمد فى المشهور عنه . وله الخيار مالم يصدر عنه ما يدل على الرضا بقول أو فعل ؛ فإن وطئها بعد ذلك فلا خيار له؛ إلا أن يدعى الجهل : فهل له الخيار؟ فيه نزاع مشهور، والأظهر ثبوت الفسخ. والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل تزوج امرأة على أنها بكر ، فبانت ثيباً فهل له فسخ النكاح ويرجع على من غره أم لا ؟ فأجاب : له فسخ النكاح، وله أن يطالب بأرش الصداق ـ- وهو تفاوت ما بين مهر البكر والثيب فينقص بنسبته من المسمى - وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر . والله أعلم. ١٧٣ باب نكاح الكفار وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولدت من نكاح؛ لامن سفاح)) ما معناه؟ فأجاب : الحمد لله. الحديث معروف من مراسيل على بن الحسين - رضى الله عنهما - وغيره. ولفظه: ((ولدت من نكاح، لامن سفاح، لم يصبنى من نكاح(١) الجاهلية شىء)) فكانت منا كهم فى الجاهلية على أنحاء متعددة . وسئل رحمه اللّه عن النكاح قبل بعثة الرسل : أهو صحيح ، أم لا ؟ فأجاب : كانت منا هم فى الجاهلية على أنحاء متعددة : منها نكاح الناس اليوم. وذلك النكاح فى الجاهلية صحيح عند جمهور العلماء ، وكذلك سائر منا كح أهل الشرك التى لا تحرم فى الإسلام ، ويلحقها أحكام النكاح الصحيح: من الإرث، والإيلاء واللعان، والظهار، وغير ذلك . وحكي عن مالك أنه قال : نكاح أهل الشرك ليس بصحيح. ومعنى هذا عنده: أنه لو طلق (١) الحديث ورد في البداية والنهاية مجلد ٢ ص ٢٣٨ بلفظ مختلف. ١٧٤ الكافر ثلاثا لم يقع به طلاق، ولو طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فتزوجها ذمي ووطئها لم يحلها عنده، ولو وطئ ذمي ذمية بنكاح لم يصر بذلك محصنا . وأكثر العلماء يخالفونه فى هذا. وأما كونه صحيحا فى لحوق النسب، وثبوت الفراش : فلا خلاف فيه بين المسلمين ؛ فليس هو بمنزلة وطء الشبهة ؛ بل لو أسلم الزوجان الكافران أقرا على نكاحهما بالإجماع ، وإن كانا لا يقران على وطء شبهة، وقد احتج الناس بهذا الحديث على أن نكاح الجاهلية نكاح صحيح. واحتجوا بقوله: ( وَأُمْرَأَتُهُ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) وقوله (أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) وقالوا: قد سماها الله (امرأة)) والأصل في الإطلاق الحقيقة. والله أعلم. وقال رحمه اللّه تعالى فى صحيح البخاري قال : قال عطاء عن ابن عباس: كان المشركون على منزلتين من النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين : كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه . ومشركين أهل عهد لايقاتلهم ولا يقاتلونه. وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت حل لها النكاح؛ فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. فإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ، ولهما ما للمهاجرين.، ثم ذكر فى أهل العهد مثل حديث مجاهد، وإن هاجر عبد أو أمة للمشر كين أهل العهد لم يرد، وردت أثمانهم. وقال عطاء عن ابن عباس: كانت قريبة بنت أبى أمية عند عمر بن الخطاب ؛ وطلقها فتزوجها معاوية بن أبى سفيان ، وكانت أم الحكم ابنة أبى سفيان تحت عياض بن غنم الفهري فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان. ١٧٥ ثم ذكر في باب بعده: وقال: ابن جريج: قلت لعطاء: امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاض زوجها منها لقوله تعالى: (وَءَاتُهُم مَّا أَنفَقُواْ )؟ قال: لا . إنما كان ذلك بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد. قال مجاهد: هذا كله فى صلح بين النبى صلى الله عليه وسلم ، وبين قريش. قلت : حديث ابن عباس فيه فصول . ((أحدها)) أن المهاجرة من أهل الحرب ليس عليها عدة؛ إنما عليها استبراء بحيضة ، وهذا أحد قولي العلماء فى هذه المسألة ؛ لأن العدة فيهاحق للزوج كما قال الله تعالى: (فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا) ولهذا قلنا: لا تتداخل . وهذه ملكت نفسها بالإسلام والهجرة كما يملك العبد نفسه بالإسلام والهجرة ، فلم يكن للزوج عليها حق؛ لكن الاستبراء فيها كالأمة المعتقة ، وقد يقوى هذا قول من يقول : المختلفة يكفيها حيضة ؛ لأن كلاهما متخلصة . ((الثانى)» أن زوجها إذا هاجر قبل النكاح ردت إليه وإن كانت قد حاضت ، ومع هذا فقد روى البخاري بعد هذا عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه. وماذكره ابن عباس فى المهاجرة يوافق المشهور من ((أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ردت على أبى العاص ابن الربيع بالنكاح الأول)). وقد كتبت فى الفقه فى هذا آثاراً ونصوصاً عن الإمام أحمد وغيره ١٧٦ ((الثالث)) قوله: إن المهاجر من عبيده يكون حراً له ماللمهاجرين، كما فى قصة أبى بكرة ومن هاجر معه من عبيد أهل الطائف، وهذا لاريب فيه ؛ فإنه بالإسلام والهجرة ملك نفسه ؛ لأن مال أهل الحرب مال إباحة ، ـع فمن غلب على شىء ملكه؛ فإذا غلب على نفسه فهو أولى أن يملكها ، والإسلام يعصم ذلك. ((الرابع)) أن المهاجر من رقيق المعاهدين: يرد عليهم منه دون عينه؛ لأن مالهم معصوم: فهو كما لو أسلم عبد الذمي يؤمر بإزالة ملكه عنه يبيع أو هبة أو عتق ، فإن فعل وإلا بيع عليه ، ولا يرد عينه عليهم ؛ لأنهم يسترقون المسلم ، وذلك لا يجوز ؛ بخلاف رد الحر إليهم فإنهم لا يسترقونه ، ولهذا لما شرط النبى صلى الله عليه وسلم رد النساء مع الرجال فسخ الله ذلك، وأمره أن لا يرد النساء المسلمات فقال: (لَ هُنَّ حِلٌ لَّمْوَلَهُمْ بَحِلُونَهُنَّ) لأنه يستباح فى دار الكفر من المرأة المسلمة ما لا يستباح من الرجل ، لأن المرأة الأسيرة كالرجل الأسير ، وأمره برد المهر عوضا ١٧٧ وسئل رحمه اللّه تعالى عن قوله تعالى: (وَلَا نَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ) وقد أباح العلماء التزويج بالنصرانية واليهودية : فهل هما من المشركين ؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمدلله . نكاح الكتابية جائز بالآية التى فى المائدة ، قال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ ◌َهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ) وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم . وقد روي عن ابن عمر : أنه كره نكاح النصرانية . وقال: لا أعلم شركا أعظم ممن تقول إن ربها عيسى بن مريم . وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع ، وقد احتجوا بالآية التي فى سورة البقرة، وبقوله : ( وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ). والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه : ((أحدها)) أن أهل الكتاب لم يدخلوا فى المشركين، فجعل أهل الكتاب غير مشر كين بدليل قوله: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوَّا). ١٧٨ فإن قيل فقد وصفهم بالشرك بقوله : ( أَتَّخَذُواْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أَمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ وَأَ إِلَهًا وَحِدًّاً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ): قيل : إن أهل الكتاب ليس فى أصل دينهم شرك ؛ فإن الله إنما بعث الرسل بالتوحيد ، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال: (سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) حيث وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذى لم يأمر الله به وجب تميزهم عن المشر كين، لأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التى جاءت بالتوحيد ؛لا بالشرك : فإذا قيل أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين ؛ فإن الكتاب الذى أضيفوا إليه لا شرك فيه ، كما إذا قيل : المسلمون، وأمة محمد . لم يكن فيهم من هذه الجهة؛ لا اتحاد، ولا رفض ، ولا تكذيب بالقدر ، ولا غير ذلك من البدع . وإن كان بعض الداخلين فى الأمة قد ابتدع هذه البدع ؛ لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، فلا يزال فيها من هو متبع الشريعة التوحيد ؛ بخلاف أهل الكتاب . ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم ، بل قال: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) بالفعل، وآية البقرة قال فيها: ( وَاُلْمُشْرِكِينَ ) و (وَالْمُشْرِكَتِ ) بالاسم . والاسم أوكد من الفعل ١٧٩ ((الوجه الثانى)) أن يقال: إن شملهم لفظ (المشركين ) من سورة البقرة كما وصفهم بالشرك : فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفرداً ومقرونا ؛ فإذا أُفردوا دخل فيهم أهل الكتاب ، وإذا قرنوا مع أهل الكتاب لم يدخلوا فيهم، كما قيل مثل هذا فى اسم ((الفقير)) و ((المسكين)) ونحو ذلك. فعلى هذا يقال : آية البقرة عامة ، وتلك خاصة . والخاص يقدم على العام (الوجه الثالث)) أن يقال: آية المائدة ناسخة لآية البقرة ؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء، وقد جاء فى الحديث ((المائدة من آخر القرآن نزولا ، فأحلوا حلالها ، وحرموا حرامبها)» والآية المتأخرة تنسخ الآية المتقدمة إذا تعارضتا . وأما قوله: (وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) فإنها نزلت بعدصلح الحديبية لما هاجر من مكة إلى المدينة، وأنزل الله ((سورة الممتحنة)) وأمر بامتحان المهاجرات . وهو خطاب لمن كان فى عصمته كافرة. و ((اللام)) لتعريف العهد ، والكوافر المعهودات هن المشركات ، مع أن الكفار قد يميزوا من أهل الكتاب أيضا فى بعض المواضع كقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ فإن أصل دينهم هو الإيمان؛ ولكن م اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ) ١٨٠