النص المفهرس
صفحات 101-120
فى حال طلاقه: فلم يجز ذلك بإجماع المسلمين، ولو قال المستفتى المعين: أنالم أكن أعرف ذلك ، وأنا من اليوم التزم ذلك: لم يكن من ذلك، لأن ذلك يفتح باب التلاعب بالدين ، وفتح الذريعة إلى أن يكون التحليل والتحريم بحسب الأهواء. والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بامرأة، وليها فاسق يا كل الحرام ويشرب الخمر ؛ والشهود أيضا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث : فهل له بذلك الرخصة فى رجعتها ؟ فأجاب : إذا طلقها ثلاثا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق فى صفة العقد، ولم ينظر فى صفته قبل ذلك : فهو من المتعدين لحدود الله ، فإنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق ، وبعده . والطلاق فى النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق : يصح عند جماهير الأئمة . والله أعلم. ١٠١ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل تزوج امرأة ((مصافة)) (١) على صداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار ، وقددخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إذا رزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحد أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكما النكاح : فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة ؛ بل الذى عليه العلماء أنه (( لا نكاح إلا بولي)) (وأما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل )) . وكلا هذين اللفظين مأثور فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم. ٠٠ وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين. وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد . ومالك يوجب إعلان النكاح . ((ونكاح السر)) هو من جنس نكاح البغايا؛ وقد قال الله تعالى : ( مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) فنكاح السر من جنس ذوات الأخدان؛ وقال تعالى: ( وَأَنْكِحُواْأَيَمَى مِنكُمْ) وقال تعالى: (وَلَا تُنْكِحُواْ (١) المصافحة ((نكاح السر)) ١٠٢ اَلْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ) خاطب الرجال بتزويج النساء ؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن المرأة لا تنكح نفسها ، وإن البغي هى التى تنكح نفسها. لكن إن اعتقد هذا نكاحا جائرا كان الوطء فيه وطء شبهة ، يلحق الولد فيه ، ويرث أباه . وأما العقوبة فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد. وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج ((مصافحة)) وقعدت معه أياما ، فطلع لها زوج آخر ، فحمل الزوج والزوجة وزوجها الأول، فقيل لها: تريدين الأول، أو الثانى؟ فقالت : ما أريد إلا الزوج الثانى، فطلقها الأول، ورسم للزوجة أن توفي عدته، وتم معها الزوج: فهل يصح ذلك لها، أم لا؟ فأجاب: إذا تزوجت بالثانى قبل أن توفي عدة الأول. وقد فارقها الأول إما لفساد نكاحه ؛ وإما لتطليقه لها؛ وإما لتفريق الحاكم بينهما : فنكاحها فاسد؛ تستحق العقوبة: هي ؛ وهو ؛ ومن زوجها ؛ بل عليها أن تتم عدة الأول، ثم إن كان الثاني قد وطنها اعتدت له عدة أخرى ؛ فإذا انقضت العدنان تزوجت حينئذ بمن شاءت: بالأول ، أو بالثانى ، أو غيرهما . ١٠٣ ومئل رحمه اللّه عن أمة متزوجة ، وسافر زوجها وباعها سيدها ، وشرط أن لها زوجا فقعدت عند الذى اشتراها أياما ؛ فأدر كه الموت فأعتقها ، فتزوجت، ولم يعلم أن لها زوجا ؛ فلما جاء زوجها الأول من السفر أعطى سيدها الذي باعها الكتاب لزوجها الذى جاء من السفر ، والكتاب بعقد صحيح شرعي : فهل يصح العقد بكتاب الأول ؟ أو الثانى ؟ فأجاب : إن كان تزوجها نكاحا شرعيا : إما على قول أبى حنيفة بصحة نكاح الحر بالأمة، وإما على قول مالك والشافعى وأحمد بأن يكون عادما للطول، خائفا من العنت: فنكاحه لا يبطل بعتقها ؛ بل هي زوجته بعد العتق لكن عند أبى حنيفة فى رواية لها الفسخ ، فلها أن تفسخ النكاح ، فإذا قضت عدته تزوجت بغيره إن شاءت ، وعند مالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه لا خيار لها ؛ بل هى زوجته؛ ومتى تزوجت قبل أن يفسخ النكاح : فنكاحها باطل باتفاق الأمة . وأما إن كان نكاحها الأول فاسدا فإنه يفرق بينهما؛ وتتزوج من شاءت بعد انقضاء العدة . ١٠٤ وسئل رحم اللّه عن رجل أقر عند عدول أنه طلق امرأته من مدة تزيد على العدة الشرعية فهل يجوز لهم تزويجها له الآن ؟ فأجاب : الحمد لله . أما إن كان المقر فاسقا أو مجهولا لم يقبل قوله فى إسقاط العدة التى فيها حق الله ؛ وليس هذا إقراراً محضا على نفسه حتى يقبل من الفاسق بل فيه حق لله؛ إذ فى العدة حق الله، وحق للزوج . وأما إذا كان عدلا غير متهم : مثل أن يكون غائبا فلما حضر أخبرها أنه طلق من مدة كذا وكذا فهل تعتد من حين بلغها الخبر إذا لم تقم بذلك بينة ؟ أو من حين الطلاق ، كمالو قامت به بينة ؟ فيه خلاف مشهور: عن أحمد وغيره ، والمشهور عنه هو الثانى. والله أعلم . وسئل عن رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها ؛ ولا أصابها ، فولدت بعد شهرين : فهل يصح النكاح؟ وهل يلزمه الصداق ، أم لا ؟ ١٠٥ فأجاب الحمد لله. لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين، وكذلك لا يستقر عليه المهر باتفاق المسلمين ؛ لكن للعلماء فى العقد قولان: أصمهما أن العقد باطل ؛ كمذهب مالك وأحمد وغيرهما . وحينئذ فيجب التفريق بينهما؛ ولامهر عليه ، ولا نصف مهر ؛ ولا متعة ؛ كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت الفرقة فيها قبل الدخول ؛ لكن ينبغى أن يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد ؛ لقطع النزاع . ((والقول الثانى)) أن العقد صحيح؛ ثم لا يحل له الوطء حتى تضع، كقول أبى حنيفة . وقيل: يجوز له الوطء قبل الوضع ؛ كقول الشافعى. فعلى هذين القولين إذا طلقها قبل الدخول فعليه نصف المهر ؛ لكن هذا النزاع إذا كانت حاملا من وطء شبهة أو سيد أو زوج؛ فإن النكاح باطل باتفاق المسلمين ؛ ولا مهر عليه إذا فارق قبل الدخول. وأما الحامل من الزنا فلا كلام فى صحة نكاحها، والنزاع فيما إذا كان نكحها طائعا ، وأما إذا نكحها مكرها فالنكاح باطل فى مذهب الشافعى ، وأحمد ، وغيرهما . وسئل رحمه اللّه عن رجل ((ركاض)) يسير فى البلاد فى كل مدينة شهرا أو شهرين ويعزل عنها ، ويخاف أن يقع فى المعصية : فهل له أن يتزوج فى مدة إقامته ١٠٦ فى تلك البلدة ؛ وإذا سافر طلقها وأعطاها حقها ؛ أو لا؟ وهل يصح النكاح أم لا ؟ فأجاب له أن يتزوج ؛ لكن ينكح نكاحا مطلقا لا يشترط فيه توقيتا بحيث يكون إن شاء مسكها وإن شاء طلقها. وإن نوى طلاقها حتما عند انقضاء سفره كره فى مثل ذلك . وفى صحة النكاح نزاع ، ولو نوى أنه إذا سافر وأعجبته أمسكها وإلاطلقها جاز ذلك. فأما أن يشترط التوقيت فهذا ((نكاح المتعة)) الذى اتفق الأئمة ء الأربعة وغيرهم على تحريمه، وإن كان طائفة يرخصون فيه: إما مطلقا ، وإما للمضطر ، كما قد كان ذلك فى صدر الإسلام ، فالصواب أن ذلك منسوخ ، كما ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن رخص لهم فى المتعة عام الفتح قال: ((إن الله قد حرم المتعة إلى يوم القيامة)) والقرآن قد حرم أن يطأ الرجل إلا زوجة أو مملوكة بقوله: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ * إِلَّا عَلَىَّ أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ وهذه المستمتع بها ليست من أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) الأزواج، ولا ما ملكت اليمين؛ فإن الله قد جعل للأزواج أحكاما : من الميراث ، والاعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وعدة الطلاق ثلاثة قروء ، ونحو ذلك من الأحكام التى لا تثبت فى حق المستمتع بها ، فلو كانت ١٠٧ زوجة لثبت فى حقها هذه الأحكام ؛ ولهذا قال من قال من السلف : إن هذه الأحكام نسخت المتعة . وبسط هذا طويل ، وليس هذا موضعه . وإذا اشترط الأجل قبل العقد فهو كالشرط المقارن فى أصح قولي العلماء، وكذلك فى ((نكاح المحلل)). وأما إذا نوى الزوج الأجل ولم يظهره للمرأة : فهذا فيه نزاع: يرخص فيه أبو حنيفة والشافعى، ويكرهه مالك وأحمد وغيرهما ، كما أنه لونوى التحليل كان ذلك مما اتفق الصحابة على النهي عنه ، وجعلوه من نكاح المحلل؛ لكن نكاح المحلل شر من نكاح المتعة ؛ . فإن نكاح المحلل لم يبح قط، إذ ليس مقصود المحلل أن ينكح؛ وإنما مقصوده أن يعيدها إلى المطلق قبله ، فهو يثبت العقد ليزيله ، وهذا لا يكون مشروعا بحال ؛ بخلاف المستمتع فإن له غرضا فى الاستمتاع ؛ لكن التأجيل يخل بمقصود النكاح من المودة والرحمة والسكن ، ويجعل الزوجة بمنزلة المستأجرة ، فلهذا كانت النية فى نكاح المتعة أخف من النية فى نكاح المحلل ، وهو يتردد بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه . وأما ((العزل)) فقد حرمه طائفة من العلماء؛ لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة . والله أعلم . ١٠٨ وسئل رحمه الله تعالى عمن قال : إن المرأة المطلقة إذا وطئها الرجل فى الدبر محل لزوجها : هل هو صحيح ، أم لا؟ فأجاب : هذا قول باطل ، مخالف لأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أئمة المسلمين ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمطلقة ثلاثا: ((لا. حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك)) وهذا نص فى أنه لا بد من العسيلة . وهذا لا يكون بالدبر ، ولا يعرف فى هذا خلاف . وأما مايذكر عن بعض المالكية - وهم يطعنون فى أن يكون هذا قولا - وما يذكر عن سعيد ابن المسيب من عدم اشتراط الوطء فذاك لم يذكر فيه وطء الدبر، وهو قول شاذ صحت السنة بخلافه ، وانعقد الإجماع قبله وبعده . وقال الشيخ رحمه الله ((نكاح الزانية)) حرام حتى تتوب ، سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلاريب ، وهو مذهب طائفة من السلف والخلف : منهم ١٠٩ أحمد بن حنبل وغيره ، وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه ، وهو قول الثلاثة ؛ لكن مالك يشترط الاستبراء، وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملا؛ لكن إذا كانت حاملا لا يجوز وطأها حتى تضع ، والشافعى يبيح العقد والوطء مطلقا ؛ لأن ماء الزانى غير محترم ، وحكمه لا يلحقه نسبه . هذا مأخذه . وأبو حنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإن الحامل إذا وطئها استلحق ولدا ليس منه قطعا ؛ بخلاف غير الحامل . ومالك وأحمد يشترطان ((الاستبراء )) وهو الصواب؛ لكن مالك وأحمد فى رواية يشترطان الاستبراء بحيضة ، والرواية الأخرى عن أحمد هى التى عليها كثير من أصحابه كالقاضى أبى يعلى وأتباعه أنه لابد من ثلاث حيض ، والصحيح أنه لا يجب إلا الاستبراء فقط؛ فإن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة ، وليست أعظم من المستبرأة التى يلحق ولدها سيدها، وتلك لا يجب عليها إلا الاستبراء، فهذه أولى. وإن قدر أنها حرة - كالتى أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إما من المعتق وإما من غيره - فإن هذه عليها استبراء عند الجمهور ، ولا عدة عليها . وهذه الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ ؛ مع أن فى إيجاب العدة على تلك نزاعا. وقد ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة: أن ((المختلفة)) ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة؛ لا عدة كعدة المطلقة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وقول عثمان بن عفان ، وابن عباس، وابن عمر فى آخر قوليه . وذكر مكي: أنه إجماع الصحابة ، وهو قول قبيصة بن ذؤيب ١١٠ واسحاق بن راهويه، وابن المنذر ، وغيرهم من فقهاء الحديث . وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على هذا فى موضع آخر . فإذا كانت المختلفة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء - ويسمى الاستبراء عدة - فالموطوءة بشبهة أولى ، والزانية أولى . وأيضا ((فالمهاجرة)) من دار الكفر كالممتحنة التى أنزل الله فيها: الآية . يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَةٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ ) قد ذكرنا فى غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها ، وأن ذلك كان يكون بعد استبرائها بحيضة ، مع أنها كانت مزوجة ؛ لكن حصلت الفرقة بإسلامها واختيارها فراقه؛ لا بطلاق منه. وكذلك قوله: ( وَاُلْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ) فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الاستبراء، والمسبية ليس عليها (إلا) الاستبراء بالسنة واتفاق الناس، وقد يسمى ذلك عدة. وفى السنن فى حديث بريرة لما أعتقت: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أن تعتد )» فلهذا قال من قال من أهل الظاهر كابن حزم : إن من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلا هذه. وهذا ضعيف؛ فإن لفظ ((تعتد)) فى كلامهم يراد به الاستبراء ، كما ذكرناسو (١) هذه، وقد روى ابن ماجه عن عائشة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد بثلاث حيض)) فقال كذا ، لكن هذا حديث معلول (١) كذا بالأصلين . ١١١ أما ((أولاً)) فإن عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أن العدة عندها ثلاثة أطهار ، وأنها إذا طعنت فى الحيضة الثالثة حلت ، فكيف تروي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض؟! والنزاع بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم فى العدة : هل هى ثلاث حيض ، أو ثلاثة أطهار؟ وما سمعنا أحدا من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنها ثلاث حيض ، ولو كان لهذا أصل عن عائشة لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة . ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم والدواعى على معرفتها؛ لأن فيها أمرين عظيمين (أحدهم)) أن المعتقة تحت عبد تعتد بثلات حيض. ((والثانى)) أن العدة ثلاث حيض. وأيضا فلو ثبت ذلك كان يحتج به من يرى أن المعتقة إذا اختارت نفسها كان ذلك طلقة بائنة كقول مالك وغيره ، وعلى هذا فالعدة لا تكون إلا من طلاق ؛ لكن هذا أيضا قول ضعيف. والقرآن والسنة والاعتبار يدل على أن الطلاق لا يكون إلا رجعيا ، وأن كل فرقة مباينة فليست من الطلقات الثلاث حتى الخلع ، كما قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع . والمقصودهنا الكلام فى ((نكاح الزانية)) وفيه مسئلتان ((إحداهما)) فى استبرائها ، وهو عدتها ، وقد تقدم قول من قال: لا حرمة لماء الزاني. يقال له : الاستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول ؛ بل لحرمة ماء الثانى ؛ فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدا ليس منه، وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزانى . وأيضا ففى استلحاق الزابي ولده إذا لم تكن المرأة ١١٢ فراشا قولان لأهل العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر)) فجعل الولد للفراش؛ دون العاهى . فإذا لم تكن المرأة فراشا لم يتناوله الحديث، وعمر [الحق] أولادا ولدوا فى الجاهلية بآ بائهم . وليس هذا موضع بسط هذه المسئلة . ((والثانية)) أنها لا تحل حتى تتوب؛ وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ؛ والمشهور فى ذلك آية النور قوله تعالى: ( الزَّانِ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةٌ وَالزَِّيَةُ لَيَكُِّهَا إِلَّازَانٍ أَوْمُشْرِقٌ وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وفى السنن حديث أبى مر ئد الغنوى فى عناق . والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلا ونسخا. أما التأويل: فقالوا المراد بالنكاح الوطء، وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل. أما (( أولا)) فليس فى القرآن لفظ نكاح إلا ولابد أن يراد به العقد، وإن دخل فيه الوطء أيضا . فأما أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد فى كتاب الله قط . ((وثانيها)) أن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبى صلى الله عليه وسلم فى التزوج بزانية ، فكيف يكون سبب النزول خارجا من اللفظ ؟! ((الثالث)) أن قول القائل: الزانى لا يطأ إلا زانية، أو الزانية لا يطؤها إلا زان، كقوله: الآ كل لايأكل إلا مأكولا، والمأكول لا يأ كله إلا ١١٣ آكل ، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج: وهذا کلام ینزه عنه كلام الله . ((الرابع)) أن الزانى قد يستكره امرأة فيطؤها فيكون زانيا ولا تكون زانية، وكذلك المرأة قد تزنى بنائم ومكره على أحد القولين، ولا يكون زانيا . ((الخامس)) أن تحريم الزنى قد علمه المسلمون بآيات نزلت مكة، وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه . ((السادس)) قال: ( لَ يَنكِحُهَا إِلََّزَانٍ أَوْمُشْرِكٌ) فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان ، وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهى زانية فلا حاجة إلى التقسيم . ((السابع)) أنه قد قال قبل ذلك: (الزَِّيَةُ وَلَِّ فَاجْلِدُ واكُلَّ وَحِمِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) فأى حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنى بعد ذلك؟! وأما ((النسخ)) فقال سعيد بن المسيب وطائفة : نسخها قوله : ( وَأَنكِحُواْأَيَمَى مِنكُرُ ) . ولما علم أهل هذا القول أن دعوى النسخ بهذه الآية ضعيف جدا، ولم يجدوا ما ينسخها ، فاعتقدوا أنه لم يقل بها أحد قالوا : هى منسوخة بالإجماع ، كما زعم ذلك أبو علي الجبائي وغيره . أما ١١٤ على قول من يرى من هؤلاء أن الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسى ابن أبان وغيره ، وهو قول فى غاية الفساد مضمونه أن الأمة يجوز لها تبديل دينها بعد نبيها ، وأن ذلك جائز لهم ، كما تقول النصارى : أبيح لعلمائهم أن ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه؛ وليس هذا من أقوال المسلمين. وممن يظن الإجماع من يقول : الإجماع دل على نص ناسخ لم يبلغنا؛ ولا حديث إجماع فى خلاف هذه الآية . وكل من عارض نصا بإجماع وادعى نسخه من غير نص يعارض ذلك النص فإنه مخطىء فى ذلك ، كما قد بسط الكلام على هذا فى موضع آخر، وبين أن النصوص لم ينسخ منها شىء إلا بنص باق محفوظ عند الأمة . وعلمها بالناسخ الذى العمل به أهم عندها من علمها بالنسوخ الذي لا يجوز العمل به ، وحفظ الله النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة . وقول من قال: هي منسوخة بقوله: ( وَأَنْكِحُواْأَنَمَى مِنكُمْ ) فى غاية الضعف ؛ فإن كونها زانية وصف عارض لها، يوجب بحريما عارضا : مثل كونها محرمة، ومعتدة، ومنكوحة للغير؛ ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ، ولو قدر أنها محرمة على التأييد لكانت كالوثنية، ومعلوم أن هذه الآية لم تتعرض للصفات التى بها تحرم المرأة مطلقا أو موقتا؛ وإنما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة؛ وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التى ينها وكما أنها لا تنكح فى العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب. ١١٥ وقد احتجوا بالحديث الذى فيه: ((إن امرأتى لا ترديد لامس. فقال طلقها . فقال: إنى أحبها. قال: فاستمتع بها)) الحديث. رواه النسائى، وقد ضعفه أحمد وغيره ، فلا تقوم به حجة فى معارضة الكتاب والسنة ؛ ولو صح لم يكن صريحا؛ فإن من الناس من يؤول ((اللامس)) بطالب المال؛ لكنه ضعيف. لكن لفظ ((اللامس)) قد يراد به من مسها بيده، وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج ، وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه. ولا يمكنه من وطئها . ومثل هذه نكاحها مكروه؛ ولهذا أمره بفراقها، ولم يوجب ذلك عليه ؛ لما ذكر أنه يحبها ؛ فإن هذه لم تزن ، ولكنها مذنبة ببعض المقدمات ؛ ولهذا قال : لا ترديد لامس: فجعل اللمس باليد فقط. ولفظ ((اللمس، والملامسة)) إذا عنى بهما الجماع لا يخص باليد؛ بل إذا قرن (وَلَوْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِ قِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ). باليد فهو كقوله تعالى : وأيضا فالتى تزنى بعد النكاح ليست كالتى تتزوج وهى زانية ؛ فإن دوام النكاح أقوى من ابتدائه. والإحرام أوالعدة يمنع الابتداء دون الدوام فلو قدر أنه قام دليل شرعي على أن الزانية بعد العقد لا يجب فراقها لكان الزنا كالعدة تمنع الابتداء دون الدوام جمعا بين الدليلين . ((فإن قيل)) ما معنى قوله: ( لَ يَنكِحُهَا إِلَّازَانٍ أَوْمُشْرِكٌ)؟ ((قيل)): المتزوج بها إن كان مسلما فهو زان، وإن لم يكن مسلما فهو كافر. فإن كان مؤمنا بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زان ؛ وإن لم يكن مؤمناً بما جاء به الرسول فهو مشرك ؛ كما كانوا عليه فى الجاهلية كانوا يتزوجون ١١٦ البغايا . يقول : فإن تزوجتم بهن كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون، وإن اعتقد تم التحريم فأنتم زناة. لأن هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها ، فيبقى الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك، وكل امرأة اشترك فى وطئها رجلان فهى زانية؛ فإن الفروج لا يحتمل الاشتراك؛ بل لا تكون الزوجة إلا محصنة . ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانيا كان مذموما عند الناس ؛ وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس ، ولهذا يقول فى ((الشتمة)): سبه بالزاي والقاف . أي قال يازوج القحبة، فهذا أعظم ما يتشاتم به الناس؛ لما قد استقر عند المسلمين من قبح ذلك ، فكيف يكون مباحا؟! ولهذا كان قذف المرأة طعنا فى زوجها، فلو كان يجوزله التزوج بينى لم يكن ذلك طعنا فى الزوج؛ ولهذا قال من قال من السلف : مابغت امرأة نبى قط . فالله تعالى أباح للأنبياء أن يتزوجوا كافرة، ولم يبح تزوج البغي؛ لأن هذه تفسد مقصود النكاح؛ بخلاف الكافرة ؛ ولهذا أباح الله للرجل أن يلاعن مكان أربعة شهداء إذا زنت امرأته وأسقط عنه الحد بلعانه؛ لما فى ذلك من الضرر عليه. وفى الحديث ((لا يدخل الجنة ديوث)). والذى يتزوج بيني هو ديوث ، وهذا مما فطر الله على ذمه وعيبه بذلك جميع عباده المؤمنين بل وغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم : كلهم يذم من تكون ١١٧ امرأته بغيا، ويشتم بذلك ، ويعير به فكيف ينسب إلى شرع الإسلام إباحة ذلك ؟! وهذا لا يجوز أن يأتى به نبي من الأنبياء ، فضلا عن أفضل الشرائع ؛ بل يجب أن تنزه الشريعة عن مثل هذا القول الذي إذا تصوره المؤمن ولوازمه استعظم أن يضاف مثل هذا إلى الشريعة ، ورأى أن تنزيها عنه أعظم من تنزيه عائشة عما قاله أهل الأفك، وقد أمر الله المؤمنين أن يقولوا: ( سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَُ عَظِيمٌ ) والنبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يفارق عائشة لأنه لم يصدق ما قيل أولاً ، ولما حصل له الشك استشار عليا ، وزيد بن حارثة، وسأل الجارية؛ لينظر إن كان حقا فارقها، حتى أنزل الله براءتها من السماء، فذلك الذى ثبت نكاحها. ولم يقل مسلم : إنه يجوز إمساك بني . وكان المنافقون يقصدون بالكلام فيها الطعن فى الرسول ، ولو جاز التزوج بيني لقال: هذا لاحرج علي فيه، كما كان النساء أحيانا يؤذينه حتى يهجر هن ، فليس ذنوب المرأة طعنا ؛ بخلاف بغائها فإنه طعن فيه عند الناس قاطبة ، ليس أحد يدفع الذم عمن تزوج بمن يعلم أنها بغية مقيمة على البناء، ولهذا توسل المنافقون إلى الطعن حتى أنزل الله براءتها من السماء، وقد كان سعد بن معاذ لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من يعذرنى من رجل بلغنى أذاه فى أهلى ؟! والله ما علمت على أهلى إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلاما علمت عليه إلا خيرا)) فقام: سعد بن معاذ - الذى اهتز لموته عرش الرحمن - فقال: أنا أعذرك منه : إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من ١١٨ إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ، فأخذت سعد بن عبادة غيرة - قالت عائشة : وكان قبل ذلك امر أصالحا ؛ ولكن أخذته حمية ؛ لأن ابن أبي كان كبير قومه - [فقال] كذبت لعمر الله لاتقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد ابن حضير: فقال: كذبت، لعمر الله لنقتلنه ؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وثار الحيان حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يسكنهم . فلولا أن ما قيل فى عائشة طعن فى النبى صلى الله عليه وسلم لم يطلب المؤمنون قتل من تكلم بذلك من الأوس والخزرج لقذفه لامرأته ولهذا كان من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم يقتل. لأنه قدح فى نسبه وكذلك من قذف نساءه يقتل ؛ لأنه قدح فى دينه وإنما لم يقتلهم النبى صلى الله عليه وسلم لأنهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم براءتها، وأنها من أمهات المؤمنين اللاتى لم يفارقهن عليه (١) إذا كان يمكن أن يطلقها فتخرج بذلك من هذه الأمومة فى أظهر قولي العلماء؛ فإن فيمن طلقها النبى صلى الله عليه وسلم ((ثلاثة أقوال)) فى مذهب أحمد وغيره . ((أحدها)) أنها ليست من أمهات المؤمنين. ((والثانى)): أنها من أمهات المؤمنين. ((والثالث)) يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. والأول أصح ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير نساءه بين الإمساك والفراق وكان المقصود لمن فارقها أن يتزوجها غيره . فلو كان هذا مباحالم يكن ذلك قدحا فى دينه . (١) بياض بالأصلين ١١٩ وبالجملة فهذه المسئلة فى قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاج إلى كثرة الأدلة فإن الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك ؛ لكن لما كان قد أباح مثل ذلك كثير من علماء المسلمين - الذين لاريب فى علمهم ودينهم من التابعين ومن بعدهم وعلو قدره - بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط فى ذلك؛ ولهذا نظائر كثيرة : يكون القول ضعيفا جدا ، وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم والإيمان وسادات الناس ؛ لأن الله لم يحمل العصمة عند تنازع المسلمين إلا فى الرد إلى الكتاب والسنة ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى لا ينطق عن الهوى . ) ؟ قيل : فإن قيل: فقد قال: ( الزِّ لَ يَنكِحُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً هذا يدل على أن الزانى الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان : كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزوانى ، وقد قال الشعبي : من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها . و ((أيضا)) فإنه إذا كان يزنى بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره ، كما هو الواقع كثيرا ، فلم أر من يزنى بنساء الناس أو ذكران إلا حمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة . و ((أيضا)) فإذا كان عادته الزنى استغنى بالبغايا، فلم يكف امرأته فى الإعفاف ، فتحتاج إلى الزنا . ١٢٠