النص المفهرس

صفحات 341-360

وإذا قيل ؛ فالأب. إذا لم ينفعهم لم يضرم ؟
قيل: بلى. قد يضرهم، كما ينفعهم ؛ بدليل ما لو كان ولد الأم واحدا
ء
وولد الأبوين كثيرين ؛ فإن ولد الأم وحده يأخذ السدس ، والباقي يكون
ء
لهم كله ، ولولا الاب لتشاركواه وذاك الواحد فى الثلث ، وإذا جاز أن
يكون وجود الأب ينفعهم جاز أن يحرمهم ، فعلم أنه يضرم.
وأيضا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة المتصلة: ذكر وأنثى لا تفرق
أحكامها . فالأخ من الأبوين لا يكون كأخ من أب ، ولا كأخ من أم ،
ولا يعطى بقرابة الأم وحدها ، كما لا يعطي بقرابة الأب وحده ؛ بل القرابة
المشتركة من الأبوين ؛ وإنما يفرد إذا كان قرابة لأم منفردا، مثل ابنى عم:
أحدهما أخ لام ، فهنا ذهب الجمهور إلى أن للاخ لام السدس ، ويشتركان
ء
فى الباقى، وهو مأثور عن على، وروى عن شريح: أنه جعل الجميع للأخ
من الأم، كما لو كان ابن عم لأبوين، والجمهور يقولون: كلاهما فى بنوة العم سواء
هما ابن عم من أبوين أو من أب والاخوة من الأم مستقلة ليست مقترنة ،
حتى يجعل كابن عم الأبوين.
ومما يبين الحكم فى ((مسألة المشركة)) أن لو كان فيهن أخوات من أب
لفرض لهن الثلثان، وعالت الفريضة ؛ فلو كان معهن أخوهن سقطن، ويسمى
ء
((الآخ المشؤوم)) فلما صرن بوجوده يصرن عصبة: صار تارة ينفعهن، وتارة
يضرهن ؛ ولم يجعل وجوده كعدمه فى حالة الضر . كذلك قرابة الأب لما
٣٤١

الإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرم أخرى. فهذا مجرى (( العصوبة))
فإن العصبة تارة يحوز المال كله ؛ وتارة يجوز أكثره؛ وتارة أقله، وتارة
لا يبقى له شىء، وهو إذا استغرقت الفرائض المال . فن جعل العصبة تأخذ
مع استغراق الفرائض المال فقد خرج عن الأصول المنصوصة فى الفرائض .
وقول القائل : هو استحسان . يقال هذا استحسان يخالف الكتاب
والميزان ؛ فإنه ظلم للإخوة من الأم ؛ حيث يؤخذ حقهم فيعطاه غيرهم.
والمنازعون فى هذه المسألة ليس معهم حجة إلا أنه قول زيد . فقد روى
عن عمر: أنه حكم بها فعمل بذلك من عمل من أهل المدينة وغيرها، كما عملوا بمثل
ذلك فى ميراث الجد والإخوة . وعملوا بقول زيد فى غير ذلك من الفرائض
تقليداً له ؛ وإن كان النص والقياس مع من خالفه. وبعضهم يحتج لذلك
بقوله: ((أفرضكم زيد)). وهو حديث ضعيف؛ لا أصل له . ولم يكن
زيد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم معروفا بالفرائض . [ حتى أبو عبيدة لم
يصح فيه] إلا قوله: ((لكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة
ابن الجراح)).
١
وكذلك اتباعهم لزيد فى « الجد )) مع أن جمهور الصحابة على خلافه .
نجمهور الصحابة موافقون للصديق فى أن الجد كالأب ، يحجب الإخوة ، وهو
مروي عن بضعة عشر من الصحابة ، ومذهب أبى حنيفة ، وأحد الوجهين
فى مذهب الشافعي ، وأحمد . اختاره أبو حفص البرمكي من أصحابه ، وحكاه
٣٤٢

بعضهم رواية عن أحمد . وأما المورثون للإخوة مع الجد فهم على وابن مسعود
وزيد، ولكل واحد قول انفردبه . وعمر بن الخطاب كان متوقفا فى أمره.
والصواب بلا ريب قول الصديق ؛ لأدلة متعددة ، ذكرناها فى
غير هذا الموضع .
وأما (( العمريتان)) فليس فى القرآن ما يدل على أن للأم الثلث مع
الأب والزوج ؛ بل إنما أعطاها الله الثلث إذا ورثت المال هى والأب ،
فكان القرآن قد دل على أن ما ورثته هى والأب تأخذ ثلثه ، والأب ثلثيه ،
واستدل بهذا أكابر الصحابة : كعمر، وعثمان ، وعلى وابن مسعود، وزيد
وجمهور العلماء، على أن ما يبقى بعد فرض الزوجين، يكونان فيه أثلاثا ،
قياسا على جميع المال ، إذا اشتركا فيه ، وكما يشتركان فيما يبقى بعد الدين ،
والوصية .
ومفهوم القرآن ينفى أن تأخذ الأم الثلث مطلقا ، فمن أعطاها الثلث
مطلقاً حتى مع الزوجة ، فقد خالف مفهوم القرآن .
وأما الجمهور فقد عملوا بالمفهوم ، فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه
كميراثها إذا لم يرث ؛ بل إن ورثه أبوه فلأ مه الثلث مطلقا، وأما إذا لميرته
أبوه؛ بل ورثه من دون الأب: كالجد ، والعم ، والأخ، فهى بالثلث أولى
فإنها إذا أخذت الثلث مع الأب فمع غيره من العصبة أولى .
٣٤٣

فدل القرآن على أنه إذا لم يرته إلا الأم والأب ؛ أو عصبة غير الأب ،
سوى الابن ؛ فلامه الثلث؛ وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ؛ وأما
الابن فإنه أقوى من الأب ؛ فلها معه السدس . وإذا كان مع العصبة ذو فرض
فالبنات والأخوات قد أعطوا الأم معهن السدس ، والأخت الواحدة
إذا كانت هى والأم، فالأم تأخذ الثلث مع الذكر من الإخوة ، فمع
الأنثى أولى .
وإنما الحجب عن الثلث إلى السدس بالإخوة ؛ والواحد ليس إخوة .
فإذا كانت مع الأخ الواحد تأخذ الثلث ، فع العم وغيره بطريق الأولى .
وفى الجد نزاع : يروى عن ابن مسعود والجمهور على أنها مع الجد تأخذ
ثلث المال ، وهو الصواب ؛ لأن الجد أبعد منها ؛ وهو محجوب بالأب،
فلا يحجبها عن شىء من حقها؛ ومحض القياس أن الأب مع الأم ؛ كالبنت
مع الابن ، والأخت مع الأخ ؛ لأنهما ذكر وأنثى ، من جنس واحد ،
هما عصبة . وقد أعطيت الزوجة نصف ما يعطاه الزوج ؛ لأنهما ذكر
وأنثى من جنس .
( لِكُلِّ وَاحِدٍ
وأما دلالة الكتاب على ميراث الأم ؛ فإن الله يقول :
مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّاتَرَكَ إِن كَانَ لَهُوَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ اُلتُّلْثُ)
فالله تعالى فرض لها بشرطين : أن لا يكون له ولد . وأن يره
أبوه ؛ فكان فى هذا دلالة على أنها لا تعطى الثلث مطلقا ، مع عدم الولد،
٣٤٤

وهذا مما يدل على صحة قول أكابر الصحابة ، والجمهور الذين يقولون: لا تعطى
فى ((العمريتين)) - زوج وأبوان؛ وزوجة وأبوان - ثلث جميع المال.
قال ابن عباس وموافقوه : فإنها لو أعطيت الثلث هنا ، لكانت
تعطاه مع عدم الولد مطلقاً ، وهو خلاف ما دل عليه القرآن . وقدروي عنه
أنه قال لزيد : أفي كتاب الله ثلث ما بقى ؟ أي ليس فى كتاب الله إلا سدس
وثلث . فيقال : وليس فى كتاب الله إعطاؤها الثلث مطلقا، فكيف
يعطيها مع الزوجين الثلث؟! بل فى كتاب الله ما يمنع إعطاءها الثلث مع الأب
وأحد الزوجين . فإنه لو كان كذلك كان يقول : فإن لم يكن له ولد
فلامه الثلث . فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا ؛ فلما خص الثلث
ببعض الحال : على أنها لا تستحق مطلقاً . فهذا مفهوم المخالفة ، الذى
يسمى دليل الخطاب ، يدل على بطلان قول من أعطاها الثلث، إلا العمريتين
ولا وجه لإعطائها الثلث مع مخالفته للإجماع .
إلى أن قال: فإن قوله: ( وَوَرِتَّهُ أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) دل على أن لها
الثلث، والباقى للأب بقوله ورثه أبواه ، فإنه لما جعل الميراث ميراثا بينهما،
ثم أخرج نصيبها ، دل على أن الباقى نصيبه . وإذا أعطي الأب الباقى معها
لم يلزم أن يعطى غيره مثل ما أعطي .
وإنما أعطينا سائر العصبة بقوله: (وَأُوْلُواْالْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِىِ
كِتَبِ اللَّهِ) وبقوله: (وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)
٣٤٥

وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بتي فلأولى
رجل ذكر)) .
فصل
وأما ميراث الأخوات مع البنات: وأنهن عصبة. كما قال: (وَلَهُ {أُخْتٌ).
الذى هو قول جمهور الصحابة والعلماء - فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا
فإن قوله تعالى: (يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَّةِ إِنِ أَمْرُؤُ هَكَ لَيْسَ لَهُ.
وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن ◌ََّا وَلَدٌ).
فدل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد. وأنه هو يرث المال كله مع
عدم ولدها .
وذلك يقتضى أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك ؛ إذلوكان
كذلك لكان لها النصف ، سواء كان له ولد ، أو لم يكن له ، فكان ذكر
الولد تدليسا وعبثا مضرا ، وكلام الله منزه عن ذلك.
ومن هذا قوله تعالى: ( لَيْسَ لَهُ،وَلَدٌ وَلَهُ وَأُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكَ ) وقوله
وإذا علم أنها مع الولد لا ترث
(فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَهٌ وَوَرِتَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ النُّلُثُ )
النصف ، فالولد إما ذكر وإما أنثى .
٣٤٦

أما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى ؛ بدليل قوله :
(وَهُوَ يَرِثُهَا إِن ◌َّمْ يَكُن لَّا وَلَدٌ) فلم يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن
لها ولد، والإرث المطلق هو حوز جميع المال، فدل ذلك على أنه إذا كان لها
ولد لم يحز المال؛ بل: إما أن يسقط وإما أن يأخذ بعضه. فيبقى إذا كان لها
ولد : فإما ابن، وإما بنت. والقرآن قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف ،فدل
على أن البنت لاتمنعه النصف الآخر ؛ إذالم يكن إلا بنت، وأخ. ولما كان
فتيا الله إنما هو فى الكلالة ؛ والكلالة من لاوالد له ، ولا ولد : علم
أن من ليس له ولد ووالد ، ليس هذا حكمه .
ولما كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز المال - مال الأخت - فيكون
لها عصبة ؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب
والأخ عصبة ، فالابن بطريق الأولى . وقد قال تعالى :
(وَلِكُلٍ
جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّاتَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ )
ودل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها
فما بقي فلأولى رجل ذكر)) أن ما بقي بعد الفرائض لا يرثه إلا العصبة ، وقد
علم أن الابن أقرب ، ثم الأب؛ ثم الجد ؛ ثم الإخوة. وقضى النبي صلى الله
عليه وسلم أن أولاد بنى الأم يتوارثون ؛ دون بنى العلات. فالأخ للأبوين
أولى من الأخ الأب ، وابن الابن يقوم مقام الابن، وكذلك كل بنى أب
أدنى م أقرب من بنى الأب الذى هو أعلى منه، وأقربهم إلى الأب الأعلى،
٣٤٧

فهو أقرب إلى الميت . وإذا استويا فى الدرجة فمن كان لأبوين أولى ممن
كان للأب .
فلما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد . وأنه مع ذكور
ولد يكون الابن عاصيا يحجب الأخت ؛ كما يحجب أخاها.
بقى الأخت مع إناث الولد: ليس فى القرآن ما ينفى ميراث الأخت فى هذه
الحال . بقى مع البنت : إما أن تسقط ؛ وإما أن يكون لها النصف ، وإما
أن تكون عصبة . ولاوجه لسقوطها ؛ فإنها لاتزاحم البنت . وأخوها
لا يسقط. فلا تسقط هى، ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب، والبعيد
لا يسقط القريب ، ولأنها كانت تساوى البنت مع اجتماعهما ، والبنت أولى
منها، فلا تساوى بها ؛ فإنه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف
كزوج وبنت ، فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف ،
والإخوة لايزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإن الأولاد أولى منهم .
والله إنما أعطاها النصف، إذا كان الميت كلالة . فلما بطل سقوطها وفرضها
لم يبق إلا أن تكون عصبة أولى من البعيد ، كالعم وابن العم ، وهذا قول
الجمهور .
وقد دل عليه حديث البخارى عن ابن مسعود لما ذكر له أن أبا موسى
وسلمان بن ربيعة قالا : فى بنت وبنت ابن . وأخت : للبنت النصف ،
٣٤٨

وللأخت النصف ، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا . فقال : لقد ضللت
إذاً وما أنا من المهتدين ، لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
((للبنت النصف، وبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى للاخت))
فدل ذلك أن الأخوات مع البنات عصبة ، والأخت تكون عصبة بغيرها ،
وهو أخوها . فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ))
فهذا عام خص منه المعتقة ، والملاعنة ، والملتقطة ؛ لقوله صلى الله عليه
وسلم: ((يجوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ، ولقيطها ، وولدها الذى
لاعنت عليه)) وإذا كان عاما مخصوصا : خصت منه هذه الصورة ما ذكر
من الأدلة .
فصل
وأما ((ميراث البنتين)) فقد قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٍّ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّنِسَآءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَاتَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً
فَلَهَا النَّصْفُ )
فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ، ولها وحدها النصف
ولما فوق اثنتين الثلثان . بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع ،
فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه قال: (وَإِن كَانَتْ
٣٤٩

وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُ) فقيد النصف بكونها واحدة ، فدل بمفهومه على أنه لا
يكون لها إلا مع هذا الوصف ؛ بخلاف قوله: (فَإِنَ كُنَّنِسَآءً ) ذكر ضمير
(كن ) و (ونساء ) وذلك جمع ، لم يمكن أن يقال : اثنتين ؛ لأن
ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن الحكم لا يختص باثنتين ، فلزم أن يقال :
( فَوْقَ أَثْنَتَبْنِ ) لأنه قد عرف حكم الثنتين ؛ وعرف حكم الواحدة ، وإذا
كانت واحدة فلها النصف ، ولما فوق التفتين الثلثان: امتنع أن يكون للبنتين
أكثر من الثلثين ، فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف، فإن
الثلاث ليس لهن إلا الثلثان ، فكيف الثلاثة ؟ ! ولا يكفيها النصف، لأنه لها
بشرط أن تكون واحدة ، فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة .
وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب ( وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً ) فإن هذا
خبر كان ، تقديره : فإن كانت بنتا واحدة أى مفردة ليس معها غيرها
( فلها النصف ) فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها ، فانتفى النصف وانتفى
الجميع ، فلم ( يبق) إلا الثلثان . وهذه دلالة من الآية .
وأيضا فإن الله لما قال فى الأخوات: (فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَالثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ )
كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين .
وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع
الثلثين، وأمهما الثمن ، والعم مابقي)). وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن
ابن عباس .
٣٥٠

ودلت آية ( الولد ) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين ؛ فكذلك
ولم يذكر
(فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَا تَرَكَ)
قال فى الأخوات
ما فوقهما ؛ فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى
والأحرى؛ بخلاف آية البنات؛ فإنه لم يدل قوله ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ )
إلا على أن لها الثلث مع أخيها ، وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث ، فصار
بيانه فى كل من الآيتين من أحسن البيان ؛ لما دل الكلام الأول على ميراث
البنتين دون ما زاد على ذلك بين بعد ذلك ميراث مازاد على البنتين
[و](١) فى آية الصيف لما دل الكلام على ميراث الأختين، وكان ذلك
دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة، وما زاد: لم يحتج أن
بذكر ما زاد على الأختين . فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين ، وفى
الآية الأخرى ذكر البنتين دون مافوقهما لما يقتضيه حسن البيان فى كل موضوع
ولما بين حكم الأخت الواحدة، والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعداً:
بقي بيان الابنتين فصاعداً من الصنفين ، ليكون البيان مستوعبا للأقسام .
ولفظ (( الإخوة)» وسائر جميع ألفاظ الجمع قد یعنی به الجنس من غير قصد
القدر منه: فيتناول الاثنين فصاعداً . وقد يعنى به الثلاثة فصاعداً . وفى
هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقاً؛ لأنه بين الواحدة قبل ذلك ؛ ولأن
ما ذكره من الأحكام فى الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد ، وسوى فيه
بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة، وقد صرح بذلك فى قوله: ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ
يُورَتُ كَلَكَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ) إلى قوله: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلُثِ) فقوله: ( كانوا)
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣٥١

ضمير جمع وقوله: (أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ ) أي من أخ وأخت ، ثم قال:
(فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ) فذكرهم بصيغة الجمع المضمر، وهو قوله: (فَهُمْ)
والمظهر، وهو قوله ( شُرَكَاءُ ).
فدل على أن صيغة الجمع فى آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا : الاثنين
فصاعداً؛ لقوله: ( يُوصِيكُمُاللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ) وقوله؛ (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) وقوله: (وَإِن كَانُواْ إِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَآءً ) .
فصل
وأما ((الجدة)) فكما قال الصديق : ليس لها فى كتاب الله شيء؛
فإن الأم المذكورة فى كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم
بالأم الدنيا ، فالجدة وإن سميت أما لم تدخل فى لفظ الأم المذكورة فى الفرائض،
فأدخلت فى لفظ الأمهات فى قوله ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ ) ولكن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أعطاها السدس)) فثبت ميراثها بسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولم ينقل عنه لفظ عام فى الجدات ؛ بل ورث
الجدة التى [ سألته]، فلما جاءت الثانية أبا بكر جعلها شريكة الأولى فى السدس.
وقد تنازع الناس فى ((الجدات)) فقيل: لا يرث الاثنتان : أم
الأم ، وأم الأب، كقول مالك ، وأبي ثور. وقيل: لا يرث إلا ثلاث
هاتان، وأم الجد ؛ لما روى إبراهيم النخعي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
٣٥٢

ورث ثلاث جدات : جدقيك من قبل أبيك وجدتك من قبل أمك ))
وهذا مرسل حسن ؛ فإن مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل . فأخذ به
أحمد . ولم يرد فى النص إلا توريث هؤلاء .
وقيل : بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث؛ وهو قول الأكثرين،
كأبي حنيفة ، والشافي ، وغيرهما ، وهو وجه فى مذهب أحمد . وهذا
ء
القول أرجح ؛ لأن لفظ النص وإن لم يرد فى كل جدة فالصديق لما جاءته
الثانية قال لها : لم يكن السدس التي أعطي إلا لغيرك ؛ ولكن هي لو خلت
به فهو لها . فورث الثانية . والنص إنما كان فى غيرها .
ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت: فترت أم أم الأب، وأم
أم الأم بالاتفاق : فيبقى أم أبي الجد : أي فرق بينها وبين أم الجد ؟! وإن
فرق بين أم الأب وأم الجد . ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد ؛ بل هو
جد أعلى، كذلك الجد كالأب ؛ فأي وصف يفرق بين أم أم الأب ، وأم
أبى الجد ؟!
يبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء ؛ فكذلك أم أم
أبيه وأم أبي أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء ؛ فوجب اشتراكهما فى الميراث.
وأيضاً فهؤلاء جملوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث ، وأم أبى
الأب لا ترث. ورجحوا الجدة من جهة الأم على الجدة من جهة الأب.
وهذا ضعيف، فلم تكن أم الأم أولى به من أم الأب؛ وأقارب الأمر لم
٣٥٣

يقدموا فى شىء من الأحكام ؛ بل أقارب الأب أولى فى جميع الأحكام :
فكذلك فى الحضانة .
والصحيح أنها لا تسقط بابنها - أي الأب - كما هو أظهر الروايتين
عن أحمد ؛ لحديث ابن مسعود . ولأنها ولو أدلت به فهي لا ترت ميراثه ؛
بل هى معه كولد الأم مع الأم لم يسقطوا بها .
وقول من قال : من أدلى بشخص سقط به . باطل : طرداً وعكسا.
باطل طردا: بولد الأم مع الأم، وعكسا: بولد الابن مع عمهم؛ وولد الأخ مع
عمهم وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يدل به ؛ وإنما العلة أنه يرث
ميراثه ، فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه ،
والجدات يقمن مقام الأم فيسقطن بها وإن لم يدلين بها .
وأما كون ((بنات الابن مع البنت)) لهن السدس تكملة الثلثين
،
وكذلك الأخوات من الأب مع أخت الأبوين ؛ فلأن الله قال: ( يُوصِيكُمُ
اللَّهُ فِى أَوْلَدِ كُمّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّنِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا
صِے
وقد علم أن الخطاب تناول ولد البنين ؛ دون ولد البنات ،.
مَاتَرَكٌ )
وأن قوله ( أَوْلَدِ كُمْ) يتناول من ينسب إلى الميت ؛ وهم ولده وولد
ابنته ، وأنه متناولهم على الترتيب : يدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد
الصلب ؛ لما قد عرف من أنما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر ، والابن
٣٥٤

أقرب من ابن الابن ، فإذا لم تكن إلا بنت فلها النصف ؛ وبقي من نصيب
البنات السدس ؛ فإذا كان هنا بنات ابن فإنهن يستحققن الجميع لولا البنت ؛
فإذا أخذت النصف فالباقى لهن .
وكذلك فى الأخت من الأبوين مع الأخت من الأب : أخبر ابن مسعود
أن النبى صلى الله عليه وسلم ((قضى للبنت بالنصف ؛ ولبنت الابن السدس
تكملة الثلثين)) وأما إذا استكملت البنات الثلثين لم يبق فرض ؛ فإن كان
هناك عصبة من ولد البنين فالمال له ؛ لأنه أولى ذكر ؛ وإن كان معه أوفوقه
عصبها عند جمهور الصحابة والعلماء كالأربعة وغيرهم . وأما ابن مسعود فإنه
يسقطها؛ لأنها لا ترث مفردة.
والنزاع فى الأخت للأب مع أخيها إذا استكمل البنات الثلثين . فالجمهور
يجعلون البنات عصبة مع إخوانهن، يقتسمون الباقى للذكر مثل حظ
الأنثين ، سواءزاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص ، وتوريثهن هنا أقوى
وقول ابن مسعود معروف فى نقصانهن .
٣٥٥

فصل
وفى من ((عمي موتهم)) فلم يعرف أيهم مات أولاً ، فالنزاع مشهور فيهم.
والأشبه بأصول الشريعة أنه لا يرث بعضهم من بعض ، بل يرث كل واحد
ورثته الأحياء ، وهو قول الجمهور ، وهو قول فى مذهب أحمد ؛ لكن
خلاف المشهور فى مذهبه ، وذلك لأن المجهول كالمعدوم فى الأصول ، كالملتقط
لما جهل حال المالك كان المجهول كالمعدوم ، فصار مالكا لما التقطه ؛ لعدم
العلم بالملك .
وكذلك ((المفقود)) قد أخذ أحمد بأقوال الصحابة الذين جعلوا المجهول
كالمعدوم ، فجعلوها زوجة الثانى مادام الأول مجهولا باطنا وظاهراً ، كما فى
اللقط ، فإذا علم صار النكاح موقوفاً على إجازته ورده ، خير بين امرأته والمهر.
فإن اختار امرأته كانت زوجته ، وبطل نكاح الثانى ، ولم يحتج إلى طلاقه
والمقصود هنا أن أحمد تبع الصحابة الذين جعلوا المجهول كالمعدوم، وهنا
إذا كان أحدهما قد مات قبل الآخر فذاك مجهول ، والمجهول كالمعدوم فيكون
تقدم أحدهما على الآخر معدوما فلايرث أحدهما صاحبه .
وأيضا فالميراث جعل للحي ليكون خليفة للميت ينتفع بماله .
٣٥٦

وسئل رحمه الله
عن رجل توفى : وله عم شقيق ، وله أخت من أبيه : فما الميراث
فأجاب : للاخت النصف . والباقى للعم . وذلك باتفاق المسلمين .
وسئل
عن امرأة ماتت وخلفت من الورثة بنتا ، وأخا من أمها ، وابن عم
فا يخص كل واحد ؟
ء
فأجاب : للبنت النصف ، ولابن العم الباقى . ولاشىء للاخ من الأم
لكن إذا حضر القسمة فينبغي أن يرضخ له . والبنت تسقط الأخ من الأم فى
مذهب الأئمة الأربعة . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة ماتت: عن زوج ، وأب ، وأم ، وولدين: أنثى وذكر
ثم بعد وفاتها توفي والدها : وترك أباه ، وأخته، وجده ، وجدته .
٣٥٧

فأجاب : للزوج الربع ، وللابوين السدسان ، وهو الثلث ، والباقى
ء
للولدين أثلاثا؛ ثم ما تركه الأب : فلجدته سدسه ، ولأبيه الباقى ، ولاشىء
لأخته ، ولاجده ؛ بل كلاهما يسقط بالأب .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل له أولاد ، وكسب جارية ، وأولدها ، فولدت ذكرا،
فعتقها ، وتزوجت ، ورزقت أولادا ، فتوفي الشخص ، خص ابنه الذى
من الجارية دارا ، وقد توفي . فهل يخص إخوته من أمه شىء مع إخوته
الذين من أبيه ؟
فأجاب . للأم السدس ، ولإخوته من الأم الثلث ، والباقى لإخوته من
أبيه : للذكر مثل حظ الأنثيين . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة ماتت : وخلفت زوجا ، وابن أخت؟
فأجاب : للزوج النصف ؛ وأما ابن الأخت ففى أحد الأقوال له الباقى
وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، وأحمد فى المشهور عنه وطائفة من أصحاب الشافعى.
٣٥٨

وفى القول الثانى : الباقى لبيت المال ؛ وهو قول كثير من أصحاب
الشافعى ، وأحمد فى إحدى الروايات .
وأصل هذه المسألة: تنازع العلماء فى ((ذوى الأرحام)) الذين لافرض
لهم ، ولا تعصيب . فمذهب مالك والشافعى وأحمد فى رواية : أن من
لاوارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين. ومذهب أكثر
السلف وأبى حنيفة، والثوري ، وإسحق ، وأحمد فى المشهور عنه، يكون
الباقى لذوى الأرحام (بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ ) ولقول النبى
صلى الله عليه وسلم ((الخال وارث من لاوارث له، يرث ماله، ويفك عانه)).
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل مات ، وترك زوجة ، وأختا لأبويه، وثلاث بنات أخ لأبويه :
فهل لبنات الأخ معهن شىء ؟ وما يخص كل واحدة منهن؟
فأجاب: للزوجة الربع؛ وللأخت لأبوين النصف . ولاشىء لبنات
الأخ : والربع الثانى إن كان هناك عصبة فهو للعصبة ، وإلا فهو مردود على
الأخت على أحد قولى العلماء ، وعلى الآخر هو لبيت المال .
٣٥٩

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن رجل مات ، وخلف بنتا ، وله أولاد أخ من أبيه ، وهم صغار .
وله ابن عم راجل ، وله بنت عم ، وله أخ من أمه ، وليس هو من أولاد
أعمامه : فمن يأخذ المال ؟ ومن يكون ولي البنت ؟
فأجاب : أما الميراث فنصفه للبنت ، ونصفه لأبناء الأخ. وأما حضانة
الجارية فهي لبنت العم ؛ دون العم من الأم ؛ ودون ابن العم الذى ليس بمحرم
وله الولاية على المال الذى لليتيمة لوصى أو نوابه .
وسئل
عمن ترك ابنتين ، وعمه أخا أبيه من أمه : فما الحكم
؟
فأجاب إذا مات الميت : وترك بنتيه ، وأخاه من أمه . فلاشىء لأخيه
لأمه باتفاق الأئمة ، بل للبنتين الثلثان . والباقى للعصبة ، إن كان له عصبة
وإلا فهو مردود على البنتين ، أو بيت المال .
٣٦٠