النص المفهرس

صفحات 321-340

قيل : إن الرد كالبينة صار حلف المدعى مع نكول المدعى عليه بينة ، ويصير
المدعى قد أقام بينة على ما ادعاه ، ومثل هذا يجب تسليم ما ادعاه إليه بلا ريب
هذا على أصل من لا يقضي برد اليمين على المدعى : كمالك ؛ والشافعي ، وأحد
القولين فى مذهب الإمام أحمد .
وأما عند من يقضى بالنكول كأبى حنيفة وأحمد فى أشهر الروايتين
عنه ، فالأمر عنده أوكد ؛ فإنه إذا رضي الخصمان خلف المدعى كان جائزاً
عنده ؛ وكان من النكول أيضا ، فالرجل الذى قد علم أن بينه وبين الناس
معاملات متعددة منها ما هو بغير بينة ؛ وعليه حقوق قد لا يعلم أربابها ،
ولا مقدارها : لا تكون مثل هذه الصفة منه تبرعا ؛ بل تكون وصية
بواجب، والوصية بواجب الآدمي تكون من رأس المال باتفاق المسلمين؛ وذلك
أنه إذا علم أن عليه حقا ، وشك فى أدائه لم يكن له أن يحلف ؛ بل إذا حلف
المدعى عليه وأعطاه فقد فعل الواجب ، فإذا كان عليه حق لا يعلم عين صاحبه
كان عليه أن يفعل ما تبرأ به ذمته ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
كمن نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها ، وكمن عليه دين لأحد رجلين لا يعلم عين
المستحق ؛ فإذا قال : من حلف منكما فهو له ونحو ذلك. فقد أدى الواجب .
وأيضا فإنه إذا ادعي عليه بأمر لا يعلم ثبوته ولا انتفاءه لم يكن له أن
يحلف على نفيه يمين بت؛ لأن ذلك حلف على مالا يعلم؛ بل عليه أن يفعل ما يغلب
على ظنه؛ وإذا أخبره من يصدقه بأمر بنى عليه، وإذا رد اليمين على المدعى
٣٢١

عند اشتباه الحال عليه فقد فعل ما يجب عليه ؛ فإنه لو نهام عن إعطائه قديكون
ظالمًا مانعا المستحق ؛ وإن أمر بإعطاء كل مدع أفضى إلى أن يدعى الإنسان
بما لا يستحقه ، وذلك تبرع ؛ فإذا أمر بتحليفه وإعطائه فقد فعل ما يجب
عليه حيث بنى الأمر على ما يغلب على ظنه أن تبرأ ذمته منه ، فإن كان قد فعل
الواجب أخرج ذلك من رأس المال .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن وصي على أولاد أخيه ، وتوفي ، وخلف أولادا . وضعوا أيديهم
على موجود والدهم : فهـل يلزم أولاد الوصي المتوفى الخروج عن ذلك،
والدعوى عليهم ؟
فأجاب : إذا عرف أن مال اليتامى كان مختلطا بمال الرجل ، فإنه ينظركم
خرج من مال اليتامى نفقة وغيرها ، ويطلب الباقى وما أشبه ذلك، ويرجع فيه
إلى العرف المطرد .
وسُل
عن رجل وصي على مال يتيم ، وقد قارض فيه مدة ثلاث سنين ، وقد
ربح فيه فائدة من وجه حل : فهل يحل للوصي أن يأخذ من الفائدة شيئاً؟
أو هى لليقيم خاصة ؟
٣٢٢

فأجاب: الربح كله لليتيم ؛ لكن إن كان الوصى فقيرا وقد عمل فى المال
فله أن يأخذ أقل الأمرين من أجرة مثله أو كفايته ، فلا يأخذ فوق أجرة عمله
وإن كانت الأجرة أكثر من كفايته لم يأخذ أكثر منها .
وسئل رحمه اللّه
عن وصى تحت يده أ يتام أطفال ، ووالدتهم حامل: فهل يعطى الأطفال
نفقة ، والذى يخدم الأطفال، والوالدة إذا أخذت صداقها: فهل يجوز أن
تأكل الأطفال ووالدتهم ومن يخدمهم جميع المال ؟
فأجاب : أما الزوجة فتعطى قبل وضع الحمل . وأما سائر الورثة فإن
أخرت قسمة التركة إلى حين الوضع فينفق على اليتامى بالمعروف ، ولا بأس أن
يختلط مالهم بمال الأم ؛ ويكون خبزهم جميعا، وطبخهم جميعا ، إذا كان ذلك
مصلحة لليتامى ؛ فإن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك
فأنزل الله تعالى: ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْبَتَّى قُلْ إِصْلَاٌ لَُّمْ خَيْرٌّوَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَاتُكُمّ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ).
وأما الحمل فإن أخرت فلا كلام
وإن عجلت أخرله نصيب ذكر احتياطا .
وهل تستحق الزوجة نفقة لأجل الحمل الذى فى بطنها وسكنى ؟ على ثلاثة
أقوال العلماء
٣٢٣

أحدها : لا نفقة لها ؛ ولاسكنى ، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمدفى
إحدى الروايتين ، والشافعى فى قول .
والثانى : لها النفقة والسكنى ؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد ؛
وقول طائفة .
والثالث : لها السكنى ؛ دون النفقة، كما نقل عن مالك والشافعى فى قول .
وسئل رحمه اللّه
عن يتيمة حضر من يرغب فى تزويجها ، ولها أملاك : فهل يجوز للوحي
أن يبيع من عقارها شيئاً ، ويصرف ثمنه فى جهاز وقماش لها ، وحلي
يصلح لمثلها أم لا ؟
فأجاب : نعم للولي أن يبيع من عقارها ما يجهزها به ؛ ويجهزها
الجهاز المعروف ، والحلي المعروف .
وسئل
ء
عن وصى على اختيه ، وقد كبرتا ، ولديهما [مال] (١)؛ وآنس منهما
الرشد: فهل يحتاج إلى إثبات عند الحاكم؟ أو إلى شهود ؟
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
٣٢٤

فأجاب : إذا انس الوصى منهم الرشد دفع إليهم المال، ولا يحتاج إلى
شهود ؛ بل يقر برشدم، ويسلم إليهم المال ، وذلك جائز بغير إذن الحاكم
لكن له إثبات ذلك عند الحاكم . والله أعلم.
وسُل
عن وصى قضى دينا عن الموصي بغير ثبوت عند الحاكم؛ وعوض عن الغائب
بدون قيمة المثل : فهل للورثة فسخ ذلك ؟
فأجاب ليس للوصي أن يقضي ما يدعى من الدين إلا بمستند شرعى ؛
بل ولا بمجرددعوى من المدعى ؛ فإنه ضامن له . ولا يجوز له التعويض إلا
بقيمة المثل ، وما عوضه بدون القيمة بما لا يتغابن الناس به ؛ فإما أن يضمن ما
نقص من حق الورثة، وإما أن يفسخ التعويض ويوفى الغريم حقه . والمستند
الشرعى متعدد : مثل إقرار الميت ، أو إقرار من يقبل إقراره عليه : مثل
وكيله إذا أقر بما وكله فيه ، ويدخل فى ذلك ديوان الأمير ، وأستاذ داره :
مثل شاهد يحلف معه المدعى، ومثل خط الميت الذى يعلم أنه خطه وغير ذلك .
وسل
عن نصرانى توفي وخلف تركة ، وأوصى وصيته ، وظهرت عليه ديون
بمساطر وغير مساطر: فهل للوصي أن يعطى أرباب الديون بغير ثبوت على يدحاكم
٣٢٥

فأجاب : إذا كان الميت ممن يكتب ما عليه للناس فى دفتر ونحوه ، وله
كاتب يكتب بإذنه ما عليه ونحوه . فإنه يرجع فى ذلك إلى الكتاب الذى
بخطه أو خط وكيله ؛ فما كان مكتوبا وليس عليه علامة الوفاء كان بمنزلة إقرار
الميت به ، فالخط فى مثل ذلك كاللفظ ، وإقرار الوكيل فيما وكل فيه بلفظه أو خطه
المعتبر مقبول ؛ ولكن على صاحب الدين اليمين بالاستحقاق ، أو نفي البراءة،
كما لو ثبت الدين بإقرار لفظي . وأما إعطاء المدعي ما يدعيه بمجرد قوله الذي
لا فرق فيه بين دعواه ودعوى غيره فلا يجوز. والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن الوصى ونحوه إذا كان بعض مال الوصي مشتركابينه وبين وصى عليه
وللموصى فيه نصيب؛ وباع الشركاء أنصباءهم أو اكتروه للوصي؛ واحتاج
الولى أن يبيع نصيب اليتيم ؛ أو يكريه معهم : فهل يجوز له الشراء ؟
فأجاب : يجوز له الشراء ؛ لأن الشركاء غير متهمين فى بيع نصيبهم ،
ولأن الشركاء إذا عينوا الوصى تعين عن غيره فى نصيب اليتيم دخل ضرورة،
ويشهد له المعنى قال الله تعالى: (وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ
مِنَ الْمُصْلِحِ ).
٣٢٦

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن وصي يتم ، وهو يتجرله ولنفسه بماله ، فاشترى لليتيم صنفا، ثم باعه
واشترى له بثمنه ، ثم بعد ذلك اشترى المذكور ، ومات ولم يعين : هل
هو لأحدم أو لهما . فهل يكون الصنف لورثة الوصي أم لليتيم ؟
فأجاب: إذا علم أنه لم يشتره إلا بماله وحده، أوبمال اليتيم وحده ، فإنه
لأحدهما : ينظر فى ذلك : هل يمكن علمه بأن يعرف مقدار مال اليتيم
ومقدار مال نفسه . وينظر دفاتر الحساب ، وما كتبه بخطه ، ونحو ذلك ،
وإن كان مال اليقيم متميزاً بأن يكون ما اشتراه يكتبه ونحو ذلك كان مما لم
يكتبه لنفسه ، فإن تعذر معرفة المستحق من كل وجه كان فيه للفقهاء ثلاثة أقوال:
أحدها : أن يقسم بينهما كقول أبى حنيفة، كما لو تداعيا عينا يدهما عليها
والثانى : يوقف الأمر حتى يصطلحا ، كقول الشافعى، لأن المستحق
أحدهما لا بعينه .
والثالث: وهو مذهب أحمد أنه يقرع بينهما، فن أصابته القرعة حلف
وأخذ ، لما فى السنن عن أبى هريرة رضي الله عنه : أن رجلين اختصما فى متاع
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لواحد منهما بينة ؛ فقال النبى صلى الله عليه
وسلم ((استهما عليه)) رواه أبو داود والنسائى. وفى لفظ لأبى داود ((إذا
كره الاثنان اليمين ، أو استحباها فليستهما عليه)) رواه البخارى ، ولفظه
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن
يسهم بينهم أيهم يحلف )) والله أعلم.
٣٢٧

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن أيتام تحت الحجر ؛ ولهم وصي وكفيل ولأمهم زوج أجنبي : فهل له
عليهم حكم ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . ليس لزوج الأم عليهم حكم فى أبدانهم
ولا أموالهم ؛ بل الأم المزوجة بالأجنبى لاحضانة لها لئلايحضنهم الأجنبى
فإن الزوجة تحت أمر الزوج ، فأسقط الشارع حضانتها ؛ لئلا يكونوا فى
حضانة أجنبى؛ وإنما الحضانة لأم الأم ؛ أو لغيرها من الأقارب. وأمالمال
فأمره إلى الوصي . والنكاح للعصبة .
وسئل
عن رجل حضرته الوفاة فأوصى وصية بحضرته : أن هذه الدار نصفها
للحرم الشريف؛ ونصفها لمملوكى ((سنقر)) المعتوق الحر: ولم يكن له
وارث سوى ابن أستاذه ؛ وأن الوصى قال لابن أستاذه: هذا ما يجوز للمسلمين
منعه ؛ خلى كلام الوصي وباعه وتصرف فيها تصرف المالك : فهل يصح بيعه ؟
فأجاب : إذا كانت الوصية تخرج من الثلث وجب تنفيذها ، ولم يكن
للورثة إبطالها ، فإن جحدوها فله محليفهم ، ومتى شهد له شاهد بقول
الوصي أو غيره فله أن يحلف مع شاهده ويأخذ حصته.
٣٢٨

وسئل رحمه الله
عن رجل تحت حجر بطريق شرعى ، وأن الوصى توفى إلى رحمة الله تعالى،
وترك ولده ، وأن ولده قد وضع يده على ما ترك والده ، وعلى ما كان والده
وضع يده عليه من مال المحجور عليه ، وأن اليقيم طلب الحساب من ولد الوصي
فهل له ذلك ، وأن ولده ادعى أن والده أقبض بعض مال محجوره لزيد
وهو لا يستحق إقباض ذلك شرعا، وأنه بإشهاد عليهما، ثم إن ذلك القابض
الذى أقبضه الوصى ادعى أنه أقبض ذلك المال لليقيم : فهل تجوز هذه
الشهادة على اليتيم المحجور عليه ما ذكر ؟ أم لا؟ وهل له أن يرجع على مال
الوصي بما أقبضه من ماله لمن لا يستحق إقباضه شرعا؟ وهل لولد الوصى الرجوع
عما أقبضه والده بغير مستند شرعي؟ وما الحكم فى ذلك؟
فأجاب رحمه الله: إذا مات الوصي ولم يعرف أن مال اليتيم قد ذهب بغير
تفريط فهو باق بحكم يوجب إبقاءه فى تركة الميت ؛ لكن هل يكون ديناً
يحاص الغرماء؟ أو يكون أمانة يؤخذ من أصل المال؟ فيه نزاع. وإذا ادعى
الوارث رده إليه لم يقبل بمجرد قوله .
وأما إذا كان الوصي قد أقبضه لغيره ، وذلك الغير أقبضه لليقيم ، فإن
ثبت ذلك وكان الإقباض مما يسوغ : فقد برئت ذمة الوصي فى ذلك : مثل أن
٣٢٩

يكون اليتيم قد رشد فسلم إليه ماله بعد أن آنس الرشد ؛ وإن لم يثبت ذلك
عند الحاكم ، فإن ذلك الحجر عنه لا يحتاج إلى ثبوت الحاكم ولا حكمه ؛ بل
متى آنس الوصي منه الرشد فعليه أن يدفع إليه ماله ، كما قال الله تعالى: ( فَإِنْ
ج
ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُ واْ وَ مَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفُّ وَمَن كَانَ فَفِيْرًا فَلْيَأْ كُلُّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُ واْ عَلَيْهِمْ
وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ).
وأما إن كان الوصي قد سلم المال من لا يجوز تسليمه إليه فهو ضامن له ، ثم
إن كان المال وصل إلى اليقيم البين رشده فقدبرئت ذمة الوصي، كما تبرأ ذمة كل
غاصب يوصل المال إلى مستحقه ، ولو كان بغير فعل الغاصب ، ولا تعد : مثل أن
يأخذه المالك قهراً، أو يخلصه له بعض الناس، أو تطيره إليه الريح، فإن أنكر
اليتيم بعد إيناس الرشد وصوله إليه من جهة ذلك القابض الذى ليس بوكيل
للوصي فالقول قوله مع يمينه ، وأما إن أنكر إقباض الوصي أو وكيله لأحد :
فهل يقبل قوله ؟ أو قول الوصي ؟ فيه نزاع مشهور بين العلماء .
وسئل رحمه اللّه
عن وصي تحت يده مال لأيتام : فهل يجوز أن يخرج من ماله حصته ؛
ومن مالهم حصته ؛ وينفقه عليهم وعليه ؟
٣٣٠

فأجاب : ينفق على اليتيم بالمعروف ؛ وإذا كان خلط طعامه بطعام الرجل
أصلح لليقيم فعل ذلك، كما قال تعالى: (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى قُلْ إِصْلَاٌ لَهُمْ خَيْرٌ
وَإِنْ تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) فإن الصحابة كانوا
لما توعد الله على من ياً كل مال اليتيم بالعذاب العظيم يميزون طعام اليقيم عن
طعامهم ، فيفسد، فسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأنزل
الله هذه الآية.
وسئل رحمه اللّه
عن أيتام تحت يد وصي ، ولهم أخ من أم ؛ وقد باع الوصي حصته على
إخوته؛ وذكر [أن](١) الملك كان واقعاً؛ ولم تعلم الأيتام يبيعه لما باعه الوصي
منه إليهم: فهل يجوز البيع أم لا؟
فأجاب : بيع العقار ليس للوصي أن يفعله إلا لحاجة أو مصلحة راجحة
بينة؛ وإذا ذكر أنه باعه للاستهدام لم يكن له أن يشتريه لليتم الآخر ؛
لأن فى ذلك ضرراً لليتم الآخر إن كان صادقا؛ وضرراً للأول
إن كان كاذبا .
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
٣٣١

وسئل رحمه اللّه
عن رجل له جارية ، وله منها أولاد خمسة ، وأودع عند إنسان دراهم،
وقال له: إن أنا مت تعطيها الدرام ، ثم إنه مات ، فأخذت من الوصى بعض
الدرام ، ثم إن أولادها طلبوها إلى الحاكم ؛ وطلبوا منها الدرام ؛ فأعطتهم
إياها ، واعترفت أنها أخذتها من الموصى، ثم إنهم طلبوا الوصى بجملة المال
وادعوا أن الذى أقرت به أنه منها لم يكن منه؛ إلا كان بعد أن أكرهوها
على ذلك : فالقول قول المرأة أنه من المبلغ أم لا ؟
فأجاب : القول قول المستودع الموصى إليه فى قدر المال مع يمينه ، والقول
قوله : أنه دفع إلى المرأة ما دفع إذا صدقته على ذلك، والقول قول كل منهما مع
عينه أنه ليس عنده أكثر من ذلك . والوصية لأم الولد وصية صحيحة إذا
كانت تخرج من الثلث ؛ ولهذه المرأة أن تأخذ ماوصي لها به إذا كان دون
الثلث ، فإن أنكر الوارث الوصية فلها عليه المين ، وإن شهد لها شاهد عدل
وحلفت مع شاهدها حكم لها بذلك ؛ وإذا خرج المال عن يد الوصي وشهد
لها قبلت شهادته لها .
٣٣٢

وإذا كانت كتمت أولاً ما عند الوصى لتأخذ منه ماوصى لها به كان ذلك
عذرا لها فى الباطن ، وإن لم يقم لها بذلك بينة . فإن من علم أنه يستحق مالا فى
باطن ذلك وأخذه كان متأولا في ذلك ؛ مع اختلاف العلماء فى مسائل هذا
الباب . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن وصى نزل عن وصيته عند الحاكم ، وسلم المال إلى الحاكم ، وطلب
منه أن يأذن له فى محضر ليسلمه : فهل يجب ذلك على الحاكم؟
فأجاب : إذا كان محتاجا إلى ذلك لدفع ضرر عن نفسه فعلى الحاكم
إجابته إلى ذلك ؛ فإن المقصود بالحكم إيصال الحقوق إلى مستحقيها ، ودفع
العدوان، وهو يعود إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والإلزام بذلك.
والله أعلم.
وسئل رحم الله
عن رجل وصى لرجلين على ولده ، ثم إنهما اجتهدا فى ثبوت الوصية :
فهل لهم أن يأخذوا من مال اليتيم ماغرموا على ثبوتها ؟
فأجاب : إذا كانا متبرعين بالوصية فما أنفقاه على إثباتها بالمعروف : فهو
من مال اليتيم . والله أعلم .
٠
٣٣٣

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل توفی صاحب له في الجهاد ؛ جمع تر کته فى مدة ثلاث سنین
بعد تعب : فهل يجب له على ذلك أجرة ؟
فأجاب : إن كان وصيا فله أقل الأمرين من أجرة مثله ؛ أو كفايته
وإن كان مكرها على هذا العمل فله أجرة مثله ، وإن عمل متبرعا فلاشيء له
من الأجرة ؛ بل أجره على الله ، وإن عمل ما يجب غير متبرع : ففي وجوب
أجره نزاع. والأظهر الوجوب .
٣٣٤

كتاب الفرائض
سئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن امرأة توفي زوجها ، وخلف أولاداً ؟
فأجاب : للزوجة الصداق ؛ والباقي فى ذمته، حكمها فيه حكم سائر
الغرماء ، وما بقي بعد الدين والوصية النافذة إن كان هناك وصية فلها ثمنه
مع الأولاد.
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة ماتت ، وخلفت زوجا وأبوين ، وقد احتاط الأب على
التركة ؛ وذكر أنها غير رشيدة . فهل للزوج ميراث منها ؟
فأجاب : ما خلفته هذه المرأة : فلزوجها نصفه ؛ ولاً بيها الثلث ،
والباقى للام . وهو السدس فى مذهب الأئمة الأربعة ، سواء كانت
ء
ءء
رشيدة أو غير رشيدة .
٣٣٥

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن امرأة ماتت : عن أبوين، وزوج ؛ وأربعة أولاد ذكور ،
وأنثى . فقال الزوج لجماعة شهود: اشهدوا . على أن نصيبى - هوستة -
لأبوي زوجتى ؛ وأولادها المذكورين بالفريضة الشرعية ، فما خص كل
واحد منهم ؟
فأجاب : إذا كان قد ملكه نصيبه الذى هو ستة أسهم لسائر الورثة على
الفريضة الشرعية ، والباقى ثمانية عشر سهما: للأبوين ثمانية أسهم، وأولاده
عشرة أسهم ، فترد تلك الستة على هذه الثمانية عشر سهما ، ويقسم الجميع
بينهم على ثمانية عشرسهما ، كما يرد الفاضل عن ذوي السهام بينهم ، عند من
يقول بالرد ؛ فإن نصيب الوارث جعله لهم بمنزلة النصيب المردود بينهم .
وسئل
عن امرأة ماتت ، ولها زوج ، وجدة ، وإخوة أشقاء ؛ وابن : فما
يستحق كل واحد من الميراث ؟
فأجاب : للزوج الربع ، وللجدة السدس ، وللابن الباقى ، ولاشيء
للإخوة باتفاق الأئمة
٣٣٦

وسل
عن امرأة توفيت : وخلفت زوجا ، وابنتين ؛ ووالدتها ، واختين
شقيقتين : فهل ترث الأخوات ؟
فأجاب : يفرض للزوج الربع ، وللام السدس ، وللبنتين الثلثان .
ء
ء
أصلها من اثنى عشر ، وتعول إلى ثلاثة عشر، وأما الأخوات فلاشىء
لهن مع البنات ؛ لأن الأخوات مع البنات عصبة ؛ ولم يفضل للعصبة شىء،
هذا مذهب الأئمة الأربعة .
وسئل
عن امرأة ماتت : وخلفت زوجا، وأما، وأختا شقيقة، وأختا لأب
وأخا وأختا لأم ؟
فأجاب : المسألة على عشرة أسهم ، أصلها من ستة ، وتعول إلى عشرة
وتسمى (( ذات الفروخ)) لكثرة عولها : للزوج النصف ؛ وللأم
السدس سهم، والشقيقة ثلاثة؛ وللاخت من الأب السدس تكملة الثلثين
ولولدي الأم الثلث سعمان. فالمجموع عشرة أسهم. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.
٣٣٧

وسئل رحمه اللّه
عن امرأة ماتت : وخلفت زوجا ، وبنتا ، وأما ، وأختا من أم .
فما يستحق كل واحد منهم ؟
فأجاب : هذه الفريضة تقسم على أحد عشر : للبنت ستة أسهم ،
والزوج ثلاثة أسهم ؛ وللأم سعمان ، ولاشيء للأخت من الأم ؛ فإنها
تسقط بالبنت باتفاق الائمة كلهم . وهذا على قول من يقول بالرد كأبى
حنيفة ، وأحمد .
ومن لا يقول بالرد : كمالك ، والشافعى : فيقسم عندهم على اثنى عشر
سها ؛ للبنت ستة ؛ وللزوج ثلاثة؛ وللأم سهمان ؛ والسهم الثاني عشر
لبيت المال .
فصل
والمقصودهنا: أن النصوص شاملة لجميع الأحكام. ونحن نبين ذلك فما هو
من أشكل الأشياء، لننبه به على ما سواه، والفرائض من أشكلها. فنقول:
٣٣٨

النص والقياس - وهما الكتاب، والميزان - ولا على أن الثلث يختص به
ولد الأم ، كما هو قول علي ، ومن وافقه ، وهو مذهب أبى حنيفة، وأحمد
فى المشهور عنه ، وروى حرب التشريك ، وهو قول زيد ومن وافقه ،
وقول مالك والشافعى، واختلف فى ذلك عن عمر وعثمان، وغيرهمامن الصحابة
حتى قيل: إنه اختلف فيها عن جميع الصحابة إلا عليّاً، وزيداً ؛ فإن علياً
لم يختلف عنه أنه لم يشرك، وزيد لم يختلف عنه أنه يشرك.
قال العنبري : القياس ما قال على ، والاستحسان ما قال زيد .
قال العنبرى : هذه وساطة مليحة ، وعبارة صحيحة .
فيقال : النص والقياس دلا على ما قال على . أما النص فقوله تعالى :
(فَإِن كَانُوَأْأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِ الثُّلُثِ) والمراد به: ولد الأم ،
وإذا أدخلنا فيهم ولد الأبوين ، لم يشتركوا فى الثلث ؛ بل زاحمهم غيرهم .
وإن قيل: إن ولد الأبوين منهم وأنهم من ولد الأم ، فهو غلط، والله تعالى
قال: ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ وَأَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا السُّدُسُ ) الآية .
وفى قراءة سعد وابن مسعود ( من الأم ) والمراد به ولد الأم بالإجماع.
ودل على ذلك قوله : (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) وولد الأبوين والأب فى
يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ إِنِ أَمْرُؤُأ
)
آية فى قوله :
٣٣٩

هَلَكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ وَلَهُ { أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ )
فجعل لها النصف، وله جميع المال ، وهكذا حكم ولد الأبوين .
ثم قال: (وَإِن كَانُواْ إِخْوَةٌ رّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلَّكَرِ مِثْلُ حَظِ اٌلْأَنْيَيْنِ )
وهذا حكم ولد الأبوين ؛ لا الأم ، باتفاق المسلمين .
فدل ذكره تعالى لهذا الحكم فى هذه الآية، وكذلك الحكم فى تلك الآية
على أن أحد الصنفين غير الآخر . وإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث
فمن نقصهم منه فقد ظلمهم . وولد الأبوين جنس آخر .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقى
فلاً ولى رجل ذكر )).
وهذا يقتضى أنه إذا لم تبق الفرائض شيئاً لم يكن للعصبة شىء، وهنا
لم تبق الفرائض شيئاً .
وأما قول القائل : إن أباهم كان حماراً ، فقد اشتركوا فى الأم . فقول
فاسد حساً ، وشرعا .
أما الحس: فلأن الأب لو كان حماراً لكانت الأم أتاناً، ولم يكونوا
من بنى آدم . وإذا قيل: مراده أن وجوده كعدمه ، فيقال : هذا باطل
فإن الوجود لا يكون معدوماً .
وأما الشرع: فلأن الله حكم فى ولد الأبوين، بخلاف حكمه فى ولد الأم
٣٤٠