النص المفهرس
صفحات 201-220
فإن المستأجر له مطالبة المؤجر بالعمارة التى يحتاج إليها المكان، والتى هى من موجب العقد. وهذه العمارة واجبة من وجهين: من جهة حق أهل الوقف ومن جهة حق المستأجر . والعلماء متفقون على أنه ليس لناظر الوقف أن يفرط فى العمارة التى استحقها المستأجر . فهذان التفريطان يجب عليه بتركهما ضمان ما تلف بتفريطه، فيضمن مال الوقف للوقف، ويدخل فى ذلك المنافع التى استحقها المستأجر ؛ بخلاف ما لو كانت العين باقية؛ فإن له أن يضمنه إياها وله أن يفسخ الإجارة. وأما ما تلف بالتفريط من النفوس والأموال التى للمستأجر فيضمن من هذه الوجوه الثلاثة ، ويضمن ما تلف للجيران من الوجه الأول، كما ذهب إليه جماهير العلماء. وسئل عن مال موقوف على فكاك الأسرى ؛ وإذا استدين مال فى ذمم الأسرى بخلاصهم لا يجدون وفاءه: هل يجوز صرفه من الوقف؟ وكذلك لو استدانه ولي فكا كهم بأمر ناظر الوقف أو غيره ؟ فأجاب : نعم يجوز ذلك؛ بل هو الطريق فى خلاص الأسرى ، أجود من إعطاء المال ابتداء لمن يفتكهم بعينهم؛ فإن ذلك يخاف عليه ، وقد يصرف ٢٠١ فى غير الفكاك. وأما هذا فهو مصروف فى الفكاك قطعاً. ولا فرق بين أن يصرف عين المال فى جهة الاستحقاق ، أو يصرف ما استدين ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم تارة يصرف مال الزكاة إلى أهل السعمان، وتارة ء يستدين لأهل السهمان ثم يصرف الزكاة إلى أهل الدين . فعلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء. والله أعلم. وسئل عن رجل بحته حصة فى حمام، وهى موقوفة على الفقراء والمساكين تخرب شىء من الحمام فى زمان العدو. فأجر تلك الحصة لشخص مدة ثمان سنين بثمانمائة درهم ، وأذن له أن يصرف تلك الأجرة فى العمارة الضرورية فى الحمام، فعمر المستأجر، وصرف فى العمارة: حتى صارت أجرة الحصة المذكورة وذكر أنه فضل له على الوقف مال زائد عن الاجرة من غير إذن المؤجر. فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إذا عمر عمارة زائدة عن العمارة الواجبة على الوجه المأذون فيها لم يكن على أهل الحمام أن يقوموا ببقية تلك العمارة الزائدة، ولا قيمتها ؛ بل له أن يأخذها إذا لم يضر أخذها بالوقف. وإذا كانت العمارة تزيد كراء الحمام ، فاتفقوا على أن تبقى العمارة له ؛ لا يعطونه بقيمتها؛ بل ٢٠٢ يكون ما يحصل من زيادة الأجرة بإزاء ذلك: جاز ذلك . وإن أراد أهل الوقف أن يقلعوا العمارة الزائدة فلهم ذلك؛ إذا لم تنقص المنفعة المستحقة بالعقد . وإن اتفقوا على أن يعطوه بقية العمارة وتزيده فى الأجرة بقدر مازاد من المنفعة جاز. والله أعلم. وسئل عن وقف على تكفين الموتى، يفيض ريعه كل سنة على الشرط : هل يتصدق به . وهل يعطى منه أقارب الواقف الفقراء ؟ فأجاب : إذا فاض الوقف عن الأكفان صرف الفاضل فى مصالح المسلمين . وإذا كان أقاربه محاويج فهم أحق من غيرهم. والله أعلم . وسئل عن فقيه منزل فى مدرسة ، ثم غاب مدة البطالة : فهل يحل منعه من الجامكية أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. إذا لم يغب إلا أشهر البطالة فإنه يستحق ما يستحقه الشاهد ؛ لا فرق فى أشهر البطالة بين أن يكون البطال شاهداً أو غائبا والله أعلم. ٢٠٣ وسئل عن مقرئ على وظيفة، ثم إنه سافر واستناب شخصا ، ولم يشترط عليه فلما عاد قبض الجميع ، ولم يخرج من المكان . فهل يستحق النائب المشروط أم لا؟ فأجاب : الحمد لله. نعم النائب يستحق المشروط كله ؛ لكن إذا عاد المستنيب فهو أحق بمكانه، والله أعلم. وسئل عمن وقف وقفاً مستغلا، ثم مات ، فظهر عليه دين : فهل يباع الوقف فى دينه ؟ فأجاب: إذا أمكن وفاء الدين من ريع الوقف لم يجز بيعه ، وإن لم يمكن وفاء الدين إلا يبيع شيء من الوقف - وهو فى مرض الموت - بيع باتفاق العلماء. وإن كان الوقف فى الصحة : فهل يباع لوفاء الدين ؟ فيه خلاف بين العلماء فى مذهب أحمد، وغيره . ومنعه قول قوي . ٢٠٤ وسئل رحمه اللّه عن رجل قال فى مرضه : إذا مت فدارى وقف على المسجد الفلانى ، فتعافى ، ثم حدث عليه ديون: فهل يصح هــ ـذا الوقف ويلزم . أم لا ؟ فأجاب : يجوز أن يبيعها فى الدين الذى عليه ؛ وإن كان التعليق صحيحاً كما هو أحد قولى العلماء. وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه باع المدير فى الدين. والله أعلم. وسئل عمن وقف وقفاً على ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم برسم شمع أو زيت ، وذلك بعد موته، ثم إنه قصد أن يغير الوقف ويجعله على الفقراء والمساكين بالقاهرة. وإن لم يجز ذلك: فهل يجوز على الفقراء المجاورين بالمدينة - مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أم لا ؟ ٢٠٥ فأجاب : أما الوصية بما يفعل بعد موته فله أن يرجع فيها ويغيرها باتفاق المسلمين ؛ ولو كان قد أشهد بها وأثبتها، سواء كانت وصية بوقف أو عتق أو غير ذلك . وفى الوقف المعلق بموته والعتق نزاعان مشهوران . والوقف على زيت وشمع يوقد على قبر ليس براً باتفاق العلماء ؛ بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لعن الله زوارات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج)). وأما تنوير المسجد النبوى على المصلين وغيره فتنوير بيوت الله حسن ؛ لكن إذا كان للمسجد ما يكفى تنويره لم يكن للزيادة التى لافائدة فها فائدة مشروعة ؛ ولم يكن ذلك مصروفا فى تنويره ؛ بل تصرف فى غيره. والله أعلم. وسئل عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغنى عنه ؟ فأجاب : يصرف فى نظير تلك الجهة . كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف فى مسجد آخر ؛ لأن الواقف غرضه فى الجنس ، والجنس ـع به أحد صرف واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب ولم ينتفـ ريعه فى مسجدآخر ، فكذلك إذا فضل عن مصلحته شىء؛ فإن هذا ٢٠٦ الفاضل لاسبيل إلى صرفه إليه ، ولا إلى تعطيله، فصرفه فى جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف . وقد روى أحمد عن على رضى الله عنه : أنه حض الناس على إعطاء مكاتب ، ففضل شىء عن حاجته فصرفه فى المكاتبين . وسئل عن رجل صالح فرض له القاضي بشىء من الصدقات ؛ لأجله، وأجل الفقراء الواردين عليه . فهل يجوز لأحد أن يزاحمه فى ذلك؟ أو يتغلب عليه باليد القوية ؟ فأجاب: قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((المسلم أخو المسلم، لا يحل للمسلم أن يبيع على بيع أخيه، ولا يستأم على سوم أخيه ، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما فى صفحتها ؛ فإن لها ماقدر لها )) فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم فى عقود المعاوضات قد نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه، وأن يخطب على خطبته قبل أن يدخل المطلوب فى ملك الإنسان فكيف يحل للرجل أن يجيء إلى من فرض له ولى الأمر على الصدقات أو غيرها ما يستحقه ويحتاج إليه فيزاحمه على ذلك ، ويريد أن ينزعه منه؟! فإن هذا أشد تحريما من ذلك . والله أعلم. ٢٠٧ وسئل رحمه اللّه عن وقف أرض على مسجد فيها أشجار معطلة من الثمر ، وتعطلت الأرض ء من الزراعة بسببها . فهل يجوز قلع الأشجار، وصرف ثمنها فى مصالح المسجد وتزرع الأرض وينتفع بها ؟ فأجاب: نعم. إذا كان قلع الأشجار مصلحة للأرض بحيث يزيد الانتفاع بالأرض إذا قلعت فإنها تقلع . وينبغى للناظر أن يقلعها ويفعل ما هو الأصلح للوقف، ويصرف ثمنها فيما هو أصلح للوقف من عمارة الوقف ، أو مسجد، إن احتاج إلى ذلك . والله أعلم. وسئل عن مصيف مسجد بني فيه قبر فسقية ، وهدم بحكم الشرع ، وللمسجد بيت خلاء، ولم يكن فيه موضع يسع الوضوء. فهل يجوز أن يعمل فى المصيف مكان للوضوء ، ويترك ما هو فى الفسقية التى كانت بنيت قبراً ؟ ٢٠٨ فأجاب رحمه الله: الحمد لله. نعم! إذا كان هذا مصلحة للمسجد وأهله وليس فيه محذور إلا مجرد الوضوء فى المسجد جاز أن يفعل ذلك ؛ فإن الوضوء فى المسجد جائز ؛ بل لا يكره عند جمهور العلماء. والله أعلى. وسئل عن مسجد مغلق عتيق ، فسقط، وهدم، وأعيد مثل ما كان فى طوله وعرضه ، ورفعه البانى له عما كان عليه، وقدمه إلى قدام، وكان ہے تحته خلوة فعمل بحته بيتاً لمصلحة المسجد . فهل يجوز تجديد البيت وسكنه ؟ فأجاب: الحمدلله. نعم ! يجوز أن يعمل فى ذلك ما كان مصلحة للمسجد وأهله: من بجديد عمارة، وتغيير العمارة من صورة إلى صورة ونحو ذلك والله سبحانه أعلم. ٢٠٩ وسئل رحمه اللّه عن مساجد وجامع يحتاج إلى عمارة، وعليها رواتب مقررة على القابض والريع لا يقوم بذلك فهل يحل أن يصرف لأحد قبل العمارة الضرورية ؟ وإلى من يحل؟ وما يصنع بما يفضل عن الربع أيدخر أم يشترى به عقارا؟ فأجاب: الحمد لله . إذا أمكن الجمع بين المصلحتين بأن يصرف ما لا بد من صرفه لضرورة أهله، وقيام العمل الواجب بهم ، وأن يعمر بالباقى : كان هذا هو المشروع. وإن تأخر بعض العمارة قدراً لا يضر تأخره ؛ فإن العمارة واجبة ، والأعمال التي لا تقوم إلا بالرزق واجبة، وسد الفاقات واجبة ، فإذا أقيمت الواجبات كان أولى من ترك بعضها . وأما من لا تقوم العمارة إلا بهم : من العمال ، والحساب فهم من العمارة . وأما مافضل من الريع عن المصارف المشروطة ومصارف المساجد فيصرف فى جنس ذلك : مثل عمارة مسجد آخر ، ومصالحها ؛ وإلى جنس المصالح، ولا يحبس المال أبداً لغير علة محدودة ؛ لاسيما فى مساجد قد علم ٠٠ أن ريعها يفضل عن كفايتها دائما ، فإن حبس مثل هذا المال من الفساد (وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ). ٢١٠ وسئل رحمه اللّه عن حا كم خطيب رتب له على فائض مسجد رزقه ، فيبقى سنتين لا يتناول شيئا؛ لعدم الفائض. ثم زاد الريع فى السنة الثالثة : فهل له أن يتناول رزق ثلاث سنين من ذلك المغل ؟ فأجاب : إن كان لمغل السنة الثالثة مصارف شرعية بالشرط الصحيح وجب صرفها فيه، ولم يجز للحاكم أخذه. وأما إذا لم يكن له مصرف أصلا واقتضى نظر الإمام أن يصرفه إلى الحاكم عوضا عما فاته فى الماضي : جاز ذلك والله أعلم . ٢١١ وقال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية قدس الله روحه. فصل فى ((إبدال الوقف)) حتى المساجد بمثلها أو خير منها للحاجة أو المصلحة وكذلك إبدال الهدي، والأضحية؛ والمنذور ، وكذلك إبدال المستحق بنظيره إذا تعذر صرفه إلى المستحق. والإبدال يكون تارة بأن يعوض فيها بالبدل . وتارة بأن يباع ويشترى بثمنها المبدل . فذهب أحمد فى غير المسجد يجوز بيعه للحاجة . وأما المسجد فيجوز بيعه أيضا للحاجة : فى أشهر الروايتين عنه، وفى الأخرى لاتباع عرضته بل تنقل آ لتها إلى موضع آخر. ونظير هذا ((المصحف)) فإنه يكره بيعه كراهة تحريم أو تنزيه . وأما إبداله فيجوز عنده فى إحدى الروايتين عنه من غير كراهة ؛ ولكن ظاهر مذهبه : أنه إذا بيع واشتري بثمنه فإن هذا من جنس ٢١٢ الإبدال ؛ إذ فيه مقصوده ؛ فإن هذا فيه صرف نفعه إلى نظير المستحق إذا تعذر صرفه إلى عينه . فإن المسجد إذا كان موقوفً ببلدة أو محلة فإذا تعذر انتفاع أهل تلك الناحية به صرفت المنفعة فى نظير ذلك ، فيبنى بها مسجد فى موضع آخر ، كما يقول مثل ذلك فى زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد: تصرف إلى مسجد آخر ، ويجوز صرفها عنده فى فقراء الجيران . واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين فكذلك كسوة سائر المساجد ؛ لأن المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد واحتج على صرفها فى نظير ذلك: بأن على بن أبى طالب رضى الله عنه جمع مالا لمكاتب ففضلت فضلة عن قدر كتابته فصرفها فى مكاتب آخر ؛ فإن المعطين أعطوا المال للكتابة ، فلما استغنى المعين صرفها فى النظير . والمقصود أن أحمد بن حنبل - رحمه الله - اختلف قوله فى بيع المسجد عند عدم الانتفاع به ، ولم يختلف قوله فى بيع غيره عند الحاجة . قال: فى رواية ابنه عبدالله: إذا خرب المسجد يباع ، وينفق منه على مسجد آخر . وقال القاضى أبو يعلى فى ((المجرد)) وابن عقيل فى ((الفصول)) وغيرهما - واللفظ للقاضى -: ونفقة الوقف من غلته ؛ لأن القصد الانتفاع به مع بقاء عينه . وهذا لا يمكن إلا بالإنفاق عليه ، فكان إبقاؤه يتضمن الإنفاق ٢١٣ عليه ، وما يبقى للموقوف عليه ، فإن لم تكن له غلة مثل أن كان عبداً تعطل أو بهيمة هزلت فالموقوف عليه بالخيار بين الإنفاق عليه ، لأنه هو المالك، وبين أن يبيعه ويصرف ثمنه فى مثله . وإن كان الموقوف على المساكين فالنفقة فى بيت المال، لأنه لامالك له بعينه ، فهو كالمسجد (١) وإن رأى الإمام بيعه وصرف ثمنه فى مثله جاز ، وإذا كان الوقف داراً خربت وبطل الانتفاع بها بيعت وصرف ثمنها إلى شراء دار، ويجعل وقفاً مكانها. وكذلك الفرس الحبيس إذا هم وتعطل يباع ويشترى بثمنه فرس يصلح لما وقف له . قال فى رواية بكر بن محمد : إن أمكن أن يشترى بثمنه فرساً اشترى ، وجعل حبيساً؛ وإلا جعله فى ثمن دابة حبيس ، وكذلك المسجد إذا خرب وحصل بموضع لا يصلى فيه جاز نقله إلى موضع عامر ، وجاز بيع عرصته . نص عليه فى رواية عبدالله . قال أبو بكر : وتكون الشهادة فى ذلك على الإمام . قال وقال أبو بكر فى ((كتاب القولين)): وقد روى على بن سعيد : أن المساجد لا تباع، ولكن تنقل . قال أبو بكر: وبالأول أقول. يعنى رواية عبدالله؛ لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحيبس . وقال أحمد فى رواية الحسن بن ثواب فى عبد لرجل بمكة - يعنى وقفاً - فأبى العبد أن يعمل : ٢١٤ يباع فيبدل عبداً مكانه . ذكرها القاضى أبو يعلى فى مسألة عتق الرهن فى ((التعليق)). قال أبو البركات: فجعل امتناعه كتعطل نفعه. يعنى ويلزم بإجباره على العمل كما يجبر المستأجر ، وإن كان امتناعه محرما ، وجعل تعذر الانتفاع بهذا الوجه كتعطله ؛ نظراً إلى مصلحة الوقف . ـل فصـ وأما إبدال المسجد بغيره ؛للمصلحة، مع إمكان الانتفاع بالأول : ففيه قولان فى مذهب أحمد . واختلف أصحا به فى ذلك ؛ لكن الجواز أظهر فى نصوصه، وأدلته . والقول الآخر ليس عنه به نص صريح ؛ وإنما تمسك أصحابه بمفهوم خطه ؛ فإنه كثيراً ما يفتى بالجواز للحاجة ، وهذاقد يكون تخصيصا للجواز بالحاجة ، وقد يكون التخصيص لكون ذلك هو الذى سئل عنه واحتاج إلى بيانه . وقد بسط أبو بكر عبدالعزيز ذلك فى ((الشافى)) الذي اختصر منه ((زاد المسافر)) فقال: حدثنا الخلال، ثنا صالح بن أحمد، ثنا أبى، ثنا يزيد بن هرون، ثنا المسعودى، عن القاسم ، قال: لما قدم عبد الله ابن مسعود - رضى الله عنه - على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى ٢١٥ القصر ، واتخذ مسجداً عند أصحاب التمر. قال فنقب بيت المال، فأخذ الرجل الذى نقبه ، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن لا تقطع الرجل وانقل المسجد ، واجعل بيت المال فى قبلته ، فإنه لن يزال فى المسجد مصل . فنقله عبدالله ، خط له هذه الخطة . قال صالح . قال أبى: يقال: إِن يبت المال نقب من مسجد الكوفة فول عبدالله بن مسعود المسجد . فموضع التمارين اليوم فى موضع المسجد العتيق . قال : وسألت أبي عن رجل بنى مسجداً؛ ثم أراد تحويله إلى موضع آخر ؟ قال : إن كان الذي بنى المسجد يريد أن يحوله خوفاً من لصوص ، أو يكون موضعه موضع قذر ، فلا بأس أن يحوله . يقال : إن بيت المال نقب ، وكان فى المسجد ، خمول ابن مسعود المسجد . ثنا محمد بن على ، ثنا أبو يحيى، ثنا أبو طالب : سئل أبو عبدالله هل يحول المسجد؟ قال: إذا كان ضيقا لا يسع أهله فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه. ثنا محمد بن على ثنا عبد الله بن أحمد ، قال: سألت أبي عن مسجد خرب : ترى أن تباع أرضه وتنفق على مسجد آخر أحدثوه ؟ قال : إذا لم يكن له جيران ، ولم يكن أحد يعمره، فلا أرى به بأساً أن يباع وينفق على الآخر . ثنا محمدبن عبدالله ، ثنا أبوداود، قال سمعت أحمد سئل عن مسجد فيه خشبتان لهما قيمة ٢١٦ وقد تشعثت ، وخافوا سقوطه . أتباع هاتان الخشبتان ، وينفق على المسجد ويبدل مكانهما جذعين ؟ قال : ما أرى به بأسا . واحتج بدواب الحيبس التى لا ينتفع بها ، تباع ويجعل ثمنها فى الحييس . ولاريب أن فى كلامه ما يبين جواز إبدال المسجد للمصلحة ، وإن أمكن الانتفاع به ؛ لكون النفع بالثانى أكمل ، ويعود الأول طلقا . وقال أبو بكر فى ((زاد المسافر)): قال أحمد فى رواية صالح: نقب بيت المال بالكوفة ، وعلى بيت المال ابن مسعود ، فكتب إلى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فكتب إليه عمر : أن انقل المسجد ، وصير بيت المال في قبلته ؛ فإنه لن يخلو من مصل فيه . فنقله سعد إلى موضع المارين اليوم ، وصار سوق التمارين فى موضعه ، وعمل بيت المال فى قبلته فلا بأس أن تنقل المساجد إذا خربت . وقال فى رواية أبي طالب : إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه . جوز تحويله النقص الانتفاع بالأول ؛ لا لتعذره . وقال القاضى أبو يعلى: وقال فى رواية صالح: يحول المسجد خوفاً من لصوص ، وإذا كان موضعه قذراً. وبالثانى قال القاضى أبو يعلى. وقال فى رواية أبى داود فى مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض؛ ويجعل تحته سقاية وحوانيت ، وامتنع بعضهم من ذلك ؟ ينظر إلى قول أكثره ٢١٧ ولا بأس به . قال فظاهر هذا أنه أجاز أن يجعل أسفل المسجد حوانيت وسقاية . قال : ويجب أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود بالمسجد . قال : وكان شيخنا أبو عبد الله - هو ابن حامد - يمنع من ذلك ؛ ويتأول المسئلة على أنهم اختلفوا فى ذلك عند ابتداء بناء المسجد قبل وقفه . قال : وليس يمتنع على أصلنا جواز ذلك إذا كان فيه مصلحة ؛ لأنا يجيز بيعه ونقله إلى موضع آخر . قال : وقد قال أحمد فى رواية بكر بن محمد فى مسجد ليس بحصين من الكلاب وغيرها ، وله منارة فرخص فى نقضها ويبنى بها حائط المسجد للمصلحة . ومال ابن عقيل فى ((الفصول)» إلى قول ابن حامد فقال: هذا يجب أن يحمل على أن الحاجة دعت إلى ذلك ، كما أن تغيير المسجد ونقله ما جاز عنده إلا للحاجة ، فيحمل هذا الإطلاق على ذلك ؛ لا على المستقر . قال : والأشبه أن يحمل على مسجد يبتدأ إنشاؤه . وعلى هذا فاختلفوا كيف يبنى؟ فأما بعد كونه مسجداً فلا يجوز أن يباع، ولا أن يجعل سقاية تحته . وكذلك رجح أبو محمد قول ابن حامد ، وقال: هو أصح ، وأولى وإن خالف الظاهر . قال : فإن المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع ، والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا يعطل نفع المسجد ، فلا يجوز صرفه فى ذلك . قال : ولو جاز جعل ٢١٨ أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله ء سقاية وحوانيت ، ويجعل بدله مسجد فى موضع آخر . وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه ؛ فإن نصه صريح فى أن المسجد إذا أرادوا رفعه من الأرض، وأن يجعل تحته سقاية وحوانيت، وأن بعضهم امتنع من ذلك ، وقد أجاب بأنه ينظر إلى قول أكثرم . ولو كان هذا عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع فى بنيه إذا كان جائزًا ، ولم ينظر فى ذلك إلى قول أكثرم ؛ فإنهم إن كانوا مشتركين فى البناء لم يجبر أحد الشركاء على ما يريده الآخرون إذا لم يكن واجبا ، ولم يبن إلا باتفاقهم. ولأن قوله: أرادوا رفعه من الأرض ، وأن يجعل بحته سقاية: بين فى أنه ملصق بالأرض ، فأرادوا رفعه وجعل سقاية تحته . وأحمد اعتبر اختيار الأكثرمن المصلين فى المسجد؛ لأن الواجب ترجيح أصلح الأمرين ، وما اختاره أكثرم كان أنفع للأكثرين ؛ فيكون أرجح . وأيضا فلفظ المسئلة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز ، قال : قال فى رواية سليمان بن الأشعث : إذا بنى رجل مسجداً فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه بناء أجود من الأول فأبى عليه البانى الأول ، فإنه یصیر إلى قول الجيران ورضام: إذا أحبوا هدمه وبناءه ، وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ويعمل فى أسفله سقاية فمنعهم من ذلك مشايخ ضعفاء وقالوا : لا نقدر أن نصعد: فإنه يرفع ويجعل سقاية، ولا أعلم ٢١٩ بذلك بأساً ؛ وينظر إلى قول أكثرم . فقد نص على هذا ، وتبديل بنائه بأجود وإن كره الواقف الأول ، وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته ، وإن منعهم مشايخ ضعفاء، إذا اختار ذلك الجيران، واعتبر أكثرم. قال : وقال في رواية ابن الحكم: إذا كان للمسجد منارة ، والمسجد ليس بحصين : فلا بأس أن تنقض المنارة فتجعل فى حائط المسجد لتحصينه . قال أبو العباس: وما ذكروه من الأدلة لو صح لكان يقتضى ترجيح غير هذا القول ، فيكون فى المسئلة قولان . وقد رجحوا أحدهما . فكيف وهي حجج ضعيفة ؟ ! أما قول القائل : لا يجوز النقل والإبدال إلا عند تعذر الانتفاع : فمنوع، ولم يذكروا على ذلك حجة ، لا شرعية ، ولا مذهبية . فليس عن الشارع ولا عن صاحب المذهب هذا النفي الذى احتجوا به ؛ بل قد دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك ، وقد قال أحمد : إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه . وضيقه بأهله لم يعطل نفعه ؛ بل نفعه باق كما كان ؛ ولكن الناس زادوا، وقد أمكن أن يبنى لهم مسجد آخر، وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس . ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر ؛ لأن اجتماع الناس فى مسجد واحد أفضل من تفريقهم فى مسجدين ؛ لأن الجمع كلما كثر كان أفضل ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، ٢٢٠