النص المفهرس
صفحات 121-140
بل الأولى حصلت من وضع هذا اللفظ ، والثانية حصلت من مجموع الشرط أو الكلام الأول ؛ فكيف والأمر ليس كذلك؟ !. فإن قيل : هذا نفى للاحتمال فى هذه الصورة ، وإن كان لم ينفه فىأخرى قلنا : هذا إنما يستقيم أن لو لم تكن الصورة المذكورة مقيدة للفظ المطلق فإن قوله : من مات منهم . مطلق ، وقد قيده : عن غير ولد . وفى مثل هذا لايقال : ذكر صورة وترك أخرى ؛ إلا إذا كان الكلام مستقلا بنفسه غير متصل بغيره ؛ فأما إذا كان الكلام متصلا بغيره فإنه يصير قيداً فى ذلك الأول ؛ فإن قوله : عن غير ولد . نصب على الحال أيضا؛ والحال صفة، والصفة مقيدة ، فكأنه قال: بشرط أنه من كان موته على هذه الصفة انتقل نصيبه إلى ذوى الطبقة ؛ أو أنه ينتقل نصيب الميت إلى ذوى الطبقة بشرط أن لايكون للميت ولد ، ومعلوم بالاضطرار أن الانتقال المشروط بصفة لا يجوز إثباته بدون تلك الصفة . فقوله : عن غير ولد . صفة لموت الميت ؛ والانتقال إذا مات الميت على هذه الحال صفة للوقف ، والوقف الموصوف بصفة ، وتلك الصفة موصوفة بأخرى : لا يجوز إثباته إلا مع وجود الصفة وصفة الصفة . فلا يجوز أن يكون وقفا على الأولاد ؛ ثم أولادهم؛ إلا بشرط انتقال نصيب المتوفى إلى ذوى الطبقة . ١٢١ ولا يجوز نقل نصيب الميت إلى ذوى الطبقة إلا بشرط موته عن غير ولد أوولد ولدأو نسل أوعقب ؛ حتى لو كانله ولد - وإن بعد - كان وجوده مانعامن الانتقال إلى ذوى الطبقة، وموجبا للانتقال إليه بقوله: على أولاده، ثم أولاد أولاده. ثم نسله وعقبه دائما ما تناسلوا . واعلم أن هذا السؤال لا يكاد ينضبط وجوه فساده مع ماذكرناه لكثرتها. منها : أنه لو كان قصده مجرد نفى احتمال الانقطاع لكان التعميم بقوله : من مات منهم انتقل نصيبه . أو التنبيه بقوله : من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ذوى طبقته . هو الواجب ؛ فإنه إذا انتقل نصيبه إلى ذوى الطبقة مع الولد فمع عدمه أولى . أما أن ينص على انتقاله إلى الطبقة مع عدم الولد نافيا بذلك احتمال الانقطاع ، ثم يريد منا أن نفهم انتقاله إليهم أيضا مع الولد لمجرد قوله : على ولدى ، ثم ولد ولدى . مع أن احتمال الانقطاع هنا قائم مع احتمال آخر ينفرد به ، وهو الانتقال إلى الولد ؛ لأن احتمال انتقاله إلى ولد الولد هنا أظهر من احتمال الانقطاع ، ومع أن فهم التخصيص مع التقييد أظهر من فهم الانقطاع ، ومع أن دلالة قوله : على ولد ولدى . فى الانتقال إلى الطبقة مع عدم الولد أظهر من دلالته فى الانتقال إليهم مع وجود الولد . فقد أراد منا أن نفهم الكلام المقلوب ، وتخرج عن حدود العقل والبيان ؛ فإن ١٢٢ تركه لرفع احتمال الانقطاع وغيره فيما هو فيه أظهر ؛ وعدوله عن العبارة المحققة لنفى الانقطاع مطلقا بلا لبس إلى عبارة هى فى التقييد أظهر منها فى مجرد نفى انقطاع بعض الصور دليل قاطع على أنه لم يقصد بذلك . ونظير هذا رجل قال لعبده: أكرم زيدا إن كان رجلا صالحاً فأكرمه. وكان غير صالح فلم يكرمه الغلام. فقال له سيده: عصيت أمرى. ألم آمرك با كرامه ؟ قال : قد قلت لى : إن كان صالحاً فأكرمه ، قال : إنما قلت هذا ، لئلا تتوم أنى أبغض الصالحين فلا تكرمه مع صلاحه، فنفيت احتمال التخصيص فى هذه الصورة . فهل يقبل هذا الكلام من عاقل ، أو ينسب الغلام إلى تفريط ، أو يقول للسيد: هذه العبارة دالة على التخصيص ولو كنت مثبتا للتعميم لكان الواجب أن تقول: أكرمه وإن لم يكن صالحا ؛ لأن إكرام الصالح يصير من باب التنبيه ؛ أو أكرمه وإن كان صالحا إن كان حبا لك صحيحا ؟! وكذاهنا يقول المنازع : هو نقله إلى الطبقة ، سواء كان له ولد أو لم يكن . فإذا قيل له : فلم قيد النقل بقوله: على أنه من مات منهم عن غير ولد انتقل نصيبه إلى الطبقة ؟ قال : لينفى احتمال الانقطاع فى هذه الصورة دون الصورة التى هى أولى بنفى الانقطاع فيها . فيقال له : كان الكلام ١٢٣ العربى فى مثل هذا : على أنه من توفى منهم وإن كان له ولد انتقل نصيبه إلى من فى درجته . أو يقول : على أنه من توفى منهم وإن لم يكن له ولد . فيأتى بحرف العطف . أما إذا قال : على أنه من توفى منهم عن غير ولد. فهذا نص فى التقييد لا يقبل غيره . ومن توم غير هذا أو جوزه ولو على بعد أو جوز لعاقل أن يجوزه فلا ريب أنه خارج عن نعمة الله التى أنعم بها على الإنسان حيث علمه البيان . وماظنى أنه لو ترك وفطرته توم هذا ولكن قد يعرض للفطر آفات تصدها عن سلامتها ، كما نطقت به الأحاديث. ومنها : أن العاقل لا ينفى احتمالا بعيدا بإثبات احتمال أظهر منه، ومعلوم أنه لوسكت عن هذا الشرط لكان احتمال الانقطاع فى غاية البعد . فإنه إما خلاف الإجماع ، أو معدود من الوجوه السود. وإذا ذكر الشرط صار احتمال التقييد وترتيب التوزيع احتمالا قويا؛ إما ظاهرا عند المنازع ؛ أو قاطعا عند غيره . فكيف يجوز أن يحمل كلام الواقف على المنهج الذميم دون الطريق الحميد مع إمكانه . ومنها : أن هذا الاحتمال لا يتفطن له إلا بعض الفقهاء ، ولعله لم يخلق فى الإسلام إلا من زمن قريب ، واحتمال التقييد أمر لغوي موجود قبل الإسلام . فكيف يحمل كلام واقف متقدم على الاحتراز من احتمال لا ١٢٤ يخطر إلا بقلب الفرد من الناس بعد الفرد . ولعله لم يخطر ببال الواقف : دون أن يحمل على الاحتراز من احتمال قائم بقلب كل متكلم ، أو غالب المتكلمين : منذ علم آدم البيان . ومنها أن الواقف إذا كان قصده نفي احتمال الانقطاع فى هذه الصورة بقوله: عن غير ولد . أيضاً صالح لأن يكون نفى به احتمال الانقطاع فى الصورة الأخرى ، ويكون نفى احتمال الانقطاع فيها بانتقال نصيب من مات عن ولد إلى ولده ؛ فإن هذا فيه صون هذا التقييد عن الإلغاء ، ورفع للانقطاع فى الصورتين . ومعلوم أن حمل كلام الواقف على هذا أحسن من جعله مهدراً مبتوراً . ومنها : أن هذا المقصود كان حاصلا على التمام لو قال : على أنه من مات منهم . فزيادة اللفظ ونقص المعنى خطأ لا يجوز حمل كلام المتكلم عليه إذا أمكن أن يكون له وجه صحيح ، وهو هنا كذلك . ومنها : أن هذا الكلام مبني على أن قوله : على أولادى ، ثم على أولادهم . مقتض لترتيب المجموع على المجموع ، وهذا الاقتضاء مشروط بعدم وصل اللفظ بما يقيده ؛ فإنه إذا وصل بما يقيده ويقتضى ترتيب الأفراد على الأفراد : مثل قوله : على أنه من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده . ونحو ذلك من العبارات : كان ذلك الاقتضاء منتفيا ١٢٥ بالاتفاق . وهذا اللفظ وهو قوله : على أنه من توفى منهم عن غير ولد . ظاهر فى تقييد الانتقال بعدم الولد ، وإنما يصرفه من يصرفه عن هذا الظهور لمعارضة الأول له، وشرط كون الأول دليلا عدم الصلة المغيرة، فيدور الأمر فتبطل الدلالة . وذلك أنه لا يثبت كون الأول مقتضيا لترتيب المجموع إلا مع الانقطاع عن المغير، ولا يثبت هنا الانقطاع عن المغير حتى يثبت أن هذا لا يدل على التغيير ؛ بل على معنى آخر . ولا تثبت دلالته على ذلك المعنى حتى يثبت أن المتقدم دليل على ترتيب المجموع. وهذا هو الدور ، وهو مصادرة على المطلوب ، فإنه جعل المطلوب مقدمة فى إثبات نفسه . ومنها أن يقال : قوله عن غير ولد . قيد فى الانتقال أم لا ؟ فإن قال : ليس بقيد . فهو مكابرة ظاهرة فى اللغة . وإن قال : هو قيد ، قيل له : فيجوز إثبات الحكم المقيد بدون قيده . فإن قال : نعم بالدليل الأول . قيل : فيجوز الاستدلال بأول الكلام مطلقا عما قيد به فى آخره . فإن قال : نعم ! علم أنه مكابر . وإن قال: لا . ثبت المطلوب . وهذه مقدمات يقينية ، لا يقدح فيها كون الكلام له فوائد آخر . ومن وقف عليها مقدمة لم يبق إلا معانداً أو مسلماً للحق. ومنها : أنه إذا قيل بأن الوقف يكون منقطع الوسط إذا مات الميت عن غير ولد ، ولا يكون منقطعاً إذا مات عن ولد : كان لهذا السؤال ١٢٦ وجه ؛ لكن يكون حجة على المنازع ؛ فإنه إذا كان متصلا مع موته عن ولد فإن كان ينتقل إلى الولد فهو المطلوب . وإن كان ينتقل إلى الطبقة : فحال أن يقول فقيه : إنه ينتقل إلى الطبقة مع الولد ، ويكون منقطعاً مع عدم الولد . فثبت أن جعل هذا الكلام رفعاً لاحتمال الانقطاع دليل ظاهر على انتقال نصيب المتوفى عن ولد إلى ولده . ودلائل هذا مثل المطر . والله يهدى من يشاء إلى سواء الصراط . الوجه الثانى : فى أصل المسألة أن قوله : على أولاده ، ثم على أولاده . مقتض للترتيب . وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد. وهنا جمعان: أحدهما مرتب على الآخر . والأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان . أحدهما : ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام ، سواء قدر وجود الفرد الآخر ، أو عدمه . والثانى : مايثبت لمجموع تلك الأفراد ؛ فيكون وجود كل منها شرطا فى ثبوت الحكم للآخر. مثال الأول قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ). ومثال ١٢٧ الثانى قوله تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس ؛ وكلا منهم مخاطب بالعبادة والطهارة ؛ وليس كل واحد من الأمة أمة وسطاً . ولا خير أمة . ثم العموم المقابل بسوم آخر قد يقابل كل فرد من هذا بكل فرد من هذا، كما فى قوله: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ فإن كل واحد من ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُِهِ، وَرُسُلِهِ)؛ المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل . وقد يقابل المجموع بالمجموع بشرط الاجتماع منهما؛ كما فى قوله : (قَدْكَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ اَلْتَقَتَا )؛ فإن الالتقاء ثبت لكل منهما حال اجتماعهما . وقديقابل شرط الاجتماع من أحدهما كقوله: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) فإن مجموع الأمة خير للناس مجتمعين ومنفردين. وقد يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد، فيكون لكل واحد من العمومين واحد من العموم الآخر، كما يقال : لبس الناس ثيابهم ، وركب الناس دوابهم . فإن كل واحد منهم ركب دابته، ولبس ثوبه. وكذلك إذا قيل : الناس يحبون أولاده. أى: كل واحد يحب ولده؛ ومن هذا قوله سبحانه: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ ) أى كل والدة ترضع ولدها ؛ بخلاف مالو قلت : الناس يعظمون الأنبياء؛ فإن كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء . فقول الواقف : على أولاده ؛ ثم على أولاده : قد اقتضى ترتيب ١٢٨ أحد العمومين على الآخر ، فيجوز أن يريد أن العموم الثانى بمجموعه مرتب على مجموع العموم الأول وعلى كل فرد من أفراده ، فلا يدخل شىء من هذا العموم الثانى فى الوقف ، حتى ينقضى جميع أفراد السوم الأول ، ويجوز أن يريد ترتيبا يوزع فيه الأفراد على الأفراد، فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم والده ؛ لا عند عدم والدغيره ؛ كما فى قوله : ( وَأَلْوَ لِدَاتُّ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ ) ، وقولهم : الناس يحبون أولادهم. واللفظ صالح لكلا المعنيين صلاحا قويا؛ لكن قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى ، كما رجح الجمهور ترتيب الكل على الكل فى قوله : وقفت على زيد وعمرو وبكر ، ثم على المساكين . فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة فى العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على الآخر ، ولا مناسبة تقتضى أن يعين لزيد هذا المسكين ، ولعمرو هذا، ولبكر هذا ؛ بخلاف قولنا : الناس يحبون أولادهم ؛ فإن المراد هنا من له ولد. فصار أحد العمومين مقاوما للآخر . وفى أولاده من الإضافة ما اقتضى أن يعين لكل إنسان ولده دون ولد غيره . وكما يترجح المعنى الثاني فى قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَنُكُمْ ) إلى آخره، فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين وبناتهم ؛ وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته ١٢٩ وكذلك قوله: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ) فإنه ليس جميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء ، وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُمْ بِإِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ) وكذلك قوله : إنما معناه اتبع كل واحد ذريته ؛ ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء . وهذا كثير فى الكلام : مثل أن يقول : الناس فى ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون فى أموالهم ويتفقون على أولادهم ، وما أشبه ذلك . ثم الذى يوضح أن هذا المعنى قوي فى الوقف ثلاثة أشياء. أحدها : أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده ، لا يؤخرون الانتقال إلى انقضاء الطبقة ؛ والكثرة دليل القوة ؛ بل والرجحان . الثاني : أن الوقف على الأولاد يقصد به غالبا أن يكون بمنزلة الموروث الذى لا يمكن بيعه ؛ فإن المقصود الأكبر انتفاع الذرية به على وجه لا يمكنهم إذهاب عينه. وأيضا فإن بين الوقف والميراث هنا شبه من جهة أن الانتقال إلى ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما . ثم مثل هذه العبارة لو أطلقت فى الميراث كما أطلقها الله تعالى فى قوله: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ) ١٣٠ (وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِقَاتَرَكْتُمْ )لما فهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على الأفراد ؛ لا مقابلة المجموع بالمجموع ، ولا مقابلة كل واحد بكل واحد ولا مقابلة كل واحد بالمجموع ، كما لو قال الفقيه لرجل : مالك ينتقل إلى ورثتك ، ثم إلى ورثتهم ؛ فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه . فليكن قوله : على أولاده ، ثم على أولاد أولاده كذلك ؛ إما صلاحا ، وإما ظهوراً الثالث أن قوله : على أولادهم . محال أن يحصل فى هذه الإضافة مقابلة كل فرد بكل فرد ، فإن كل واحد من الأولاد ليس مضافا إلى كل واحد من الوالدين ؛ وإنما المعنى : ثم على مالكل واحد من الأولاد . فإذا قال : وقفت على زيد وعمرو وبكر ، ثم على أولاده . فالضمير عائد إلى زيد وعمرو وبكر ، وهذه المقابلة مقابلة التوزيع . وفى الكلام معنيان : إضافة ، وترتيب . فإذا كانت مقابلة الإضافة مقابلة توزيع أمكن أن يكون مقابلة الترتيب أيضا مقابلة توزيع ، كما ان ء قوله ( يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ ) لما كان معنى إرضاع وإضافة ، والإضافة موزعة : كان الإرضاع موزعا. وقوله (وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ) لما كان معنى إضافة موزعة : كان الاستحقاق موزعا . وهذا يبين لك أن مقابلة التوزيع فى هذا الضرب قوية ، سواء كانت راجحة ، أو مرجوحة ، أو مكافية . ١٣١ وللناس تردد فى موجب هذه العبارة عند الإطلاق فى الوقف ، وإن كان كثير منهم أو أكثرم يرجحون ترتيب الجمع على الجمع بلا توزيع ، كما فى قولنا: على هؤلاء ، ثم على المساكين . ولأصحابنا فى موجب ذلك عند الإطلاق وجهان ، مع أنهم لم يذكروا فى قوله : وقفت على هذين ، ثم على المساكين خلافا . والفرق بينهما على أحد الوجهين ما قدمناه . والمشهور عند أصحاب الشافعى أنه لترتيب الجمع على الجمع . ولهم وجه : أنه من مات عن ولد أو غير ولد فنصيبه منقطع الوسط . وخرج بعضهم وجها أن نصيب الميت ينتقل إلى جميع الطبقة الثانية . وليس الغرض هنا الكلام فى موجب هذا اللفظ لو أطلق ، فإنا إنما تكلم على تقدير التسليم ، لكونه يقتضى ترتيب الجمع على الجمع ؛ إذ الكلام على التقدير الآخر ظاهر ، فأما صلاح اللفظ للمعنيين فلا ينازع فيه من تصور ما قلناه . وإذا ثبت أنه صالح فمن المعلوم ان اللفظ إذا وصل بما ء يميز أحد المعنيين الصالحين له وجب العمل به ، ولا يستريب عاقل فى أن الكلام الثانى يبين أن الواقف قصد أن ينقل نصيب كل والد إلى ولده ؛ وإلا لم يكن فرق بين أن يموت أحد منهم عن ولد أو عن غير ولد ، بل لم يكن إلى ذكر الشرط حاجة أصلا. أكثر ما يقال : أنه توكيد لو خلا عن دلالة المفهوم . فيقال : حمله على التأسيس أولى من حمله على التوكيد. ١٣٢ وأعلم أن هذه الدلالة مستمدة من أشياء : أحدها : صلاح اللفظ الأول لترتيب التوزيع . الثانى : أن المفهوم يشعر بالاختصاص . وهذا لا ينازع فيه عاقل وإن نازع فی کونه دليلا . الثالث : أن التأسيس أولى من التوكيد ، وليس هذا من باب تعارض الدليلين ؛ ولا من باب تقييد الكلام المطلق ، وإنما هو من باب تفسير اللفظ الذى فيه احتمال المعنيين . فإن قلتم : اللفظ الأول إن كان ظاهرا فى ترتيب الجمع فهذا صرف للظاهر . وإن قلتم : هو محتمل ، أو ظاهر فى التوزيع: منعناكم ، وإن قلتم لا يوصف اللفظ بظهور ولا إكمال إلا عند تمامه ، والأول لم يتم : فهذا هو الدليل الأول ، فما الفرق بينهما ؟ قلنا : فى الدليل الأول بيان أن اللفظ الأول لو كان نصا لا يقبل التأويل عند الإطلاق ، فإن وصله بما يقيده يبطل تلك الدلالة ، كما لو قال : وقفت على زيد ، ثم قال : إن كان فقيرا فهذا لا يعد تفسيراً للفظ محتمل ، وإنما هو تقييد . وفى هذا الدليل بيان أن اللفظ الأول محتمل المعنيين ، ولا يجوز وصفه بظهور فى أحدهما إلا أن ينفصل عما بعده . فأما إذا اتصل بما بعده بين ذلك الوصل أحد المعنيين . ١٣٣ فقولكم : اللفظ الأول لا يخلو أن يكون ظاهراً فى أحدهما أو محتملا . قلنا : قبل تمامه لا يوصف بواحد من الثلاثة ، وإنما قد يوصف بالصلاح للمعانى الثلاثة . ولا يقال فيه : صرف للظاهر أصلا ، فإنه لا ظاهر لكلام لم يتم بعد ، وإنما ظاهر الكلام ما يظهر منه عند فراغ المتكلم . وبهذا يتبين منشأ الغلط فى عموم اللفظ الأول؛ فإن قوله : على أولادي ثم على أولادهم . عام فى أولاد أولاده بلا تردد. فلا يجوز إخراج أحد منهم. وهو مقتض للترتيب أيضا؛ فإن الأولاد مرتبون على أولاد الأولاد لكن ما صفة هذا العموم : أهو عموم التفسير والتوزيع المقتضى لمقابلة كل فرد بفرد ؟ أو عموم الشياع المقتضى لمقابلة كل فرد بكل فرد ؟ ومن ادعى أن اللفظ صريح فى هذا بمعنى أنه نص فيه فهو جاهل بالأدلة السمعية والأحكام الشرعية ، خارج عن مناهج العقول الطبيعية ؛ ومن سلم صلاح اللفظ لهما ؛ وادعى رجحان أحدهما عند انقطاع الكلام : لم ننازعه فإنها ليست مسئلتنا ؛ وإن نازع فى رجحان المعنى الأول بعد تلك الصلة فهو أيضا مخطئ قطعا . وهذه حجة عند مثبتى المفهوم ونفاته ؛ كالوجه الأول ؛ فإن نافى المفهوم يقول : المسكوت لم يدخل فى الثانى ؛ لكن إن دخل فى الأول عملت به؛ ونسلم أنه إذا غلب على الظن أو إذا علم أن لا موجب للتخصيص سوى الاختصاص بالحكم : كان المفهوم دليلا . فإذا تأمل قوله : ١٣٤ على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لأهل طبقته . قال إن كان مراد الواقف عموم الشياع كان هذا اللفظ مقيدا لبيان مراده ، ومتى دار الأمر بين أن تجعل هذه الكلمة مفسرة للفظ الأول ؛ وبين أن تكون لغوا : كان حملها على الإفادة والتفسير أولى ؛ لوجهين : أحدهما : أنى أعتبرها ؛ واعتبار كلام الواقف أولى من إهداره. والثانى : أجعلها بيانا للفظ المحتمل حينئذ؛ فأدفع بها احتمالا كنت أعمل به لولا هي ، وإذا كان الكلام محتملا لمعنيين كان المقتضى لتعيين أحدهما قائما ، سواء كان ذلك الاقتضاء مانعا من النقيض أو غير مانع . فإذا حملت هذا اللفظ على البيان كنت قد وفيت المقتضى حقه من الاقتضاء وصنت الكلام الذى يميز بين الحلال والحرام عن الإهدار والإلغاء . فأين هذا ممن يأخذ بما يحتمله أول اللفظ ويهدرآخره؛ وينسب المتكلم به إلى العي واللغو . والذى يوضح هذا أن قوله : على أنه. من صيغ الاشتراط، والتقييد والشرط إنما يكون لما يحتمله العقد ؛ مع أن إطلاقه لا يقتضيه . بيان ذلك أن قوله : بعت ، واشتريت . لا يقتضى أجلا ، ولارهنا ، ولا ضمينا ولا نقدا غير نقد البلد ، ولا صفة زائدة فى المبيع ؛ لكن اللفظ يحتمله بمعنى أنه صالح لهذا ولهذا ؛ لكن عند الإطلاق ينفى هذه الأشياء: فإن اللفظ لا يوجبها ، والأصل عدمها . فمتى قال : على أن ترهنى به ١٣٥ كذا كان هذا تفسيرا لقوله: بعتك بألف منزلة قوله : بألف متعلقة برهن . الوجه الثالث : أن قوله : على أنه من مات منهم عن غير ولد كان ء نصيبه لذوى طبقته . دليل على ان من مات منهم عن ولد لم يكن نصيبه لذوى طبقته . وهذه دلالة المفهوم ؛ وليس هذا موضع تقريرها ؛ لكن نذكر هنا نكتا تحصل المقصود . أحدها : أن القول بهذه الدلالة مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا : من المالكية ، والشافعية ، والحنبلية ؛ بل هو نص هؤلاء الأئمة ، وإنما خالف طوائف من المتكلمين مع بعض الفقهاء . فيجب أن يضاف إلى مذاهب الفقهاء ما يوافق أصولهم . فمن نسب خلاف هذا القول إلى مذهب هؤلاء كان مخطئا . وإن كان بما يتكلم به مجتهدا فيجب أن يحتوى على أدوات الاجتهاد . ومما يقضى منه العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة فى كلام الشارع دون كلام الناس ؛ بمنزلة القياس . وهذا خلاف إجماع الناس ؛ فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ . أو قائل أنه ليس من جملتها . أما هذا التفصيل فحدث . ثم القائلون بأنه حجة إنما قالوا هو حجة فى الكلام مطلقا ؛ واستدلوا على كونه حجة بكلام الناس . وبما ذكره أهل اللغة ؛ وبأدلة عقلية ١٣٦ تبين لكل ذى نظر أن دلالة المفهوم من جنس دلالة العموم والإطلاق والتقييد ، وهو دلالة من دلالات اللفظ . وهذا ظاهر فى كلام العلماء ، والقياس ليس من دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة ، وإنما يصير دليلا بنص الشارع ؛ بخلاف المفهوم ؛ فإنه دليل فى اللغة ؛ والشارع بين الأحكام بلغة العرب . الثانى : أن هذا المفهوم من باب مفهوم الصفة الخاصة المذكورة بعد الاسم العام ، وهذا قد وافق عليه كثير ممن خالف فى الصفة المبتدأة حتى إن هذا المفهوم يكون حجة فى الاسم غير المشتق ؛ كما احتج به الشافعى وأحمد فى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجداً)) ((وجعلت تربتها طهوراً)). وذلك أنه إذا قال: الناس رجلان مسلم وكافر فأما المسلم فيجب عليك أن تحسن إليه. علم بالاضطرار أن المتكلم قصد تخصيص المسلم بهذا الحكم : بخلاف ما لو قال ابتداء : يجب عليك أن يحسن إلى المسلم . فإنه قد يظن أنه إنما ذكره على العادة ، لأنه هو المحتاج إلى بيان حكمه غالبا؛ كما فى قوله: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه)) وكذلك ((فى الإبل السائمة الزكاة)) أقوى من قوله ((فى السائمة الزكاة)) لأنه إذا قال ((فى الإبل السائمة)) فلو كان حكمها مع السوم وعدمه سواء لكان قد طول اللفظ ونقص المعنى ١٣٧ أما إذا قال: ((فى السائمة)) فقد يظن أنه خصها بالذكر لكونها أغلب الأموال ، أو لكون الحاجة إلى بيانها أمس ، وهذا بين ، كذلك هنا إذا كان مقصوده انتقال نصيب الميت إلى طبقته مع الولد وعدمه . فلو قال : فمن مات منهم كان نصيبه لذوي طبقته . كان قد عمم الحكم الذى أراده ؛ واختصر اللفظ . فإذا قال : فمن مات منهم عن غير ولد ولا نسل ولا عقب كان ما كان جاريا عليه من ذلك لمن فى درجته وذوى طبقته . كان قد طول الكلام ونقص المعنى ؛ بخلاف ما إذا حمل فى ذلك على الاختصاص بالحكم ؛ فإنه يبقى الكلام صحيحا معتبرا والواجب اعتبار كلام المصنف ما أمكن . ولا يجوز الغاؤه بحال مع إمكان اعتباره . الوجه الثالث : أن نفاة المفهوم لإ مكان أن يكون للتخصيص بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم : إما عدم الشعور بالمسكوت ، أو عدم قصد بيان حكمه ، أو كون المسكوت أولى بالحكم منه ، أوكونه مساويا له فى بادئ الرأى ، أو كونه سئل عن المنطوق ، أو كونه قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق ، أوكون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق ، أو كون الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق ، فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ويحوها على أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم. ١٣٨ ولهذا كان نفاة المفهوم يحتجون فى مواضع كثيرة بمفهومات ؛ لأنهم لا عنعون أن يظهر قصد التخصيص فى بعض المفهومات . وهذا من هذا الباب ؛ فإن قوله : من مات منهم عن غير ولد . قد يشعر بالقسمين ، وله مقصود فى بيان الشرط؛ وليس هذا من باب التنبيه ؛ فإنه إذا جعل نصيب الميت ينتقل إلى إخوته عند عدم ولده لم يلزم أن ينقله إليهم مع وجود ولده والحاجة داعية إلى بيان النوعين ؛ بل لو كان النوعان عنده سواء - وقدخص بالذكر حال عدم الوالد - لكان ملبسا معميا ؛ لأنه يوهم خلاف ما قصد بخلاف ما إذا حمل على التخصيص . الرابع : أن الوصف إذا كان مناسبا اقتضى العملية . وكون الميت لم يخلف ولدا مناسب لنقل حقه إلى أهل طبقته ، فيدل على أن علة النقل إلى ذوى الطبقة الموت عن غير ولد ، فيزول هذا بزوال علته ، وهو وجود الولد . الخامس : أن كل من سمع هذا الخطاب فهم منه التخصيص ، وذلك يوجب أن هذا حقيقة عرفية . إما أصلية لغوية ، أو طارئة منقولة . وعلى التقديرين يجب حمل كلام المتصرفين عليها باتفاق الفقهاء . واعلم أن إثبات هذا فى هذه الصورة الخاصة لا يحتاج إلى بيان كون المفهوم دليلا ؛ لأن المخالف فى المفهوم إنما يدعى سلب العموم عن المفهومات ١٣٩ لا عموم السلب فيها ؛ فقد يكون بعض المفهومات دليلا لظهور المقصود فيها . وهذا المفهوم كذلك ؛ بدليل فهم الناس منه ذلك ، ومن نازع فى فهم ذلك فإما فاسد العقل أو معاند . وإذا ثبت أن هذا الكلام يقتضى عدم الانتقال إلى ذوى الطبقة مع وجود الأولاد ، فإما أن لا يصرف إليهم ولا إلى الأولاد ؛ وهو خلاف قوله : على أولادهم ، ثم على أولاد أولادهم أبدا ما تناسلوا . أو يصرف إلى الأولاد فهو المطلوب . فإن قيل : قد يسلم أن المفهوم دليل ؛ لكن قد عارضه اللفظ الصريح ء ء أولا ، أو اللفظ العام : فلا يترك ذلك الدليل لأجل المفهوم . قيل : عنه أجوبة . أحدها : أن اللفظ الأول لا دلالة فيه بحال على شىء ، لأن اللفظ إنما يصير دليلا إذا تم وقطع عما بعده . أما إذا وصل بما بعده فإنه يكون جزءاً من الدليل ؛ لا دليلا . وجزء الدليل ليس هو الدليل . ومن اعتقد أن الكلام المتصل بعضه ببعض يعارض آخره المقيد أوله المطلق فما درى أي شيء هو تعارض الدليلين ؟ ! . الثاني : أن اللفظ الأول لو فرض تمامه ليس بصريح . كما تقدم بيانه بل هو محتمل المعنيين . وأما كونه عاما فمسلم لكنا لا يخصه ، بل نبقيه على ١٤٠