النص المفهرس

صفحات 101-120

وإن شئت قلت : لأنه جار ومجرور متصل بالفعل ، والجار والمجرور مفعول
فى النفى، وذلك مقيد للفعل. وإن شئت قلت : لأنه كلام لم يستقل بنفسه ،
فيجب ضمه إلى ما قبله . وإن شئت قلت : لأن الكلام الأول لم يسكت عليه
المتكلم حتى وصله بغيره ، وصلة الكلام مقيدة له . وكل هذه القضايا معلومة
بالاضطرار فى كل لغة .
بيان الثانية : أن الكلام متى اتصل به صفة أو شرط أو غير ذلك من
الألفاظ التى تغير موجبه عند الإطلاق وجب العمل بها ، ولم يجز قطع ذلك
الكلام عن تلك الصفات المتصلة به . وهذا مما لا خلاف فيه أيضا بين الفقهاء
بل ولا بين العقلاء . وعلى هذا تنبنى جميع الأحكام المتعلقة بأقوال المكلفين
من العبادات والمعاملات : مثل الوقف ، والوصية ، والإقرار، والبيع ، والهبة
والرهن ، والإجارة والشركة، وغير ذلك .
ولهذا قال الفقهاء : يرجع إلى لفظ الواقف فى الإطلاق والتقييد. ولهذا
لو كان أول الكلام مطلقا أو عاما ووصله المتكلم بما يخصه أو يقيده كان
الاعتبار بذلك التقييد والتخصيص ، فإذا قال: وقفت على أولادى . كان عاما.
فلو قال الفقراء، أو العدول، أو الذكور. اختص الوقف بهم ؛ وإن كان
أول كلامه عاما .
وليس لقائل أن يقول: لفظ الأولاد عام، وتخصيص أحد النوعين
بالذكر لا ينفى الحكم عن النوع الآخر ؛ بل العقلاء كلهم مجمعون على أنه
١٠١

قصر الحكم على أولئك المخصوصين فى آخر الكلام - مثبتو المفهوم ونفاعه
- ويسمون هذا ((التخصيص المتصل)). ويقولون: لما وصل اللفظ العام
بالصفة الخاصة صار الحكم متعلقا بذلك الوصف فقط، وصار الخارجون عن ذلك
الوصف خارجين عن الحكم. أما عند نفاة المفهوم فلأنهم لم يكونوا يستحقون
شيئا إلا إذا دخلوا فى اللفظ ؛ فلما وصل اللفظ العام بالصفة الخاصة أخرجهم
من اللفظ ؛ فلم يصيروا داخلين فيه ؛ فلا يستحقون . فهم ينفون استحقاقهم
لعدم موجب الاستحقاق . وأما عند مثبتى المفهوم فيخرجون لهذا المعنى
ولمعنى آخر ، وهو أن تخصيص أحد النوعين بالذكر يدل على قصد تخصيصه
بالحكم، وقصد تخصيصهم بالحكم ملتزم لنفيه عن غيرهم. فهم يمنعون استحقاقهم
لانتفاء موجبه . ولقيام مانعه .
وكذلك لو قيد المطلق مثل أن يقول: وقفت على أولادى على أنهم
يعطون إن كانوا فقراء. أو على أنهم يستحقون إذا كانوا فقراء. أو وقفت
على أولادى على أنه يصرف من الوقف إلى الموجودين منهم إذا كانوا فقراء.
ووقفت على أنه من كان فقيرا كان من أهل الوقف . فإن هذا مثل قوله :
وقفت على أولادى على الفقراء منهم ؛ أو بشرط أن يكونوا فقراء؛ أو إن
كان فقيرا .
ولو قال: وقفت على بناتى على أنه من كانت أما أعطيت، ومن تزوجت
ثم طلقها زوجها أعطيت ؛ فإن هذا مثل قوله : وقفت على
١٠٢

بناتى على الأيامى منهن؛ فإن صيغة ((على)) من صيغ الاشتراط، كما قال.
( إِنّ أُرِيدُ أَنْ أَنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ ).
واتفق الفقهاء أنه لو قال : زوجتك بنتى على ألف : أو على أن
تعطيها ألفاً ؛ أو على أن يكون لها فى ذمتك ألف: كان ذلك شرطاً ثابتاً
وتسميته صحيحة ، وليس فى هذا خلاف ، وقد أخطأ من اعتقد أن فى
مذهب الإمام أحمد أو غيره خلافاً فى ذلك ؛ من أجل اختلافهم فيما إذا قال
لزوجته : أنت طالق على ألف ، أو لعبده : أنت حر على ألف ، فلم تقبل
الزوجة والعبد ؛ فإنه فى إحدى الروايتين عن أحمد يقع العتق والطلاق ؛
فإنه ليس مأخذه أن هذه الصيغة ليست للشرط ؛ فإنه لايختلف مذهبه أنه
لو قال : خلعتك على ألف ، أو كاتبتك على ألف ، أو زوجتك على ألف
أو قال: بعتك هذا العبد على أن ترهني به كذا ، أو على أن يضمنه زيد ،
أو زوجتك بنتي على أنك حر : أن هذه شروط صحيحة ، ولاخلاف فى ذلك
بين الفقهاء كلهم .
وإنما المأخذ أن العتق والطلاق لا يفتقران إلى عوض ، ولم يعلق الطلاق
بشرط ؛ وإنما شرط فيه شرطا ، وفرق بين التعليق على الشرط وبين الشرط
فى الكلام المنجز ؛ ولهذا لا يصح كثير من التصرفات المعلقة مع صحة
الاشتراط فيها ؛ وهذه الصفة قد تعذر وجودها ، والطلاق
١٠٣

الموصوف إذا فاتت صفته هل يفوت جميعه ؟ أويثبت هو دون الصفة ؟
فيه اختلاف .
إذا تبين أن قوله : على أنه من توفى منهم . شرط حكمى ، ووصف
معنوى للوقف المذكور ؛ وأنه يجب اعتباره والعمل بموجبه ؛ فمعلوم أنه
إذا اعتبر القيد المذكور فى الكلام كان انتقال نصيب المتوفى إلى ذوى
طبقته مشروطا بعدم ولده ، وأن الواقف لم يصرف إليهم نصيب المتوفى فى
هذه الحال ، ومعلوم حينئذ أنه لا يجوز صرف نصيب المتوفى إليهم فى ضد
هذه الحال، وهو ما إذا كان له ولد ، وهو المطلوب .
وعلم أن هذا ثابت باتفاق الفقهاء ؛ بل والعقلاء القائلين بالمفهوم ، والنافين
له ؛ فإن صرف الوقف إلى غير من صرفه إليه الواقف حرام ؛ وهو لم يصرفه
إليهم . فهذا المنع لانتفاء الموجب متفق عليه ، ولأنه قد منح صرفه إليهم
وهذا المنع لوجود المانع مختلف فيه . وتقدير الكلام: وقفت على أولادى
ثم على أولادهم بشرط أن ينتقل نصيب المتوفى منهم إلى أهل طبقته إذا كان قد
توفی عن غیر ولد .
وليس يختلف أحد من الفقهاء فى أن هذا الباب يقصر على القيود المذكورة
وإنما يغلط هنا من لم يحكم دلالات الألفاظ اللغوية ، ولم يميز بين أنواع
أصول الفقه السمعية ، ولم يتدرب فيما علق بأقوال المكلفين من الأحكام
٠٠
١٠٤

الشرعية ، ولاهو جرى فى فهم هذا الخطاب على الطبيعة العربية ، والفطرة
السليمة النقية ، فارتفع عن شأن العامة بحيث لم يدخل فى زمرتهم فيما
يفهمونه فى عرف خطابهم ، وانحط عن أوج الخاصة ، فلم يهتد للتمييز
بين المشتبهات فى الكلام ، حتى تقر الفطر على مافطرها عليه الذى أحسن كل
شىء خلقه ؛ والحمق أدى به إلى الخلاص من كناسة بترا . ومن أحكم العلوم
حتى أحاط بغاياتها رده ذلك إلى تقرير الفطر على بداياتها ، وإنما بعثت الرسل
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ
التكميل الفطرة؛لالتغييرها
لِخَلْقِ اللَّهِ ) .
ومعلوم أن كل من سمع هذا الكلام من أهل اللسان العربى خاصتهم
وعامتهم لم يفهموا منه إلا إعطاء أهل طبقة المتوفى بشرط أن لا يكون للمتوفى
ولد ، ويعقلون أن هذا الكلام واحد متصل بعضه ببعض . وإنما نشأ غلط
الغالط من حيث توهم أن الكلام الأول فيه عموم ، والكلام الثانى قد خص
أحد النوعين بالذكر ، فيكون من ((باب تعارض العموم
والمفهوم)).
ثم قد يكون ممن نظر فى كتب بعض المتكلمين أو بعض الفقهاء
الذين لا يقولون بدلالة المفهوم ، وإذا قالوا بها رأوا دلالة العموم راجحة
عليها ، لكون الخلافات فيها أضعف منه فى دلالة المفهوم ، فإنه لم يخالف
فى العموم إلا شرذمة لا يعتد بهم ، وقد خالف فى المفهوم طائفة من الفقهاء
١٠٥

وطوائف من أهل الكلام ، حتى قد يتوم من وقع له هذا أنه لا ينبغى
أن يترك صريح الشرط أو عمومه لمفهوم الصفة مع ضعفه . فنعوذ بالله من
العمى فى البصيرة ، أو حول يرى الواحد اثنين ؛ فإن الأعمى أسلم حالا فى
إدراكه من الأحول إذا كان مقلداً للبصير، والبصير صحيح الإدراك. ولولا
خشية أن يحسب حاسب أن لهذا القول مساغا، أو أنه قد يصح على أصول
بعض الفقهاء لكان الإضراب عن بيانه أولى .
فيقال : هذا الذى تكلم الناس فيه من دلالة المفهوم هل هى حجة
أم لا ؟ وإذا كانت حجة ، فهل يخص بها العام أم لا ؟ إنما هو فى كلامين
منفصلين من متكلم واحد ، أو فى حكم الواحد ، ليس ذلك فى كلام واحد
متصل بعضه ببعض ؛ ولا فى كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما . فهنا
ثلاثة أقسام .
أحدها : كلامان من متكلم واحد أو فى حكم الواحد . وإنما ذكرنا
ذلك ليدخل فيه إذا كان أحدهما كلام الله والآخر كلام رسوله ؛ فإن حكم
ذلك حكم مالو كانا جميعا من كلام الله أو كلام رسوله: مثل قوله صلى الله
عليه وسلم: ((الماء طهور لا ينجسه شىء)) مع قوله ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل
الحبت )) فإن المتكلم بهما واحد صلى الله عليه وسلم ، وهما كلامان . فمن قال:
إن المفهوم حجة يخص به العموم خص عموم قوله : ((الماء طهور لا ينجسه
شىء)) بمفهوم ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الحبث)) مع أن مفهوم العدد
١٠٦

أضعف من مفهوم الصفة . وهذا مذهب الشافعى ، وأحمد فى المشهور عنه
وغيرهما . ومن امتنع من ذلك قال: قوله: ((الماء طهور)) عام، وقوله:
((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)) هو بعض ذلك العام ، وهو موافق له فى حكمه
فلا تترك دلالة العموم لهذا .
وكذلك قوله فى كتاب الصدقة الذى أخرجه أبو بكر («فى الإبل فى
خمس منها شاة)) إلى آخره. مع قوله فى حديث آخر ((فى الإبل السائمة
فى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة)) ونظائره كثيرة: منها
ماقد اتفق الناس على ترجيح المفهوم فيه: مثل قوله: ((جعلت لي الأرض
مسجدا وطهوراً)) مع قوله ((جعلت لى كل أرض طيبة مسجدا وطهورا))
فإنه لاخلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور . ومنها ما قد اختلفوا فيه ،
كقوله فى هذا الحديث: ((وجعلت تربتها لى طهورا)) فإن الشافعى وأحمد
وغيرهما جعلوا مفهوم هذا الحديث مخصصًاً لقوله ((جعلت لى كل أرض طيبة
طهورا)). ومنها ماقد اتفقوا على تقديم العموم فيه كقوله: (وَلَ نَقْرَبُواْ مَالَ
الْيَنِيِمِ إِلَّا بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ) مع قوله: (وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ )
فإن أ كلها حرام سواء قصد بداراً كبر اليتيم أولا .
وقد اختلف الناس فى هاتين الدلالتين إذا تعارضتا . فذهب أهل الرأى
وأهل الظاهر ، وكثير من المتكلمين، وطائفة من المالكية ، والشافعية
١٠٧

والحنبلية : إلى ترجيح العموم . وذهب الجمهور من المالكية، والشافعية
والحنبلية ، وطائفة من المتكلمين : إلى تقديم المفهوم ، وهو المنقول
صريحاً عن الشافعى وأحمد وغيرهما . والمسئلة محتملة ، وليس هذا موضع
تفصيلها ؛ فإنها ذات شعب كثيرة، وهى متصلة بمسئلة (( المطلق، والمقيد))
وهى غمرة من غمرات ((أصول الفقه)) وقد اشتبهت أنواعها على كثير من
السامحین فیه .
لكن المقصود أن مسئلتنا ليست من هذا الباب ، مع أنها لو كانت
منه لكان الواجب على من يفتى بمذهب الشافعى وأحمد أن يبنى هذه المسئلة
على أصولهما ، وأصول أصحابهما ، دون ما أصله بعض المتكلمين الذين
لم يمعنوا النظر فى آيات الله . ودلائله: التى بينها فى كتابه ، وعلى لسان
رسوله ، ولا أحاطوا علماً بوجوه الأدلة ، ودقائقها ، التى أودعها الله فى وحيه
الذى أنزله ، ولاضبطوا وجوه دلالات اللسان الذى هو أبين الألسنة ، وقد
أنزل الله به أشرف الكتب.
وإنما هذه المسئلة هى من القسم الثانى ، وهو أن يكون كلام واحد
متصل بعضه ببعض، آخره مقيد لأوله: مثل مالو قال: ((الماء طهور
لا ينجسه شىء إذا بلغ قلتين)) أو يقول: ((الماء طهور إذا بلغ قلتين
١٠٨

لا ينجسه شىء)) أو يقول: ((فى كل خمس من الإبل شاة، وفى عشر
شاتان، تُجب هذه الزكاة فى الإبل السائمة)) كما قال: (وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ
فأطلق وعمم ، ثم قال فى
طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ )
آخره: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ) فإنه لا خلاف بين الناس أن هذا
الكلام لا يؤخذ بعموم أوله، بل إنما تضمن طهارة القلتين فصاعدا، ووجوب
الزكاة فى السائمة .
لكن نفاة المفهوم يقولون : لم يتعرض لماسوى ذلك بنفى ولا إثبات
فنحن ننفيه بالأصل ، إلا أن يقوم دليل ناقل عن الأصل . والجمهور يقولون بل
ننفيه بدليل هذا الخطاب الموافق للأصل .
ومما يوضح الفرق بين الكلام المتصل والمنفصل : أن رجلا لو قال :
وصيت بهذا المال للعلماء يعطون منه إذا كانوا فقراء . ولو قال : مرة :
وصيت به للعلماء ، ثم قال : أعطوا من مالي للعلماء إذا كانوا فقراء . فهنا
يقال تعارض العموم والمفهوم ؛ لكن مثل هذا لا يجىء فى الوقف ، فإنه إذا
وقف على صفة عامة أو خاصة لم يمكن تغييرها ؛ بخلاف الوصية ، ولو فسر
الموصى لفظه بما يخالف ظاهره قبل منه ؛ بخلاف الواقف . ولهذا قلنا :
إن تقييد هذا الكلام بالصفة المتأخرة واجب عند جميع الناس القائلين
بالمفهوم ونفاته ، فإن هذا ليس من هذا الباب ، وإنما هو من باب الكلام
المقيد بوصف فى آخره .
١٠٩

القسم الثالث . أن يكون فى كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما:
مثل شاهدين شهدا أن جميع الدار لزيد ، وشهد آخران أن الموضع الفلانى
منها لعمرو ، فإن هاتين البينتين يتعارضان فى ذلك الموضع، ولا يقول أحد :
أنه يبنى العام على الخاص هنا . وقد غلط بعض الناس مرة فى مثل هذه المسألة
فرأى أنه يجمع بين البينتين ، لأنه من باب العام والخاص ، كما غلط بعضهم
فى القسم الثانى فألحقوه بالأول .
ومن نور الله قلبه فرق بين هذه الأقسام الثلاثة ، وعلم أن الفرق بينها
ثابت فى جميع الفطر ، وإنما خاصة العلماء إخراج ما فى القوة إلى الفعل ،
فلو سلم أن الكلام الأول عام أو مطلق فقد وصل بما يقيده ويخصصه ، وقد
أطبق جميع العقلاء على أن مثل هذا مخصوص مقيد، وليس عاماً ولامطلقاً .
ففرق - أصلحك الله - بين أن يتم الكلام العام المطلق فيسكت عليه
ثم يعارضه مفهوم خاص أو مقيد ، وبين أن يوصل بما يقيده ويخصصه .
ألست تعلم أن جميع الأحكام مبنية على هذا ؟ فإنه لو حلف وسكت
سكوتاً طويلا ، ثم وصله باستثناء أو عطف أو وصف أو غير ذلك
لم يؤثر. فلو قال : والله لا أسافر، ثم سكت سكوتاً طويلا، ثم
قال : إن شاء الله . أو قال : إلى المكان الفلانى . أو قال :
ولا أتزوج. أو قال: لا أسافر راجلا. لم تتقيد اليمين بذلك. ولو
حلف مرة : لا أسافر ، ثم حلف مرة ثانية: لا يسافر راجلا. لم تقيد
١١٠

اليمين الأولى بقيد الثانية . ولو قال : لا أسافر راجلا . لتقيدت يعينه بذلك
بالاتفاق .
فلما قال هنا : وقفت على أولادى ، ثم على أولادهم ، ثم على أولاد
أولاده : على أنه من توفى منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوى طبقته :
صار المعنى وقفت وقفاً مقيداً بهذا القيد المتضمن انتقال نصيب المتوفى إلى
أهل طبقته بشرط عدم ولده . وصار مثل هذا أن يقول : وقفت على ولدى
وولد ولدى ونسلى وعقبى: على أن الأولاد يستحقون هذا الوقف بعد
ـتحقاق الأولاد
موت آبائهم . أفليس كل فقيه يوجب أن اسـ
مشروط بموت الآباء ؟ وأنه لو اقتصر على قوله : على ولدى وولد ولدى
اقتضى التشريك ؟
ويوضح هذه المسألة التى قد يظن أنها مثل هذه أنه لو وقف على زيد
وعمرو وبكر ، ثم على المساكين : لم ينتقل إلى المسا كين شىء حتى
يموت الثلاثة ، هذا هو المشهور . فلو قال فى هذه الصورة : وقفت على
زيد وعمر وبكر ، ثم على المساكين : على أنه من مات من الثلاثة انتقل
نصيبه إلى الآخرين إذا لم يكن فى بلد الوقف مسكين . أو قال : على
أنه من مات من الثلاثة ولم يوجد من المساكين أحد انتقل نصيبه
إلى الآخرين . أو يقول : على أنه من مات من الثلاثة انتقل نصيبه إلى
الآخرين إن كانا فقيرين . أو إن كانا مقيمين ببلد الوقف ، ونحو
١١١

ذلك . أفليس كل فقيه ؛ بل كل عاقل يقضى بأن استحقاق الباقين النصيب
المتوفى مشروط بهذا الشرط ؟ وأن هذا الشرط الذى تضمنه الكلام يجب
الرجوع إليه ؛ فإن الكلام إنما يتم بآخره ، ولا يجوز اعتبار الكلام المقيد
دون مطلقه ، وهذا مما قد اضطر الله العقلاء إلى معرفته ، إلا أن يحول بين
البصيرة وبين الإدراك مانع ، فيفعل الله ما يشاء. ومسألتنا أوضح
من هذه الأمثلة .
ومثال ذلك أن يقول : وقف على أولادى ، ثم على أولادهم ، على أنه
من مات منهم وهو عدل انتقل نصيبه إلى ولده . فهل يجوز أن ينتقل الوقف
إلى الولد ، سواء كان الميت مسلما أو كافراً ، وسواء كان عدلا أو فاسقاً
فمن توم أنه ينتقل إليه لاندراجه فى اللفظ العام قيل له : اللفظ العام
لم ينقطع ويسكت عليه حتى يعمل به ؛ وإنما هو موصول بما قيده
وخصصه . ولا يجوز أن يعتبر بعض الكلام الواحد دون بعض، وهذا
ـل الله له نوراً فماله
أبين من فلق الصبح؛ ولكن من لم يجعــ
من نور .
ومن أراد أن يبهر المتكلم فى هذا فليكثر من النظائر التى يصل
فيها الكلام العام أو المطلق بما يخصه ويقيده : مثل أن تقول : وقفت على
الفقهاء على أنه من حضر الدرس صبيحة كل يوم استحق . أو وقفت على
الفقراء على أنه من جاور بالحرمين منهم استحق . أو تقول : على أن
١١٢

بجاور بأحد الحرمين . أو على أن الفقهاء يشهدون الدرس فى كل غداة .
ونحو ذلك من النظائر التى تفوت العدد والإحصاء .
ومما يغلط فيه بعض الأذهان فى مثل هذا أن يحسب أن بين أول
الكلام وآخره تناقضاً أو تعارضًاً . وهذا شبهة من شبهات بعض الطماطم
من منكرى العموم ؛ فإنهم قالوا : لو كانت هذه الصيغ عامة لكان
الاستثناء رجوعا أو نقضاً . وهذا جهل ؛ فإن ألفاظ العدد نصوص مع
جواز ورود الاستثناء عليها، كما قال تعالى: (فَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمْسِينَ عَامًا ) وكذلك النكرة فى الموجب مطلقة مع جواز تقييدها فى مثل
قوله: ( فَتَحْرِبُرُرَقَبَةٍ ) .
وإنما أتي هؤلاء من حيث توهموا أن الصيغ إذا قيل : هى عامة :
قيل: إنها عامة مطلقاً. وإذا قيل : إنها عامة مطلقا ، ثم رفع بالاستثناء
بعض موجبها : فقد اجتمع فى ذلك المرفوع العموم المثبت له ، والاستثناء
النافى له . وذلك تناقض ، أو رجوع .
فيقال لهم : إذا قيل : هى عامة فمن شرط عمومها أن تكون منفصلة
عن صلة مخصصة ، فهى عامة عند الإطلاق ؛ لا عامة على الإطلاق . واللفظ
الواحد تختلف دلالته بحسب إطلاقه وتقييده ؛ ولهذا أجمع الفقهاء
أن الرجل لو قال : له ألف درهم من النقد الفلانى. أو مكسرة .
١١٣

أو سود، أو ناقصة، أو طبرية ، أو ألف إلا خمسين ، ونحو ذلك:
كان مقراً بتلك الصفة المقيدة . ولو كان الاستثناء رجوعا لما قبل فى الإقرار ؛
إذ لا يقبل رجوع المقر فى حقوق الآدميين .
وكثيراً ما قد يغلط بعض المتطرفين من الفقهاء فى مثل هذا المقام ،
فإنه يسأل عن شرط واقف ، أو يمين حالف ، ونحو ذلك : فيرى أول
الكلام مطلقاً أو عاما ، وقد قيد فى آخره . فتارة يجعل هذا من باب
تعارض الدليلين ، ويحكم عليهما بالأحكام المعروفة للدلائل المتعارضة من
التكافؤ والترجيح . وتارة يرى أن هذا الكلام متناقض ؛ لاختلاف
آخره، وأوله. وتارة يتلدد تلدد المتحير ، وينسب الشاطر إلى فعل المقصر.
وربما قال : هذا غلط من الكاتب . وكل هذا منشؤه من عدم التمييز بين
الكلام المتصل والكلام المنفصل . ومن علم أن المتكلم لا يجوز اعتبار أول
كلامه حتى يسكت سكوتاً قاطعا ، وأن الكاتب لا يجوز اعتبار كتابه
حتى يفرغ فراغا قاطعا : زالت عنه كل شبهة فى هذا الباب ، وعلم صحة
ما تقوله العلماء فى دلالات الخطاب.
ومن أعظم التقصير نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح
كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس ، ثم يعتبر أحد
الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر ، فلو جاز أن يقال : قوله : على
أنه من مات منهم عن غير ولد . غلط ، لم يكن ذلك بأولى من أن
١١٤

يقال: قوله: ((ثم)) هو الغلط؛ فإن الغلط فى تبديل حرف بحرف
بالنسبة إلى الكاتب أولى من الغلط بذكر عدة كلمات ؛ فإن قوله : عن غير
ولد، ولا ولد ولد ، ولا نسل ، ولا عقب، مشتمل على أكثر من عشر كمات.
ثم من العجب أن يتوم أن هذا توكيد؛ والمؤكد إنما يزيح الشبهة؛
فكان قوله : من مات منهم عن ولد. أولى من قوله : من مات منهم عن غير
ولد. إذا كان الحكم فى البابين واحدا، وقصد التوكيد؛ فإن نقل نصيب
الميت إلى إخوته مع ولده تنبيه على نقله إليهم مع عدمهم. أما أن يكون
التوكيد بيان الحكم الجلى دون الخفى فهذا خروج عن حدود العقل والكلام.
ثم التوكيد لا يكون بالأوصاف المقيدة للموصوف ؛ فإنه لو قال : أكرم
الرجال المسلمين . وقال: أردت إكرام جميع الرجال، وخصصت المسلمين
بالذكر توكيدا، وذكرهم لا ينفى غيرم بعد دخولهم فى الاسم الأول: لكان
هذا القول ساقطا غير مقبول أصلا ؛ فإن المسلمين صفة للرجال ؛ والصفة
تخصص الموصوف، فلا يبقى فيه عموم ؛ لكن لو قال : أكرم الرجال
والمسلمين - بحرف العطف ، مع اتفاق الحكم فى المعطوف والمعطوف عليه
وكونه بعضه - لكان توكيدا ؛ لأن المعطوف لا يجب أن يقيد المعطوف
عليه ويخصصه ؛ لما بينهما من المغايرة الحاصلة بحرف العطف ؛ بخلاف الصفات
١١٥

ونحوها فإنها مقيدة ؛ وكذلك بعض أنواع العطف؛ لكن ليس هذا موضع
تفصيل ذلك ؛ ولهذا فرق الفقهاء بين العطف المغير وغير المغير فى ((باب
الإقرار، والطلاق، والعقود )).
ومن رام أن يجعل الكلام معنى صحيحا قبل أن يتم لزمه أن يجمل أول
كلمة التوحيد كفراً وآخرها إيمانا ؛ وأن المتكلم بها قد كفر ؛ ثم آمن.
فنعوذ بالله من هذا الخبال. وإن كان قد نقل عن بعض الناس أنه قال : ما
كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟ فقيل له: ما هى؟ فقال: كلمة الإخلاص.
قلت قصد بذلك أن أولها لو سكت عليه كان كفرا ؛ ولم يرد أنها كفر مع
اتصالها بالاستثناء ؛ فإنه لوأراد هذا لكان قد كفر .
ولهذا قال المحققون : الاستثناء تكلم بما عدا المستثنى. وغلط بعضهم
فظن أنه إذا قال: ألف إلا خمسين. كانت الألف مجازاً؛ لأنه مستعمل فى غير
ما وضع له ؛ لأنه موضوع لجملة العدد ؛ ولم يرد المتكلم ذلك . فيقال له : هو
موضوع له إذا كان منفردا عن صلة ؛ وذلك الشرط قد زال. ثم يقال له : إنما
فهم المعنى هنا بمجموع قوله: ألف إلا خمسين؛ لا بنفس الألف . فصارت
هذه الألفاظ الثلاثة هى الدالة على تسعمائة وخمسين . وهذه شبهة من رأى أن
هـ
العام المخصوص بخصيصا متصلا مجاز. كالعام المخصوص بخصيصا منفصلا
عند كثير من الناس
١١٦

وسياق هذا القول يوجب أن كل اسم أو فعل وصل بوصف؛ أو عطف
بيان؛ أو بدل؛ أو أحد المفعولات المقيدة، أو الحال، أو التمييز، أو نحو
ذلك : كان استعماله مجازا . وفساد هذا معلوم بالاضطرار، والفرق بين القرينة
اللفظية المتصلة باللفظ الدالة بالوضع وبين ما ليس كذلك من القرائن
الحالية والقرائن اللفظية التى لاتدل على المقصود بالوضع - كقوله: رأيت أسداً
يكتب، وبحرارا كبا فى البحر - وبين الألفاظ المنفصلة معلوم يقينا من
لغة العرب والعجم. ومع هذا فلا ريب عند أحد من العقلاء أن الكلام إنما
يتم بآخره؛ وأن دلالته إنما تستفاد بعد تمامه وكماله؛ وأنه لا يجوز أن يكون
أوله دالا دون آخره؛ سواء سمى أوله ((حقيقة، أو مجازا)) ولا أن يقال:
إن أوله يعارض آخره. فإن التعارض إنما يكون بين دليلين مستقلين،
والكلام المتصل كله دليل واحد ، فالمعارضة بين أبعاضه كالمعارضة بين أبعاض
الأسماء المركبة .
وهذا كلام بين، خصوصا فى (( باب الوقوف)) فإن الواقف يريد أن
يشرط شروطا كثيرة فى الموقوف والموقوف عليه: من الجمع، والترتيب
والتسوية، والتفضيل، والإطلاق، والتقيد: يحتمل سجلا كبيراً. ثم إنه لم
يخالف مسلم فى أنه لا يجوز اعتبار أول كلامه إطلاقا وعموما وإلغاء آخره، أو
يجعل ما قيده وفصله وخصصه فى آخر كلامه مناقضا أو معارضا لما صدر
١١٧

به كلامه من الأسماء المطلقة أو العامة ؛ فإن مثل هذا مثل رجل نظر
فى وقف قد قال واقفه: وقفت على أولادى، ثم على أولادهم. ثم قال بعد
ذلك: ومن شرط الموقوف عليهم أن يكونوا فقراء أو عدولا، ونحو ذلك
فقال: هذا الكلام متعارض : لأنه فى أول كلامه قد وقف على الجميع
وهذا مناقض لتخصيص البعض ، ثم يجعل هذا من ((باب الخاص والعام
ومن ((باب تعارض الأدلة )) فمعلوم أن هذا كله خبط؛ إذ التعارض فرع على
استقلال كل منهما بالدلالة ، والاستقلال بالدلالة فرع على انقضاء الكلام
وانفصاله، فأما مع اتصاله بما يغير حكمه فلا يجوز جعل بعضه دليلا مخالفا
لبعض . والله سبحانه يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه.
فإن قيل: قوله : على أنه من مات منهم . يجوز أن يكون شرطه الواقف
ليبين أن الوقف ينتقل إلى من بقى ؛ وأنه لا ينقطع فى وسطه ؛ فإن من الفقهاء
من قد خرج فى قوله : على ولدى، ثم على ولد ولدى إذا مات أحدهم ثلاثة
أقوال ؛ كما لأقوال الثلاثة فى قوله : على أولادى الثلاثة ، ثم على المساكين .
أحدها - وهو المشهور - أنه يكون للباقين من الطبقة العليا .
والثانى: أنه ينتقل إلى الطبقة الثانية؛ كما لو انقرضت الطبقة العليا .
١١٨

والثالث: أنه يكون مسكوتا، فيكون منقطع الوسط ؛ كما لو قال: وقفته
على زيد؛ وبعد موته بعشر سنين على المسا كين. وإذا كان انقطاعه فى وسط
عند موت الواحد محتملا، فقد ذكر الواقف هذا الشرط لينفى هذا الاحتمال
وإن كان هذا الشرط مقتضى الوقف على القول الأول ؛ ثم من الشروط ما
يكون مطابقا لمقتضى المدلول ؛ فيزيد موجبها توكيدا .
قلنا: سبحان الله العظيم هذا كلام من قد نأى عن موضع استدلالنا.
فإنا لم نستدل بصيغة الشرط المطلقة؛ وإنما استدللنا بما تضمنه الشرط من
التقييد؛ فإن هذا الكلام جيد لو كان الواقف قال : على أنه من مات منهم
انتقل نصيبه إلى ذوى طبقته. ولو قال هذا لم يكن فى المسئلة شبهة أن نصيب
الميت ينتقل إلى ذوى الطبقة مع الولد وعدمه من وجوه متعددة.
منها : أن هذا هو موجب الكلام الأول عند الإطلاق ولم يوصل بما
يغيره.
ومنها : أنه وصل ما وكد موجب مطلقه .
ومنها: أنه قد شرط ذلك شرطا نفى به الصرف إلى الطبقة الثانية ونفى
به الانقطاع ، سواء كان للميت ولد أو لم يكن.
وإنما صورة مسئلتنا أنه قال: على أنه من توفى منهم عن غير ولد
١١٩

ولا ولد ولد ولا نسل ولاعقب كان نصيبه لذوى طبقته. فجعل الانتقال إلىهم
مشروطا بموت الميت عن غير ولد . وهذا الشرط - كما أنه قد نفى به الانقطاع
فقد قيد به الانتقال إلى ذوى الطبقة ، واللفظ دال عليهما دلالة صريحة
فإفادته لإحديهما لا تنفى إفادته للأخرى، كما لو قال: وقفت على أولادى الثلاثة
ثم على المساكين : على أنه من مات منهم فى حياة الواقف صرف نصيبه إلى
من فى درجته . فهل يجوز أن يصرف نصيبه إلى ذوى الطبقة إذا مات بعد
موت الواقف. هذا لم يقله أحد فى هذه الصورة ؛ لكن قد يقال: إنه
مسكوت عن موته بعد موت الواقف ، فيكون منقطع الوسط .
والصواب الذى عليه الناس قديما وحديثا : أنه يكون للمساكين
لأن اللفظ اقتضى جعله الثلاثة؛ ثم للمساكين ، حيث لم يصرف إلى الثلاثة
تعين صرفه إلى المساكين ، لحصر الواقف الوقف فيها ، مع أن بحث
مسألتنا أظهر من هذه كما تقدم؛ بل لو فرض أن قائلا قد قال : إذا مات عن
غير ولد يكون منقطعاً، وإذا مات عن ولد لم يكن : لجاز أن يقال : هذا
الشرط لنفى احتمال الانقطاع ، ومع هذا فهو دال على التقييد ، كماذكرناه
فإنه يدل على صرف نصيب الميت عن غير ولد إلى طبقته ، وعلى عدم الصرف
إليهم مع الولد. فالدلالة الأولى تنفى الانقطاع، والدلالة الثانية توجب الاشتراك،
ولا منافاة بينهما .
١٢٠