النص المفهرس
صفحات 61-80
وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: ((لا سبق إلا فى نصل أو خف؛ أو حافر)) وعمل بهذا الحديث فقهاء الحديث ؛ ومتابعوم ، فنهى عن بذل المال فى المسابقة إلا فى مسابقة يستعان بها على الجهاد، الذى هو طاعة لله تعالى؛ فكيف يجوز أن يبذل الجمل المؤبد لمن يعمل دائماً عملا ليس طاعة لله تعالى . وهذه القاعدة معروفة عند العلماء ؛ لكن قد تختلف آراء الناس ، وأهواؤهم فى بعض ذلك ؛ ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة . ولكن من له هداية من الله تعالى لا يكاد يخفى عليه المقصود فى غالب الأمر . وتسمى العلماء مثل هذه الأصول ((تحقيق المناط)) وذلك كما أنهم جميعهم يشترطون العدالة فى الشهادة ؛ ويوجبون النفقة بالمعروف ؛ ونحو ذلك . ثم قد يختلف اجتهادهم فى بعض الشروط : هل هو شرط فى العدالة ؟ ويختلفون فى صفة الإنفاق بالمعروف . ونحن نذكر ما ينبه عن مثاله . أما إذا اشترط على أهل الرباط أو المدرسة أن يصلوا فيها الخمس الصلوات المفروضات ؛ فإن كانت فما فيه مقصود شرعي ؛ كما لو نذر أن يصلي فى مكان بعينه ؛ فإن كان فى تعيين ذلك المكان قربة وجب الوفاء به ؛ بأن يصلى فيه إذا لم يصل صلاة تكون مثل تلك؛ أو أفضل؛ وإلا ٦١ وجب الوفاء بالصلاة ؛ دون التعيين والمكان . والغالب أنه ليس فى التعيين مقصود شرعى . فإذا كان قد شرط عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس هناك فى جماعة اعتبرت الجماعة ؛ فإنها مقصود شرعي بحيث من لم يصل فى جماعة لم يف بالشرط الصحيح ؛ وأما التعيين فعلى ما تقدم . وأما اشتراط التعزب والرهبانية ؛ فالأشبه بالكتاب والسنة أنه لا يصح اشتراطه بحال ؛ لا على أهل العلم ؛ ولا على أهل العبادة ؛ ولا على أهل الجهاد ؛ فإن غالب الخلق يكون لهم شهوات ؛ والنكاح فى حقهم مع القدرة إما واجب ، أو مستحب ؛ فاشتراط التعزب فى حق هؤلاء إن كان فهو مناقضة للشرع . وإن قيل المقصود بالتعزب الذى لا يستحب له النكاح عند بعض أهل العلم ؛ خرج عامة الشباب عن هذا الشرط ؛ وهم الذين ترجى المنفعة بتعليمهم فى الغالب ؛ فيكون كأنه قال: وقفت على المتعلمين الذين لا ترجى منفعهم فى الغالب ؛ وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه مال قسم للاهل قسمين ؛ وللعزب قسما؛ فكيف يكون الآهل محروما. وقد قال لأصحابه المتعلمين المتعبدين: (( يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج». ٦٢ فكيف يقال للمتعلمين والمتعبدين : لا تتزوجوا ؛ والشارع ندب إلى ذلك العمل؛ وحض عليه. وقد قال: ((لارهبانية فى الإسلام)) فكيف يصح اشتراط رهبانية ؟ ! . وما يتوهم من أن التعزب أعون على كيد الشيطان والتعلم والتعبد : غلط مخالف للشرع ، وللواقع ؛ بل عدم التعزب أعون على كيد الشيطان ، والإعانة للمتعبدين والمتعلمين أحب إلى الله ورسوله من إعانة المترهبين منهم. وليس هذا موضع استقصاء ذلك . وكذلك اشتراط أهل بلد ، أو قبيلة من الأمة ، والمؤذنين ؛ مما لا يصح؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤم القوم أقرؤم لكتاب الله ، فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ؛ فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة ؛ فإن كانوا فى الهجرة سواء فأقدمهم سنا )) رواه مسلم . والمساجد لله؛ تبنى لله على الوجه الذى شرعه الله، فإذا قيد إمام المسجد. يبلد فقد يوجد فى غير أهل ذلك البلد من هو أولى منه بالإمامة فى شرط الله ورسوله ؛ فإن وفينا بشرط الواقف فى هذه الحال لزم ترك ما أمر الله به ورسوله ؛ وشرط الله أحق وأوثق . ٦٣ وأما بقية الشروط المسئول عنها فيحتاج كل شرط منها إلى كلام خاص فيه ؛ لا تتسع له هذه الورقة ؛ وقد ذكرنا الأصل . فعلى المؤمن بالله أن ينظر دائماً فى كل ما يحبه الله ورسوله من الخلق ؛ فيسعى فى تحصيله بالوقف وغيره ؛ وما يكرهه الله ورسوله يسعى فى إعدامه ؛ وما لا يكرهه الله ولا يحبه يعرض عنه ولا يعلق به استحقاق وقف ولاعدمه ولاغيره . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين . وسئل رحمه اللّه عن زاوية فيها عشرة فقراء مقيمون ، وبتلك الزاوية مطلع به امرأة عزباء ، وهى من أوسط النساء ؛ ولم يكن شرط الواقف لها مسكنها فى تلك الزاوية ؛ ولم تكن من أقارب الواقف ؛ ولم يكن ساكن فى المطلع سوى المرأة المذكورة ؛ وباب المطلع المذكور يغلق عليه باب الزاوية . فهل يجوز لها السكنى بين هؤلاء الفقراء المقيمين ؛ أم لا ؟ أفتونا . فأجاب : إن كان شرط الواقف لا يسكنه إلا الرجال ، سواء كانوا عزبا أو متأهلين ، منعت ؛ لمقتضى الشرط . وكذلك سكنى المرأة بين الرجال والرجال بين النساء يمنع منه لحق الله . والله أعلم ٦٤ وسئل رحمه اللّه عن ناظر وقف له عليه ولاية شرعية، وبالوقف ( شخص ) يتصرف بغير ولاية الناظر ، يتصرف بولاية أحد الحكام، لأن له النظر العام ، وأن الناظر عزل هذا المباشر، فباشر بعد عزله ، وسأل الناظر الحاكم أن يدفع هذا عن المباشرة، فادعى الحاكم على الناظر دعوى فأنكرها . فهل له أن يولي بدون أمر الناظر الشرعى ؟ وهل له أن يكون هو الحاكم بينه وبين هذا الناظر الذى هو خصمه دون سائر الحكام ؟ وإذا اعتدى على الناظر فماذا يستحق على عدوانه عليه ؟ . فأجاب : ليس للحاكم أن يولي ولا يتصرف فى الوقف بدون أمر الناظر الشرعى الخاص، إلا أن يكون الناظر الشرعى قد تعدى فما يفعله، وللحاكم أن يعترض عليه إذا خرج عما يجب عليه . وإذا كان بين الناظر والحاكم منازعة حكم بينهما غيرهما بحكم الله ورسوله ، ومن اعتدى على غيره فإنه يقابل على عدوانه ، إما أن يعاقب بمثل ذلك إن أمكنت الماثلة ؛ وإلا عوقب بحسب ما يمكن شرعا. والله أعلم . ٦٥ وسئل رحمه الله عن ناظرين : هل لهما أن يقتسما المنظور عليه بحيث ينظر كل منهما فى نصفه فقط ؟ . فأجاب : لا يتصرفان إلا جميعا فى جميع المنظور فيه ، فإن أحدهما لو انفرد بالتصرف لم يجز ، فكيف إذا وزع المفرد، فإن الشرع شرع جمع المتفرق بالقسمة ، والشفعة. فكيف يفرق المجتمع ؟ ! . وسئل عمن وقف وقفا ، وشرط للناظر جراية وجامكية ، كما شرط للمعين والفقهاء . فهل يقدم الناظر بمعلومه أم لا ؟ . فأجاب : ليس فى اللفظ المذكور ما يقتضى تقدمه بشىء من معلومه ، بل هو مذكور بالواو التى مقتضاها الاشتراك والجمع المطلق ، فإن كان ثم دليل منفصل يقتضى جواز الاختصاص والتقدم غير الشرط المذكور : ٦٦ مثل كونه حائزاً أجرة عمله مع فقره ، كوصي اليتيم عمل بذلك الدليل المنفصل الشرعى وإلا فشرط الواقف لا يقتضى التقديم ؛ ولا فرق بين الجامعية والجراية فهو بمنزلة العمارة من مال الوقف، لا من عمالة الناظر . والله أعلم . وسئل رضى اللّه عن عمن وقف وقفا على جماعة معينين ، وفيهم من قرر الواقف لوظيفته شيئاً معلوما ، وجعل للناظر على هذا الوقف صرف من شاء منهم ، يخرج بغير خراج ، وإخراج من شاء منهم ، والتعوض عنه، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه ، على ما يراه ويختاره ، ويرى المصلحة فيه، فعزل أحد المعينين واستبدل به غيره من هو أهل للقيام بها ببعض ذلك المعلوم المقدر للوظيفة، ووفى باقى ذلك لمصلحة الوقف . فهل للناظر فعل ذلك أم لا ؟ وإذا عزل أحد المعينين للمصلحة واستمر على تناول المعلوم بعد علمه بالعزل : يفسق بذلك ، ويجب عليه إعادة ما أخذه أم لا؟ وهل يلزم الناظر بيان المصلحة أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . الناظر ليس له أن يفعل شيئاً فى أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح ، فالأصلح . وإذا جعل الواقف للناظر صرف من شاء ، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه ، ٦٧ فليس للذى يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه ، أو ما يكون فيه اتباع الظن، وما تهوى الانفس ؛ بل الذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من الأمور الذى هو خير ما يكون إرضاء لله ورسوله . وهذا فى كل من تصرف لغيره بحكم الولاية : كالإمام ، والحاكم ، والواقف ، وناظر الوقف، وغيرهم : إذا قيل : هو مخير بين كذا وكذا ، أو يفعل ماشاء، وما رأى ، فإنما ذاك تخيير مصلحة ، لا يخيير شهوة . والمقصود بذلك أنه لا يتعين عليه فعل معين ، بل له أن يعدل عنه إلى ما هو أصلح وأرضى لله ورسوله ، وقد قال الواقف : على مايراه ويختاره ويرى المصلحة فيه . وموجب هذا كله أن يتصرف برأيه واختياره الشرعى، الذى يتبع فيه المصلحة الشرعية . وقد يرى هو مصلحة ، والله ورسوله يأمر بخلاف ذلك، ولا يكون هذا مصلحة كما يراه مصلحة ، وقد يختار مايهواه لا ما فيه رضى الله ، فلا يلتفت إلى اختياره ، حتى لو صرح الواقف بأن للناظر أن يفعل ما يهواه ومايراه مطلقاً لم يكن هذا الشرط صحيحا ؛ بل كان باطلا، لأنه شرط مخالف لكتاب الله ((ومن اشترط شرطاً ليس فى كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)). وإذا كان كذلك وكان عزل الناظر وإستبداله موافقاً لأمر الله ورسوله لم يكن المعزول ولا غيره رد ذلك ، ولا يتناول شيئاً من الوقف ٦٨ والحال هذه ، وإن لم يكن موافقا لأمر الله ورسوله كان مردوداً بحسب الإمكان، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد)) وقال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). وإن تنازعوا هل الذى فعله هو المأمور به أم لا ؟ رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ، فإن كان الذى فعل الناظر أرضى الله ورسوله نفذ ، وإن كان الأول هو الأرضى ألزم الناظر بإقراره ، وإن كان هناك أمر ثالث هو الأرضى لزم اتباعه . وعلى الناظر بيان المصلحة ، فإن ظهرت وجب اتباعها ، وإن ظهر أنها مفسدة ردت ، وإن اشتبه الأمر وكان الناظر عالما عادلا سوغ له اجتهاده . والله أعلم وسئل رحم اللّه عن رجل له مزرعة ، وبها شجر وقف للفقراء ، تباع كل سنة ، وتصرف فى مصارفها . ثم إن الناظر أجر الوقف لمن يضر بالوقف ، وكان هناك حوض للسبيل ، ومطهرة للمسلمين : فهدمها هذا المستأجر ، وهدم الحيطان . فهل يجوز ذلك أم لا ؟ . فأجاب : لا يجوز إ كراء الوقف لمن يضر به باتفاق المسلمين ؛ بل ولا يجوز إ كراء الشجر بحال ، وإن سوقي عليها بجزء حيلة لم يجز بالوقف ٦٩ ! باتفاق العلماء ، ولا يجوز إزالة ما كان ينتفع به المسلمون للشرب والطهارة ، بل يعزر هذا المستأجر الظالم الذى فعل ذلك ، ويلزم بضمان ما أتلفه من البناء، وأما القيمة والشجر فيستغل، كما جرت عادتها ، وتصرف الغلة فى مصارفها الشرعية . وسئل عن مساجد وجوامع لهم أوقاف ، وفيها قوام وأئمة ، ومؤذنون فهل لقاضي المكان أن يصرف منه إلى نفسه . فأجاب : بل الواجب صرف هذه الأموال فى مصارفها الشرعية ، فيصرف من الجوامع والمساجد إلى الأئمة والمؤذنين والقوام ما يستحقه أمثالهم . وكذلك يصرف فى فرش المساجد وتنويرها كفايتها بالمعروف ، وما فضل عن ذلك إما أن يصرف فى مصالح مساجد أخر . ويصرف فى المصالح: كأرزاق القضاة فى أحد قولي العلماء . وأما صرفها للقضاة ومنع مصالح المساجد فلا يجوز . والله أعلم ٧٠ وسئل رحمه اللّه عن رجل بنى مدرسة ، وأوقف عليها وقفً على فقهاء وأرباب وظائف ، ثم إن السلطنة أخذت أكثر الوقف ، وأن الواقف اشترط المحاصصة بينهم . فهل يجوز للناظر أن يعطى أصحاب الوظائف بالكامل وما بقى للفقهاء ؟ فأجاب : الحمد لله . إن كان الذى يحصل بالمحاصصة لأرباب الأعمال التي يستأجر عليها - كالبواب والقيم والسواق ونحوم - أجرة مثلهم يعطوه زيادة على ذلك ، وإن كان ما يحصل دون أجرة المثل وأمكن من يعمل بذلك لم يحتج إلى الزيادة ، وإن كان الحاصل لهم أقل من أجرة المثل ولا يحصل من يعمل بأقل من أجرة المثل فلا بد من تكميل المثل لهم ، إذا لم تقم مصلحة المكان إلا بهم ، وإن أمكن أن يحمل شخص واحد قيما وبوابا أو قيما ومؤذنا أو يجمع له بين تلك الوظائف ويقوم بها فإنه يفعل ذلك ، ولا يكثر العدد الذى لا يحتاج إليه ، مع كون الوقف قد عاد إلى ريعه : بل إذا أمكن سد أربع وظائف بواحد فعل ذلك. والله أعلم. ٧١ وسل عن دار حديث شرط واقفها فى كتاب وقفها ماصورته بحروفه . قال : والنظر فى أمر أهل الدار على اختلاف أصنافهم إثباتاً وصرفاً،: وإعطاء ومنعا ، وزيادة ونقصًاً ، ونحو ذلك إلى شيخ المكان . وكذلك النظر إليه فى خزانة كتبها ، وسائر ما يشبه ذلك أو يلحق به . وله إذا كان عنده الوقف فى أمر من الأمور أن يفوض ذلك إلى من يتولاه. ثم قال: والنظر فى أمر الأوقاف وأمورها المالية إلى الواقف - ضاعف الله ثوابه - يفوض ذلك إلى من يشاء، ومتى فوض ذلك إليه تلقاه بحكم الشرط المقارن لإنشاء الوقف وينتقل بعد ذلك إلى حاكم المسلمين بدمشق ، وله أن يصرف إلى من سوى ذلك من عامل وغيره من مغل الوقف على حسب ما تقتضيه الحال . فهل إذا لم يكن فى شرط النظر فى كتاب الوقف شىء آخر يكون النظر المشروط للحاكم مختصًاً بحاكم مذهب معين بمقتضى لفظ الشرط المذكور ؟ أم لا يختص بحاكم معين ، بل يكون النظر المذكور لمن كان حا كما بدمشق على أى مذهب كان من المذاهب الأربعة ؟ وإذا لم يكن ٧٢ مختصا وفوض بعض الحكام قضاة القضاة أعزم الله بدمشق المحروسة لأهل كان النظر المذكور بمقتضى مارآه من عدم الاختصاص يجوز لحاكم آخر منعه من ذلك أو بعض ما فعله بغير قادح ؟ فأجاب : ليس فى اللفظ المذكور فى شرط الواقف ما يقتضى اختصاصه بمذهب معين على الإطلاق ، فإن ذلك يقتضى أنه لو لم يكن فى البلد إلا حاكم على غير المذهب الذى كان عليه حاكم البلد ومن الواقف أن لايكون له النظر ، وهذا باطل باتفاق المسلمين ، فما زال المسلمون يقفون الأوقاف ، ويشرطون أن يكون النظر للحاكم ، أو لا يشترطون ذلك فى كتاب الوقف ، فإن ذلك يقتضى بطلان الشرع فى الوقوف العامة التى لم يعين ولي الأمر لها ناظراً خاصا ، وفى الوقوف الخاصة نزاع معروف. ثم قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب ، وبعد ذلك يكون للحاكم مذهب آخر .. كما يكون فى العراق وغيرها من بلاد الإسلام ، فإنهم كانوا يولون قضاة القضاة تارة لحنفى ، وتارة لمالكي، وتارة الشافعى ، وتارة الحنبلى . وهذا القاضى يولى فى الأطراف من يوافقه على مذهبه تارة ، ومن يخالفه أخرى ، ولوشرط الإمام على الحاكم، أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط ، وفى فاد العقد وجهان . ٧٣ ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط ( فعلوا) . فأما إذا قدر أن فى الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما فى التقدير كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ؛ ولكن هذا لا يسوغ لواقف أن لا يجعل النظر فى الوقف إلا لذى مذهب معين دائماً ، مع إمكان؛ إلا أن يتولى فى ذلك المذهب، فكيف إذا لم يشرط ذلك . ولهذا كان فى بعض بلاد الإسلام يشرط على الحاكم أن لا يحم إلا بمذهب معين ، كما صار أيضا فى بعضها بولاية قضاة مستقلين ، ثم عموم النظر فى عموم العمل ، وإن كان فى كل من هذا نزاع معروف ، وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان : هل يعين الأقرب ؟ أو بالقرعة ؟ فيه نزاع معروف . وهذه الأمور التى فيها اجتهاد إذا فعلها ولي الأمر نفذت . وإذا كان كذلك فالحاكم على أى مذهب كان إذا كانت ولايته تتناول النظر فى هذا الوقف كان تفويضه سائبا ولم يجز لحاكم آخر نقض مثل هذا ، لا سيما إذا كان فى التفويض إليه من المصلحة فى المال ومستحقه ما ليس فى غيره . ولو قدر أن حاكمين ولي أحدهما شخصا ، وولى آخر شخصا : كان الواجب على ولي الأمر أن يقدم أحقهما بالولاية ؛ فإن من عرفت قوته وأمانته يقدم على من ليس كذلك باتفاق المسلمين . ٧٤ فأجاب : إن كان الثانى قد استأجر المكان من غير من له ولاية الإيجار واستأجره مع بقاء إجارة صحيحة عليه : فالإجارة باطلة ، ويده يد عادية مستحقة للرفع والإزالة . وإذا كان الثانى استأجرها وتسلمها وهى فى إجارة ء الأول . فالأول مخير بين أن يفسخ الإجارة وتسقط عنه الإجارة من حين الفسخ ، ويطالب أهل المكان بالإجارة لهذا الثانى المتولى عليه ؛ يطلبون منه أجرة المثل إن كانت الإجارة فاسدة ؛ وإن كانت صحيحة طالبوه بالفسخ وبين إمضاء الإجارة ؛ ويعطى أهل المكان أجرتهم ؛ ويطالب الغاصب بأجرة المثل من حين استيلائه على ما استأجره . وسئل رحمه اللّه عن قوم وقف عليهم حصة من حوانيت ؛ وبعضها وقف على جهة أخرى، وتلك ملكا لغيره ، وشرط الواقف المذكور النظر فى ذلك للأسن، فإذا استووا فى ذلك فهم شركاء فى النظر . فتداعى الوقف المذكور إلى الخراب ، فأجروه لمالكى باقى الحصة مدة ثلاثين سنة بأجرة حالة وأجرة مؤجلة ؛ وعينوا شهود الإجارة جميع ما فى الحوانيت المذكورة : من خشب ، وقصب، وجريد ، وجدر، وطولها ، وعرضها؛ وغير ذلك . وذكر شهود الإجارة فيها : اعترف فلان وفلان - الآخران المذكوران - ء بقبض الأجرة الحالة بتمامها ؛ ومن فى درجتها . ومات المستأجر . وانتقل ٧٦ وسئل عن الناظر متى يستحق معلومه : من حين فوض إليه ؟ او من حين مكنه السلطان ؟ أو من حين المباشرة ؟ ء فأجاب : الحمد لله . المال المشروط للناظر مستحق على العمل المشروط عليه ، فمن عمل ما عليه يستحق ماله . والله أعلم . ء ء عمن استاجر أرض وقف من الناظر على الوقف النظر الشرعى ثلاثين سنة بأجرة المثل ، وأثبت الإجارة عند حاكم من الحكام ، وأنشأ عمارة ، وغرس فى المكان مدة أربع سنين ، ثم سافر والمكان فى إجارته ، وغاب إحدى عشرة سنة ، فلما حضر وجد بعض الناس قد وضع يده على الأرض ، وادعى أنه استأجرها ، وذلك بطريق شرعى . فهل له نزع هذا الثانى وطلبه بتفاوت الأجرة . ٧٥ ما كان ملكا له من ذلك لغيره ، وانقضت مدة الإجارة ، وانتقل الوقف المذكور إلى البطن الثانى : فهل للبطن الثانى أن يتسلموا الحوانيت المذكورة على ما هى عليه الآن ، وقد اعترف الآخران بقبض الأجرة الحالة ليصرفاها فى عمارة الوقف وإعادته إلى ما كان عليه، أو يلزمهم إقامة البينة على أن الآخرين المذكورين لما قبضا الأجرة صرفاها فى العمارة ، أو المستأجرين ، أو من انتقل إليهم ما كان ملكا للمستأجر المنع من تسليم الحصة المذكورة من الحوانيت إلا على صورتها الأولى والحالة هذه ؟ فأجاب : الحمد لله . بل ما كان فى العرصة المشتركة من البناء بيد أهل العرصة ثابتة عليه بحكم الاشتراك أيضًا ، حتى يقم أحدم حجة شرعية باختصاصه بالبناء، ولا يقبل مجرد دعوى أحد الشركاء فى العرصة الاختصاص بالبناء ، سواء كانت العرصة المشتركة بين وقف وطلق ، أو بين طلقين ، أو وقفين . ويد المستأجر إنما هى على المنفعة ، وليس بمجرد الإجارة تثبت دعوى استحقاق البناء إلا أن يقم بذلك حجة . والله أعلم. ٧٧ وسئل رحمه اللّه عن رجل أقر قبل موته بعشرة أيام أن جميع الحانوت والأعيان التى بها وقف على وجوه البر والقربات . وتصرف الأجرة والثواب من مدة تتقدم على إقراره هذا بعشرين سنة . ففعل بمقتضى شرط إقراره . وعين الناظر الإمام بعد موته ، ثم عين ناظراً آخر من غير عزل الإمام الناظر الأول ، فصرف أحد الناظرين على ثبوت الوقف ما جرت العادة بصرفه على ثبوت •٠ مثله من ريع الوقف من غير أن يصرف إلى مستحقى الريع شيئاً . فهل يجب الأجرة من الربع ؟ أم من تركة الميت المقر بالوقف المذكور ؟ وإذا تعذر إيجار العين الموقوفة بسبب اشتغالها بمال الورثة فهل تجب الأجرة على الورثة تلك المدة ؟ وهل تفوت الأجرة السابقة فى ذمة الميت بمقتضى إقراره بالمدة الأولى ويرجع بها فى تركته؟ وهل إذا عين ناظراً ثم عين ناظراً آخريكون عزلا للأول من غير أن يتلفظ بعزله ؟ أم يشتركان فى النظر؟ وهل إذا علم الشهود ثبوت المال فى تركة الميت يحل كتمه أم لا . فأجاب : ليست أجرة إثبات الوقف والسعي فى مصالحه من تركة ٧٨ الميت ، فإن مازاد على المقر به كله مستحق للورثة ، وإنما عليهم رفع أيديهم عن ذلك وتمكين الناظر منه ، وليس عليه السعى ولا أجرة ذلك . وأما العين المقربها إذا انتفع بها الورثة، أو وضعوا أيديهم عليها ، بحيث يمنع الانتفاع المستحق بها فعليهم أجرة المنفعة فى مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما ممن يقول بأن منافع الغصب مضمونة . والنزاع فى المسئلة مشهور . وإقرار الميت بأنها وقف من المدة المتقدمة ليس بصريح فى أنه كان مستولياً عليها بطريق الغصب ، والضمان لا يجب بالاحتمال . وأما تعيين ناظر بعد آخر فيرجع فى ذلك إلى عرف مثل هذا الوقف وعادة أمثاله ، فإن كان هذا فى العادة رجوعا كان رجوعا ، وكذلك إن كان فى لفظه ما يقتضى انفراد الثانى بالتصرف ، وإلا فقد عرفت المسئلة ، وهى ما إذا وصى بالعين لشخص ، ثم وصى بها لآخر : هل يكون رجوعا أم لا ؟ وما عامه الشهود من حق مستحق يصل الحق إلى مستحقه بشهادتهم لميكتموها ، وإن كان يوجد من لا يستحقه ولا يصل إلى من يستحقه فليس عليهم أن يعينوا واحداً منعما ، وإن كان أخذه بتأويل واجتهاد لم يكن عليهم أيضا نزعه من يده ، بل يعان المتأول المجتهد على من لا تأويل له ولا اجتهاد . ٧٩ وسئل رحمه الله عن صورة كتاب وقف نصه : هذا ما وقفه عامر بن يوسف بن عامر على أولاده : علي ، وطريفة ؛ وزييدة . بينهم على الفريضة الشرعية ؛ ثم على أولادهم من بعدهم ؛ ثم على أولاد أولادهم ، ثم على أولاد أولاد أولادهم. ثم على نسلهم وعقبهم من بعدهم وإن سفلوا ؛ كل ذلك على الفريضة الشرعية، على أنه من توفى من أولادهم المذكورين؛ وأولاد أولادهم ؛ ونسلهم . وعقبهم من بعدهم : عن ولد ؛ أو ولد ولد ؛ ونسل ؛ أو عقب وإن سفل: كان ما كان موقوفا عليه ؛ راجعاً إلى ولده ؛ وولد ولده ؛ ونسله ؛ وعقبه من بعده ؛ وإن سفل . كل ذلك على الفريضة الشرعية . ومن توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب - وإن بعد - كان ما كان موقوفا عليه راجعا إلى من هو فى طبقته وأهل درجته من أهل الوقف : على الفريضة الشرعية ؛ ثم على جهات ذكرها فى كتاب الوقف - والمسئول من السادة العلماء أن يتأملوا شرط الواقف المذكور - ثم توفى عن بنتين فتناولتا ما انتقل إليهما عنه؛ ثم توفيت إحداهما عن ابن وابنة ابن. ٨٠