النص المفهرس

صفحات 41-60

مبيت الإنسان فى الثغر للرباط. أو مبيته فى الحرس فى سبيل الله . أو
عند عالم أو رجل صالح ينتفع به . ونحو ذلك.
فأما أن المسلم يجب عليه أن يرابط دائما يبقعة بالليل لغير مصلحة دينية
فهذا ليس من الدين. بل لو كان المبيت عارضا ، وكان يشرع فيها ذلك
لم يكن أيضا من الدين. ومن شرط عليه ذلك، ووقف عليه المال لأجل ذلك
فلا ريب فى بطلان مثل هذا الشرط وسقوطه .
بل تعيين مكان معين للصلوات الخمس ، أو قراءة القرآن ، أو إهدائه
غير ما عينه الشارع ليس أيضا مشروعا باتفاق العلماء. حتى لو نذر أن يصلي
أو يقرأ، أو يعتكف فى مسجد بعينه غير الثلاثة، لم يتعين. وله أن يفعل
ذلك فى غيره ؛ لكن فى وجوب الكفارة لفوات التعيين قولان للعلماء .
والعلماء لهم فى وصول العبادات البدنية: كالقراءة؛ والصلاة، والصيام
إلى الميت قولان: أصمهما أنه يصل ؛ لكن لم يقل أحد من العلماء بالتفاضل
فى مكان دون مكان. ولاقال أحد قط من علماء الأمة المتبوعين: إن
الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها عند غيره ؛ بل القراءة عند القبر قد
اختلفوا فى كرامتها ، فكرهها أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد فى إحدى
الروايتين. وطوائف من السلف . ورخص فيها طائفة أخرى
٤١

من أصحاب أبى حنيفة، والإمام أحمد وغيرم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد
وليس عن الشافعى فى ذلك كله نص نعرفه .
ولم يقل أحد من العلماء: إن القراءة عند القبر أفضل. ومن قال : إنه
عند القبر ينتفع الميت بسماعها ، دون ما إذا بعد القارئ : فقوله هذا بدعة
باطلة ، مخالفة لإجماع العلماء. والميت بعد موته لا ينتفع بأعمال يعملها هو بعد
الموت : لا من استماع، ولا قراءة، ولا غير ذلك باتفاق المسلمين . وإنما
يفتفع بآثار ما عمله فى حياته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن
آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به
أو ولد صالح يدعو له)).
وينتفع أيضا بما يهدى إليه من ثواب العبادات المالية : كالصدقة ،
والهبة ؛ باتفاق الفقهاء. وكذلك العبادات البدنية فى أصح قوليهم. وإلزام
المسلمين أن لا يعملوا ولا يتصدقوا إلا فى بقعة معينة، مثل كنائس
النصارى باطل .
وبكل حال فالاستخلاف فى مثل هذه الأعمال المشروطة جائز ، وكونها
عن الواقف إذا كان النائب مثل المستنيب فقد يكون فى ذلك مفسدة راجحة
على المصلحة الشرعية ، كالأعمال المشروطة فى الإجارة على عمل فى الذمة ، لأن
٤٢

التعيين فيه مصلحة شرعية . فشرط باطل. ومتى نقصوا من المشروط لهم كان
لهم أن ينقصوا من المشروط عليهم بحسب ذلك. والله أعلم.
وقال رحمه الله
( قاعدة ) فيما يشترط الناس فى الوقف : فإن فيها مافيه عوض دنيوى
وأخروى؛ وما ليس كذلك، وفى بعضها تشديد على الموقوف عليه.
فنقول : الأعمال المشروطة فى الوقف على الأمور الدينية مثل الوقف على
الأئمة والمؤذنين ، والمشتغلين بالعلم من القرآن، والحديث، والفقه ، ونحو
ذلك، أو بالعبادات أو بالجهاد فى سبيل الله تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها عمل يقترب به إلى الله تعالى، وهو الواجبات والمستحبات التى
رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، وحض على تحصيلها : فمثل هذا
الشرط يجب الوفاء به ، ويقف استحقاق الوقف على حصوله فى الجملة .
والثانى عمل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه نهى تحريم أو نهى تنز يه
فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء ؛ لما قد استفاض عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه خطب على منبره فقال :
٤٣

(( مابال أقوام يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله، من اشترط شرطا
ليس فى كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط
الله أو ثق)). وهذا الحديث وإن خرج بسبب شرط الولاء لغير المعتق ،
فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، عند عامة العلماء، وهو مجمع
عليه فى هذا الحديث .
وكذا ما كان من الشروط مستلزماً وجود ما نهى عنه الشارع فهو
بمنزلة ما نهى عنه ، وما علم أنه نهى عنه ببعض الأدلة الشرعية فهو منزلة
ما علم أنه صرح بالنهى عنه ، لكن قد يختلف اجتهاد العلماء فى بعض الأعمال
هل هو من باب المنهى عنه ؟ فيختلف اجتهادهم فى ذلك الشرط ؛ بناء على
هذا . وهذا أمر لا بد منه فى الأمة .
ومن هذا الباب أن يكون العمل المشترط ليس محرما فى نفسه ،
لكنه مناف لحصول المقصود المأمور به ،ومثال هذه الشروط أن يشترط على
أهل الرباط ملازمته وهذا مكروه فى الشريعة مما أحدثه الناس ، أو يشترط
على الفقهاء اعتقاد بعض البدع المخالفة للكتاب والسنة ، أو بعض الأقوال
المحرمة ، أو يشترط على الإمام أو المؤذن ترك بعض سنن الصلاة، والأذان،
أو فعل بعض بدعهما ، مثل أن يشترط على الإمام أن يقرأ فى الفجر بقصار
المفصل ، أو أن يصل الأذان بذكر غير مشروع ، أو أن يقيم صلاة العيد
فى المدرسة أو المسجد، مع إقامة المسلمين لها على سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
٤٤

ومن هذا الباب أن يشترط عليهم: أن يصلوا وحدانا . ومما يلحق
بهذا القسم أن يكون الشرط مستلزما ترك ماندب إليه الشارع ، مثل
أن يشترط على أهل رباط أو مدرسة إلى جانب المسجد الأعظم أن يصلوا
فيها فرضهم : فإن هذا دماء إلى ترك الفرض على الوجه الذى هو أحب
إلى الله ورسوله ، فلا يلتفت إلى مثل هذا ، بل الصلاة فى المسجد
الأعظم هو الأفضل؛ بل الواجب هدم مساجد الضرار مما ليس هذا
موضع تفصيله .
ومن هذا الباب اشتراط الإيقاد على القبور: إيقاد الشمع، أو الدهن
ونحو ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله زوارات القبور،
والمتخذين علها المساجد، والسرج)) وبناء المسجد، وإسراج المصابيح على
القبور، مما لم أعلم فيه خلافا أنه معصية الله ورسوله . وتفاصيل هذه الشروط
يطول جدا ، وإنما نذكرها هنا جماع الشروط .
( القسم الثالث ) : عمل ليس بمكروه فى الشرع، ولا مستحب
بل هو مباح مستوى الطرفين ، فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء
به . والجمهور من العلماء: من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أن شرطه
باطل ، فلا يصح عندهم أن يشرط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى ، وذلك لأن
الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما له فيه منفعة فى الدين أو الدنيا، فما دام
٤٥

الإنسان حيا فله أن يبذل ماله فى تحصيل الأغراض المباحة، لأنه ينتفع
ء
بذلك . فأما الميت فما بقي بعد الموت ينتفع من أعمال الأحياء ؛ إلا بعمل
صالح قد أمر به، أو أعان عليه، أو أهدي إليه، ونحو ذلك. فأما الأعمال
التى ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال؛ فإذا اشترط الموصى
أو الواقف عملا أو صفة لاثواب فها ؛ كان السعي فى تحصيلها سعيا فيما لا ينتفع
به فى دنياه، ولا فى آخرته ؛ ومثل هذا لا يجوز ؛ وهذا إنما مقصوده بالوقف
التقرب .. والله أعلم.
وسئل رحمه الد
عمن أوقف رباطا ؛ وجعل فيه جماعة من أهل القرآن ؛ وجعل لهم
كل يوم مايكفيهم ؛ وشرط عليهم شروطا غير مشروعة : منها أنّ
يجتمعوا فى وقتين معينين من النهار ؛ فيقرأون شيئا معينا من القرآن فى
المكان الذى أوقفه لافى غيره ؛ مجتمعين فى ذلك غير متفرقين ؛ وشرط
أن يهدوا له ثواب التلاوة؛ ومن لم يفعل ماشرط فى المكان الذى
أوقفه لم يأخذ ماجعل له . فهل جميع الشروط لازمة لمن أخذ المعلوم؟
أم بعضها ؟ أم لاأثر لجميعها ؟ وهل إذا لزمت القراءة . فهل يلزم
جميع ماشرطه منها ؟ أم يقرأون ما تيسر عليهم قراءته من غير أن
يهدوا شيئاً؟.
٤٦

فأجاب : الحمدلله . الأصل فى هذا أن كل ماشرط من العمل من الوقوف
التى توقف على الأعمال فلابد أن تكون قربة ؛ إما واجبا ؛ وإما مستحباً
وأما اشتراط عمل محرم فلا يصح باتفاق علماء المسلمين ؛ بل وكذلك
المكروه ؛ وكذلك المباح على الصحيح.
a
وقد اتفق المسلمون على ان شروط الواقف تنقسم إلى صحيح، وفاسد .
كالشروط فى سائر العقود. ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص
كألفاظ الشارع، فراده أنها كالنصوص فى الدلالة على مراد الواقف ؛ لافى
وجوب العمل بها : أى أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة ؛
كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه؛ فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق
والتقييد والتشريك والترتيب فى الشرع من ألفاظ الشارع. فكذلك تعرف
فى الوقف من الفاظ الواقف.
مع أن التحقيق فى هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصى
وكل عاقد يحمل على عادته فى خطابه ولغته التى يتكلم بها ؛ سواء وافقت
العربية العرباء؛ أو العربية المولدة ؛ أو العربية الملحونة ؛ أو كانت غير عربية
وسواء وافقت لغة الشارع ؛ أو لم توافقها ؛ فإن المقصود من الألفاظ
دلالتها على مراد الناطقين بها ؛ فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع
لان معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراده، وكذلك فى
٤٧

خطاب كل أمة وكل قوم ؛ فإذا تخاطبوا بينهم فى البيع والإجارة.
أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادم
وإلى ما يدل على مرادهم من عادتهم فى الخطاب ؛ وما يقترن بذلك من
الأسباب.
وأما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص
الشارع فى وجوب العمل بها ؛ فهذا كفر باتفاق المسلمين ؛ إذ لا أحد يطاع
فى كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - والشروط
إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة. وإن خالفت كتاب الله كانت
باطلة. كما ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب على
منبره وقال: (( مابال أقوام يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله؟ !من
(١)
اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل . وإن كان مائة شرط كتاب [الله]
أحق ؛ وشرط الله أو ثق)).
وهذا الكلام حكمه ثابت فى البيع والإجارة. والوقف . وغير ذلك
باتفاق الأمة . سواء تناوله لفظ الشارع . أولا ؛ إذ الأخذ بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب. أو كان متناولا لغير الشروط فى البيع بطريق الاعتبار
عموما معنويا .
(١) أضيفت حسب لفظ الحديث
٤٨

وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح، وباطل : بالاتفاق ؛ فإن
شرط فعلا محرما ظهر أنه باطل فإنه لاطاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، وإن
شرط مباحاً لاقربة فيه كان أيضا باطلا؛ لأنه شرط شرطاً لامنفعة فيه،
لا له ولا للموقوف عليه؛ فإنه فى نفسه لا ينتفع إلا بالإعانة على البر
والتقوى .
وأما بذل المال فى مباح: فهذا إذا بذله فى حياته مثل الابتياع ؛ والاستئجار
جاز ؛ لأنه ينتفع بتناول المباحات فى حياته .
وأما الواقف والموصى فإنهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه
من المباحات فى الدنيا ، ولا يثابان على بذل المال فى ذلك فى الآخرة ، فلو بذل
المال فى ذلك عبثا وسفها لم يكن فيه حجة على تناول المال، فكيف إذا ألزم
يمباح لاغرض له فيه ، فلا هو ينتفع به فى الدنيا ، ولا فى الآخرة؛ بل
يبقى هذا منفقاً للمال فى الباطل ، مسخر ، معذب ، أكل المال بالباطل .
وإذا كان الشارع قدقال: ((لاسبق إلا فى خف؛ أو حافر، أو نصل))
فلم يجوز بالجعل شيئا لا يستعان به على الجهاد. وإن كان مباحا، وقد يكون
فيه منفعة ، كما فى المصارعة ، والمسابقة على الأقدام، فكيف يبذل العوض
المؤبد فى عمل لامنفعة فيه ، لاسما والوقف محبس مؤبد فكيف يحبس المال
٤٩

دائما مؤبداً على عمل لا ينتفع به هو ولا ينتفع به العامل ، فيكون فى ذلك
ضرر على حبس الورثة وسائر الآدميين بحبس المال علهم بلا منفعة حصلت
لأحد، وفى ذلك ضرر على المتناولين باستعمالهم فى عمل هم فيه مسخرون،
يعوقهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية ، فلافائدة يحصل له ولا لهم ، وقد بسطنا
الكلام فى هذه القاعدة فى غير هذا الموضع .
فإذا عرف هذا فقراءة القرآن كل واحد على حدته أفضل من
قراءة مجتمعين بصوت واحد؛ فإن هذه تسمى ((قراءة الإرادة)) وقد
كرهها طوائف من أهل العلم: كمالك، وطائفة من أصحاب الإمام
أحمد، وغيرهم. ومن رخص فيها - كبعض أصحاب الإمام أحمد.
ـع القرآن.
لم يقل إنها أفضل من قراءة الانفراد، يقرأ كل منهم جميـ
وأما هذه القراءة فلا يحصل لواحد جميع القرآن، بل هذا يتم ماقرأ.
هذا، وهذا يتم ماقرأه هذا، ومن كان لايحفظ القرآن يترك قراءة
•٠
مالم يحفظه .
وليس فى القراءة بعد المغرب فضيلة مستحبة يقدم بها على القراءة فى
جوف الليل ، أو بعد الفجر ، ونحو ذلك من الأوقات ، فلا قربة فى تخصيص
مثل ذلك بالوقت .
ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا فى مكان بعينه ، فإن
٥٠

كان للتعيين مزية فى الشرع : كالصلاة، والاعتكاف فى المساجد الثلاثة،
لزم الوفاء به، وإن لم يكن له مزية: كالصلاة والاعتكاف فى مساجد
الأمصار لم يتعين بالنذر الذى أمر الله بالوفاء به . وقال النبي صلى الله
عليه وسلم (( من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله
فلا يعصه )).
فإذا كان النذر الذى يجب الوفاء به لا يجب أن يوفى به إلا ما كان طاعة
باتفاق الأمة ، فلا يجب أن يوفى منه بمباح، كما لا يجب أن يوفى منه بمحرم
باتفاق العلماء فى الصورتين . وإنما تنازعوا فى لزوم الكفارة : كمذهب
مالك ، وأبى حنيفة ، والشافعى. فكيف بغير النذر من العقود التى ليس فى
لزومها من الأدلة الشرعية ما فى النذر .
وأما اشتراط إهداء ثواب التلاوة، فهذا ينبنى على إهداء ثواب العبادات
البدنية: كالصلاة، والصيام ؛ والقراءة، فإن العبادات المالية يجوز إهداء ثوابها
بلا نزاع ، وأما البدنية ففيها قولان مشهوران .
فمن كان من مذهبه أنه لا يجوز إهداء ثوابها: كا كثر أصحاب مالك،
والشافعى كان هذا الشرط عندهم باطلا، كما لوشرط أن يحمل عن الواقف ديونه
فإنه لاتزر وازرة وزر أخرى .
ومن كان من مذهبه أنه يجوز إهداء ثواب العبادات البدنية : كأحمد
ء
٥١

وأصحاب أبى حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك. فهذا يعتبر أمرا آخر ، وهو
أن هذا إنما يكون من العبادات ماقصد بها وجه الله، فأما ما يقع مستحقا
بعقد إجارة أو جعالة فإنه لا يكون قربة، فإن جاز أخذ الأجر والجعل
عليه ، فإنه يجوز الاستئجار على الإمامة، والأذان، وتعلم القرآن،
نقول : (١)
وسئل رحمه الله
عمن وقف مدرسة بيت المقدس ، وشرط على أهلها الصلوات الخمس فيها
فهل يصح هذا الشرط؟ وهل يجوز للمنزلين الصلوات الخمس فى المسجد
الأقصى دونها . ويتناولون ماقرر لهم؟ أم لا يحل التناول إلا بفعل هذا
الشرط ؟.
فأجاب : ليس هذا شرطا صحيحا يقف الاستحقاق عليه، كما كان يفتى
بذلك فى هذه الصورة بعينها الشيخ عز الدين بن عبدالسلام ، وغيره من
العلماء ؛ لأدلة متعددة. وقد بسطناها فى غير هذا الموضع مع مافى ذلك من
أقوال العلماء.
ويجوز للمنزلين أن يصلوا فى المسجد الأقصى الصلوات الخمس ،
ولا يصلوها فى المدرسة. ويستحقون مع ذلك ماقدر لهم، وذلك أفضل لهم
(١) بياض فى الأصل
٥٢
.

من أن يصلوا فى المدرسة ، والامتناع من أداء الفرض فى المسجد الأقصى،
لأجل حل الجارى : ورع فاسد، يمنع صاحبه الثواب العظيم فى الصلاة فى
المسجد . والله أعلم.
ما تقول السادة العلماء:
فى واقف وقف رباطا على الصوفية، وكان هذا الرباط قديما جاريا على
قاعدة الصوفية فى الربط : من الطعام ، والاجتماع بعد العصر فقط ؟ فتولى نظره
شخص ، فاجتهد فى تبطيل قاعدته ، وشرط على من به شروطا ليست فى الرباط
أصلا، ثم إنهم يصلون الصلوات الخمس فى هذا الرباط، ويقرأون بعد الصبح
قريباً من جزء ونصف، وبعد العصر قريبا من ثلاثة أجزاء، حتى إن أحدم
إذا غاب عن صلاة أو قراءة كتب عليه غيبة ، مع أن هذا الرباط لم يعرف
له كتاب وقف ؛ ولا شرط . فهل يجوز إحداث هذه الشروط عليهم ؟ أم لا؟
ء
وهل يأثم من أحدثها أم لا؟ وهل يحل للناظر الآن أن يكتب عليهم غيبة
أم لا؟ وهل يجب إبطال هذه الشروط أم لا؟ وهل يثاب ولى الأمر إذا أبطلها،
أم لا؟ وإذا كانت هذه الشروط قدشرطها الواقف: هل يجب الوفاءبها أم لا؟ وما
الصور فى الذى يستحق ذلك؟ وهل إذا كان فى الجماعة من هو مشتغل بالعلوم الشرعية
يكون أولى ممن هو مترسم برسم ظاهر لاعلم عنده؟ ومن لم يكن متأدبا
٥٣

بالآداب الشرعية هل يجوز له تناول شيء من ذلك. أم لا؟ وإذا كان فيهم من
هو مشتغل بالعلم الشريف. وله من الدنيا مالا يقوم ببعض كفايته. هل
يكون أولى ممن ليس متأدبا بالآداب الشرعية . ولاعنده شىء من العلم ،
أفتونا مأجورين. وبينوا لنا ذلك بيانا شافيا، بالدليل من الكتاب والسنة
رضى الله عنكم.
فأجاب رحمه الله : لا يجوز للناظر إحداث هذه الشروط ولا غيرها ، فإن
الناظر إنما هو منفذ لما شرطه الواقف . ليس له أن يبتدئ شروطا لم يوجبها
الواقف، ولا أوجها الشارع ، ويأثم من أحدثها . فإنه منع المستحقين حقهم
حتى يعملوا أعمالا لا تجب . ولا يحل أن يكتب على من أخل بذلك
غيبة ؛ بل يجب إبطال هذه الشروط. ويثاب الساعى فى إبطالها مبتغيا بذلك
وجه الله تعالى .
وأما الصوفى الذى يدخل فى الوقف على الصوفية ؛ فيعتبر له ثلاثة
شروط .
أحدها : أن يكون عدلا فى دينه ؛ يؤدى الفرائض ، ويجتنب
المحارم .
الثانى : أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية ، فى غالب الأوقات
وإن لم تكن واجبة ، مثل آداب الأكل ، والشرب ، واللباس، والنوم،
٥٤

والسفر، والركوب والصحبة ، والعشرة، والمعاملة مع الخلق ؛ إلى غير ذلك
من الآداب الشريفة ، قولا وفعلا . ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة
من الآداب التى لا أصل لها فى الدين ؛ من التزام شكل مخصوص فى اللبسة،
ونحوها مما لا يستحب فى الشريعة . فإن مبنى الآداب على اتباع السنة ،
ولا يلتفت أيضا إلى ما يهدره بعض المتفقهة من الآداب المشروعة ، يعتقد -
لقلة علمه - أن ذلك ليس من آداب الشريعة؛ لكونه ليس فيما بلغه من العلم
أو طالعه من كتبه؛ بل العبرة فى الآداب بماجاءت به الشريعة : قولا وفعلا
٠۵
وتركا ؛ كما أن العبرة فى الفرائض والمحارم بذلك أيضا .
والشرط الثالث فى الصوفي: قناعته بالكفاف من الرزق ؛ بحيث
لا يمسك من الدنيا ما يفضل عن حاجته ؛ فمن كان جامعا لفضول المال لم يكن
من الصوفية الذين يقصد إجراء الأرزاق عليهم ؛ وإن كان قد يفسح لهم فى مجرد
السكنى فى الربط ونحوها . فمن حمل هذه الخصال الثلاث كان من الصوفية
المقصودين بالربط ، والوقف عليها . ومافوق هؤلاء من ارباب المقامات العلية
والأحوال الزكية، وذوى الحقائق الدينية، والمنح الربانية: فيدخلون فى
العموم؛ لكن لا يختص الوقف بهم لقلة هؤلاء؛ ولعسر تمييز الأحوال الباطنة
على غالب الخلق ؛ فلا يمكن ربط استحقاق الدنيا بذلك ؛ ولأن مثل هؤلاء قد
لا ينزل الربط إلا نادراً.
ومادون هذه الصفات من المقتصرين على مجرد رسم فى لبسة أو مشية،
ونحو ذلك : لا يستحقون الوقف ؛ ولا يدخلون فى مسمى الصوفية ؛ لاسما
٥٥

إن كان ذلك محدثًا لاأصل له فى السنة ؛ فإن بذل المال على مثل هذه الرسوم
فيه نوع من التلاعب بالدين ؛ وأكل لأموال الناس بالباطل ؛ وصدود عن
سبيل الله .
ومن كان من الصوفية المذكورين المستحقين فيه قدر زائد : مثل
اجتهاد فى نوافل العبادات؛ أو سمي فى تصحيح أحوال القلب؛ أو طلب شىء
من الأعيان؛ أو علم الكفاية : فهو أولى من غيره . ومن لم يكن متأدبا
بالآداب الشرعية ؛ فلا يستحق شيئا ألبتة ؛ وطالب العلم الذى ليس له تمام
الكفاءة : أولى ممن ليس فيه الآداب الشرعية؛ ولاعلم عنده ؛ بل مثل هذا
٠٠
لا يستحق شيئاً .
٥٦

ما تقول السادة العلماء
فى الشروط التى قد جرت العوائد فى اشتراط أمثالها من الواقفين على
الموقوف عليهم، مما بعضه له فائدة ظاهرة، وفيه مصلحة مطلوبة ، وبعضها
ليس فيها كبير غرض للواقف ؛ وقد يكون فيه مشقة على الموقوف عليه ؛
فإن وفى به شق عليه ؛ وإن أحمله خشي الإثم ، وأن يكون متناولا للحرام.
ء
ء
وذلك كشرط واقف الرباط او المدرسة المبيت والعزوبة ، وتأدية الصلوات
المفروضات بالرباط، وتخصيص القراءة المعينة بالمكان بعينه، وأن يكونوامن
مدينة معينة ، أو قبيلة معينة ، أو مذهب معين ، وما أشبه ذلك من الشروط فى
الإمامة بالمساجد، والأذان ، وسماع الحديث بحلق الحديث بالحوانك . فهل
هذه الشروط، وما أشها مما هو مباح فى الجملة ، وللواقف فيه يسير غرض
لازمة لا يحل لأحد الإخلال بها ، ولا بشىء منها ؟ أم يلزم البعض منها دون
البعض ؟ وأى ذلك هو اللازم؟ وأى ذلك الذى لا يلزم؟ وما الضابط فيما يلزم
ومالا يلزم؟ .
فأجاب - قدس الله روحه -: الحمدلله رب العالمين . الأعمال المشروطة فى
الوقف من الأمور الدينية ، مثل الوقف على الأئمة والمؤذنين، والمشتغلين بالعلم
٥٧

والقرآن، والحديث، والفقه ، ونحو ذلك ، أو بالعبادة أو بالجهاد فى سبيل الله
تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها : عمل يتقرب به إلى الله تعالى، وهو الواجبات ، والمستحبات
التى رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، وحض على تحصيلها . فمثل هذا
الشرط يجب الوفاء به، ويقف استحقاق الوقف على حصوله فى الجملة .
والثانى : عمل قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: نهي بحريم،
أو نهي تنزيه ، فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء ، لما قد استفاض
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب على منبره فقال: ((مابال أقوام
يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله؟! من اشترط شرطا ليس فى كتاب
الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق))
وهذا الحديث وإن خرج بسبب شرط الولاء لغير المعتق ، فإن العبرة بعموم
اللفظ ، لا بخصوص السبب، عند عامة العلماء، وهو مجمع عليه فى هذا الحديث
وما كان من الشروط مستلزما وجود ما نهى عنه الشارع فهو بمنزلة ما نهى عنه
وما علم ببعض الأدلة الشرعية أنه نهى عنه، فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهي
عنه ؛ لكن قد يختلف اجتهاد العلماء فى بعض الأعمال: هل هو من باب
المنهي عنه؟ فيختلف اجتهادهم فى ذلك الشرط، بناء على هذا، وهذا أمر لابد
منه فى الأمة .
٥٨

ومن هذا الباب أن يكون المشترط ليس محرما فى نفسه ؛ لكنه مناف
لحصول المقصود المأمور به. فمثال هذه الشروط أن يشترط على أهل الرباط
ملازمته، هذا مكروه فى الشريعة، كما قد أحدثه الناس، أو أن يشترط
على الفقهاء اعتقاد بعض البدع المخالفة للكتاب والسنة ، أو بعض الأقوال
المحرمة، أو يشترط على الإمام والمؤذن ترك بعض سنن الصلاة والأذان ،
أو فعل بعض بدعها ، مثل أن يشترط على الإمام أن يقرأ فى الفجر بقصار
المفصل ، وأن يصل الأذان بذكرغير مشروع، أو أن يقيم صلاة
العيد فى المدرسة والمسجد ، مع إقامة المسلمين لها على سنة نبهم
٠٠
صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الباب لو اشترط عليهم أن يصلوا وحدانا . ومما يلتحق بهذا
القسم أن يكون الشرط مستلزما للحض على ترك ما ندب إليه الشارع ، مثل
أن يشترط على أهل رباط أو مدرسة إلى جانب المسجد الأعظم أن يصلوا فيها
فرضهم ، فإن هذا دعاء إلى ترك أداء الفرض على الوجه الذى هو أحب إلى الله
ورسوله ، فلا يلتفت إلى مثل هذا ؛ بل الصلاة فى المسجد الأعظم هو الأفضل
بل الواجب هدم مساجد الضرار مما ليس هذا موضع تفصيله .
ومن هذا الباب اشتراط الإيقاد على القبور، وإيقاد شمع أو دهن ونحو
ذلك ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله زوارات القبور، والمتخذين
٥٩

عليها المساجد والسرج)). وبناء المسجد وإسراج المصابيح على القبور مما لم
أعلى خلافا أنه معصية لله ورسوله. وتفاصيل هذه الشروط تطول جدا، وإنما
نذكر هنا جماع الشروط.
القسم الثالث : عمل ليس بمكروه فى الشرع ، ولا مستحب ، بل هو مباح
مستوى الطرفين. فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به ، والجمهور من
العلماء من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرط باطل ، ولا يصح
عندم أن يشترط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى، وذلك أن الإنسان ليس له أن
يبذل ماله إلا لما فيه منفعة فى الدين ، أو الدنيا ، فادام الرجل حيا فله أن يبذل
ماله فى تحصيل الأغراض المباحة ؛ لأنه ينتفع بذلك. فأما الميت فما بقي بعد
الموت ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به، أو أعان عليه، أوقد
أهدي إليه، ونحو ذلك. فأما الأعمال التى ليست طاعة لله ورسوله ، فلا ينتفع
بها الميت بحال.
فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملا أو صفة لاثواب فيها كان السعي فيها
بتحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به فى دنياه وآخرته . ومثل هذا لا يجوز. وهو
إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله تعالى ، والشارع أعلم من الواقفين
بما يتقرب به إلى الله تعالى ، فالواجب أن يعمل فى شروطهم بما شرطه الله
ورضيه فى شروطهم .
٦٠