النص المفهرس
صفحات 281-300
غير واحد من أصحابنا ، كأبى محمد ، لم يذكروا فيه خلافا ، ولم يفرقوا بين ذلك وبين الثمرة ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع العنب حتى يسود، وبيع الحب حتى يشتد )) فبيع هذا بعد اسوداد. كبيع هذا بعد اشتداده . ومن حين يشتد إلى حين يستحصد مدة قد تصيبه فيها جائحة . ومن أصحابنا من قال : ما تكرر حمله كالقثاء ، والخيار ، ونحوهما من الخضر والبقول ، وغيرهما فهو كالشجر ، وتمره كثمره في ذلك ؛ لصحة بيع أصوله صغاراً كانت أوكبارا ، مثمرة أو غير مثمرة . فصل هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جذاذها . فإن تركها إلى حين الجذاذ فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا . ونقل عن مالك أنها تكون من ضمان المشتري . وللشافعي قولان ؛ وذلك لأنه لم يبق على البائع شيء من التسليم ، والمشتري لم يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام ، فإن تأخيرها إلى هذا الحين من موجب العقد . فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشتري وعدم تفريطه ، والمنازع راعى تسليم البائع وتمكينه. وأما إن تركها حتى تجاوز وقت نقلها وتكامل بلوغها ، ثم تلفت : ٢٨١ ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه : (أحدها ) أن تكون من ضمان البائع أيضاً لعدم كمال قبض المشتري، وهو الذي قطع به القاضي فى المجرد، وإبن عقيل، وأكثر الأصحاب ، وهو مذهب مالك والشافعي ؛ لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر؛ دون ما إذا عاقه مرض أو مانع. وأما غيره فذهبوا إلى الوجه الثالث ، وهو عدم اعتبار إمكان الرفع والجد . قال ابن عقيل : هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا. وهو كما قال ؛ فإن هذه الثمرة بمنزلة المنفعة فى الإجارة . ولو حال بين المستأجر وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه لم تسقط عنه الأجرة ؛ بخلاف العام فإنه يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة . فصل هذا إذا اشترى الثمرة والزرع ، فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل التأبير ، واشترط الثمر فلا جائحة فى ذلك عند أصحابنا ومالك وغيرهما . ولذلك احترز الخرقي من هذه الصورة، فقال : وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع وذلك لأنه هنا حصل القبض الكامل بقبض الأصل ؛ ولهذا لا يجب ٢٨٢ على البائع سقي ولا مؤونة أصلا ؛ فإن المبيع عقار ، والعقار قبض بالتخلية ، والثمر دخل ضمناً وتبعا ، فإذا جاز بيعه قبل صلاحه باز هنا تبعا . ولو بيع مقصوداً لم يجز بيعه قبل صلاحه . فصل هذا الكلام فى البيع المحض للثمر والزرع . وأما الضمان والقبالة، وهو أن يضمن الأرض والشجر جميعا بعوض واحد لمن يقوم على الشجر والأرض، ويكون الثمر والزرع له : فهذا العقد فيه ثلاثة أقوال: ( أحدها ) أنه باطل وهذا القول منصوص عن أحمد ، وهو قول أبى حنيفة والشافعي ؛ بناء على أنه فى ذلك تبعاً للثمر قبل بدو صلاحه. ( والثانى ) يجوز إذا كانت الأرض هي المقصودة ، والشجر تابع لما ؛ بأن يكون شجرا قليلا . وهذا قول مالك . ( والثالث ) جواز ذلك مطلقا ، قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم ، منهم ابن عقيل . وهذا هو الصواب ؛ لأن إجارة الأرض جائزة ، ولا يمكن ذلك إلا بإدخال الشجر فى العقد فجاز للحاجة تبعا ، وإن كان فى ذلك بيع تمر قبل بدو صلاحه إذا بيع مع الأصل ؛ ولأن ذلك ليس بديع ٢٨٣ للثمر ؛ لأن الضامن هنا هو الذي يسقي الشجر ، ويزرع الأرض ، فهو في الشجر بمنزلة المستأجر في الأرض . والمبتاع للثمر بمنزلة المشتري للزرع ، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر ، ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين بعد موته ، وأخذ القبالة فوفى بها دينه . رواه حرب الكرمانى في مسائله ، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه بإسناد صحيح . ولأن عمر بن الخطاب ضرب الخراج باتفاق الصحابة على الأرض التى فيها شجر نخل وعنب ، وجعل للأرض قسطا، وللشجر قسطا . وذلك إجارة عند أكثر من ينازعنا فى هذه المسئلة، وهو ضمان لأرض وشجر. وقد بسطت الكلام فى هذه المسئلة في « القواعد الفقهية». والغرض هنا (( مسئلة وضع الجوائح)) فإذا قلنا : لا يصح هذا العقد فكيف الطريق في المعاملة ؟ قيل : إنه يؤجر الأرض ، ويساقي على الشجر فيها، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي ، وغيرهم . وهو قول القاضي أبى يعلي في كتاب ((إبطال الحيل)) والمنصوص عن أحمد إبطال هذه الحيلة، وهو الصواب، كما قررنا فى ((كتاب إبطال الحيل)) فساد ذلك من وجوه كثيرة . ( منها ) أنه إن جعل أحد العقدين شرطا في الآخر لم يصح ، وإن عقدها عقدين مفردين لم يجز له هذه المحاباة فى مال موليه ؛ كالوقف ٢٨٤ ومال اليتيم ، ونحوهما ؛ ولا مال موكله الغائب ونحوه . ( ومنها ) أنه قد علم أن إعطاء العوض العظيم من الضامن لم يكن لأجل منفعة الأرض التى قد لا تساوي عشر العوض ؛ وإنما هو لأجل الثمرة ، وكذلك المالك قد على أنه لم يشترط لنفسه من الثمرة شيئا ، وهو لا يطالب بذلك القدر النزر الذي لا قيمة له ، وإنما جعل الثمرة جميعها للضامن. وفى الجملة: فهذا العقد إما أن يصح على الوجه المعروف بين الناس ، وإما أن لا يصح بحال ؛ لكن الثانى فيه فساد عظيم لا تحتمله الشريعة ، فتعين الأول . وأما هذه الحيلة فيعرف بطلابها بأدنى نظر . فعلى هذا إذا حصلت جائحة فى هذا الضمان ، فإن قلنا : العقد فاسد ، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ، وقد خلی بينه وبيها وتلفت قبل كمال الصلاح، أو لم تطلع . وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه لقوله: (( أرأيت إن منع الله الثمرة)) أو قال: ((أرأيت إن لم يثمرها الله، فيم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ )) وإذا أصابتها جائحة منعت كمال سلاحها ، وأفسدتها : فقد منع الله الثمرة، فيجب ألا بأخذ مال أخيه بغير حق. ومن قال : إن الثمرة تضمن بالقبض فى العقد الصحيح ، فيلزمه أن ٢٨٥ يقول : إنها تضمن بالقبض فى العقد الفاسد ، فإذا تلفت هنا تكون من ضمانه؛ لأن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون على المشتري ؛ لكن يجب أن يضمنوا قيمتها حين تلفت ، وقد يكون تلفها في أوائل ظهورها وقيمتها قليلة ، وقد يكون بعد بدو صلاحها ، وهذا مما يلزمهم فيه إلزاما قويا ، وهو أنه إذا اشتراها بعد بدو صلاحها مستحقة التبقية ، فكثير من أجزائها وصفاتها لم يخلق بعد ، فإذا تلفت بجائحة ولم نضع عنه الجائحة ، فيجب أن لا يضمن إلا ما قبضه دون ما لم يخلق بعد ولم يقبضه ، فيجب أن ينظر قيمتها حين أصابتها الجائحة فينسب ذلك إلى قيمتها ، وقت بدو الصلاح ، فيضمن من الثمن بقدر ذلك ، بمنزلة من قبض بعض المبيع وبعض منفعة الإجارة دون بعض ، فإنه يضمن ما قبضه دون ما لم يقبضه بعد . فأما أن يجعل الأجزاء والصفات المعدومة التى لم يخلق بعد من ضمانه وهي لم توجد فهذا خلاف أصول الإسلام ، وهو ظلم بين لا وجه له. ومن قاله فعليه أن يقول : إنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها ، وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة منعت الطلع ، أن يضمن الثمن جميعه للبائع ، وهذا خلاف النص والإجماع . ويلزمه أن يقول : إنه لو بدا صلاحها في العقد الفاسد وتلفت بآفة سماوية أن يضمن جميع الثمرة، كما يضمنها عنده بالعقد الصحيح ، فإن ما ضمن بالقبض فى أحدهما ، ٢٨٦ ضمن بالقبض فى الآخر ، إلا أنه يضمن هنا بالمسمى وهناك بالبدل . وهذه حجة قوية لا محيص عنها ، فإنه إن جعل ما لم يخلق من الأجزاء مقبوضا لزمه أن يضمن فى العقد الفاسد ، وإن جعله غير مقبوض لزمه ألا يضمن في العقد الصحيح . والأول باطل قطعاً . مخالف للنص والإجماع . ومن قال من الكوفيين : إن المعقود عليه هو ما وجد فقط ، وهو المقبوض ، فقد سلم من هذا التناقض ؛ لكن لزمه مخالفة النصوص المستفيضة ومخالفة عمل المسلمين قديما وحديثا ، ومخالفة الأصول المستقرة ، ومخالفة العدل الذي به تقوم السماء والأرض ، كما هو مقرر فى موضعه . وهذا كالحجيج القاطعة على وجوب وضع الجوائح في العقود الصحيحة والفاسدة ، ووضعها فى العقد الفاسد أقوى . وأما إذا جعلنا الضمان صحيحا ، فإنا نقول بوضع الجوائح فيه . كما نقوله فى الشراء وأولى أيضا. وأما من بصحح هذه الحيلة ويرى العقد صحيحا ، فقد يقول : أنت مساق والمساقاة ليس فيها جائحة ، فيبنى هذا على وضع الجوائح فى المساقاة . ٢٨٧ ـل وأما الجوائح فى الإجارة ، فنقول : لا نزاع بين الأئمة أن منافع الإجارة إذا تعطلت قبل التمكن من استيفائها سقطت الأجرة ، لم يتنازعوا فى ذلك كما تنازعوا في تلف الثمرة المبيعة . لأن الثمرة هناك قد يقولون : قبضت بالتخلية ، وأما المنفعة التي لم توجد فلم تقبض بحال . ولهذا نقل الإجماع على أن العين المؤجرة إذا تلفت قبل قبضها بطلت الإجارة ، وكذلك إذا تلفت عقب قبضها وقبل التمكن من الانتفاع ؛ إلا خلافا شاذاً حكوه عن أبي ثور ؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه ، فأشبه تلف المبيع بعد القبض ، جعلا لقبض العين قبضاً للمنفعة . وقد يقال : هو قياس قول من يقول بعدم وضع الجوائح ؛ لكن يقولون : المعقود عليه هنا المنافع ، وهي معدومة لم تقبض ؛ وإنما قبضها باستيفائها ، أو التمكن من استيفائها ؛ وإنما جعل قبض العين قبضاً لها في انتقال الملك ، والاستحقاق ، وجواز التصرف . فإذا تلفت العين فقد تلفت قبل التمكن من استيفاء المنفعة فتبطل الإجارة . وهذا يلزمهم مثله في الثمرة باعتبار ما لم يوجد من أجزائها . ٢٨٨ والأصول فى الثمرة كالعين فى المنفعة ، وعدم التمكن من استيفاء المقصود بالعقد موجود فى الموضعين . فأبو ثور طرد القياس الفاسد ، كما طرد الجمهور القياس الصحيح فى وضع الجوائح وإبطال الإجارة . وإن تلفت العين في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقى من المدة، دون ما مضى . وفى انفساخها فى الماضي خلاف شاذ. وتعطل بعض الأعيان المستأجرة يسقط نصيبه من الأجرة ، كتلف بعض الأعيان المبيعة؛ مثل موت بعض الدواب المستأجرة ، وانهدام بعض الدور . وتعطل المنفعة يكون بوجهين : (أحدهما ) تلف العين كموت العبد، والدابة المستأجرة. ( والثانى) زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنح نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع غرقت ، أو انقطع ماؤها . فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهى كالتالفة سواء ، لا فرق بينهما عند أحد من العلماء . وإن زال بعض نفعها المقصود ، وبقي بعضه مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء ويكون زرعا ناقصا، وكان الماء ينحسر عن الأرض التى غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة ، أو نشوء الزرع: ملك فسخ الإجارة ؛ فإن ذلك كالعيب فى البيع - ولم تبطل به الإجارة. وفى إمساكه بالأرش قولان فى المذهب . وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع ٢٨٩ به كما قال الخرقي . فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجرة بمقدار مدة انتفاعه. وإذا بقي من المنفعة ما ليس هو المقصود بالعقد ، مثل أن ينقطع الماء عن الأرض المستأجرة للزرع ، ويمكن الانتفاع بها بوضع حطب ونصب خيمة ، وكذلك الدار المتهدمة يمكن نصب خيمة فيها ، والأرض التى غرقت يمكن صيد السمك منها : فهل تبطل الإجارة هنا ؟ أو يكون هذا كالنقص الذي يملك به الفسخ ؟ علی وجهين : ( أحدهما ) تبطل. وهو قول أكثر العلماء ، كأبى حنيفة ومالك والشافعي فى صورة الهدم ؛ لأن هذه المنفعة لما لم تكن هي المقصودة بالعقد كان وجودها وعدمها سواء . ( والثانى ) يملك الفسخ. وهو نص الشافعي في صورة انقطاع الماء . وقد اختاره القاضي وابن عقيل فى بعض المواضع. والأول اختاره غيرهما من الأصحاب . ٢٩٠ فصل إذا تبين هذا فإذا استأجر أرضا للزرع فقد ينقطع الماء منها . أو تغرق قبل الزرع . وقد ينقطع الماء عنها أو تغرق أو يصيب الزرع آفة بعد زرعها ، وقبل وقت الحصاد ، فما الحكم فى هذه المسائل ؟ . المنصوص عن أحمد والأصحاب وغيرهم في انقطاع الماء : أن انقطاعه بعد الزرع كانقطاعه قبله ، إن حصل معه بعض المنفعة ، وجب من الأجرة بقسط ذلك وإن تعطلت المنفعة كلها فلا أجرة . قال أحمد بن القاسم : سألت أبا عبد الله : عن رجل اكترى أرضاً يزرعها وانقطع الماء عنها قبل تمام الوقت ؟ قال : يحط عنه من الأجرة بقدر ما لم ينتفع بها، أو بقدر انقطاع الماء عنها . فصرح بأن انقطاع الماء بعد الزرع يوجب أن يحط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة ، وعلى هذا أصحابنا من غير خلاف أعلمه . وذكر القاضي وغيره أنه إذا اكترى أرضا للزرع فزرعها . ثم اصابها غرق آفة من غير الشرب ، فلم ينبت لزمه الكراء، وذكر أن أحمد نص على ذلك، وأنها لو غرقت فى وقت زرعها فلم يمكنه الزراعة ٢٩١ لم تلزمه الأجرة لتعذر التسليم ، وكذلك ذكر صاحب التفريع ، مذهب مالك فى الصورتين . فالقاضي يفرق بين الصورتين ، كالنصين المفترقين : يفرق بين انقطاع الماء ، وبين حدوث الغرق وغيره من الآفات ، بأن انقطاع الماء فوات نفس المنفعة المعقود عليها ؛ لأن المعقود عليه أرض لها ماء ، فانقطاع الماء المعتاد بمنزلة عدم التسليم المستحق ، كموت الدابة. والأجرة إنما تستحق بدوام التسليم المستحق . وأما الغرق وغيره من الآفات التى تفسد الزرع فهو إتلاف لعين ملك المستأجر ، فهو كما لو استأجر داراً فتلف له فيها ثوب . وحقيقة الفرق : أنه مع انقطاع الماء لم تسلم المنفعة ، ومع تلف الزرع تسلم المنفعة ؛ لكن حصل ما أتلف ملك المستأجر ، فهو كما لو تلف بعد الحصاد . وسوى طائفة من أصحابنا - كالشيخ أبي محمد - في الإجارة بين انقطاع الماء وحدوث الغرق الذي يمنع الزرع ، أو يضر الزرع ؛ بأن ذلك إن عطل المنفعة أسقط الأجرة ، وإن أمكن الانتفاع معه على تعب من القصور : مثل أن يكون الفرق يمنح بعض الزراعة ، أو يسوء الزرع ثبت به الفسخ ، وإن كان ذلك لا يضر كغرق بماء ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ولا يضره ، وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها الماء من مكان آخر ، أو كان انقطاعه فى زمن لا يحتاج إليه فيه لم ٢٩٢ يكن له الفسخ . وعلى هذه الطريقة ينقل جواب أحمد من مسئلة انقطاع الماء إلى مسئلة غرق الزرع ، ومن مسئلة غرق الزرع إلى مسئلة انقطاع الماء ؛ لأن المعنى فى الجميع واحد . وذلك إن غرق الزرع الحادث قبل الزرع إذا منع من الزرع فالحادث بعده يمنع من نبات الزرع ، كما أن انقطاع الماء يمنع من نبات الزرع ، والمعقود عليه المقصود بالعقد هو التمكن من الانتفاع إلى حين الحصاد ليس إلقاء البذر هو جميع المعقود عليه ، ولو كان ذلك وحده هو المعقود عليه لوجب إذا انقطع الماء بعد ذلك أن لا يملك الفسخ ، ولا يسقط شيء من الأجرة ، ولم يقولوا به ، ولا يجوز أن يقال به ؛ لأنا نعلم يقينا أن مقصود المستأجر الذي عقد عليه العقد هو تمكنه من الانتفاع بتربة الأرض، وهوائها ، ومائها ، وشمسها إلى أن يكمل صلاح زرعه ، فمتى زالت منفعة التراب أو الماء أو الهواء أو الشمس لم ينبت الزرع ، ولم يستوف المنفعة المقصودة بالعقد ، كما لو استأجر داراً للسكنى فتعذرت السكنى بها لبعض الأسباب ، مثل خراب حائط ، أو انقطاع ماء ، أو انهدام سقف ، ونحو ذلك . ولا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط . الأجرة ، أو نقصها، أو الفسخ، وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة ، وانهدام الدار ، وانقطاع ماء السماء : فكذلك حدوث الغرق ، ٢٩٣ وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع . يوضح ذلك أن المقصود المعقود عليه ليس هو مجرد فعل المستأجر الذي هو شق الأرض ، وإلقاء البذر ، حتى يقال : إذا تمكن من ذلك فقد تمكن من المنفعة جميعها ، وإن حصل بعده ما يفسد الزرع، ويمنع الانتفاع به ؛ لأن ذلك منتقض بانقطاع الماء بعد ذلك ؛ ولأن المعقود عليه نفس منفعة الأرض ، وانتفاعه بها ليس هو فعله ؛ فإن فعله ليس هو منفعة له ، ولا فيه انتفاع له ؛ بل هو كلفة عليه وتعب ونصب يذهب فيه نفعه وماله . وهذا بخلاف سكنى الدار ، وركوب الدابة ؛ فإن نفس السكنى والركوب انتفاع ، وبذلك قد نفعته العين المؤجرة . وأما شق الأرض فتعب ونصب ، وإلقاء البذر إخراج مال ، وإنما يفعل ذلك لما يرجوه من انتفاعه بالنفع الذي يخلقه الله في الأرض من الإنبات ، كما قال تعالى: (سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّاتُنِتُ ( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ اُلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ ) وقال : وَالزَّيْتُونَ وَالتَّخِيلَ وَاُلْأَعْنَبَ ) وقال: (فَأَنْبَتْنَافِيَهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونَا وَنَخْلَا ). وليس لقائل أن يقول : إن إنبات الأرض ليس مقدوراً للمستأجر ، ولا للمؤجر ، والمعقود عليه يجب أن يكون مقدوراً عليه ؛ لأن هذا ٢٩٤ غلاف إجماع المسلمين ؛ بل وسائر العقلاء ؛ فإن المعقود عليه المقصود بالإجارة لا يجب أن يكون من فعل أحد المتآجرين ؛ بل يجوز أن يجعل غيرهما من حيوان أو جماد ، وإن كانا عاجزين عن تلك المنفعة : مثل أن يؤجره عبداً أو دابة ، ونفعها هو باختيارها . ومثل أن يؤجره داراً للسكنى ، ونفس الانتفاع بها هو بما خلق الله فيها من البقاء على تلك الصورة ، ليس ذلك من فعل المؤجر . وكذلك جريان الماء من السماء ونبعه من الأرض هو داخل فى المعقود عليه ، وليس هو من مقدور أحدهما . وكذلك إذا آجره منقولا من سلاح أو كتب أو ثياب أو آلة صناعة أو غير ذلك ؛ فإن المنفعة التى فيه ليست من فعل المؤجر . ونظائر ذلك كثيرة. فكذلك نفع الأرض الذي يخلقه الله فيها حتى بنبت الزرع بترابها ومائها وهوائها وشمسها، وإن كان أكثره لا يدخل فى مقدور البشر - هو المعقود عليه المقصود بالعقد ، فإذا تلف هذا المعقود عليه بطل العقد ، وإن بطل بعضه كان كما لو تعطل منفعة غيره من الأعيان المؤجرة ؛ بل بطلان الإجارة أو نقص الأجرة هنا أولى منه فى جوائح الثمر . فإن الذين تنازعوا هناك من أصحاب أبى حنيفة والشافعي حجتهم أن الثمرة تلفت بعد القبض ، فهو كما لو تلفت بعد الجذاذ ، أو بعد ٢٩٥ وقته . وأما هنا فقد اتفق الأئمة على أن المنفعة إنما تقبض - القبض المضمون على المستأجر - شيئا فشيئاً . ولهذا اتفقوا على أنه إذا تلفت العين ، أو تعطلت المنفعة ، أو بعضها فى أثناء المدة سقطت الأجرة أو بعضها ، أو ملك الفسخ. وإنما دخلت الشبهة على من دخلت عليه حيث ظن أن المنفعة المقصودة بالعقد إثارة الأرض ، والبذر فيها . وظن أن تلف الزرع بعد ذلك بغرق أو غيره بمنزلة تلف زرع الزارع بعد الحصاد ، وبمنزلة تلف ثوب له فى الدار المستأجرة . وهذه غفلة بينة لمن تدبر . ولهذا ينكر كل ذي فطرة سليمة ذلك حتى من لم يمارس علم الفقه من الفلاحين ، وشذاذ المتفقهة ، ونحوهم . فإنهم يعلمون أن المعقود عليه هو انتفاع المستأجر منفعة العين المؤجرة ؛ لا مجرد تعبه ونفقته الذي هو طريق إلى الانتفاع ؛ فإن ذلك بمنزلة إسراجه والجامه واقتياده للفرس المستأجرة ، وذلك طريق إلى الانتفاع بالركوب ؛ لا أنه المعقود عليه ، وإن كان داخلا فيه. وكذلك شد الأحمال ، وعقد الحبال ، ونحو ذلك هو طريق إلى الانتفاع بالحمل على الدابة ، وهو داخل فى المعقود عليه بطريق التبع . وإلا فالمعقود عليه المقصود هو نفس حمل الدابة للحمل، والركوب ، وإن كان الحمل نفع الدابة والإسراج والشد فعل المستأجر، فكذلك هنا الشق والبذر ، وإن كان فعله فهو داخل فى الإجارة بطريق التبع ؛ لأنه طريق إلى النفع المعقود عليه المقصود بالعقد ، وهو ٢٩٦ نفع الأرض بما يخلقه فيها من ماء وهواء وشمس . فمن ظن أن مجرد فعله هو المعقود عليه فقد غلط غلطاً بينا باليقين الذي لا شبهة فيه . وسبب غلطه كون فعله أمراً محسوساً لحركته ، وكون نفع الأرض أمرا معقولا لعدم حركتها ، فالذهن لما أدرك الحركة المحسوسة توم أنها هي المعقود عليه ، وهذا غلط منقوض بسائر صور الإجارة ؛ فإن المعقود عليه هو نفع الأعيان المؤجرة ، سواء كانت جامدة كالأرض والدار والثياب، أو متحركة كالأناسي والدواب ؛ لا عمل الشخص المستأجر ؛ وإنما عمل الشخص المستأجر طريق إلى استيفاء المنفعة . فتارة يقترن به الاستيفاء كالركوب واللبس . وتارة يتأخر عنه الاستيفاء كالبناء والغراس والزرع . فإن المعقود عليه حصول منفعة الأرض للبناء والغراس والزرع ؛ لا مجرد عمل البانى الغارس الزارع الذي هو حق نفسه ، كيف يكون حق نفسه هو الذي بذل الأجرة فى مقابلته ؟ وإنما يبذل الأجرة فيما يصل إليه من منفعة العين المؤجرة ، لافيما هو له من عمل نفسه ؛ فإن شراء حقه بحقه محال . ومن تصور هذه قطع بما ذكرناه ، ولم يبق عنده فيه شبهة إن شاء الله . وإذا كان المعقود عليه نفس منفعة العين من أول المدة إلى آخرها ٢٩٧ فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة : بنقص ماء وانقطاعه ، أو بزيادته وتغريقه، أو حدوث جراد، أو برد، أو حر، أو ثلج ، ونحو ذلك مما يكون خارجا عن العادة ومانعا من المنفعة المعتادة ، فإن ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها . فيجب أن يملك الفسخ ، أو يسقط من الأجرة بقدر مافات من المنفعة ، كانقطاع الماء ، وليس بين انقطاع الماء ، وزيادته، وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم . فصل إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنه عليه من الأجرة بقدر ما حصل له من المنفعة . وهذا نوعان : ( أحدهما ) : حصول المنفعة فى بعض زمن الإجارة ، أو بعض أجزاء العين المستأجرة ، فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ، ويجب بقسط ما حصل من المنفعة ، وتكون الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة ، والأزمنة ؛ فإن كلا منهما قد يكون متماثلا ، وقد يكون مختلفا؛ بأن يكون بعض الأرض خيراً من بعض وكرى بعض فصول السنة أغلى من بعض . وقد صرح بذلك أصحابنا، وغيرهم . ( والثانى ) : نقص المنفعة في نفس المكان الواحد والزمان الواحد ؛ ٢٩٨ مثل أن يقل ماء السماء من الوجه المعتاد ، أو يحصل غرق بنقص الزرع ، ونحو ذلك ، فهنا لأصحابنا وجهان : ( أحدهما ) : أنه لا يملك إلا الفسخ. ( والثانى ) - وهو مقتضى المنصوص، وقياس المذهب - أنه يخير بين الفسخ وبين الأرش ، كالبيع ؛ بل هو فى الإجارة أوكد ؛ لأنه فى البيع يمكنه الرد ، والمطالبة بالثمن. وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة، فإنه لا يردها إلا متغيرة . فلو قيل هنا : إنه ليس له إلا المطالبة بالأرش : كما نقول على إحدى الروايتين : إن تعيب المبيع عند المشتري يمنع الرد بالعيب القديم ، ويوجب الأرش - لكان ذلك أوجه ، وأقيس من قول من يقول : ليس له إذا تعقب المنفعة إلا الرد دون المطالبة بالأرش . فهذا قول ضعيف جداً ، بعيد عن أصول الشريعة ، وقواعد المذهب ، وخلاف ما نص عليه أحمد ، وأئمة أصحابه ؛ وإن كان القاضي قد بقوله فى ((المجرد))، ويتبعه عليه ابن عقيل أو غيره ، فالقاضي رضي الله عنه صنف ((المجرد)) قديما، بعد أن صنف ((شرح المذهب )) وقبل أن يحكم ((التعليق)) و(( الجامع الكبير)) وهو يأخذ المسائل التى وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم ، فيجيب فيها بما نص عليه أحمد ٢٩٩ وأصحابه ، وبما تقتضيه أصوله عنده ، فربما حصل في بعض المسائل التى تتفرع وتتشعب ذهول للمفرع فى بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص فى نحو ذلك . وعلى هذا فإذا حصل من الضرر - كالبرد الشديد ، والغرق ، والهواء المؤذي ، والجراد ، والجليد ، والفأر، ونحو ذلك - ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة المستحقة بالعقد ، فيصنع فى ذلك كما يصنع فى أرش المبيع المعيب : تنظر قيمة الأرض بدون تلك الآفة ، وقيمتها مع تلك الآفة ، وينسب النقص إلى القيمة الكاملة ، ويحط من الأجرة المسماة بقدر النقص ، كأن تكون أجرتها مع السلامة تساوي ألفا ، ومع الآفة تساوي ثمانمائة ، فالآفة قد نقصت خمس القيمة ، فيحط خمس الأجرة المسماة ، وكذلك فى جائحة الثمر: بنظركم نقصته الجائحة ؟ هل نقصته ثلث قيمته ، أو ربعها ، أو خمسها ؟ يحط عنه من الثمن بقدره . وكذلك لو تغير الثمر وعاب نظركم نقصه ذلك العيب من قيمته؟ وحط من الثمن بنسبته . وأما ما قد يتوهمه بعض الناس أن جائحة الزرع فى الأرض المستأجرة توضع من رب الأرض ، أو يوضع من رب الأرض بعض الزرع ، قياساً على بائحة المبيع فى الثمر والزرع: فهذا غلط ؛ فإن المشتري للشمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع . فإذا تلفت قبل التمكن من ٣٠٠