النص المفهرس
صفحات 141-160
هذه المعاملة أحل من دفع الأرض بالمؤاجرة ؛ فإن كلاهما مختلف فيه ، والإجارة أقرب إلى الغرر ؛ لأن المؤجر بأخذ الأجرة ، والمستأجر لا يدري: هل يحصل له مقصوده أم لا ؟ بخلاف المشاطرة ، فإنهما يشتركان فى المغنم والمغرم، إن أنبت اللّه زرعا كان لهما، وإن لم ينبت كان عليها ، ومنفعة أرض هذا كمنفعة بذر هذا ، كما في المضاربة . ولا يجوز فى المشاطرة أن يشترط على العامل شيء معين لا دجاج ولا غيره . وأما الشهادة على ذلك فإنها جائزة، ولو كان الشاهد ممن لا يجيزها؛ لأنه عنده مختلف فيه ، والشاهد يشهد بما جرى ؛ لاسيما والمحققون من أصحاب أبى حنيفة والشافعي على مجويزها ، كما هو مذهب فقهاء أهل الحديث . رسل عن مقطع يجمع غلته من الفلاحين ، وفيها غلة نظيفة ، وغلة علثة فى أيام القسم ، وخلطها إلى أيام البذر ، ثم فرقها عليهم خلال ذلك ؟ فأجاب : إذا كانت حنطة بعضهم خيراً من حنطة بعض فليس له أن يخلط ذلك ، وإن كانت الحنطة سواء وقد احتاج إلى الخلط فلا بأس. ١٤١ وسئل رحمه الله عن جندي له أرض خالية . فقال له فلاح: أنا أزرع لك هذه الأرض ، والثلثان لي ، والثلث لك، على أن يقوم للجندي بالثلث المذكور بخراج معين ، وشرط له ذلك، ثم إن الجندي أعطى الفلاح المذكور، وسق بزر كتان يزرعه فى تلك الأرض المذكورة ، وتوفى الجندي قبل إدراك المغل ، فاستولى الفلاح على جميع الزرع ، ومنع الورثة المبلغ المعين . فهل له ذلك ؟ والشرط بغير مكتوب ؟ فأجاب : ما يستحقه الجندي من خراج أو مقاسمة أو غير ذلك فإنه ينتقل إلى ورثته، وسواء كان الشرط مكتوب ، أو غير مكتوب . ومتى شهد شاهد عدل ، أو مزكى ، وحلف المدعى مع الشاهد حكم له بذلك . ١٤٢ ٠ وسئل عن رجل لم يكن فلاحا ، ولا له عادة بزرع . فهل يجوز لأحد أن يزارعه من غير اختياره ؟ أم لا ؟ فأجاب : ليس لأحد أن يكرهه على فلاحة لم يجب عليه ، فإن ذلك ظلم، والله تعالى يقول فيما رواه عنه رسوله: ((يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا )) . بل مثل هذا لا يجوز إكراهه ، لا في الشريعة المطهرة ، ولا فى العادة السلطانية. وسُل عمن يزرع فى أرض مشتركة بغير إذن الشركاء ، ولا أعلمهم ؟ فأجاب : إذا كانت العادة جارية : بأن من يزرع فيها يكون له نصيب معلوم ، ولرب الأرض نصيب ، فإنه يجعل ما زرعه فى مقدار أنصاء شركائه، مقاسمة بينهم على الوجه المعتاد . والله أعلم . ١٤٣ وسل عمن زارع بعض الشركاء فى الأرض المشاعة فى قدر حقه ، إذا امتنع الآخرون من الزرع ؟ فأجاب : إذا امتنع بعض الشركاء عن الإنفاق الذي يحتاج إليه الزرع جاز لبعضهم أن يزرع في مقدار نصيبه ، ويختص بما زرعه في قدر نصيبه ، والله أعلم وسئل عن أرض مشتركة بين اثنين : طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه فأذن ثم تغيب ، فزرع الأول فى أقل من حقه ، فطلب الأول أجرته ؟ فأجاب : إذا طلب أحد الشريكين من الآخر أن يزرع معه أو بهايئه ، وامتنع الآخر من ذلك ، فالأول أن يزرع فى مقدار حقه ، ولا أجرة عليه فى ذلك للشريك ؛ لأنه تارك لما وجب عليه ، والأول ١٤٤ مستوف لما هو حقه . وهو نظير أن يكون بينهما دار فيها بنيان ، فيسكن فيها أحدهما عند امتناع الأول مما وجب عليه . وسئل رحمه اللّه عن امرأة دفعت إلى إنسان مبلغ درام ليزرع شركة ، وقد ذكر أنه زرع ، ثم بعد ذلك دفع إليها أربعين ، وذكر أنه من الكسب ، ورأس المال باق ، ثم دفع لها خمسين درهما ، وقال : هذا من جملة مالك ، وبقى من الدرام مائة خارجا عن الكسب ، فطلبتها منه ، فقال : الأربعون من جملة المائة ، ولم يبق لك سوى ستين ، فهل لها أن تأخذ المبلغ ، وما تكسب شيئاً ؟ فأجاب : إذا دفعت إليه المال مضاربة ، وأعطاها شيئاً ، وقال : هذا من الربح كان لها المطالبة بعد هذا برأس المال . ولم يقبل قوله : إن تلك الزيادة كانت من رأس المال . والله أعلم. ١٤٥ وسئل رحم اللّه عن قرية وقف على جهتين مشاعة بينهما . فصرف العامل على إحدى الجهتين إلى فلاحيها قدراً معلوماً من القمح وغيره برسم الزراعة . فزرعه الفلاحون فى الأرض المشتركة ، ولم يصرفوا بجهة أخرى شيئاً ، وقد طلب أرباب الجهة الأخرى مشاركتهم فيما حصل من البذر الذي صرفه العامل إلى الفلاحين . فهل لهم ذلك ؟ أم لا ؟ وهل القول قول العامل فيما صرفه وادعى أنه مختص بإحدى الجهتين ؟ أم لا ؟ وإذا اختص الربع بإحدى الجهتين . هل يجوز لأحد منازعتهم ؟ أم لا ؟ فأجاب : ليس لأرباب الجهة الأخرى مشاركة أرباب البذر ، كما يشاركونهم لو بذروا ؛ لكن إذا لم يمكن الفلاحين البذر وحده الشيوع الأرض ، وامتناع الشركاء من المقاسمة ، والمعاونة ، فالزرع كله لرب البذر ، إذا زرع فى قدر ملكه المشاع ، وإن جعل ما زرع فى نصيب التارك مزارعة من أرباب البذر بالمبذور من الآخر من الأرض ، والعمل للعامل ، ويقسم الزرع بينهم ، كما لو اشتركا فى هذا ، على ما جرى به العرف فى مثل ذلك ؛ إذ العامل ليس بغاصب ؛ بل مأذون له عرفا فى الازدراع . ١٤٦ وسئل عن رجل شارك في قطعة أرض ليزرعها فأخر تحضيرها من وقت استحقاقه تفريطا منه ، فنقصت بسبب ذلك مقدار النصف . فهل للشريك النقص بسبب ما فرط ؟ فأجاب : إذا كان الشريك قد فرط في مال شريكه ، مثل أن يبذره في غير الوقت الذي يبذر مثله ، أو فى أرض ليست على الوصف الذي اتفقا عليه، ونحو ذلك . كان من ضمان شريكه ، وأقل ما عليه مثل رأس المال . والله أعلم وسئل عن عامل لرب الأرض فيها حب من العام الماضي يسمى الزريح ، عامله على سقيه ، على أن يكون الثلث بينهما ؟ فأجاب : أن هذه معاملة صحيحة ، ويستحق العامل ماشرط له ، إذا كان المقصود حصول الزرع بعمله ، سواء كان العمل قليلا أو كثيراً . والله أعلم . ١٤٧ وسئل رحم الله عمن له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها ؟ فأجاب : له قيمتها بعد الفسخ حتى يحكم بلزومها ، أو عدمه ؛ وليس كعامل المساقاة ؛ لعدم الجامع بينهما . والفرق أن المعقود عليه فى المساقاة الثمرة ، وهي معدومة ؛ لا العمل ، فإذا أعرض عن المعقود قبل وجوده لم يستحق منه شيئا . وبهذا صرح الأصحاب : بأنه بعد وجود الثمرة على استحقاق نصيبه فيها ، ويلزمه تمام العمل . وفى الشركة المعقود عليه المال والعمل : فالمال لابد من وجوده ، والعمل إن وجد بعضه استحق مع الفساد ، ولفسخ مؤجر أجرة عمله . ١٤٨ وسئل عن رجل يزرع من كسبه على بقرة بأرض السلطان ، أو بأرض مقطع ، ويدفع العشر على الذي له ، والذي للمقطع . فهل يحل له أن يسرق من وراء المقطع شيئاً ؟ أم لا؟ فأجاب : إذا كان الفلاح مزارعا: مثل أن يعمل بالثلث ، أو الربح، أو النصف ، فليس عليه أن يعشر إلا نصيبه ، وأما نصيب المقطع فعشره عليه . ومن قال : إن العشر جميعه على الفلاح ، والمقطع يستحق نصيبه من الزرع ، فقد خالف إجماع المسلمين ؛ ولكن للعلماء في المزارعة قولان : أحدهما: أنها باطلة، وأن الزرع جميعه لصاحب البذر ، وعليه العشر جميعه ، ولرب الأرض قيمة الأرض ، فمن كان من المقطعين يرى العشر كله على الفلاح، فتمام قوله أن يعطيه الزرع كله، ويطالبه بقيمة الأرض. والقول الثانى - وهو الصحيح الذي مضت به سنة رسول الله ١٤٩ صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين ، وعليه العمل - أن المزارعة صحيحة . فعلى هذا يكون للمقطع نصيبه ، وعليه زكاة نصيبه ، وللفلاح نصيبه ، وعليه زكاته . فإذا كانوا يلزمون الفلاح بالعشر الواجب على الجندي، فيؤدي العشر على الجندي من مال الجندي . كما يظهر ذلك . فإن هذا حق بين لا نزاع فيه بين العلماء ؛ ليس حقاً خفياً، ولا يمكن الجندي جحده. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) فإن وجوب النفقة للزوجة والولد حق ظاهر ، لا يمكن أبا سفيان جحده . وهذا مثل قوله: ((أد الأمانة إلى من انتمنك، ولا تخن من خانك)) وفى رواية (( إن لنا جيراناً لا يدعون لنا شاذة ، ولا فاذة، إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء. أفنأخذه؟ فقال : أد الأمانة إلى من انتمنك، ولا تخن من غانك)) لأن الحق هنا خفي ، لا يفوته الظلم . فإذا أخذ شيئاً من غير استحقاق ظاهر كان خيانة . والله سبحانه أعلم . ١٥٠ باب الإجارة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل أجر رجلا أرضا فيها شجر مثمر ، بأجرة معلومة ، مدة معلومة ، وبياضا لا تساوى الأجرة ، وإنما الأجرة بعضها يوازى البياض ، وبعضها فى مقابلة الثمرة ، وكتبا كتاب الإجارة بعقد الإجارة على الأرض مساقاة على الشجر المثمر . فهل يصح ذلك ؟ أم لا ؟ وإذا صح: فهل يدخل أشجار الجوز المثمر مع كونه مثمراً جميع ما له نمرة؟ فهل للمؤجر أن يخصص البعض دون البعض مع كونه مثمراً ؟ أم لا؟ وهل إذا كان عقد المساقاة يجزء من الثمرة مما تعم به البلوى ورأى بعض الحكام جوازه فهل لغيره من الحكام إبطاله ؟ أم لا؟. فأجاب : ضمان البساتين التى فيها أرض وشجر عدة سنين هو الصحيح الذي اختاره ابن عقيل ، وغيره . وثبت عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب أنه ضمن حديقة لأسيد بن الحضير بعد موته ثلاث سنين ، ووفى بالضمان دينه . وهذه كثيرة لا تحتمل الفتيا تقريرها . ١٥١ فهذه الضمانات التى لبسانين دمشق الشتوية التى فيها أرض وشجر ضمانات صحيحة، وإن كان قد كتب فى المكتوب إجارة الأرض والمساقاة على الشجر ، فالمقصود الذي اتفقا عليه هو الضمان المذكور ، والعبرة فى العقود بالشروط التى اتفق عليها المتعاقدان ، والمقاصد معتبرة . فإذاً العقد الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، هو بيع الثمر المجرد ، كما تباع الكروم فى دمشق ، بحيث يكون السعي والعمل على البائع ، والضمانات شبيهة بالمؤاجرات . ء وسئل عمن أجر بياضا مبلغها أربعة أسهم من مزرعة البستان، والمقصبة المستديرة : فهل يجوز إيجار. المقصبة فى إيجار بياض الأرض لحصته المذكورة ؟ فأجاب : يجوز إجارة منبت القصب ليزرع فيها المستأجر قصباً ، وكذلك إجارة المقصبة ليقوم عليها المستأجر ويسقيها ، فمنبت العروق التى فيها بمنزلة من يسقى الأرض لينبت له فيها الكلا بلا بذر . ١٥٢ وسئل عن رجل سجل أرضاً ليزرعها أول سنة كنانا ، وثانى سنة فولاً . فقصد المؤجر أن يأخذ زائداً : كونه زرعها كتانا ، فما يجب عليه ؟ . فأجاب : إن استأجرها على أن يزرع فيها نوعاً من الحبوب لم يكن له أن يزرع ما هو أشد ضرراً، وإذا زرع ما هو أشد ضرراً كان للمؤجر مطالبته بالقيمة ، وإن استأجرها ليزرع فيها ما شاء فله ذلك ، ولا شيء على المستأجر إذا زرع فيها ما شاء . والله أعلم. وسئل عن رجل استأجر أرض بستان ، وساقاه على الشجر ، ثم إن الآخر قطع بعض الشجر الذى يثمر . فهل يجوز له أن يقطعها قبل فراغ الإجارة؟ وهل يلزم قيمة ثمرتها للمستأجر ؟ . فأجاب: الحمد لله. إذا قطعها نقص من العوض المستحق بقدر ما نقص من المنفعة التى يستحقها المستأجر . وهذا وإن كان في اللفظ إجارة ١٥٣ الأرض ، ومساقاة الشجر ، فهو فى المعنى المقصود عوض عن الجميع ؛ فإن المستأجر لم يبذل العوض إلا ليحصل له مع زرع الأرض ثمر الشجر. وقد تنازع العلماء فى صحة هذا العقد . وسواء قيل بصحته ، أو فساده، فما ذهب من الشجر ذهب ما يقابله من العوض ، سواء كان بقطع المالك ، أو بغير قطعه . والله أعلم . وسئل رحمه الله عمن استأجر أرض بستان من مشارف الأجناس مدة ، ثم توفى المستأجر وخلف أولادا ، والأجرة مقسطة : فى كل سنة عشرون درهماً، وقد طلب من أولاد المستأجر المتوفى تعجيل الأجرة بكالها . فهل يلزم الأولاد جميع الأجارة؟ أو يأخذ منهم على أقساطها فى كل سنة ؟ . فأجاب : لا يجب على أولاده تعجيل جميع الأجرة - والحال هذه - لكن إذا لم يثق أهل الأرض بذمتهم ، فلهم أن يطالبوم بمن يضمن لهم الأجرة في أقساطها . وهذا على قول من يقول : إن الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه ظاهر. وأما على قول من يقول: إنه يحل عليه (١) وكذلك هنا على (١) بياض بالأصل. ١٥٤ الصحيح من قولي العلماء ؛ لأن الوارث الذي ورث المنفعة عليه أجرة تلك المنفعة التى استوفاها ؛ بحيث لو كان على الميت ديون لم يكن للوارث أن يختص بمنفعة ، وبزاحم أهل الديون بالأجرة ؛ بناء على أنها من الديون التى على الميت . كما لو كان الدين تمن مبيع نافذ؛ بمنزلة أن تنتقل المنفعة إلى مشتر أو متهب ، مثل أن يبيع الأرض أو يهبها أو يورث ، فإن الأرض من حين الانتقال تلزم المشترى ، والمتهب ، والولد : فى أصح قولي العلماء ، كما عليه عمل المسلمين ؛ فإنهم يطالبون المشترى والوارث بالحكر قسطاً ، لا يطالبون الحكر جميعه من البائع . أو تركة الميت ؛ وذلك لأن المنافع لا تستقر الأجرة إلا باستيفائها ، فلو تلفت المنافع قبل الاستيفاء سقطت الأجرة بالانفاق . ولهذا كان مذهب أبى حنيفة وغيره أن الأجرة لا تملك بالعقد ؛ بل بالاستيفاء ، ولا تملك المطالبة إلا شيئاً فشيئاً ، ولهذا قال : إن الإجارة تنفسيخ بالموت . والشافعي وأحمد وإن قالا : تملك بالعقد ، وتملك المطالبة إذا سلم العين ، فلا نزاع أنها لا تجب إلا باستيفاء المنفعة ، ولا نزاع في سقوطها بتلف المنافع قبل الاستيفاء . ولا نزاع أنها إذا كانت مؤجلة لم تطلب إلا عند محل الأجل . فإذا خلف الوارث ضامنا وتعجل الأجل الذي لم يجب إلا مؤخرا مع تأخير استيفاء حقه من المنفعة ، كان هذا ظلما له ، مخالفاً للعدل الذي هو ١٥٥ مبنى المعاوضة ، وإذا لم يرض الوارث بأن تجب عليه الأجرة ، وقال المؤجر أنا ما أسلم إليك المنفعة لتستوفى حقك منها ، فأوجبنا عليه أداء الأجرة حالة من التركة ، مع تأخر المنفعة : تبين ما في ذلك من الحيف عليه . وأما إذا كان المؤجر وقفاً ونحوه . فهنا ليس للناظر تعجيل الأجرة كلها ، بل لو شرط ذلك لم تجز ؛ لأن المنافع المستقبلة إذاً لم يملكها . وإنما يملك أجرتها ما يحدث فى المستقبل ، فإذا تعجلت من غير حاجة إلى عمارة كان ذلك أخذاً لما لم يستحقه الموقوف عليه الآن . وأجاب : لا يلزم تعجيل الأجرة فى أصح قولي العلماء ؛ لا سيما إذا كان المستأجر حبساً ، فإن تعجيل الأجرة فى الحبس لا يجوز إلا لعمارة ونحوها ؛ لأن منافع الحبس يستحقها الموقوف عليه طبقة بعد طبقة . وكل قوم يستحقون أجرة المنافع الحادثة فى زمانهم ، فإن تسلفوا منفعة المستقبل كانوا قد أخذوا عوض ما لم يستحقوه من الوقف ، وهذا لا يجوز ؛ لكن إذا طلب أهل المال من ورثة المستأجر ضمينا بالأجرة ، فلهم ذلك. ويبقى المال فى ذمة الورثة مع ضامن خبير لأهل الوقف من يسكنه مع أنه لو لم يكن وقفا لم يحل بموت المدين . وكذلك على قول من يقول بحلوله ، في أظهر قوليهم ؛ إذ يفرقون بين الإجارة وغيرها ، كما يفرقون فى الأرض المحتكرة إذا بيعت أو ١٥٦ ورثت ، فإن الحكم يكون على المشتري والوارث، وليس لهم أخذه من البائع ، وتركة الميت : في أظهر قوليهم . وسل عن رجل استأجر بستانا مدة عشر سنين وقام بقبض مبلغ الأجرة ، ثم توفي لانقضاء خمس سنين من المدة ، وبقى فى الإجارة خمس سنين ، وله ورثة ، وأقاموا ورثة المتوفى بعد مدة سنة من وفاته . فهل يجوز للمالك فسخ الإجارة على الأيتام ؟ أم لا ؟. فأجاب : ليس للمؤجر فسخ الإجارة بمجرد موت المستأجر عند جماهير العلماء ؛ لكن منهم من قال: إن الأجرة على المستأجر تحل بموته، وتستوفى من تركته ، فإن لم يكن له تركة فله فسخ الإجارة . ومنهم من يقول : لا تحل الأجرة إذا وثق الورثة برهن أو ضمين يحفظ الأجرة؛ بل يوفونه كما كان يوفيها الميت ، وهذا أظهر القولين . والله أعلم. ١٥٧ وسئل رحمه الله عن أقوام ساكنين بقرية من قرى الفيوم والقرية قريبة من الجيل يرى فيها بعض السنين النصف ، فلما كان فى هذه السنة كتب على المشايخ إجارة البلدى مدة ثلاث سنين قبل خلو الأرض من الإجارة الماضية ، وقبل فراغ الأرض من الزرع . فهل تنصح هذه الإجارة؟ . فأجاب : أما إذا كانوا مكرهين على الإجارة بغير حق لم تصح الإجارة، ولم تلزم بلا نزاع بين الأئمة . وأما لو كانوا استأجروها مختارين، أو مكرهين بحق ، وكانت حين الإجارة في إجارة آخرين ، فهذه تسمى الإجارة المضافة . كما عليه المسلمون فى غالب الأعصار والأمصار ، إذ لا محذور فيها ببطل الإجارة، كعقد البيع، فلا فرق بين أن تكون المنفعة على العقد أولا تكون . وكون المستأجر لا يقبض عقيب العقد لا يضر ، فإن القبض يتبع موجب العقد ، ومقتضاه ، فإن اقتضى القبض عقيبه وجب قبضه عقيبه ، وإن اقتضى تأخر القبض وجب القبض حين أوجبه العقد ؛ إذ المقبوض ١٥٨ فى العقد ليس مما أوجبه الشارع على صفة معينة ؛ بل المرجع في ذلك إلى ما أوجبا فى العقد . ولهذا لو باع نخلا لم تؤبر كان الثمر للبائع عند مالك والشافعي والإمام أحمد . كما دلت عليه السنة ، وكان للبائع أن يدخل لأجل تمره. وإن كان ذلك ينافى القبض التام : فلو باع أمة مزوجة كانت منفعة البضع على ملك الزوج لم تدخل فيما يقبضه المشترى لنفسه باتفاق الأئمة الأربعة ، وكذلك العين المؤجرة عند أكثر العلماء ؛ فلهذا صح عند طوائف منهم استيفاء منفعة العين فى البيع والهبة والوقف والعتق. وغير ذلك. كما اقتضى حديث (٢) كما هو مذهب مالك وأحمد. ولهذا لو أقبض العين المؤجرة كانت فى المنفعة مع خراج تصرف المستأجر فيها باقية على ضمان المؤجر ، فلو تلفت بآفة سماوية كانت من ضمافه باتفاق المسلمين وكذلك يقول مالك وأحمد وغيرهما في بيع الثمار ، إذا أصابتها جائحة . وبالجملة فلا يحرم من العقود إلا ما حرمه نص أو إجماع أو قياس فى معنى ما دل على النص أو الإجماع ، فكل ذلك منتف فى الإجارة المضافة ، وإذا استأجر الأرض وفيها زرع للغير فإنه يبقى لصاحبه بأجرة المثل كما تبقى لو لم يؤجر الأرض . والله أعلم. (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( مؤبرة). (٢) هنا سقط ١٥٩ وسئل عن رجل استأجر حانونا ، وقد جاء إنسان زاد عليه فى الحوانيت فقدمه . فهل تفسخ إجارة المستأجر الحانوت الواحد ؟ أم لا؟. فأجاب : الحمد لله. إذا استأجرها من المالك، أو وكيله ، أو وليه ، لم يكن لأحد أن يقبل عليه زيادة، ولا يخرجه قبل انقضاء مدته ، وإن لم يكن بينها كتاب ولا شهود ، بل من قال : اذهب اكتب عليك إجارة فأشهد عليه المستأجر بالإجارة ، ومكنه المؤجر من السكنى ، فهذه إجارة لازمة . والله أعلم. رسل عن رجل زاد على قوم فى بيت ليسكن فيه . فهل يأثم بذلك ؟ وهل يجب تعزيره على ذلك ؟ . فأجاب: قد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (((لا يحل لمسلم أن يسوم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)) فإذا ١٦٠