النص المفهرس
صفحات 121-140
شيئا أخذ صاحب الأرض مثله ، ونصف التبن أيضاً . فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله. المزارعة على الأرض بشطر ما يخرج منها جائز، سواء كان البذر من رب الأرض ، أو من العامل . وهذا هو الصواب الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين . فإن النبى صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ، من تمر ، وزرع ، على أن يعمروها من أموالهم ، وهذا مذهب أكثر الصحابة ، والتابعين . وجواز المزارعة على الأرض البيضاء هو مذهب الثوري ، وابن أبى ليلى، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف ، ومحمد، والمحققون من أصحاب الشافعي العلماء بالحديث ، وبعض أصحاب مالك وغيرهم . وكذلك يجوز على أصح القولين فى مذهب أحمد وغيره أن يكون البذر من العامل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر. وتشبيه ذلك بمال المضاربة فاسد ؛ فإن البذر لا يعود إلى باذره ، كما يعود مال المالك . والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة هو أنهم كانوا يعاملون ، ويشترطون للمالك منفعة معينة من الأرض ، وهذا ١٢١ باطل بالاتفاق . كما لو اشترط درام مقدرة فى المضاربة، أو ربح صنف بعينه من السلع . والمساقاة والمزارعة والمضاربة ليست من أنواع الإجارة التى يشترط فيها تقدير العمل والأجرة ، فإن تلك يكون المقصود فيها العمل ؛ وإنما هي من جنس المشاركة ، فإنهما يشتركان بمنفعة بدن هذا ومنفعة مال هذا ، وهما مشتركان فى المغنم والمغرم . وكان آل أبى بكر بزارعون، وآل عمر بزارعون، وآل ابن مسعود يزارعون ، وهذا عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى اليوم . وهي كانت فيهم أظهر من كراء الأرض بالدرام ، والدنانير ، فإنها أبعد عن الظلم والغرور ، وأقرب إلى العدل الذي ثبتت عليه المعاملات. وأما مؤنة الحصادين فعلى من اشترطاه؛ إن اشترطا المؤنة عليهما ، فهي عليهما ، وإن شرطاها على أحدهما فهي عليه ، وفى الإطلاق نزاع. ولهما اقتسام الحب ، والتبن ، والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجل استأجر أرضاً بجزء من زرعها ، وتسلمها ، ولم يزرعها . فهل للمالك عليه أجرة المثل ؟ . ١٢٢ فأجاب: الحمد لله . هذه مختلف فى صحتها . وظاهر المذهب عندنا صحتها ، ثم سواء سميت إجارة ، أو مزارعة: فأحمد يصححها في غالب نصوصه ، وسماها إجارة . وقال أبو الخطاب وغيره : هي المزارعة ببذر العامل . وأما القاضى وغيره فصححوها ، وأبطلوا المزارعة بيذر من العامل . وإذا كانت صحيحة ضمنت بالمسمى الصحيح . وهنا ليس هو فى الذمة ، فينظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه . وإذا جعلناها مزارعة وصححناها فينبغي أن تضمن بمثل ذلك ؛ لأن المعنى واحد ، وإن أفسدناها وسميناها إجارة ، ففي الواجب قولان : أحدهما : أجرة المثل ، وهو ظاهر قول أصحابنا ، وغيرهم . والثانى : قسط المثل ، وهذا هو التحقيق . وأجاب بعض الناس : أن هذه إجارة فاسدة ، فيجب بالقبض فيها أجرة المثل . ١٢٣ وسئل رضى اللّهعنـ عما إذا كان من أحدهما أرض ، ومن آخر حب . إلخ ؟ فأجاب : وكذلك إذا تعاملا بأن يكون من رجل أرض ، ومن آخر حب ، أو بقر ، أو من رجل ماء ، ومن رجل حب ، وعنب ، ففيه قولان ، هما روايتان عن أحمد . والأظهر جواز ذلك . وكذلك إذا استأجره ليطحن له طحينا بثلثه، أو ربعه . أو يخبز له رغيفا بثلثه ، أو ربعه. أو يخيط له ثيابا بثلثها، أو ربعها. أو يسقى له زرعا بثلته ، أو ربعه . أو يقطف له تمراً بثلته ، أو ربعه، فهذا ومثله جائز في ظاهر مذهب أحمد ، وغيره . وكذلك إذا أعطاه ماءه ليسقي به قطنه ، أو زرعه ، ويكون له ء ربعه ، أو ثلثه . فإن هذا جائز أيضا . سواء كان الماء من هذا . وهذا من جنس المشاركة؛ لا من جنس الإجارة ، وهو بمنزلة المساقاة؛ والمزارعة . والصحيح الذي عليه فقهاء الحديث : أن المزارعة جائزة ، سواء كان البذر من المالك ، أو من العامل ، أو منها . وسواء كانت أرض ١٢٤ بيضاء ، أو ذات شجر ، وكذلك المساقاة على جميع الأشجار . ومن منع ذلك ظن أنه إجارة بعوض مجهول ، وليس كذلك ، بل هو مشاركة كالمضاربة ، والمضاربة على وفق القياس ، لا على خلافه ، فإنها ليست من جنس الإجارة ، بل من جنس المشاركات ، كما بسط الكلام على هذا فى موضعه . وسئل رحم الله عمن رابع رجلا . صورتها : أن الأرض لواحد ، ومن آخر البقر والبذر ، ومن المرابع العمل . على أن لرب الأرض النصف ، ولهذين النصف، للمرابع ربعه، فبقى فى الأرض فما نبت ، ونبت فى العام الثانى من غير عمل ؟ فأجاب : إن كان هذا من الأرض ، ومن الحب المشترك ، ففيه قولان: ((أحدهما)) أنه لصاحب الأرض فقط. و ((الثاني ) يقسم بينهم على قدر منفعة الأرض ، والحب . وهذا أصح القولين . ١٢٥ وسئل عن رجل له أرض أعطاها لشخص مغارسة بجزء معلوم ، وشرط عليه عمارتها ، فغرس بعض الأرض ، وتعطل ما فى الأرض من الغرس. فهل يجوز قلع المغروس ؟ أم لا؟ وهل للحاكم أن يلزمهم بقلعه ؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إذا لم يقوموا بما شرط عليهم كان لرب الأرض الفسخ ، وإذا فسخ العامل ، أو كانت فاسدة ، فلرب الأرض أن يتملك نصيب الغارس بقيمته ، إذا لم يتفقا على قلعه . والله أعلم . وسل عن رجل غرس غراساً فى أرض بإذن مالكها، ثم توفى مالكها عنها، وخلف ورثة ، فوقفوا الأرض على معينين ، فتشاجر الموقوف عليهم وصاحب الغراس على الأجرة ، فماذا يلزم صاحب الأرض ؟ فأجاب : الحمد لله . إذا كان الغراس قد غرس بإذن المالك بإعارة ١٢٦ أو بإجارة ، وانقضت مدنه ، أو كانت مطلقة ، فعلى صاحب الغراس أجرة المثل ، تقوم الأرض بيضاء لاغراس فيها ، ثم تقوم وفيها ذلك الغراس ، فما بلغ فهو أجرة المثل ، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن جندي أقطع له السلطان إقطاعا ، وهو خراج أرض ، وتلك الأرض كانت مقطعة لجندي - توفى إلى رحمة الله تعالى - بعد أن زرعها ببذره وبقره، فحكم له الديواني السلطانى أن يأخذ شطر الزرع ، وورثة المتوفى شطره بعد أن يأخذ من حملة الزرع نصف العشر ، ثم يدفع لورثة المتوفى المزارع ربع الشطر الذي له ؛ لأن السلطان يأخذ لورثة المتوفى ربع الخراج ، وله ثلاثة أرباعه . فهل تجوز هذه القسمة ، ويجوز أخذ الخراج على هذه الصورة . وإذا لم يكن ذلك جائزاً ، فكيف يكون الحكم فيه على مقتضى الشرع الشريف ؟ ثم إن أهل الديوان أمروه أن يأخذ من ورثته بذر هذه الأرض فى السنة الآتية ، تكون عنده قرضاً بحجة برسم عمارة الإقطاع، ويعيده لهم على سنتين . فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ فأجاب : هذا الإقطاع ليس إقطاعا بمجرد خراج الأرض كما ظنه السائل ؛ بل هو إقطاع استغلال ؛ فإن الإقطاع نوعان : إقطاع تمليك ، ١٢٧ كما يقطع الموات لمن يحييه بتملكه . وإقطاع استغلال : وهو إقطاع منفعة الأرض لمن يستغلها ، إن شاء أن يزرعها ، وإن شاء أن يؤجرها. وإن شاء أن يزارع عليها . وهذا الإقطاع هو من هذا الباب ؛ فإن المقطعين لم يقطعوا مجرد خراج واجب على شيء من الأرض بيده ، كالخراج الشرعي الذي ضربه أمير المؤمنين عمر على بلاد العنوة ، وكالأحكار التى تكون في ذمة من استأجر عقارا لبيت المال ، فمن أقطع ذلك فقد أقطع خراجاً . وأما هؤلاء فأقطعوا المنفعة . وإذا عرف هذا . فإذا انفسخ الإقطاع في أثناء الأمر؛ إما لموت المقطع ، وإما لغيره ، وأقطع لغيره : كانت المنفعة الحادثة للمقطع الثانى، دون الأول ؛ بحيث لو كان المقطع الأول قد أجر الأرض المقطعة ثم انفسخ إقطاعه انفسخت تلك الإجارة ، كما تنفسخ إجارة البطن الأول ، إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني ، في أصح الوجهين . وإذا كان كذلك فإن كان الإقطاع انتقل في نصف المدة . كان الثانى نصف المنفعة ، وإن كان في ربعها الماضي كان له ريع المنفعة . فإن كان أهل الديوان أعطوا الثاني ثلاثة أرباع المنفعة المستحقة بالإقطاع ، والأول الربع ؛ لكون الثانى قام بثلاثة الأرباع بمائة ، استحق الإقطاع . ١٢٨ مثل أن يخدم ثلاثة أرباع المدة المستوفية للمنفعة، فقد عدلوا فى ذلك. ثم إن المقطع الأول لما ازدرعه بعمله وبذره وبقره ، وصار بعض المنفعة مستحقا لغيره ، صار مزهرعا فى أرض الغير ؛ لكن ليس هو غاصباً يجوز إتلاف زرعه؛ بل زرعه زرع محترم ، كالمستأجر . وأولى. فهنا للفقهاء ثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون الزرع للمزدرع ، وعليه أجرة المثل لمنفعة الثانى. والثانى: أن يكون الزرع لرب الأرض ، وعليه ما أنفقه الأول على زرعه . وهذان القولان معروفان . فمن زرع فى أرض غيره بغير إذنه : هل الزرع للمزدرع ؟ أو لرب الأرض يأخذه ويعطيه نفقته ؟ كما في السنن عن رافع بن خديج أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته)) على القولين . والمسألة معروفة . وهذا الثانى مذهب أحمد وغيره . والأول مذهب الشافعي وغيره. والمزدرع في صورة السؤال ليس غاصباً ؛ لكن بمنزلة أنه مما بعد زرع فى أرض الغير بغير إذنه ، فهو كما لو انجر في مال يظنه لنفسه ، فبان أنه لغيره . وفى هذه المسألة ((قول ثالث)) هو الذي حكم به أهل الديوان . (١) الحديث ورد في سنن أبي داود برقم ٢٩٠٤، وفي سنن الترمذي برقم ١١٠٢ بلفظ (وله ). ١٢٩ وهو الذي قضى به عمر بن الخطاب فى نظير ذلك ، وهو أصح الأقوال؛ فإنه كان قد اجتمع عند أبى موسى الأشعري مال للمسلمين يريد أن يرسله إلى عمر ، فمر به ابنا عمر . فقال: إنى لا أستطيع أن أعطيكما شيئاً ؛ ولكن عندي مال أريد حمله إليه ، غذاء اتجرابه، وأعطوه مثل المال ، فتكونان قد انتفعتها ، والمال حصل عنده ، مع ضمانكما له . فاشتريا به بضاعة ، فلما قدما إلى عمر قال : أكل العشر أقرم مثل ما أقركما ، فقالا: لا ، فقال معا الربح كله فى بيت المال ، فسكت عبد الله . وقال له عبيد الله: أرأيت لو ذهب هذا المال أما كان علينا ضمانه ؟ فقال بلى ! قال : فكيف يكون الريح للمسلمين والضمان علينا ؟ ! فوقف عمر . فقال له الصحابة : اجعله مضاربة بينهما ، وبين المسلمين ، لهما نصف الريح وللمسلمين النصف ، فعمل عمر بذلك . وهذا أحسن الأقوال التى تنازعها الفقهاء في مسألة التجارة بالوديعة ، وغيرها من مال الغير ، فإن فيها أربعة أقوال فى مذهب أحمد ، وغيره، هل الريح لبيت المال بناء على أنه (١) المال ؟ أو الريح للعامل ؛ لأن الملك حصل له باشتراء الأعيان فى الذمة ، ويتصدقان بالريح ؛ لأنه خبيث ، أو يقتما بينها . كالمضاربة. وهذا الرابع الذي فعله عمر ، وعليه اعتمد من اعتمد من الفقهاء في (١) بياض في الأصل. ١٣٠ جواز المضاربة . ومسألة المزارعة كذلك أيضاً ، فإن هذا ازدراع فى الأرض يظنها لنفسه ، فتبين أنها أو بعضها لغيره ، فجعل الزرع بينهما مزارعة. والمزارعة المطلقة تكون مشاطرة ، لهذا نصف الزرع ، ولهذا نصفه ؛ فلهذا جعل للأول نصف الزرع كالعامل فى المزارعة ، ويجعل النصف الثانى للمنفعة المقطعة . والأول قد استحق ربعها فيجعل له النصف ، وربع النصف؛ بناء على ما ذكر. والثانى ثلاثة أرباع النصف . وهذا أعدل الأقوال فى مثل هذه المسألة ؛ بل حقيقة الأمر أن المقطع الثانى مخير : إن شاء أن يطالب من ازدرع فى أرضه بأجرة المثل ، وإن شاء أن يجعلها مزارعة ، كما يخير ابتداء . وأما إذا قيل: بأن له أخذ الزرع ، وعليه نفقة الأول ، فهذا أبلغ . وقد تضمن هذا الجواب أن المزارعة يجوز أن يكون البذر فيها من العامل ، وهذا هو الصواب المقطوع به ، وإن سماه بعض الفقهاء مخابرة، فإنه قد ثبت فى الصحيح: ((أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من الأرض من تمر وزرع ، على أن يعمروها من أموالهم )) وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جوزوا ذلك، كما كانوا يزارعون ، كآل أبى بكر، وآل عمر، وآل علي بن أبي طالب ، وغيرم . ١٣١ والذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من المخابرة إنما كانوا يعملونه ، وهو أن يشترطوا لرب الأرض زرع بقعة بعينها ، فهذا هو المنهي عنه ، كما جاء مفسراً في الحديث الصحيح . وأما القوة التى تجعل في الأرض فإنها ليست قرضاً محضاً كما يظنه بعض الناس . فإن القرض المطلق هو بما يملكه المقترض ، فيتصرف فيه كما شاء . وهذه القوة مشروطة على من يقبضها أن يبذرها في الأرض، ليس له التصرف فيها بغير ذلك، فقد جعلت قوة فى الأرض ينتفع (بها](١) كل من يستعمل الأرض من مقطع وعامل ؛ إذ مصلحة الأرض لا تقوم إلا بها، كما لو كان فى الأرض صهريج ماء ينتفع به، ولهذا يقال : من دخل على قوة خرج على نظيرها . وإذا كان الصهريج ملآن ماء عند دخولك ، فاملا. عند خروجك . وحقيقة الأمر أن للسلطان أن يشترط على المقاطعة أن يتركوا فى الأرض قوة ، وهذا من المصلحة ، وإذا كان الأول قد ترك فيها قوة ، والثانى محتاج إليها ، فرأى من ولى من ولاة الأمر أن يجعل عطاءها للأول بقسطه بحسب المصلحة ، كان ذلك جائزاً . وإذا جرت العادة بأن من دخل على قوة خرج على نظيرها ومن أعطى قوة من عنده استوفاها مؤجلة : كان إقطاع ولي الأمر بهذا (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٣٢ الشرط ، وذلك جائز ؛ فإن الزرع إنما ملكه بالإقطاع ، وأورث الأول ما استحقه قبل الموت . وأما نصف العشر المذكور فلم يذكر وجهه، حتى يفتى به . وإقطاع ولي الأمر هو بمنزلة قسمته بيت مال المسلمين ؛ ليست قسمة الإمام للأموال السلطانية كالفي بمنزلة قسمة المال بين الشركاء المعينين؛ فإن المال المشترك بين الشركاء المعينين كالميراث يقسم بينهم على صنف منه إن كان قبل القسمة ، وإلا بيع وقسم تمنه عند أكثر الفقهاء. كمالك ، وأحمد، وأبى حنيفة . وتعدل السهام بالأجزاء إن كانت الأموال متماثلة : كالمكيل ، والموزون . وتعدل بالتقويم إن كانت مختلفة كأجزاء الأرض . وإن كانت من المعدودات كالإبل والبقر والغنم قسمت أيضا على الصحيح ، وعدلت بالقسمة . وأما الدور المختلفة ففيها نزاع ، وليس لأحد الشريكين أن يختص بصنف وأما أموال الفىء فللإمام أن يخص طائفة بصف ، وطائفة بصنف . بل وكذلك فى المغانم على الصحيح ، ولو أعطي الإمام طائفة إبلا ، وطائفة غنماً باز . وهل يجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين لزيادة منفعة ؟ على قولين للعلماء : أصحهما الجواز . كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نقل فى بدايته الربح بعد الخمس ، وفي رجعته الثلث بعد الخمس)) وثبت عنه أنه نفل سلمة بن الأكوع وغيره . ١٣٣ وأما مال الفيء فيستحق بحسب منفعة الإنسان للمسلمين . وبحسب الحاجة أيضا ، والمقائلة أحق به ، وهل هو مختص بهم ؟ على قولين . وإذا قسم بين المقائلة فيجب أن يقسم بالعدل ، كما يجب العدل على كل حاكم ، وكل قاسم ؛ لكن إذا قدر أن القاسم أو الحاكم ليس عدلا لم تبطل جميع أحكامه وقسمه على الصحيح الذي كان عليه السلف ، فإن هذا من الفساد الذي تفسد به أمور الناس ؛ فإنه قد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة التى يأمر فيها بطاعة ولاة الأمور، مع جورهم ، ما يبين أنهم إذا أمروا بالمعروف وجبت طاعتهم ، وإن كانوا ظالمين . فإذا حكم حكما عادلا ، وقسم قسما عادلا : كان هذا من العدل الذي تجب طاعتهم فيه . فالظالم لو قسم ميراثا بين مستحقيه بكتاب الله كان هذا عدلا بإجماع المسلمين . ولو قسم مغنما بين غاميه بالحق كان هذا عدلا بإجماع المسلمين. ولو حكم لمدع ببينة عادلة لا تعارض كان هذا عدلا . والحكم أمر ونهي ، وإباحة ، فيجب طاعته فيه . هذا إذا كانت القسمة عادلة . فأما إذا كان في القسمة ظلم ؛ مثل أن يعطى بعض الناس فوق ما يستحق ، وبعضهم دون ما يستحق : فهذا هو الاستيثار الذي ذكره ١٣٤ النبى صلى الله عليه وسلم. حيث قال: ((على المسلم السمع والطاعة فى عسره وبسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، ما لم يؤمر بمعصية)) وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، فى عسرنا ويسرنا ، ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا، وأن لا تنازع الأمر أهله ، وأن نقول - أو نقوم - بالحق . حيث ماكنا ، لا نخاف فى الله لومة لائم . ومعلوم أن هذا ما زال في الإسلام من ولاة الأمور ، ومن دخل فى هذه الأمور ؛ وإنما يستثنى فى الخلفاء الراشدين ، ومن اتبعهم . فإذا كان ذلك كذلك. فالمعطى إذا أعطي قدر حقه ، أو دون : كان له ذلك بحكم قسمة هذا القاسم ، كما لو قسم الميراث وأعطى بعض الورثة حقه ، كان ذلك بحكم هذا القاسم ، وكما لو حكم المستحق بما استحقه كان له أن يأخذ ذلك بموجب هذا الحكم . وليس لقائل أن يقول: أخذه بمجرد الاستيلاء، كما لولم يكن حاكم ولا قاسم ، فإنه على نفوذ هذه المقالة تبطل الأحكام والأعطية التى فعلها ولاة الأمور جميعهم : غير الخلفاء . وحينئذ فتسقط طاعة ولاة الأمور ؛ إذ لا فرق بين حكم وقسم ، وبين عدمه . وفى هذا القول من الفساد فى العقل والدين ما لا يخفى على ذي لب؛ فإنه لو فتح هذا الباب أفضى من الفساد إلى ما هو أعظم من ظلم الظالم، ثم كان كل واحد يظن ١٣٥ أن ما بأخذه قدر حقه ، وكل واحد إنما يشهد استحقاق نفسه دون استحقاق بقية الناس، وهو لا يعلم مقدار الأموال المشتركة. وهل يجعل له منها بالقيمة هذا أو أقل ؟ والإنسان ليس له أن يكون حاكما لنفسه ، ولا شاهدا لنفسه ، فكيف يكون قاسماً لنفسه ؟ . ومعلوم عند كل أحد أن دخول الشركاء تحت قاسم غيرهم ، ودخول الخصماء تحت حاكم غيرم، ولو كان ظالماً أو جاهلا [أولى] من أن يكون كل خصم حاكما لنفسه ، وكل شريك قاسماً لنفسه ، فإن الفساد فى هذا أعظم من الفساد فى الأول . والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، ورجحت غير الخيرين بتفويت أدناهما ، وهذا من فوائد نصب ولاة الأمور . ولو كان على ما يظنه الجاهل لكان وجود السلطان كعدمه ، وهذا لا يقوله عاقل ، فضلا عن أن يقوله مسلم ؛ بل قد قال العقلاء : ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان. وما أحسن قول عبد الله بن المبارك : وكان أضعفنا نهبا لأقوانا لو لا الأمة لم تأمن لنا سبل وأصل هذه المسئلة مبسوط بسطاً تاماً في غير هذا الموضع ، وإنما نبهنا على قدر ما يعرف به مقصود الجواب . والله أعلم. ١٣٦ وسئل عن قرية كانت جارية في إقطاع رجل ، وأخذت ثم أقطعت لاثنين بعد أن زرع فلاحوها أراضيها من غلة المقطع الأول ، ثم طلب أحد المقطعين المستجدين أن يقسم حصته من زرعه . فهل يجوز ذلك وهل تصح القسمة ؟ وهل يجب استمرار الناحية مشاعا إلى حيث بقسم المغل . ويتناول كل ذي حق حقه من جميع المغل ؟ أو يقسم قبل إدراك المغل ؟ . فأجاب : إن لم تنقص حصة الشركاء لا فى الأرض ، ولا في الزرع فعليهم إجابة طالب القسمة التى ليس فيها ضرر عليهم ، وإن كان في ذلك ضرر بنقص قسمة أنصبائهم لم يرفع الضرر بالضرر ؛ بل إن أمكن انقسام عوض المقسوم من غير ضرر فعل . ١٣٧ وسل عن صاحب إقطاع . هل له أن يأخذ من الزرع جزءاً معيناً ؟. وهل له إذا شاطره بجزء مشاع ، وعلم أنهم قد حابوه أن يأخذ زائداً على ذلك ؟ أم لا؟ . فأجاب : الحمد لله. يجوز المزارعة بجزء شائع سواء كان أقل من النصف أو أكثر من النصف . ولا فرق عند الأئمة الأربعة ونحوم : أن يزارع بالنصف ، أو الثلث، أو الثلثين، ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة، كثلاثة أخماس ، وخمسين . وقد ثبت جواز المزارعة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة باتفاق الصحابة، وهي أعدل من التسجيل ، وإذا شرط عليه نصف الزرع فأخذوا زائدا على ذلك فله أن يأخذ منهم بقدر الزائد . ١٣٨ وسئل رحم الله عن رجل معه دراج حرام فدفعها إلى والده، وأخذ منه عوضها من دراهمه الحلال ، واشترى منها شيئاً يعود منه منفعة؛ إما نتاج الإبل والغنم ، وإما زرع أرض واستعمالها. هل هي حرام ؟ أم لا ؟ فأجاب: متى اعتاض عن الحرام عوضاً بقدره ، فحكم البدل حكم المبدل منه ، فإن كان قد نمى بفعله نماء من ربح أو كسب أو غير ذلك، ففيه خلاف بين العلماء . وأعدل الأقوال أن يقسم الماء بين منفعة المال ، وبين منفعة العامل ؛ بمنزلة المضاربة . كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فى المال الذي اتجر منه أولاده من بيت المال، وهكذا كل نماء بين أصلين . إذا بيع الأصل . وأجاب أيضا : أعدل الأقوال فى هذه المسألة وشبهها ، أن يقسط الزرع الحادث من منفعة الأرض والبذر والعامل والبقر على هذه الأصول ، فيكون قسط الحرام لمن يجب صرفه إليه ، وقسط الحلال لمن يستحقه ، كسائر الحادث عن الأصول المشتركة . ١٣٩ وسئل رحمه الله عن رجل له إقطاع من السلطان ، فزرعها لفلاح مشاطرة : هل يجوز الإشهاد بينهما ؟ أو أن بعض العدول امتنع من الإشهاد بينها . وهل إذا اشترط على الفلاح . مثل دجاج، أو خراق ، أو نحو ذلك من سائر الأصناف ، مع رضا الفلاح بذلك . هل يجوز ؟ أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. دفع الأرض الملك، والإقطاع أو غيرها، إلى من يعمل فيها بشطر الزرع ، فيه قولان للعلماء ؛ لكن الصواب المقطوع به أن ذلك جائز ؛ فإن ذلك إجماع من الصحابة : آل أبى بكر ، وآل عمر ، وآل علي ، وعبد الله بن مسعود ، وسعد بن أبى وقاص، وغيرهم ، وهو عمل المسلمين من عهد نبيهم. والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك ؛ وإنما نهى عما إذا اشترط لرب المال زرع بقعة بعينها ؛ بل قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع . وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه شرط عليهم أن يعمروها من أموالهم . ولهذا كان الصواب أنها مجوز ، وإن كان البذر من العامل ؛ بل ١٤٠