النص المفهرس
صفحات 101-120
بيان الحال ؛ بل إن أراد أن يخبر بذلك فليبين أن المشتري لها أعادها C إليه بنصف الربح ؛ فإن هذا سواء كان بيعاً أو إقالة ليس هو عند الناس بمنزلة الذي يشترى سراً مطلقا ؛ لا سيما إن كان أكرهه على أخذها منه . فإن من اشترى سلعة على وجه الإكراه لم يكن له أن يخبر بالثمن من غير بيان الحال باتفاق العلماء ؛ إذ هذا من نوع الخيانة . وقد تنازع العلماء فيما إذا باعها بربح ، ثم وجدها تباع في السوق فاشتراها ، هل عليه أن يسقط الأول من الثمن الثانى ؟ أو يخبر بالحال ؟ أو ليس عليه ذلك ؟ على قولين . والأول قول أبى حنيفة وأحمد وغيرهما . فإذا كان في مثل هذه الصورة ، فكيف إذا قال فيها بدون الثمن ؟ وكيف إذا كان كذلك على وجه الإكراه له ؟ والبيع بتخبير الثمن أصله الصدق، والبيان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعها ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما )) . فما كان من الأمور التى إذا اطلع المشتري عليها لم يشتر بذلك الثمن ؛ كان كتمانه خيانة . والله أعلم . ١٠١ وسئل رحمه اللّه عن رجل اشترى عشرة أزواج متاع جملة واحدة ، وأخبر بزوج على حكم ما اشتراه وقسم الثمن على الأزواج ، لا زائد ولا ناقص . هل ذلك حلال ؟ أم لا ؟. فأجاب : الحمد لله. إن أخبر بالاشتراء على وجهه فيذكر أنه اشتراها مع غيرها ، وأنه قسط الثمن على الجميع، فجاء قسط هذا كذا، وهذا كذا ، فإن هذا حقيقة الصدق والبيان . وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) والله تعالى أعلم . ١٠٢ باب المساقاة قال شيخ الإسلام رحمه الله ـعـل قد ذكرت فيما تقدم من القواعد التى فيها قواعد فقهية ما جاء به الكتاب والسنة من قيام الناس بالقسط ، وتناول ذلك للمعاملات : التى هي المعاوضات، والمشاركات، وذكرت أن «المساقاة، والمزارعة ، والمضاربة )، ونحو ذلك نوع من المشاركات ، وبينت بعض ما دخل من الغلط على من اعتقد أن ذلك من المعاوضات ، كالبيع والإجارة حتى حكم فيها أحكام المعاوضات . وبينت جواز المزارعة بيذر من المالك ، أو من العامل ، كما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقياس الجلي، وبينت أن حديث رافع بن خديج وغيره فى النهي عن المخابرة ، وعن كراء الأرض أن ما معناه: ما كانوا يفعلونه من اشتراط زرع بقعة معينة لرب الأرض، ١٠٣ كما بينه رافع بن خديج فى الصحيحين أيضا. ومن سمى المعاملة بيذر من المالك مزارعة ، ومن العامل مخابرة : فهو قول لا دليل عليه؛ بمنزلة الأسماء التى سماها هؤلاء وآباؤهم لم ينزل الله بها سلطانا . فإن فى صحيح البخاري عن ابن عمر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع، على أن يعمروها من أموالهم)) . والمخابرة المنهى عنها لم يكن فيها بذر من العامل . والمقصودهنا: أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاركة التى هي كراء الأرض بالمعنى العام ، إذا اشترط لرب الأرض فيها زرع مكان بعينه ، والأمر فى ذلك كما قال الليث بن سعد - وهو فى البخاري - أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام على أنه حرام ، أو كما قال . وذلك لأن المشاركة والمعاملة تقتضى العدل من الجانبين ، فيشتركان فى المغنم والمغرم ، بعد أن يسترجع كل منهما أصل ماله ، فإذا اشترط لأحدهما زرع معين كان فيه تخصيصه بذلك ، وقد لا يسلم غيره ، فيكون ظلما لأحد الشريكين ، وهو من الغرر ، والقمار أيضا . ففى معنى ذلك ما قاله العلماء وما أعلم فيه مخالفا : أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما ثمرة شجرة بعينها ، ولا مقداراً محدوداً من الثمر ، وكذلك لا ١٠٤ يشترط لأحدهما زرع مكان معين ، ولا مقداراً محدوداً من نماء الزرع ، وكذلك لا يشترط لأحدهما ربح سلعة ، بعينها ولا مقدار محدود من الربح . فأما اشتراط عود مثل رأس المال ، فهو مثل اشتراط عود الشجر والأرض . وفى اشتراط عود مثل البذر كلام ذكرته فى غير هذا الموضع ، فإذا كان هذا في تخصيص أحدهما بمعين ، أو مقدار من النماء حتى يكون مشاعا بينهما ؛ فتخصيص أحدهما بما ليس من النماء أولى: مثل أن يشترط أحدهما على الآخر أن يزرع له أرضا أخرى ، أو يبضعه بضاعة يختص ربها برمجها ، أو يسقي له شجرة أخرى ، ونحو ذلك ، مما قد يفعله كثير من الناس . فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه فى قالب آخر ، فيضاربه ويبضعه بضاعة ، أو يعامله على شجر وأرض ، ويستعمله فى أرض أخرى، أو فى إعانة ماشية له ، أو يشترط استعارة دوابه ، أو غير ذلك ؛ فإن هذا لا يجوز شرطه بلا نزاع أعلمه بين العلماء . فإنه فى معنى اشتراط بمعين أو بقدر من الربح ؛ لأنه إذا اشترط منفعته ، أو منفعة ماله ، اختص أحدهما باستيفاء هذه المنفعة ، وقد لا يحصل نماء، أو يحصل دون ماظنه فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل ، وقامره وراباه ، فإن فيه ربا وميسرا . ١٠٥ فإن تواطآً على ذلك قبل العقد فهو كالشرط فى العقد ، على ما قررناه فى ((كتاب بطلان التحليل)): إن الشرط المتقدم على العقد كالمقارن له . فإن تبرع أحدهما بهدية إلى الآخر، مثل أن يهدى العامل فى المضاربة إلى المالك شيئا ، أو يهدى الفلاح غنما أو دجاجا أو غير ذلك : فهذا بمنزلة إهداء المقترض من المقرض ، يخير المالك فيها بين الرد ، وبين القبول والمكافأة عليها بالمثل ، وبين أن يحسبها له من نصيبه من الربح إذا تقاسما ، كما يحسبه من أصل القرض . وهذا ينازعنا فيه بعض الناس . ويقول متبرع بالإهداء ؛ وليس كذلك؛ بل إنما أهداء لأجل المعاملة التى بينهما من القرض ، والمعاوضة ونحو ذلك ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث العامل الأزدي ابن اللتبية ، لما قال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أفلا قعد فى بيت أبيه وأمه . فينظر أيهدى إليه . أم لا؟!)) وثبت عن عدد من الصحابة كعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس ، وأنس وغيرهم: أنهم أمروا المقرض ء الذي قبل الهدية أن يحسبها من قرضه . وهذا ظاهر فى الاعتبار ، فإنه إذا قبل الهدية قبل الاستيفاء ، فقد ١٠٦ دخل معه على أن يأخذ الهدية ، وبدل القرض عوضا عن القرض. وهذا عين الربا؛ فإن القرض لا يستحق به إلا مثله. ولو قال له وقت القرض: أنا أعطيك مثله ، وهذه الهدية: لم يجز بالإجماع . فإذا أعطاه قبل الوفاء الهدية التى هي من أجل القرض ، على أن يوفيه معها مثل القرض ، كان ذلك معاقدة على أخذ أكثر من الأصل ؛ ولهذا لو أهدى إليه على العادة الجارية بينها قبل القرض . لم يكن كذلك . يبين ذلك أنه بقبول الهدية يريد أن ينظره لأجلها فيصير بمائة ، والهدية بمائة إلى أجل وهذا عين الربا ؛ بخلاف المائة بمائة مثلها فى الصفة . ولو شرط فيها الأجل ؛ فإن هذا تبرع محض ، ليس بمعاوضة؛ إذ العاقل لا يبيع الشيء بما يساويه من كل وجه إلى أجل ، وإنما يفعل ذلك عند اختلاف الصفة ، كبيع الصحاح بالمكسرة ، ونقد بنقد آخر إلى أجل ، وذلك لا يجوز باتفاق المسلمين . وهكذا الأمر في المشاركة : فإنه إذا قبل هدية العامل ونفعه الذي إنما بذله لأجل المضاربة والمزارعة بلا عوض ، مع اشتراطه النصيب من الربح : كان هذا القبول على هذا القول معاقدة على أن يأخذ مع النصيب الشائع شيئا غيره ؛ بمنزلة زرع مكان معين . وقد لا يحصل ربح ، فيكون العامل مقمورا مظلوما ؛ ولهذا يطلب العامل بدل هديته، ويحتسب بها على المالك ، فإن لم يعوضه عنها ، وإلا خانه فى المال : أصله ١٠٧ وربحه ، كما يجرى مثل ذلك بين المزارع والفلاح ؛ فإن الفلاح يخونه ويظلمه، لما يزعم أن المزارع يختص به من ماله، ونحوه : كأخذ الهدايا. وأ كله هو ودوابه من ماله مدة بغير حق ، فيقرض السنبل قبل الحصاد، ويترك الحب فى القصب والتبن، وفى عفارة البيدر ، ويسرق منه ويحتال على السرقة بكل وجه ، والمزارع يظلمه فى بدنه بالضرب ، والاستخدام، وفى ماله بالاستنفاق الذى لا يستحقه ، ويرى أن هذا بإزاء ما اختانه من ماله . وكذلك يجري بين مالك المال والعامل : العامل يرى أنه يأخذ نفعه وماله ، فإنه لا بد له من هدايا ، ومن بضائع معه بتجر له فيها . فيخصه بالريح لأجل المضاربة ، فيريد أن يعتاض عن نفعه وماله. فيخون في المال والريح ، ويكذب ويكتم ، والمالك يرى أن العامل يخون فى المال والريح ، ويخرج من ماله بالإنفاق على مال له آخر ، أو بالإهداء إلى أصدقائه ، ونحو ذلك مما ليس نفعه لأجل المضاربة ، فيطالبه بالهدايا ونحو ذلك . حتى إن من العمال من لا يهدي إلا لعلمه بأن المالك يطلب ذلك ويؤثره ، فيتقي بذلك شره ، وظلمه . وتفضي هذه المعاملات إلى المخاصمة والعداوة والظلم فى النفوس والأعراض والأموال. وسبب ذلك اختصاص أحدهما بشيء خارج عن النصيب المشاع من الماء ، فإن هذا خروج عن العدل الواجب ١٠٨ فى المشاركات . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا قعد فى بيت أبيه وأمه. فينظر أيهدى إليه . أم لا؟!)) يتناول هذه المعانى جميعها ، فإن الهدية إذا كانت لأجل سبب من الأسباب كانت مقبوضة بحكم ذلك السبب ، كسائر المقبوض به ؛ فإن العقد العرفي كالعقد اللفظي . ومن أهدي له لأجل قرض أو إقراض كانت الهدية كالمال المقبوض بعقد القرض والقراض إذا لم يحصل منها مكافأة . وهذا أصل عظيم يدخل بسبب إهماله من الظلم والفساد شيء عظيم . فصل وكما قلنا فى المقبوض : إنه قبل الوفاء ليس له أن يأخذ منه مالا ، ولا نفعا قبل الوفاء بغير عوض مثله ؛ لما فيه من الربا ، فالإهداء والإعارة من نوع . فكذلك فى المضاربة والمزارعة ؛ متى أخذ رب المال مالا ، أو نفعا ، قبل الاقتسام التام لم يجز إلا بعوض مثله: مثل استخدام العامل والفلاح فى غير موجب عقد المشاركة ، أو الانتفاع بماله ، أو غير ذلك ، إلا أن يحتسب له ذلك كله ، والله سبحانه أعلم . ولهذا تنازع الفقهاء . لو أعطاء عرضا فقال : بعه ، وضارب بثمنه . ١٠٩ فقيل : لا يجوز ؛ لأن المالك يختص بمنفعته قبل المضاربة ، فهو كما لو شرط عليه بيع سلعة أخرى . وقيل : يجوز ؛ لأن هذا البيع مقصوده مقصود المضاربة ، فأشبه البيع الحاصل بعد العقد ، والمال أمانة بيده فى الموضعين ، وليس للمالك منفعة يختص بها زائدة على مقصود المضاربة . وفى المسألة نظر . وقال قدس الذ روهم فصل وأما « المزارعة)): فإذا كان البذر من العامل ، أومن رب الأرض. أو كان من شخص أرض ، ومن آخر بذر ، ومن ثالث العمل ، ففي ذلك روايتان عن أحمد . والصواب أنها نصح فى ذلك كله . وأما إذا كان البذر من العامل ، فهو أولى بالصحة ، مما إذا كان البذر من المالك. ((فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على أن يعمروها من أموالهم ، بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع)). رواه البخاري وغيره. وقصة أهل خيبر هي الأصل فى جواز «المساقاة والمزارعة)) وإنما كانوا يبذرون من أموالهم لم يكن النبى صلى الله عليه ١١٠ وسلم يعطيهم بذرا من عنده، وهكذا خلفاؤه من بعده : مثل عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وغير واحد من الصحابة. كانوا يزارعون بيذر من العامل . وقد نص الإمام أحمد فى رواية عامة أصحابه فى أجوبة كثيرة جداً على أنه يجوز أن يؤجر الأرض ببعض ما يخرج منها ، واحتج على ذلك بقصة أهل غيير ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم عاملهم عليها ببعض الخارج منها . وهذا هو معنى إجارتها ببعض الخارج منها إذا كان البذر من العامل ؛ فإن المستأجر هو الذي يبذر الأرض ، وفى الصورتين للمالك بعض الزرع . ولهذا قال من حقق هذا الموضع من أصحابه، كأبى الخطاب وغيره : إن هذا مزارعة ، على أن البذر من العامل . وقالت طائفة من أصحابه، كالقاضي وغيره : بل يجوز هذا العقد بلفظ الإجارة ، ولا يجوز بلفظ المزارعة ؛ لأنه نص فى موضع آخر : أن المزارعة يجب أن يكون فيها البذر من المالك . وقالت طائفة ثالثة : بل يجوز هذا مزارعة ، ولا يجوز مؤاجرة ؛ لأن الإجارة عقد لازم ؛ بخلاف المزارعة فى أحد الوجهين ؛ ولأن هذا يشبه قفيز الطحان . وروي عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن قفيز ١١١ الطحان )) وهو : أن يستأجر ليطحن الحب بجزء من الدقيق . والصواب : هو الطريقة الأولى ؛ فإن الاعتبار في العقود بالمعانى والمقاصد ؛ لا بمجرد اللفظ . هذا أصل أحمد ، وجمهور العلماء ، وأحد الوجهين فى مذهب الشافعي ؛ ولكن بعض أصحاب أحمد قد يجعلون الحكم يختلف بتغاير اللفظ ، كما قد يذكر الشافعي ذلك في بعض المواضع ، وهذا كالسلم الحال فى لفظ البيع ، والخلع بلفظ الطلاق ، والإجارة بلفظ البيع ، ونحو ذلك مما هو مبسوط فى موضعه . وأما من قال : إن المزارعة يشترط فيها أن يكون البذر من المالك فليس معهم بذلك حجة شرعية ، ولا أثر عن الصحابة ؛ ولكنهم قاسوا ذلك على المضاربة . قالوا : كما أنه فى المضاربة يكون العمل من شخص ، والمال من شخص ، فكذلك المساقاة والمزارعة يكون العمل من واحد ، والمال من واحد ، والبذر من رب المال . وهذا قياس فاسد ؛ لأن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ، ويقتسمان الريح ، فنظيره الأرض أو الشجر يعود إلى صاحبه ، ويقتسمان الثمر والزرع ، وأما البذر فإنهم لا يعيدونه إلى صاحبه ؛ بل يذهب بلا بدل ، كما يذهب عمل العامل وعمل بقره بلا بدل ؛ فكان من جنس النفع لا من جنس المال ، وكان اشتراط كونه من العامل أقرب فى القياس، مع موافقة هذا المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن منهم من كان يزارع، والبذر من ١١٢ العامل ، وكان عمر يزارع على أنه إن كان البذر من المالك فله كذا ، وإن كان من العامل فله كذا . ذكره البخاري . فجوز عمر هذا . وهذا هو الصواب . وأما الذين قالوا : لا يجوز ذلك إجارة لنهيه عن قفيز الطحان ، فيقال: هذا الحديث باطل لا أصل له ، وليس هو في شيء من كتب الحديث المعتمدة ، ولا رواه إمام من الأئمة ، والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة ، ولا خباز يخبز بالأجرة . وأيضا فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مكيال يسمى القفيز ، وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق، وضرب عليهم الخراج ، فالعراق لم يفتح على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا وغيره مما يبين أن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وإنما هو من كلام بعض العراقيين الذين لا يسوغون مثل هذا ؛ قولا باجتهادم . والحديث ليس فيه نهيه عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق ؛ بل عن شيء مسمى : وهو القفيز ، وهو من المزارعة لو شرط لأحدهما زرعه بقعة بعينها، أو شيئاً مقدراً ، كانت المزارعة فاسدة . وهذا هو المزارعة التى نهى عنها النبى صلى الله عليه وسلم فى ١١٣ حديث رافع بن خديج في حديثه المتفق عليه: (( أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك)). وقد بسط الكلام على هذه المسائل فى غير هذا الموضع . وبين أن المزارعة أحل من المؤاجرة بأجرة مسماة . وقد تنازع المسلمون فى الجميع ؛ فإن المزارعة مبناها على العدل : إن حصل شيء فهو لهما ، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان. وأما الإجارة فالمؤجر يقبض الأجرة، والمستأجر على خطر : قد يحصل له مقصوده ، وقد لا يحصل ؛ فكانت المزارعة أبعد عن المخاطرة من الإجارة ؛ وليست المزارعة مؤاجرة على عمل معين ، حتى يشترط فيها العمل بالأجرة ؛ بل هي من جنس المشاركة : كالمضاربة ، ونحوها . وأحمد عنده هذا الباب هو القياس . ويجوز عنده أن يدفع الخيل والبغال والخمير والجمال إلى من يكارى عليها، والكراء بين المالك والعامل ، وقد جاء فى ذلك أحاديث في سنن أبى داود وغيره . ويجوز عنده أن يدفع ما يصطاد به: الصقر، والشباك والبهائم وغيرها إلى من يصطاد بها ، وما حصل بينهما . ويجوز عنده أن يدفع الخنطة إلى من بطعنها ، وله الثلث ، أو الربح . وكذلك الدقيق إلى من يعجنه ، والغزل إلى من ينسجه ، والثياب إلى من يخيطها ، يجزء فى الجميع من الماء . وكذلك الجلود إلى من يحذوها نعالا ، وإن حکی عنه فى ذلك خلاف . وكذلك يجوز عنده - فی اظهر ١١٤ الروايتين - أن يدفع الماشية إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها ، ويدفع دود القز ، والورق إلى من يطعمه ويخدمه ، وله جزء من القز . وأما قول من فرق بين المزارعة والإجارة بأن الإجارة عقد لازم؛ بخلاف المزارعة ، فيقال له : هذا ممنوع ؛ بل إذا زارعه حولا بعينه ، فالمزارعة عقد لازم ، كما تلزم إذا كانت بلفظ الإجارة ، والإجارة قد لا تكون لازمة ، كما إذا قال : آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهمين؛ فإنها صحيحة في ظاهر مذهب أحمد ، وغيره ، وكما دخل شهر فله فسخ الإجارة . والجعالة في معنى الإجارة ، وليست عقداً لازماً . فالعقد المطلق الذي لا وقت له لا يكون لازماً ، وأما المؤقت فقد يكون لازماً . فصل وأما إجارة الأرض بجنس الطعام الخارج منها : كإجارة الأرض لمن يزرعها حنطة أو شعيرا بمقدار معين من الخطة والشعير : فهو أيضا جائز فى أظهر الروايتين عن أحمد ، وهو مذهب أبى حنيفة ، والشافعي، وفى الأخرى ينهى عنه ، كقول مالك . ١١٥ قالوا : لأن المقصود بالإجارة هو الطعام ، فهو في معنى بيعه بجنسه . وقالوا : هو من المخابرة التى نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وهو فى معنى المزابنة ؛ لأن المقصود بيع الشيء بجنسه جزافا . والصحيح قول الجمهور ؛ لأن المستحق بعقد الإجارة هو الانتفاع بالأرض ؛ ولهذا إذا تمكن من الزرع ، ولم يزرع وجبت عليه الأجرة ، والطعام إنما يحصل بعمله وبذره . وبذره لم يعطه إياه المؤجر ، فليس هذا من الربا فى شيءٍ . ونظير هذا : أن يستأجر قوما ليستخرجوا له معدن ذهب أو فضة ، أو ركازا من الأرض بدرام أو دنانير ، فليس هذا كبيح الدرام بدرام . وكذلك من استأجر من يشق الأرض ، ويبذر فيها ويسقيها بطعام من عنده وقد استأجره على أن يبذر له طعاما ، فهذا مثل ذلك . والمخابرة التى نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم قد فسرها رافع راوى الحديث بأنها المزارعة التى يشترط فيها لرب الأرض زرع بقعة بعينها : ولكن من العلماء من جعل المزارعة كلها من المخابرة ، ڪأبى حنيفة . ومنهم من قال : المزارعة على الأرض البيضاء من المخابرة ، كالشافعي . ومنهم من قال : المزارعة على أن يكون البذر من العامل من المخابرة. ومنهم من قال: كراء الأرض بجنس الخارج منها من ١١٦ المخابرة كمالك . والصحيح أن المخابرة المنهي عنها كما فسرها به رافع بن خديج ، وكذلك قال الليث بن سعد : الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه محرم . وهذا مذهب عامة فقهاء الحديث : كأحمد ، وإسحق ، وابن المنذر . وابن خزيمة وغيرهم . والنبى صلى الله عليه وسلم حرم أشياء داخلة فيما حرمه الله في كتابه ؛ فإن الله حرم فى كتابه الربا والميسر ، وحرم النبى صلى الله عليه وسلم بيع الغرر ، فإنه من نوع الميسر ، وكذلك بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وبيع حبل الحبلة. وحرم صلى الله عليه وسلم بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ، وغير ذلك مما يدخل فى الربا. فصار بعض أهل العلم يظنون أنه دخل في العام ، أو علته العامة أشياء ، وهي غير داخلة في ذلك . كما أدخل بعضهم ضمان البساتين حولا كاملا أو أحوالا لمن يسقيها ويخدمها حتى تثمر ، فظنوا أن هذا من باب بيع الثمار قبل بدو سلاحها محرموه ؛ وإنما هذا من باب الإجارة : كإجارة الأرض . فلما نهى عن بيع الحب حتى يشتد ، وجوز إجارة الأرض لمن يعمل عليها حتى تنبت. وكذلك نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، ولم ينه أن تضمن لمن يخدمها حتى تثمر ، ويحصل الثمر بخدمته على ملكه ، وبائع الثمر ١١٧ والزرع عليه سقيه إلى كمال صلاحه خلاف المؤجر ، فإنه ليس بسقى ما للمستأجر من تمر وزرع ؛ بل سقي ذلك على الضامن المستأجر . وعمر ابن الخطاب ضمن حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين ، وتسلف كراءها فوفي به دينا كان عليه . ونظائر هذا الباب كثيرة . وسئل هل تصح المزارعة ، أم لا؟ وإذا فرط المزارع فى نصف فدان ، فحلف رب الأرض بالطلاق الثلاث ليأخذن عوضه من الزرع الطيب ؟ فأجاب : الحمد لله. المزارع بثلث الزرع، أو ربعه ، أو غير ذلك من الأجزاء الشائعة: جائز بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين ، وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وهو قول محققى الفقهاء . وإذا كان العامل قد فرط حتى فات بعض المقصود ، فأخذ المالك مثل ذلك من أرض أخرى ، وجعل ذلك له بحيث لا يكون فيه عدوان لم يحنث فى يمينه، ولا حنث عليه. والله أعلم . ١١٨ وسئل رحمه اللّه عن رجل سلم أرضه إلى رجل ليزرعها ، ويكون الزرع بنها بالسوية ، والبذر من الزارع ؛ لا من رب الأرض . فهل يجوز ذلك ويكون بينها شركة؟ أو لا يجوز ؟ . فأجاب : الحمد لله. هذا جائز فى أصح قولي العلماء، وبه مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين ، وغيرهم من أصحابه . فإنه قد ثبت عنه فى الصحيح أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها : من زرع ، وتمر . على أن يعمروها من أموالهم. فهذه مشاطرة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم . والبذر من العامل لا من رب الأرض . وكذلك كان أصحابه بعده يفعلون : مثل آل أبى بكر ، وآل علي بن أبى طالب ، ومثل سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود . والذين خالفوا ذلك لهم مأخذان ضعيفان : أحدهما : أنهم ظنوا أن المزارعة مثل المؤاجرة وليست من باب ١١٩ المؤاجرة ؛ فإن المؤاجرة يقصد منها عمل العامل ، ويكون العمل معلوما ؛ بل يشتركان هذا بمنفعة أرضه، وهذا بمنفعة بدنه وبقره، كسائر الشركاء. وأما ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة، فقد جاء مفسرا فى الصحيح أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ؛ فلهذا نهى عنها . ومن اشترط أن يكون البذر من المالك ، فإنه شبهها بالمضاربة التى يشترط أن يكون المال من أحدهما ، والعمل من الآخر ، وظن أن البذر يكون من رب الأرض ، وكلاهما مال . وهذا غلط ؛ فإن رأس المال يعود في هذه العقود إلى صاحبه ، كما يعود رأس المال فى المضاربة ، والأرض فى المزارعة ، والأرض والشجر فى المساقاة . والعامل إذا بذر البذر وأماته ، فلم يأخذ مثله ، صار البذر مجرى مجرى المنافع التى لا يرجع بمثلها ، ومن اشترط أن يكون البذر من المالك ، ولا يعود فيه ، فقوله فى غاية الفساد ؛ فإنه لو كان كرأس المال لوجب أن يرجع في نظيره ، كما يقول مثل ذلك فى المضاربة وسئل رحمه الله عن رجل له أرض مزرعة وغيرها ، وجاء من يزرعها له مشاطرة والبذر وسائر ما يلحق الزرع من الأجر ، حتى إذا أخذ الحصادون ١٢٠