النص المفهرس
صفحات 521-540
ويحتاج إليه في المعاوضة للغير ، مثل معاوضة الولي للمسلمين ، ولليتيم ، وللوقف وغيرهم . ومعاوضة الوكيل كالوكيل فى المعاوضة ، والشريك والمضارب ، ومعاوضة من تعلق بماله حق الغير ، كالمريض . ويحتاج إليه فيما يجب شراؤه للّه تعالى، كما الطهارة ، وسترة الصلاة ، وآلات الحج ، أو للآدميين : كالمعاوضة الواجبة مثل (١). ومداره على القياس والاعتبار للشيء بمثله . وهو نفس العدل ، ونفس العرف الداخل فى قوله : ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ) وقوله: ( وَأَمُ بِالْعُرْفِ ) وهذا متفق عليه بين المسلمين ؛ بل بين أهل الأرض ؛ فإنه اعتبار فى أعيان الأحكام لا فى أنواعها . وهو من معنى القسط الذي أرسل الله له الرسل ، وأنزل له الكتب . وهو مقابلة الحسنة بمثلها ؛ والسيئة بمثلها ، كما قال تعالى : ( هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ) وقال: (وَإِذَا حُبِّيكُمْ بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْرُدُّوهَا ) وقال: ( وَجَزَّؤْسَيِّئَةٍ سَنِئَّةٌ مِثْلُهَا ) وقال : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَثْلَى ) وقال: ( فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأْعْتَدُواْ عَلَيْهِبِمِثْلِ مَا اُعْتَدَىعَلَيْكُمْ وقال: ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ ( مَاعُوقِبْتُمبِهِ . ( لكن مقابلة الحسنة بمثلها عدل واجب ، والزيادة إحسان مستحب، (١) بياض بالأصل. ٥٢١ والنقص ظلم محرم ، ومقابلة السيئة بمثلها عدل جائز ، والزيادة محرم ، والنقص إحسان مستحب ، فالظلم للظالم ، والعدل للمقتصد ، والإحسان المستحب للسابق بالخيرات. والأمة ثلاثة : ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات . وكثيراً ما يشتبه على الفقهاء ويتنازعون فى حقيقة عوض المثل فى جنسه ومقداره ، في كثير من الصور ؛ لأن ذلك يختلف لاختلاف الأمكنة والأزمنة، والأحوال والأعواض والمعوضات، والمتعاوضين . فنقول: ((عوض المثل)) هو مثل المسمى في العرف، وهو الذي يقال له: السعر والعادة ، فإن المسمى في العقود نوعان : نوع اعتاده الناس وعرفوه ، فهو العوض المعروف المعتاد . ونوع نادر ؛ لفرط رغبة ، أو مضارة ، أو غيرهما . ويقال فيه ثمن المثل ، ويقال فيه المثل ؛ لأنه بقدر مثل العين ، ثم يقوم بثمن مثلها . فالأصل فيه اختيار الآدميين ، وإرادتهم ورغبتهم . ولهذا قال كثير من العلماء : قيمة المثل ما يساوي الشيء فى نفوس ذوي الرغبات . ولا بد أن يقال: فى الأمر المعتاد . فالأصل فيه إرادة الناس ورغبتهم. وقد علم بالعقول أن حكم الشيء حكم مثله ، وهذا من العدل والقياس والاعتبار ، وضرب المثل الذي فطر الله عباده عليه، ٥٢٢ فإذا عرف أن إرادتهم المعروفة للشيء بمقدار علم أن ذلك ثمن مثله، وهو قيمته وقيمة مثله ؛ لكن إن كانت تلك الرغبة والإرادة لغرض محرم. كصنعة الأصنام، والصلبان . ونحو ذلك . كان ذلك العوض محرما في الشرع . فعوض المثل فى الشريعة يعتبر بالمسمى الشرعي ، وهو : أن تكون ء التسمية شرعية ، وهي المباحة . فأما التسمية المحظورة إما لجنسها : كالخمر ، والخنزير . وإما لمنفعة محرمة فى العين: كالعنب لمن يعصره خمراً ، أو الغلام لمن يفجر به . وإما لكونه تسمية مباهاة ورياء لا يقصد أداؤها . أو فيها ضرر بأحد المتعاقدين، كالمهور التى لا يقصد أداؤها ، وهي تضر الزوج إلى أجل ، كما يفعله جفاة الأعراب، والحاضرة، ونحو ذلك ؛ فإن هذا ليس بتسمية شرعية ، فليس هو ميزاناً شرعيا يعتبر به المثل ، حيث لا مسمى . فتدبر هذا فإنه نافع ، خصوصاً فى هذه الصدقات الثقيلة المؤخرة ، التى قد نهى الله عنها ورسوله ؛ فإن من الفقهاء من يعتبرها فى مثل كون الأيم لا تزوج إلا بمهر مثلها ، فيرى ترك ما نهى الله عنه خلافاً للشريعة ؛ بناء على أنه مهر المثل ، حتى فى مثل تزويج الأب ونحوه ، فهذا أصل (١) . إذا عرف ذلك فرغبة الناس كثيرة الاختلاف والتنوع ، فإنها (١) بياض بالأصل. ٥٢٣ تختلف بكثرة المطلوب وقلته . فعند قلته يرغب فيه مالا يرغب فيه عند الكثرة. وبكثرة الطلاب وقلتهم ؛ فإنما كثر طالبوه يرتفع ثمنه ؛ بخلاف ما قل طالبوه . وبحسب قلة الحاجة وكثرتها وقوتها وضعفها ، فعند كثرة الحاجة وقوتها ترتفع القيمة مالا ترتفع عند قلتها وضعفها . وبحسب المعاوض . فإن كان مليا ، دينا : يرغب فى معارضته بالثمن القليل ، الذي لا يبذل بمثله لمن يظن عجزه أو مطله أو جحده. والملي المطلق عندنا : هو الملي بماله ، وقوله ، وبدنه. هكذا نص أحمد . وهذا المعنى وإن كان الفقهاء قد اعتبروه فى مهر المثل ، فهو يعتبر أيضا فى تمن المثل ، وأجرة المثل . وبحسب العوض فقد يرخص فيه إذا كان بنقد رائج مالا يرخص فيه إذا كان بنقد آخر دونه فى الرواج : كالدرام ، والدنانير بدمشق في هذه الأوقات ؛ فإن المعاوضة بالدرام هو المعتاد . وذلك أن المطلوب من العقود هو التقابض من الطرفين ، فإذا كان الباذل قادراً على التسليم ، موفيا بالعهد ، كان حصول المقصود بالعقد معه ؛ بخلاف ما إذا لم يكن تام القدرة أو تام الوفاء. ومراتب القدرة والوفاء تختلف ، وهو الخير المذكور فى قوله: (فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قالوا : قوة على الكسب ، ووفاء للعهد . ٥٢٤ وهذا يكون فى البائع وفي المشتري ، وفى المؤجر ، والمستأجر ، والناكح والمنكوحة ، فإن المبيع قد يكون حاضراً ، وقد يكون غائباً ، فسعر الحاضر أقل من سعر الغائب ، وكذلك المشتري قد يكون قادراً فى الحال على الأداء ؛ لأن معه مالا ، وقد لا يكون معه لكنه يريد أن يقترض أو يبيع السلعة . فالثمن مع الأول أخف . وكذلك المؤجر قد يكون قادراً على تسليم المنفعة المستحقة بالعقد بحيث يستوفيها المستأجر بلا كلفة ، وقد لا يتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة إلا بكلفة ؛ كالقرى التى ينتابها الظلمة من ذي سلطان أو لصوص، أو تنتابها السباع، فليست قيمتها كقيمة الأرض التى لا تحتاج إلى ذلك؛ بل من العقار مالا يمكن أن يستوفى منفعته إلا ذو قدرة بدفع الضرر من منفعته لأعوانه وأنصاره ، أو يستوفى غيره منه منفعة بسيرة ، وذو القدرة يستوفى كمال منفعته لدفع الضرر عنه . وعلى هذا يختلف الانتفاع بالمستأجر ، بل والمشتري ، والمنكوح ، وغير ذلك . فينتفع به ذو القدرة أضعاف ما ينتفع به غيره ؛ لقدرته على جلب الأسباب التى بها يكثر الانتفاع ، وعلى دفع الموانع المانعة من الانتفاع ، فإذا كان كذلك لم يكن كثرة الانتفاع بما أقامه من الأسباب ودفعه من الموانع موجباً لأن يدخل ذلك التقويم ، إلا إذا فرض مثله، فقد تكون الأرض تساوي أجرة قليلة لوجود الموانع من المعتدين ، أو السباع ، أو لاحتياج استيفاء المنفعة إلى قوة ومال . ٥٢٥ وسئل عن رجل له عند رجل مائة وثمانون، فقال له رجل : تبيعها بمائة وخمسين . فهل يجوز ذلك ؟ فأجاب : الحمد لله. إن كانت مؤجلة فباعها بأقل منها حالة ، فهذا رباً ، وإن كانت حالة فأخذ البعض ، وأبرأ. من البعض ، فأجره على الله، وقد أحسن . وسل عن دين سلم حل ، فلم يكن عند المستسلف وفاء ، فقال : بعنيه بزيادة على الثمن الأول ؟ فأجاب : لا يجوز بيع دين السلم قبل قبضه ، ولا بيع الدين بالدين : فهذا حرام من وجهين . ومن وجه ثالث : أنه إن كان باعه الدرام بالدرام ، مثل من باع رباً نسيئة لم يجز أن يعتاض عن ثمنه ٥٢٦ بما لا يباع به نسيئة ، كذلك من اشترى ديناً بنسيئة لم يجز أن يعتاض عنه بمالا يباع بثمنه نسيئة. والله أعلم. وسئل رحمه الله من الرجل بتدين ، ثم يعسر ويموت ، هل يطالب به ؟ فأجاب : نعم يستوفيه صاحبه ، فإن الدين لا بد من وفائه ، ولهذا ثبت فى الصحيح: (( أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين)). ٥٢٧ باب القرض مثل شيخ الإسلام عن رجل أقرض لرجل ألف درهم ، فطالبه ، فقال : أنا معسر ، أنا أشترى منك صنفا بزائد إلى أن تصبر ستة شهور ، فهل يجوز ذلك ؟ فأجاب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع )) فإذا باعه وأقرضه كان ذلك مما حرمه الله ورسوله . وكلاهما يستحق التعزير ، إذا كان قد بلغه النهي ، ويجب رد القرض والسلعة إلى صاحبها ، فإذا تعذر ذلك لم يكن له إلا بدل القرض ، وإلا بدل السلعة قيمة المثل ، ولا يستحق الزيادة على ذلك . والله أعلم . ٥٢٨ وسل عن إنسان يريد أن يأخذ من إنسان درام قرضاً بعمر بها ملكه، يشترى بها أرضا إلى مدة سنة ، وبلا كسب ما يعطى أحد ماله ، فكيف العمل فى مكسبه حتى يكون بطريق الحل ؟ فأجاب : الحمد لله . له طريق بأن يكرى الملك أو بعضه ، يتسلفها ويعمر بالأجرة . وإذا كان بعض الملك خراباً، واشترط على المستأجر عمارة موصوفة باز ذلك ، فهذا طريق شرعي ، يحصل به مقصود هذا ، وهذا . وأما إذا تواطآً على أن يعطيه درام بدرام إلى أجل، وتحيلا على ذلك ببعض الطرق ، لم يبارك الله لا لهذا ، ولا لهذا : مثل أن يبيعه بعض الملك بيع أمانة ، على أنه يشترى منه الملك فيما بعد بأكثر من الثمن ، فهذا من الربا الذي حرمه الله ورسوله . وإن كان عند المعطى سلعة يحتاج إليها الآخذ كرضاض يعمر به الحمام ، باز أن يشتري السلعة إلى أجل، بما يتفقان عليه من الريح ؛ لكن لا ينبغي للبائع أن يرج على المشترى إلا ما جرت به العادة فى مثل ذلك؟ ٥٢٩ وسئل عمن أقرض رجلا قرضاً وامتنع أن يوفيه إياه ، إلا فى بلد آخر يحتاج فيه المقرض إلى سفر وحمل . فهل عليه كلفة سفره ؟ فأجاب : يجب على المقترض أن يوفى المقرض فى البلد الذي اقترض فيه ، ولا يكلفه شيئاً من مؤنة السفر والحمل . فإن قال : ما أوفيك إلا في بلد آخر غير هذا : كان عليه ضمان ما ينفقه بالمعروف . وسئل عما إذا أقرض رجل رجلا درام ليستوفيها منه فى بلد آخر فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ فأجاب: إذا أقرضه درام ليستوفيها منه فى بلد آخر : مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدرام إلى بلد آخر ، والمقترض له درام في ذلك البلد ، وهو محتاج إلى درام فى بلد المقرض ، فيقترض منه ، ويكتب له ((سفتجة)) أي: ورقة ، إلى بلد المقترض ، فهذا يصح فى ٥٣٠ أحد قولي العلماء . وقيل : نهى عنه، لأنه قرض جر منفعة ، والقرض إذا جر منفعة كان رباً ، والصحيح الجواز ؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد ، وقد انتفع المقترض أيضاً بالوفاء في ذلك البلد ، وأمن خطر الطريق . فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض ، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم ، وإنما ينهى عما يضرم. وسئل رحمه اللّه هل يجوز قرض الدرام المغشوشة . ويأخذها عدداً ؟ فأجاب : يجوز قرض الدرام المغشوشة ، إذا كانت متساوية الغش: مثل درام الناس التى يتعاملون بها . وكذلك إذا كان الغش متفاوتاً بسيراً ، فالصحيح أنه يجوز فرضها بالدرام التى يقال عيارها سبعون ، وعيار غيرها تسعة وستون . والصحيح أنه يجوز قرض الخطة وغيرها من الحبوب ، وإن كانت مغشوشة بالتراب والشعير، فإن (( باب القرض)) أسهل من «باب البيع )). ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عدداً. وقرض الخمير، ٥٣١ وإن كان لا يجوز عدداً . ويجوز فى القرض أن يرد خيراً مما افترض بغير شرط ، كما استلف النبى صلى الله عليه وسلم بعيراً ورد خيراً منه. وقال: ((خير الناس أحسنهم قضاء)). وكذلك يجوز قرض البيض ونحوه من المعدودات ، فى أصح قولي العلماء ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض حيواناً، والحيوان أكثر اختلافاً من البيض . وسل عن جندي له إقطاع، ويجيء إلى عند فلاحيه فيطعموه . هل يأكل؟ فأجاب: إذا أكل وأعطاهم عوض ما أكل فلا بأس. والله أعلم. وسئل عن معلم له دين عند صانع يستعمله لأجله ، يأكل من أجرته ؟ فأجاب : لا يجوز للأستاذ أن ينقص الصانع من أجرة مثله ؛ لأجل ماله عنده من القرض ، فإن فعل ذلك برضاه كان مرابياً ظالماً عاصياً مستحقاً للتعزير ، وليس له أن يسفه فى اقتضاء دينه . ٥٣٢ ومثل رحم اللّه عن رجل له إقطاع أرض يعمل له أربعمائة أردب ، فأعطى الفلاحين قوة تقارب مائتى أردب ، فيسجلوه بسبعمائة درهم . فهل ذلك ربا ؟ فأجاب : الحمد لله . كل قرض جر منفعة فهو ربا ؛ مثل أن يبايعه أو يؤاجره، ويحابيه فى المبايعة والمؤاجرة لأجل قرضه . قال النى صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل سلف وبيع)). فإنه إذا أقرضه مائة درهم وباعه سلعة تساوي مائة بمائة وخمسين كانت تلك الزيادة ربا . وكذلك إذا أقرضه مائة درهم ، واستأجره بدرهمين كل يوم ، أجرته تساوي ثلاثة؛ بل ما يصنع كثير من المعلمين بصنائعهم يقرضونهم ليحابوم فى الأجرة ، فهو رباً . وكذلك إذا كانت الأرض أو الدار أو الحانوت تساوي أجرتها مائة درهم ، فأكراها بمائة وخمسين ؛ لأجل المائة التى أقرضها إياه ، فهو ربا . وأما ((القوة)) فليست قرضاً محضاً ؛ فإنه يشترط عليه فيها أن ٥٣٣ يبذرها فى الأرض ، وإن كان عاملا ، وإن كان مستأجراً . فكأنه أجره أرضا بقويها بالأجرة المسماة، فإذا انقضت الإجارة استرجع الأرض، ونظيره القوة . وهذا فيه نزاع بين العلماء . منهم من يقول : المنفعة هنا مشتركة بين المقرض والمقرض ؛ فإن المقرض له غرض فى عمارة أرضه مثل ((السفتجة)) وهو أن يقرضه بلد ليستوفي فى بلد آخر ، فيربج المقرض خطر الطريق، ومؤونة الحمل، ويريج المقترض منفعة الاقتراض . وكذلك («القوة)» ليس مقصود المقوى بأخذ زيادة على قوته ؛ بل محتاج إلى إجارة أرضه ، وذلك محتاج إلى استئجارها ، فلا تتم مصلحتها إلا بقوة من المؤجر لحاجة المستأجر . وفى التحقيق ليس المقصود بالقوة القرض بل تقويته بالبذر ، كما لو قواه بالبقر . ومنهم من يجعله من باب القرض الذي يجر منفعة ، إنما القوة من تمام منفعة الأرض ، كما لو كان مع الأرض بقر ليحرث عليها ، فيكون قد أجر أرضاً وبقراً : فهذا جائز بلا ريب، ولكن القوة نفسها لا تبقى، ولكن يرجع فى نظيرها ، كما يرجع في المضاربة فى نظير رأس المال . فلهذا منع من منع من العلماء من ذلك ؛ لأن الإجارة ترجع نفس العين فيها إلى المؤجر ، والمستأجر قد استوفى المنفعة . ومثل هذا لا يجوز في ٥٣٤ القرض ، فإنه لا يجب فيه إلا رد المثل بلا زيادة . ولو أجره حنطة أو نحوها لينتفع بها، ثم يرد إليه مثلها مع الأجرة: فهذا هو القرض المشروط فيه زيادة على المثل . وهذا النزاع إذا أكراه بقيمة المثل ، وأفرضه القوة ونحوها مما يستعين به المكتري ، كما لو أكراء حانوناً ليعمل فيه صناعة أو تجارة ، وأقرضه ما يقيم به صناعته، أو تجارته . فأما إن أكراه بأكثر من قيمة المثل لأجل القرض ، فهذا لا خير فيه ؛ بل هو القرض الذي يجر الربا . ٥٣٥ باب الدهن سئل رحم الله عن رجل أرهن داره عند رجل على مال إلى أجل : فحل الأجل ، وهو عاجز ، فقال المرتهن : بعنى الدار بشرط إن وفيتى أخذتها بالثمن، وإن سكنتها لم آخذ منك أجرة ، فهل البيع صحيح ؟ وقد عمر المشترى فوقها بناء . فما حكمه ؟ فأجاب : ليس هذا بيعا صحيحاً؛ بل تعاد الدار إلى صاحبها ، ويوفى الدين المستحق . والعمارة التى عمرها المشترى تحسب له. والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل له نصف بستان ، والباقي لرجل آخر ، واستعار من شريكه نصفه ليرهنه بدين إلى أجل ، وعرفه مقدار الدين والأجل فأعاره ، ورهن البستان عند صاحب الدين ، ثم إنه فك نصيبه وباعه لصاحب الدين بثمن معلوم ، وتقاصا ، فهل له ذلك ؟ وهل يبقى نصيب ٥٣٦ المغير مرهوناً على باقى الدين ؟ أم له الرجوع فى كل وقت ؟ فأجاب : الحمد لله . نعم يجوز للمدين أن يبيع نصيبه لوفاء دينه ، كما ذكروا، وإذا باعه وكان مما يجب فيه الشفعة فللشريك أخذه بالشفعة. وأما نصيب المعير فيبقى مرهوناً على باقى الدين ، كما كان قبل ذلك، وليس للمعير الرجوع فى مثل هذه العارية ؛ لتعلق حق المرتهن بها . والله أعلم وسئل رحمه اللّه عن رجل عنده رهن على مبلغ إلى مدة معلومة ، فلما انقضى الأجل دفع إلى رب الدين حقه إلا مائة ، ثم قطعت القبالة الأولى ، وكتب بالمائة درهم حجة ، ولم يعد فيه ذكر الرهن . فهل لهذه المائة الباقية بالرهن المذكور تعلق ؟ فأجاب : إذا أوفى الغريم بعض الدين ، وبقي بعضه ، فالرهن باق بما بقي من الحق ، إلا أن يحصل ما يوجب فكاكه : مثل فك المرتهن له ، ونحو ذلك . ٥٣٧ وسل عن رجل أرهن داره ثم أشهد على نفسه، أنه عوض امرأته بالدار عن حقها من مدة عشر سنين ، فهل ببطل الرهن ؟ وهل يجوز للمرتهن أن يؤجر الدار ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يقبل إقرار الراهن بما يبطل الرهن ، وإن قيل : إنه إذا أقر بالرهن فللمقر له أن يبطله بموجب إقراره بلا ريب ، لأنه إذا أقر أن الرهن كان ملكا لغيره ، وأنه رهنه بدون إذنه لم يبطل الرهن بمجرد ذلك . والله أعلم . وسل عمن له على شخص دين ، وأرهن عليه رهناً ، والدين حال ، ورب الدين محتاج إلى دراهمه . فهل يجوز له بيع الرهن ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا كان أذن له فى بيعه باز، وإلا باع الحاكم إن أمكن ، ووفاه حقه منه . ومن العلماء من يقول : إذا تعذر ذلك دفعه إلى ثقة يبيعه، ويحتاط بالإشهاد على ذلك، ويستوفى حقه منه. والله أعلم ٥٣٨ وسئل عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص ، فرهنه عند غيره ، فعدم الرهن ، فحلف صاحب الرهن إن لم يأته به لم يستعمله ، معتقداً أنه لم يعدم ، ثم تبين له عدمه . فهل يحنث إذا استعمله ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا كان حين حلف معتقداً أن الرهن باق بعينه لم يعدم ، خلف ليحضره لم يحنث والحالة هذه. والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رهن عند رجل على مبلغ إلى مدة ، وقد انقضت المدة ، ثم إنه أرهنه بإذن مالكه على المبلغ عند إنسان آخر ، وقد طلب الراهن الثانى ما على الرهن ، وحبس لأجله ، ولم يكن له ما يستفكه . فهل يجوز بيعه ؟ أم لا ؟ فأجاب : نعم يجوز بيع الرهن لاستيفاء الحق منه والحالة هذه ؛ لاسيما وقد أذن الراهن الأول في الرهن على الدين ، فيجوز بيعه ٥٣٩ حينئذ لاستيفاء هذا الحق منه ، فإذا أمكن بيعه واستيفاء الحق منه لم يجز حبس الغريم . والله أعلم . وسل من امرأة أسرت ولها ملك وزوج وأخ ، فأرهنوا ملكها على درامٍ لأجل فكاكها ، وراح أخوها بالدرام فى طليها ، فوجدها حصلت بلا ثمن ، فرجعت إلى بلدها ، وتخلف أخوها في حوائجه ، فلما وصلت ووجدت ملكها مرهوناً على الدرام ، فقالت : يرهن مالي بغير أمري ؟ وأنكرت أن أخاها سلم إليها شيئا من الدرام . فهل يلزمها الرهن ؟ أم لا ؟ فأباب : لا شيء عليهم والحالة هذه ، بل يعاد إليها ما قبضه أخوها، ويفك الرهن على ملكها . والله أعلم . ٥٤٠