النص المفهرس

صفحات 481-500

هو مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، والشافعي .
ومن جعل ذلك مشاركة وجعلها أصلا آخر يجوز ذلك نصا؛ لا قياساً ،
وليس هو مخالفا للقياس، كما هو مذهب جمهور السلف، وطوائف من الخلف
من أصحاب أبى حنيفة كصاحبيه ، ومن أصحاب الشافعي كالخطابى وغيره،
وهو مذهب أحمد وغيره ، فهنا أتم نظرا .
والمأخذ الثانى : أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع
الثمرة قبل بدو صلاحها ، كما نهى عن بيع الحب قبل اشتداد. ، وعن
بيع العنب حتى يسود ، ثم إنه يجوز مع ذلك عند الأئمة الأربعة إجارة
الأرض لمن يعمل عليها ، حتى ينبت الزرع ، وليس ذلك تبعا للحب ،
وكذلك تقبيل الشجر لمن يعمل عليها حتى تثمر ، ليس هو تبعاً للثمرة.
ألا ترى أن المزارعة على الأرض بجزء من الأرض ، كالمساقاة على
الشجر بجزء من الثمر ، وأن إعارة الأرض كإعارة الشجر ، وأن
انتفاع أهل الوقف زرع الأرض كانتفاعهم بثمر الشجر . فالثمرة -
وإن كانت أعياناً - فإنها تجرى مجرى الفوائد، والنفع في الوقف،
والمضاربة، والمساقاة ؛ لأنه يستخلف بدلها ، كما أن استرضاع الظئر لما كان
مستخلفا بدله جرى مجرى النفع ؛ ولهذا في باب بيع الثمر بعد بدو
صلاحه ، إنما تكون مؤنة كمال الصلاح على البائع . وأما القبالة التى فعلها
عمر : فإنما يقوم فيها بسقي الشجر ، ومؤنة حصول الثمر المتقبل ، فلا
٤٨١

يقاس هذا بهذا . ويعلم أن نهى النى صلى الله عليه وسلم عن بيع
الثمر حتى يبدو صلاحه لم يتناول هذه القبالة بلا ريب . ثم إن قدر
أن الشجر لم يطلع أو تلف بعد إطلاعه بدون تفريط المتقبل ؛ كان
بمنزلة تعطل المنفعة في الإجارة ، وهو لا يستحق أجرة إلا إذا تمكن
المستأجر من الانتفاع .
الصورة الثانية : أن يكون المشترى مجرد الثمرة فقط ، ومؤنة
السقي على البائع ، فهذه المسألة إذا كان البستان مشتملا على أنواع ،
ففيها أيضا قولان :
أحدهما - وهو قول الليث بن سعد - أنه يجوز بيع جميع
البستان ، إذا صلح نوع منه ، كما يجوز بيع النوع جميعه ، إذا بدا
صلاح بعضه ؛ وذلك لأن التفريق فيه ضرر عظيم ، وذلك لأن المشترى
للنوع قد يتفق في النوع الآخر ، وقد لا يتفق من يشترى نوعادون
نوع ، وهذا القول أقوى من القول الثانى ، وهو المنع مطلقا ، كما
هو المشهور ، والجواز هنا بمجرد الحاجة ، وذلك أن بيع المزابنة أعظم
من بيع الثمر قبل بدو صلاحه ، فإنه بيع ربوي بجنسه خرصا . والربا
أعظم من الغرر لاسيما ونهيه عن بيع الثمرة ، حتى يبدو صلاحها ، قد
خص منه مواضع كما خص بيعه مع الشجر .
فعلم أن النهي لم يتناول بيعه مع غيره مطلقاً؛ بل قد يقال : إنما
٤٨٢

نهي عنه مفرداً، كما نهي عن الذهب والحرير مفرداً، ويباح مع غيره
مالا يباح مفرداً ؛ ولأنه بيع رطب بجنسه الربوي يابسا ، وهذا محرم
بالنص أيضا ، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد ، وقد جاز من
دخول المعدوم فى بيع الثمرة مالم يثبت نظيره فى المزابنة .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرخص فى العرايا استثناء
من المزابنة للحاجة ، فلأن يجوز بيع النوع تبعاً للنوع ، مع أن الحاجة
إلى ذلك أشد وأولى ، ولا يلزم من منعه مفرداً منعه مضموماً . ألا ترى
أن الحمل لا يجوز إفراده بالبيع ، وبيع الحيوان الحامل جائز بالإجماع .
وإن اشترط كونه حاملا . ونظائره كثيرة في الشريعة .
وسر الشريعة فى ذلك كله : أن الفعل إذا اشتمل على مفسدة منع
منه إلا إذا عارضها مصلحة راجحة ، كما فى إباحة الميتة للمضطر . وبيع
الغرر نهى عنه لأنه من نوع الميسر الذي يفضي إلى أكل المال
بالباطل ، فإذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك . أباحه دفعا لأعظم
الفسادين باحتمال أدناهما . والله أعلم.
٤٨٣

وقال الشيخ رحمه الله
فصل
وأما بيع المقائى كالبطيخ والخيار والقثاء ونحو ذلك : فإنه وإن كان
من العلماء في مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد من قال : لا يباع
إلا لقطة لقطة ، جعلا لذلك من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحه . والصحيح
أنه يجوز بيعها بعروقها جملة ، كما يقول ذلك من بقوله من أصحاب
الشافعي ، وأحمد ، وهو مذهب مالك وغيره ؛ لكن هذا القول
له مأخذان .
أحدهما : أن العروق كأصول الشجر . فبيع الخضروات بعروقها
قبل بدو صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بدو صلاحه يجوز تبعا .
وهذا مأخذ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد ، وإن كان هذا على
خلاف أصوله .
والمأخذ الثانى : - وهو الصحيح - أن هذه لم تدخل في نهي
النبى صلى الله عليه وسلم ؛ بل تصح مع العقود الذى هو اللقطة
٤٨٤

الموجودة ، واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقناة ، وإن كانت تلك
معدومة لم توجد ؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، ولا يمكن بيعها إلا
كذلك ، وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر ، لعدم التمييز ، وكلاهما
منتف شرعاً ، والشريعة استقرت على أن ما يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه،
وإن كان معدوما، كالمنافع ، وأجر الثمر الذى لم يبد صلاحه مع
الأصل ، والذي بدا صلاحه مطلقا .
وأيضا فإنهم يقولون : هذه معلومة فى العرف والعادة ، كالعلم
بالثمار ، وتلفها بعد ذلك كتلف الثمار بالجائحة ، وتلف منافع الإجارة من
جنسه . وثبت بالنص أن الجوائح توضع بلا محذور فى ذلك أملا ؛ بل المنع
من بيع ذلك من الفساد ، والله لا يحب الفساد . وإن كان بيع ذلك قد
يفضى إلى نوع من الفساد فالفساد في تحريم ذلك أعظم ، فيجب دفع
أعظم الفسادين باحتمال أدناهما ، إذ ذلك قاعدة مستقرة فى الشريعة .
وسئل رحمه الله:
عن رجل له سواقى يزرع فيها : اللفت ، والجزر ، والفجل ،
والقصب ، والقلقاس ، فهل يجوز بيعه في الأرض ؟.
فأجاب : أما بيع القصب ونحوه سواء بيع على أن يقلع ، أو يقطع
من مكان معروف فى العادة ، وإن كان مغطى بورقه ، فإن هذا الغطاء
٤٨٥

لا يمنع صحة البيع ، كبيع الحب فى سنبله ، وكبيع الجوز واللوز في
قشريه؛ فإن بيع جميع هذا جائز عند جماهير المسلمين الأولين والآخرين ،
كأبى حنيفة ومالك وأحمد ، وقول في مذهب الشافعي ، وهو عمل
المسلمين من زمن نبيهم ، إلى هذا الزمان ، في جميع الأعصار والأمصار .
وقد دل على هذا (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع
الحب حتى يشتد، وعن بيع العنب حتى يسود )) فإن هذا يدل على
جواز بيعه بعد اشتداده ، كما دل نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها
على جواز البيع بعد بدو الصلاح .
وأيضا فإن هذا ليس من بيع الغرر ، فإنه معلوم فى العادة. وأما
بيع الجزر واللفت والفجل والقلقاس ، ونحو ذلك ففيه قولان مشهوران:
أحدهما : لا يجوز حتى يقلع؛ بناء على أنه مغيب لم ير ولم يوصف؛
كسائر الأعيان الغائبة التى لم تر، ولم توصف . وهذا مذهب أبى حنيفة
والشافعي والمشهور من مذهب أحمد .
والثاني : أنه يجوز بيعه إذا رأى ماظهر منه على الوجه المعروف ،
وهذا قول مالك ، وقول فى مذهب أحمد . وهذا أصح القولين ، وعليه
عمل المسلمين قديما وحديثا ، ولا تتم مصلحة الناس إلا بهذا ؛ فإن
تأخير بيعه إلى حين قلعه ، يتعذر تارة ويتعسر أخرى ، ويفضى إلى
٤٨٦

فساد الأموال .
وأما كون ذلك مغيباً فيكون غرراً: فليس كذلك ؛ بل إذا رؤي
من المبيع ما يدل على ما لم ير جاز البيع باتفاق المسلمين : فى مثل بيع
العقار ، والحيوان . وكذلك ما يحصل الحرج بمعرفة جميعه يكتفى برؤية
ما يمكن منه، كما فى بيع الحيطان . وما مأكوله في جوفه والحيوان
الحامل ، وغير ذلك، فالصواب جواز بيع مثل هذا . والله أعلم .
وسل
عن بيع ما في بطن الأرض من اللفت والجزر والقلقاس ونحوه :
هل يجوز أم لا؟
فأجاب : أما بيع المغروس فى الأرض الذي يظهر ورقه ، كاللفت ،
والجزر ، والقلقاس ، والفجل والثوم ، والبصل ، وشبه ذلك ففيه
قولان العلماء.
أحدهما: أنه لا يجوز، كما هو المشهور عن أصحاب الشافعي ، وأحمد
وغيرهما . قالوا : لأن هذه أعيان غائبة لم تر ولم توصف ، فلا يجوز
بيعها كغيرها من الأعيان الغائبة ؛ وذلك داخل في نهي النبى صلى الله
٤٨٧

عليه وسلم عن بيع الغرر .
والثانى : أن بيع ذلك جائز . كما يقوله من يقوله من أصحاب
مالك . وغيره ، وهو قول في مذهب أحمد وغيره ، وهذا القول هو
الصواب لوجوه .
منها : أن هذا ليس من الغرر ؛ بل أهل الخبرة يستدلون بما
يظهر من الورق على المغيب فى الأرض ، كما يستدلون بما يظهر من
العقار من ظواهره على بواطنه ، وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان
على بواطنه . ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك ، والمرجع فى
ذلك إليهم .
والثانى : أن العلم فى جميع المبيع يشترط فى كل شيء بحسبه ، فما
ظهر بعضه وخفي بعضه ، وكان فى إظهار باطنه مشقة وحرج : اكتفى
بظاهره ؛ كالعقار ، فإنه لا يشترط رؤية أساسه ، ودواخل الحيطان ،
وكذلك الحيوان ، وكذلك أمثال ذلك .
الثالث : أنه ما احتيج إلى بيعه فإنه يوسع فيه ما لا يوسع في غيره ؛
فيبيحه الشارع للحاجة مع قيام السبب الخاص ، كما أرخص فى بيع
العرايا بخرصها ، وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة ، ولم يجعل ذلك
من المزابنة التى نهي عنها ؛ فإن المزابنة بيع المال بجنسه مجازفة إذا كان
٤٨٨

ربويا بالاتفاق ، وإن كان غير ربوي فعلى قولين ، وكذلك رخص
النبى صلى الله عليه وسلم في ابتياع الثمر بعد بدو صلاحه بشرط
التبقية، مع أن إتمام الثمر لم يخلق بعد ، ولم ير . فجعل ما لم يوجد
ولم يخلق ولم يعلم تابعا لذلك، والناس محتاجون إلى بيع هذه النباتات
في الأرض .
ومما بشبه ذلك بيع المقاتى كمقاتى البطيخ والخيار والقثاء ، وغير
ذلك ، فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول : لا يجوز بيعها
إلا لقطة ، لقطة . وكثير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما قالوا:
إنه يجوز بيعها مطلقا على الوجه المعتاد ، وهذا هو الصواب ، فإن بيعها
لا يمكن فى العادة إلا على هذا الوجه ، وبيعها لقطة لقطة إما متعذر ،
وإما متعسر ؛ فإنه لا يتميز لقطة عن لقطة؛ إذ كثير من ذلك لا يمكن
التقاطه، ويمكن تأخيره . فبيع المقناة بعد ظهور صلاحها كبيع ثمرة
البستان بعد بدو صلاحها ، وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد ولم ير ؛
ولهذا إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحا لباقيها باتفاق العلماء .
ويكون صلاحها صلاحا لسائر ما فى البستان من ذلك النوع فى أظهر
قولي العلماء . وقول جمهورهم : بل يكون صلاحاً لجميع ثمرة البستان
التى جرت العادة بأن يباع جملة في أحد قولي العلماء . وهذه المسائل
وغيرها مما ذكرنا فى هذا الجواب مبسوطة فى غير هذا الموضع.
٤٨٩

وسئل رحمه الله
عن بيع قصب السكر ، والقلقاس ، واللفت والجزر ونحو ذلك ،
وهو قائم فى الأرض ، وفي بيع البطيخ ونحوه من المقانى ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أما بيع قصب السكر فلا شبهة
فيه ، إلا ما يذكر من كونه فى قشره الذي يكون صوناً له ، فبيعه
كبيع الجوز واللوز والباقلا فى قشربه ، وبيع ذلك جائز عند جماهير
علماء المسلمين ، وهو قول سلف الأمة ، وعملها المتصل من لدن
أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى هذا الزمان ، ولا تتم
مصلحة الناس إلا بذلك ، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد بن
حنبل ، وقول فى مذهب الشافعي ، فإنه لما مرض أمر أن يشترى
له باقلا أخضر ، وذلك فى مرض موته ، فهو متأخر عن نهيه الذي
فى كتبه .
وقد دل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع العنب
حتى يسود ، وعن بيع الحب حتى يشتد )) وذلك بدل على جواز بيع
ذلك بعد اسوداده واشتداده . فيدل على جواز بيع الحب فى سنبله ،
٤٩٠

وهو من صور النزاع كالباقلا في قشريه . والذي كره بيع ذلك يظنه
من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر
كذلك ؛ لوجهين :
أحدهما : أن المشترين يعلمون ذلك كما يعلمون كثيراً من المبيعات
المتفق على جواز بيعها ؛ بل علمهم بذلك أقوى من علمهم بكثير منها .
والثاني : أنه لو فرض أن فى ذلك جهلا فالشريعة استقرت على ما
يحتاج إلى بيعه مع الغرر ؛ ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم في
بيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح . ثم إنه بعد ذلك
أمر بوضع الجوائح إذا أصابتها .
وأيضا فإنه أذن في بيع العقار بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من
كان له شرك في أرض ، أو ربعة ، أو حائط ، فلا يحل له أن يبيع
حتى يؤذن شريكه ، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك)). وقد أجمع
المسلمون على جواز بيع العقار مع أن أساس الحيطان ، وداخلها مغيب.
وكذلك أذن فى بيع الثمار قبل بدو صلاحها نبعا للأصل ، بقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((من باع نخلا مؤيراً،
فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)) وذلك أن بيع الغرر نهى عنه
لما فيه من الميسر ، والقمار ، المتضمن لأكل المال بالباطل . فإذا
٤٩١

كان فى بعض الصور من فوات الأموال وفسادها ونقصها على أصحابها
بتحريم البيع أعظم مما فيها مع حله لم يجز دفع الفساد القليل بالتزام
الفساد الكثير ؛ بل الواجب ما جاءت به الشريعة ، وهو محصيل أعظم
الصلاحين بتفويت أدناهما ، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما . والفتيا
لا تحتمل البسط أكثر من هذا .
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
وأما بيع القلقاس والجزر واللفت ونحو ذلك فهو جائز عند طوائف
من أهل العلم ، وهو مذهب مالك ، وقول فى مذهب الإمام أحمد ،
وإن كان المشهور عنه - كمذهب أبى حنيفة والشافعي - أنه لا يجوز.
والقول الأول هو الصواب ؛ فإن الأصل المتفق عليه بين العلماء فى ذلك
كون المبيع معلوماً العلم المعتبر فى المبيع ، فنهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن بيع الغرر يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بذلك . وأهل
الخبرة يقولون : إنهم يعلمون ذلك فى حال كونه فى الأرض ، بحيث
يخرج عن كونه غرراً؛ ويستدلون على ذلك بما يقلعونه منه ، كما يعلم
٤٩٢

المبيع المنفصل عن الأرض برؤية بعضه إذا كان متشابه الأجزاء . ثم إن
ظهر الخفي دون الظاهر بما لم تجربه العادة : كان ذلك إما غبنا ، وإما
تدليسا . بل أهل الخبرة يقولون : إنهم يعلمون ذلك أكثر مما يعلمون
كثيرا من المنفصل .
وكون المبيع معلوما أو غير معلوم لا يؤخذ من الفقهاء بخصوصهم؛
بل يؤخذ من أهل الخبرة بذلك الشىء ؛ وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا
به من معرفة الأحكام بأدلتها . وقد قال الله تعالى: (الَّذِينَيُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبٍ ) والإيمان بالشيء مشروط بقيام دليل يدل عليه . فعلم أن
الأمور الغائبة عن المشاهدة قد تعلم بما يدل عليها ، فإذا قال أهل الخبرة:
إنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم فى ذلك ، دون من لم يشاركهم فى
ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
لهم في تأبير النخل: (( أنتم أعلم بدنياكم . فما كان من أمر دينكم
فإلي)). ثم يترتب الحكم الشرعى على ما تعلمه أهل الخبرة، كما
يترتب على التقويم والقيامة والخرص ، وغير ذلك .
٤٩٣

وسئل
عن إنسان عاقد إنساناً على قصب ، وقلقاس ، وهو تحت الأرض
قبل إدراكه فعند إدراكه غرق ، وقد طلب منه ثمنه بلا مكاتبة ولا
تسليم ، فما يجب في ذلك ؟
فأجاب : ما تلف من ذلك فهو من ضمان البائع ، سواء كان البيع
صحيحاً أو فاسداً ، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك
من تمنها شيء ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ )).
٤٩٤

باب السلم
سئل شيخ الإسلام قدس اللّهروج
عن السلم فى الزيتون هل يجوز ؟
فأجاب : وأما السلم فى الزيتون وأمثاله من المكيلات والموزونات
فيجوز ، وما علمت بين الأئمة فى ذلك نزاعا ، ولكن النزاع فيما إذا أسلم
فى غير المكيل والموزون، كالحيوان ونحوه . وفيه عن أحمد روايتان أشهرهما
جواز ذلك، وهو قول مالك والشافعي. والثانية لا يجوز كقول أبى حنيفة.
وسل
عن رجل عنده قمح، قيمته وزن ثمانية عشر درهما. باعه إلى أجل
بخمسة وعشرين هل يجوز ؟ والسلم فى الغلة حلال أم حرام ؟
فأجاب : أما السلف فإنه جائز بالإجماع . كما قال النبى صلى الله
عليه وسلم (( من أسلف فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم،
٤٩٥

إلى أجل معلوم)). وأما إذا قوم السلعة بقيمة حالة ، وباعها إلى أجل
بأكثر من ذلك ، فهذا منهي عنه فى أصح قولي العلماء ، كما قال ابن
عباس : إذا استقمت بنقد ، ثم بعت بنقد ، فلا بأس ، وإذا استقمت
بنقد ، ثم بعت بنسيئة ، فتلك درام بدرام . ومعنى قوله : استقمت .
أي قومت ، والله أعلم .
وسل
عن امرأة تشتري قماشاً بثمن حال، وتبيعه بزائد الثلث إلى أجل
معلوم . فهل هذا ربا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إذا كان المشترى يشتريها لينتفع
بها، أو يتجربها - لا يشتريها ليبيعها ، ويأخذ تمنها لحاجته إليه -
فلا بأس بذلك ، لكن ينبغى إذا كان المشترى محتاجاً أن يريج عليه
الربح الذي جرت به العادة . والله أعلم.
وسئل
هل يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل ؟
فأجاب : يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل .
٤٩٦

وسل
من رجل يشتري عش الحمامات ، ويقدم الفضة على عش السنة
كلها ، ونص عند الشهود على أرادب معلومة، وليس ثم كيل أصلا؛
بل يفعل ذلك ليصح السلم، وكان العادة إذا يحصل منه شيء جعل فى
وعائه، وختم عليه كله ، وبيع . فهل هذا صحيح ؟ أم لا ؟
فأجاب : هذه المسألة مبنية على أصلين :
((أحدهما)): أن هذا المنعقد من الدخان، هل هو طاهر أو نجس ؟
في ذلك تفصيل ونزاع . وإن كان الوقود طاهراً ، كوقود الأفران ،
وكالوقود الطاهر للحمام ، فذلك المنعقد طاهر ، وإن كان الوقود بنجاسة
فهل يكون هذا المنعقد طاهراً ؟ على قولين للعلماء . وكذلك في كل
نجاسة استحالت كالرماد ، والقصرمل والجرسيف ، ونحو ذلك ، وإن
كان مستحيلا عن نجاسة فهذا نجس فى مذهب الشافعي ، وأحد القولين
فى مذهب مالك وأحمد ، وهو ظاهر فى مذهب أبى حنيفة .
والقول الآخر في مذهب مالك وأحمد أنه طاهر وهذا القول
٤٩٧

أقوى فى دلالة الكتاب والسنة، والقياس . فإنهم اتفقوا على أن الخمر
إذا انقلبت خلا بفعل الله تعالى كانت طاهرة ، وهذا لم يتناوله لفظ
التحريم ، ولا معناه ، فلا يكون محرماً نجساً . فمن قال : إنه طاهر ،
جوز بيعه ، ومنهم من يجوز بيعه مع بجاسته ، والخلاف فيه مشهور فى
(«مسألة السرجين النجس ».
و (( الأصل الثانى)): أنه إذا جاز بيعه فلا يقال يباع على الوجه
المشروع ، ولا ريب أنه يجوز السلف فيه ، وليس السؤال عن بيعه
معيناً حتى يشترط الرؤية ونحوها ؛ لكن إذا أسلف فيه ، فلا بد أن
يسلف فى قدر معلوم ، إلى أجل معلوم ، وأن يقبض رأس المال فى
المجلس ، وغير ذلك من شروط السلم .
فإذا كانوا قد أظهروا صورة السلم. وكان المسلم يقبض ما تحصل،
وهو المقصود فى الباطن ، سواء كان أكثر من المقدار ، أو أقل :
فهذا عقد باطل ، يجب النهي عنه ، ومنع فاعله .
وسئل رحم الله
عن رجل محتاج إلى تاجر عنده قماش ، فقال: أعطنى هذه القطعة،
٤٩٨

فقال التاجر مشتراها بثلاثين ، وما أبيعها إلا بخمسين إلى أجل ، فهل
يجوز ذلك ؟ أم لا ؟
فأجاب : المشتري على ثلاثة أنواع :
أحدها : أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل والشرب
واللبس والركوب ، وغير ذلك .
والثانى : أن يكون مقصوده التجارة فيها ، فهذان نوعان جائزان
بالكتاب والسنة، والإجماع. كما قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وقال
تعالى: (إِلَّ أَن تَكُونَ تِحَرَةً عَن ◌َرَضِ مِّنَكُمْ) ؛ لكن لابد من مراعاة
الشروط الشرعية . فإذا كان المشترى مضطراً لم يجز أن يباع إلا بقيمة
المثل ، مثل أن يضطر الإنسان إلى مشترى طعام لا يجده إلا عند
شخص ، فعليه أن يبيعه إياه بالقيمة ، قيمة المثل. وإن لم يبعه إلا بأكثر
فللمشترى أن يأخذه بغير اختياره بقيمة المثل ، وإذا أعطاه إياه لم يجب
عليه إلا قيمة المثل ، وإذا باعه إياه بالقيمة إلى ذلك الأجل ، فإن الأجل
يأخذ قسطاً من الثمن .
النوع الثالث: أن يكون المشترى إنما يريد به درام مثلا ليوفي
بها ديناً واشترى بها شيئاً فيتفقان على أن يعطيه مثلا المائة بمائة
وعشرين إلى أجل ، فهذا كله منهي عنه ، فإن اتفقا على أن يعيد
٤٩٩

السلعة إليه؛ فهو ((بيعتان في بيعة)). وإن دخلا ثالثا يشترى منه
السلعة، ثم تعاد إليه، فكذلك وإن باعه وأفرضه فكذلك ، وقد
نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان المشترى بأخذ السلعة فيبيعها فى موضع آخر : يشتریها
بمائة، ويبيعها بسبعين لأجل الحاجة إلى دراهم. فهذه تسمى: ((مسألة
التورق)) وفيها نزاع بين العلماء ، والأقوى أيضاً أنه منهى عنها ، وأنها
أصل الربا، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز وغيره . والله أعلم .
وسئل
عن رجل يخرج على القمح والشعير والفول والحمص ونحو ذلك ،
وإذا جاء أوان أخذه باعه للذي هو عنده ، بسعر ما يسوى ، من قبل
أن يقبضه منه . فهل هذا حلال أم حرام ؟ وما عليه فيما مضى من
السنين ؟ وما كان يفعله ؟
فأجاب: هذا يسمى ((السلم)) و((السلف)) ولا يجوز بيع هذا
الدين الذي هو دين السلم ، قبل قبضه لا من المستلف ولا من غيره،
فى مذهب الأئمة الأربعة ؛ بل هذا يدخل فيما نهى عنه رسول الله صلى
الله عليه وسلم من بيع مالم يقبض . وقد يدخل فى ربح مالم يضمن
٥٠٠