النص المفهرس
صفحات 461-480
وسئل عن رجل قال لإنسان : أعطنى بهذه الدراهم أنصافا ، قال له : ما يجوز . فهل يجوز ذلك ؟ فأجاب : الحمد لله . هذه فيها نزاع بين العلماء ؛ لكن الأكثرون على جواز ذلك ؛ كأبى حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى ظاهر مذهبه .. فإن المسألة التي نقلتها الفقهاء مسألة ((مدعجوة)) على ثلاثة أقسام: يجمعها أنه بيع ربوي بجنسه ، ومعها أو مع أحدهما من غير جنسها . القسم الأول : أن يكون المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلا، ويضم إلى الأقل غير الجنس حيلة ، مثل أن يبيع ألفي دينار بألف دينار في منديل ، أو قفيز حنطة بقفيز وغرارة ، ونحو ذلك . فإن الصواب فى مثل هذا القول بالتحريم ، كما هو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد . وإلا فلا يعجز أحد فى ربا الفضل أن بضم إلى القليل شيئاً من هذا . القسم الثانى : أن يكون المقصود بيع غير ربوي مع ربوي ، وإنما دخل الربوي ضمنا وتبعاً ، كبيع شاة ذات صوف ولبن بشاة ذات ٤٦١ صوف ولبن ، أو سيف فيه فضة بسيرة بسيف أو غيره، أو دار مموهة بذهب بدار ، ونحو ذلك. فهنا الصحيح فى مذهب مالك وأحمد جواز ذلك . وكذلك لو كان المقصود بيع الربوي بغير الربوي ، مثل بيع الدار والسيف ونحوهما بذهب ، أو بيعه بجنسه، وهما متساويان . ومسألة الدرام المغشوشة في زماننا من هذا الباب ؛ فإن الفضة التى فى أحد الدرهمين كالفضة التى في الدرم الآخر . وأما النحاس فهو تابع غير مقصود . ولهذا كان الصحيح جواز ذلك ؛ بخلاف القسم الثالث ، وهو ما إذا كان كلاهما مقصوداً : مثل بيع مد عجوة ودرم بمد معجوة ودرهم ، أو مدين ، أو درهمين ، أو بيع دينار بنصف دينار وعشرة دراهم ، أو بيع عشرة دراهم ورطل محاس بعشرة دراهم ورطل نحاس ، فمثل هذه فيها نزاع مشهور . فأبو حنيفة يجوز ذلك ، والشافعي يحرمه . وعن أحمد روايتان . ولمالك تفصيل بين الثلث وغيره . ٤٦٢ وسئل رحم الله عن الذهب الخيش إذا علم مقدار مافيه من الفضة والذهب ، فهل يجوز بيعه بأحدهما إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره ؟ فأحاب : الحمد لله . هذا على ثلاثة أنواع : أحدها أن يكون المقصود بيع فضة بفضة متفاضلا ، أو بيع ذهب بذهب متفاضلا، ويضم إلى الأنقص من غير جنسه حيلة ، فهذا لا يجوز أملا . والثانى أن يكون المقصود بيع أحدهما، وبيع عرض بأحدهما ، وفي العرض ما ليس مقصوداً : مثل بيع السلاح بأحدهما وفيه حيلة بسيرة ، أو بيع عقار بأحدهما وفى سقفه وحيطانه كذلك ؛ مثل بيع غنم ذات صوف بصوف، وذات لبن بلبن ، فهذا يجوز عند أكثر العلماء ، وهو الصواب . وبيع الفضة المخيشة بذهب يذهب عند السبك بفضة مثله ؛ هو من هذا الباب ؛ فإذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب ، أو بيعت ٤٦٣ بذهب مقبوض جاز ذلك ، وإذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لأجل الصناعة لم يجز . والثالث أن يكون كلا الأمرين مقصودا: مثل أن يكون على السلاح ذهب أو فضة كثير ؛ فهذا إذا كان معلوم المقدار وبيع بأكثر من ذلك: ففيه نزاع مشهور . والأظهر أنه جائز . وإذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب ، أو بيعت بذهب مغشوش . جاز ذلك، وإذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لم يجز. والله أعلم . وقال رحمه الله فصل وأما بيع الدرام النقرة التى تكون فضتها نحو الثلثين ، بالدراهم السود التى تكون فضتها نحو الربع ، أو أقل ، أو أكثر ، فهذه مما تتعلق بمسألة ((مدعجوة)). وجماعها أن يبيع ربويا معه غيره بجنس ذلك الربوى ، والناس فيها بين طرفى التحريم ، والتحليل ، وبين متوسط . ٤٦٤ فإذا كان المقصود بيع الربوى بجنسه متفاضلا ، وقد أدخل الغير حيلة ، كمن يبيع ألفى درهم بألف درهم فى منديل ، أو قفيزي خطة بقفيز فى زنبيل : فهذا لا ريب في تحريمه . كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد . وإن كان المقصود هو البيع الجائز ، وما فيه من مقابلة ربوی بریوی هو داخل على وجه التبح ، كبيع الغنم بالغنم ، وفى كل منها لبن وصوف، أو بيع غنم ذات لبن بلبن ، وبيع دار مموهة بذهب ، وبيع الحلية الفضية بذهب ، وعليهما ذهب بسير موهت به ، ونحو ذلك . فهذا الصواب فيه أنه جائز ، كما هو المشهور من مذهب أحمد ، وغيره ، كما جاز دخول الثمرة قبل بدو صلاحها ، فى البيع تبعا ، وقد جاء مع ذلك الحديث الذي رواه مسلم مرفوعا ، كما رواه سالم عن أبيه ، ورواه نافع عن ابن عمر مرفوعا: (( من باع عبدا له ، وله مال، فماله للبائع ، إلا أن يشترط المباع)). وأما إن كان كلا الصنفين مقصودا ، ففيها النزاع المشهور . ومنهم من منعه ؛ إما لكونه ذريعة إلى الربا ، وإما لكون الصفقة المشتملة على عوضين مختلفين ينقسم الثمن عليها بالقيمة ، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد فى إحدى روايتيه . ٤٦٥ ومنهم من جوزه كمذهب أبى حنيفة وغيره . والرواية الأخرى عن أحمد : إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره . إذا عرف ذلك : فبيح النقرة المغشوشة بالثقرة المغشوشة جائز على الصحيح ، كبيع الشاة اللبون بالبون ، إذا تماثلا فى الصفة ، أو النحاس . وأما بيع النقرة بالسوداء ، إذا لم يقصد به فضة بفضة متفاضلا ، فإن النحاس الذي في السوداء مقصود، وهي قرينة بين النقرة والفلوس ، فهذه مخرج على النزاع المشهور فى مسألة « مد عجوة ) إذ قد باع فضة ونحاسا بفضة ونحاس مقصودين ، والأشبه الجواز فى ذلك ، وفى سائر هذا الباب ، إذا لم يشتمل على الربا المحرم . والأصل حمل العقود على الصحة ، والحاجة داعية إلى ذلك ، وحديث الخرز المعلقة بالذهب ، لم يعلم كون الذهب المفرد أكثر من الذي مع الخرز، والتقويم فى العوضين المختلفين كان للحاجة . هذا إن كان النحاس ينتفع به ، إذا تخلص من الفضة ؛ فإن كان لا ينتفع به ؛ فذلك كبيح الفضة بالفضة ، يعتبر فيه التماثل ، ويلغى فيه مالا خبرة للناس بمقدار الفضة . والله أعلم. ٤٦٦ وسل عن جماعة تبيع بدراهم ، وتوفى عن بعضها فلوسا محاباة ، ثم نخبر عن الثمن بالثمن المسمى ؟. فأجاب : ليس لهم أن يوفوا فلوساً إلا برضا البائع ، وإذا أوفوا فلوساً فليس لهم أن يوفوها إلا بالسعر الواقع ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر لما قال له : إنا نبيع بالذهب ، ونقتضى الورق، ونبيع بالورق ونقتضى الذهب، فقال: ((لا بأس به ، بسعر يومه، إذا افترقتما ، وليس بينكما شيء)). وحينئذ فتخبير الثمن على التقدير سواء ؛ وذلك لأن هذا ربح فيما لم يضمن . وعلى هذا التقدير فجميع الديون والاعتياض عنها سواء؛ لأن التقديرين يجريان مجرى واحداً . فاستيفاء أحدهما عن الآخر كاستيفاء أحدهما عن نفسه ، فلا يكون ذلك من باب المعاوضة ، فلا تجوز فيه الزيادة بالشرط ، كما لا يجوز فى القرض ونحوه مما يوجب المائلة . فإذا انفقا على أن يوفى أحدهما أكثر من قيمته : كان كالاتفاق ٤٦٧ على أن يوفى عنه أكثر منه من جنسه ؛ بخلاف الزيادة من غير شرط. وعلى هذا فالفلوس النافقة قد يكون فيها شوب أقوى من الأثمان ، فتوفيتها عن أحد النقدين ، كتوفية أحدهما عن صاحبه : فيه العلتان ؛ لحديث ابن عمر. يحسبها بنقدين فى الحكم، ويقتصر به عن الأثمان . والله أعلم . ومثل رحمه اللّه عن الفلوس تشتري نقدا بشيء معلوم ، وتباع إلى أجل بزيادة فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين العلماء وهو صرف الفلوس النافقة بالدراهم ، هل يشترط فيها الحلول ؟ أم يجوز فيها النساء؟ على قولين مشهورين ، هما قولان في مذهب أبى حنيفة . وأحمد بن حنبل : أحدهما : وهو منصوص أحمد ، وقول مالك . وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة : أنه لا يجوز . وقال مالك: وليس بالحرام البين . والثاني : وهو قول الشافعي وأبي حنيفة في الرواية الأخرى ، ٤٦٨ وابن عقيل من أصحاب أحمد : أنه يجوز . ومنهم من يجعل نهي أحمد للكراهة ؛ فإنه قال : هو يشبه الصرف . والأظهر المنع من ذلك ؛ فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان ، وتجعل معيار أموال الناس. ولهذا ينبغى للسلطان أن يضرب لهم فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم ؛ من غير ظلم لهم . ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلا ؛ بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتجر فيه ، ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التى بأيديهم ، ويضرب لهم غيرها ؛ بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه ؛ للمصلحة العامة ، ويعطى أجرة الصناع من بيت المال ؛ فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس ، وأكل أموالهم بالباطل ؛ فإنه إذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضا ، وضرب لهم فلوسا أخرى : أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها ، فيظلمهم فيها ، وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها . وأيضا فإذا اختلفت مقادير الفلوس : صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارا فيصرفونها ، وينقلونها إلى بلد آخر ، ويخرجون صغارها ، فتفسد أموال الناس ، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم، إلا من بأس)) فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس ، ولم يشتر ولي الأمر النحاس. والفلوس الكاسدة ليضربها فلوساً ، ويتجر بذلك : حصل بها المقصود ٤٦٩ من الثمنية . وكذلك الدرام؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين)) و((نهى عن صرف الدرام بالدنانير ، إلا يداً بيد)) وتحريم النساء متفق عليه بين الأمة. وتحريم التفاضل بدا بيد قد ثبت فيه أحاديث صحيحة ، وقال به جمهور الأمة ؛ ولكن لله ولرسوله فى الشريعة من الحكمة البالغة ، والنعمة التامة ، والرحمة العامة ؛ ما قد يخفى على كثير من العلماء . وقد اختلفوا فى كثير من ((مسائل الربا ، قديما وحديثاً. واختلفوا فى تحريم التفاضل في الأصناف الستة : الذهب ، والفضة ، والخطة ، والشعير ، والتمر، والملح: هل هو التماثل؟ وهو الكيل والوزن . أو هو الثمنية والطعم، أو هو الثمنية والتماثل مع الطعم والقوت وما يصلحه؟ أو النهي غير معلل، والحكم مقصور على مورد النص؟ على أقوال مشهورة . و ((الأول)) مذهب أبى حنيفة ، وأحمد فى أشهر الروايات عنه . و ((الثانى)) قول الشافعي، وأحمد فى رواية. و((الثالث)) قول أحمد فى رواية ثالثة اختارها أبو محمد ، وقول مالك قريب من هذا، وهذا القول أرجح من غيره. و ((الرابع)) قول داود وأصحابه، ويروى عن قتادة . ورجح ابن عقيل هذا القول فى مفرداته ، وضعف ٤٧٠ الأقوال المتقدمة . وفيها قول شاذ : أن العلمة المالية ، وهو مخالف للنصوص ، ولإجماع السلف . والاتحاد فى الجنس شرط على كل قول من ربا الفضل . والمقصود هنا : الكلام في علة محريم الربا فى الدنانير والدرام . والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية ؛ لا الوزن، كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل فى سائر الموزونات ، كالرصاص ، والحديد، والحرير، والقطن ، والكتان . ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات ، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل ، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا. والمنازع يقول : جواز هذا استحسان ، وهو نقيض للعلة . ويقول : إنه جوز هذا للحاجة ؛ مع أن القياس تحريمه ، فيلزمه أن يجعل العلة الربا بما ذكره . وذلك خلاف قوله . وتخصيص العلة الذي قد سمي استحساناً إن لم يبين دليل شرعي يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة ، واختصاص صورة التخصيص ، بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع ، والأحاديث ، وإلا كانت العلة فاسدة . والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب ؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال ، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ، ولا ٤٧١ يقصد الانتفاع بعينها . فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل ، قصد بها التجارة التى تناقض مقصود الثمنية ، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب ؛ فإن ذلك إنما يحصل يقبضها ؛ لا بثبوتها فى الذمة ؛ مع أنها ثمن من طرفين ، فنهى الشارع أن يباع تمن بثمن إلى أجل . فإذا صارت الفلوس أتماناً صار فيها المعنى، فلا يباع تمن بثمن إلى أجل . كما أن النبى صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الكالئ بالكالى)) وهو المؤخر بالمؤخر ، ولم ينه عن بيع دين ثابت فى الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت فى الذمة يسقط ؛ فإن هذا الثانى يقتضى تفريغ كل واحدة من الذمتين ، ولهذا كان هذا جائزاً في أظهر قولي العلماء ، كمذهب مالك وأبي حنيفة ؛ وغيرها ؛ بخلاف ما إذا باع دينا يجب في الذمة ويشغلها بدين يجب فى الذمة ، كالمسلم إذا أسلم في سلعة ولم يقبضه رأس المال ، فإنه يثبت فى ذمة المستسلف دين السلم ، وفى ذمة المسلف رأس المال ، ولم ينتفع واحد منها بشيء . ففيه شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التى هي وسائل إلى القبض ، وهو المقصود بالعقد . كما أن السلع هي المقصودة بالأثمان ، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل ، كما لا يباع كالئ بكالى ؛ لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية ، ومقصود العقود ؛ بخلاف كون المال موزونا ومكيلا ؛ فإن هذا صفة لما ٤٧٢ به يقدر ، ويعلم قدره . ولأن فى ذلك معنى يناسب تحريم التفاضل فيه . فإذا قيل : المكيلات والموزونات متماثلة، وعلة التحريم نفي التماثل. قيل : العاقل لا يبيع شيئاً بمثله إلى أجل ، ولكن قد يقرض الشيء ليأخذ مثله بعد حين . والقرض هو تبرع من جنس العارية ، كما سماء النبى صلى الله عليه وسلم (( منيحة ورق، أو منيحة ذهب)). فالمال إذا دفع إلى من يستوفي منفعته مدة ، ثم يعيده إلى صاحبه ، كان هذا تبرعا من صاحبه بنفعه تلك المدة ، وإن كان لكل نوع اسم خاص . فيقال فى النخلة : عارية ، ويقال فيما يشرب لبنه منيحة . ثم قد يعيد إليه مين المال إن كان مقصوداً، وإلا أعاد مثله. والدرام لا تقصد عينها ، فإعادة المقترض نظيرها ، كما يعيد المضارب نظيرها . وهو رأس المال . ولهذا سمي قرضا ، ولهذا لم يستحق المقرض إلا نظير ماله ، وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال ، باتفاق العلماء . والمقرض يستحق مثل قرضه فى صفته كما يستحق مثله فى الغصب والإتلاف ، ومثل هذا لا يبيعه عاقل ، وإنما يباع الشيء بمثله ، فيما إذا اختلفت الصفة . والشارع طلب إلغاء الصفة في الأثمان ، فأراد أن تباع الدرام يمثل وزنها ، ولا ينظر إلى اختلاف الصفات مع خفة وزن كل درم . كما يفعله من يطلب دراج خفافا ، إما ليعطيها للظلمة ، وإما ليقضي بها ، ٤٧٣ وإما لغير ذلك ، فيبدل أقل منها عددا ، وهو مثلها وزنا ، فيريد المربى أن لا يعطيه ذلك إلا بزيادة في الوزن ، فهذا إخراج الأثمان عن مقصودها ، وهذا مما حرمه النبى صلى الله عليه وسلم بلا ريب؛ بخلاف مواضع تنازع العلماء فيها ، ليس هذا موضع تفصيلها . والله أعلم . وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عمن يبخس المكيال والميزان ؟ فأحاب : أما بخس المكيال والميزان ، فهو من الأعمال التى أهلك الله بها قوم شعيب ، وقص علينا قصتهم فى غير موضع من القرآن ؛ لتعتبر بذلك . والإصرار على ذلك من أعظم الكبائر، وصاحبه مستوجب تغليظ العقوبة، وينبغي أن يؤخذ منه ما نخسه من أموال المسلمين على طول الزمان، ويصرف فى مصالح المسلمين، إذا لم يمكن إعادته إلى أصحابه ٠ والكيال والوزان الذي يبخس الغير : هو ضامن محروم ، مأثوم. وهو من أخسر الناس صفقة، إذ باع آخرته بدنيا غيره . ولا يحل أن يجعل بين الناس كيالا أو وزانا يبخس أو يحابى ، كما لا يحل أن يكون بينهم مقوم يحابى ، بحيث يكيل أو يزن أو يقوم لمن يرجوه أو يخاف من شره ، أو يكون له جاء ونحوه ؛ بخلاف ما يكيل أو يزن ٤٧٤ أو يقوم لغيرهم ، أو يظلم من يبغضه ، ويزيد من يحبه . قال الله تعالى: (وَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَانُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) وقال تعالى: (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُّهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَ وِ الْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَفِيرًا فَاللّهُأَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ ج اُلْهَوَىَّ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ). والله أعلم. ٤٧٥ باب بيع الأصول والثمار سئل شيخ الإسلام رحمه الله ورضى عنه عن رجل اشترى دارا ولم يكن لها بروز ، ثم إنه هدمها وعمرها ، وأحدث بروزا وسلما وبابا فى زقاق غير نافذ ، فخاف من الدعوى عليه ، والأيمان بالله تعالى: أنه ما أحدث فى هذه الدار شيئاً . فملكها للغير ، وذكر أنه باعها بالمهلة ، وعمل هذا البيع أحبولة ومواطأة حتى يضيع الحق. فهل تلزم اليمين لمن أحدث وباع ؟ أم تلزم الذى اشترى ، وهو لم يحدث شيئاً؟ فأجاب: الحمد لله. بيعها لا يسقط الدعوى ، ولا اليمين الواجبة بالدعوى ، وصاحب الحق له أن يدعى على المشترى المستولى على ما أحدث ، ليزال الإحداث . وله أن يدعى على البائع المحدث له ، الممكن له المشترى من الاستيلاء ، فعلى أيهما ادعى محت دعواه . ٤٧٦ وسئل رحمه اللّه عن رجل بنى داراً عالية وسافلة ، وأجرى العالية على السافلة ، ثم باعها في صفقتين لاثنين ، ولم يذكر لمشترى السفلى أن عليه حق ماء وقد تضرر ؟ فأجاب: أما البيع فيقع على الصورة الواقعة ؛ لكن إذا لم يعلم المشترى أن على سطحه حقاً لغيره. فله الفسخ، أو الأرش . وسئل عن رجل باع زرعا أخضر قبل أن يدرك . هل يجوز ذلك ؟ فأجاب : بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء . وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق . وإن باعه مطلقاً لم يجز عند جماهير العلماء ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم (( نهى عن بيع الحب حتى يشتد، والعنب حتى يسود)). ٤٧٧ وسئل رحمه اللّه عن ملك بستان شجره مختلف : منه ما يبدو صلاحه ، كالمشمش . ومنه ما يتأخر بدو صلاحه : كالرمان . ومنه ما يبدو صلاحه بينهما كالعنب والتين والرطب، وأنتم لا تصححون البيع إلا بعد بدو الصلاح. فكيف يمكن الاحتياط الشرعي مع هذا الاختلاف فى بدو الصلاح بتقدمه وتأخره وتوسطه . فإن باع مثلا المشمش عند صلاحه، ولم بجوزوا بيع العنب حيث هو فى ذلك الوقت حصرم على ما لم يكن لهم . أفتونا ؟ . فأجاب: رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة لها صورتان : إحداهما : أن يضمن البستان ضمانا بحيث يكون الضامن هو الذي يزرع أرضه ، وبسقي شجره ، كالذي يستأجر الأرض . والأخرى إنما يكون اشترى مجرد الثمرة ؛ بحيث يكون مؤنة السقي والإصلاح على البائع دون المشترى ، والمشترى ليس له إلا الثمرة ، ولا مؤنة عليه . ٤٧٨ فأما (( الصورة الأولى )) فللعلماء فيها ثلاثة أقوال . أحدها أنها داخلة فى النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو سلاحها . وعلى هذا فمنهم من يحتال على ذلك بإجارة الأرض والمساقاة على الشجر ، كما يذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ، وبعض أصحاب أحمد: منهم القاضي أبو يعلى في ((كتاب إيطال الحيل)) والمنصوص عن أحمد بطلان هذه الحيل ، وهو مذهب مالك وغيره ، وكثير من الصور تكون باطلة بالإجماع . والقول الثانى يفرق بين أن تكون الأرض كثيرة أو قليلة ، فإن كانت الأرض البيضاء أكثر من الثلثين والشجر أقل من الثلث: جاز إجارة الأرض ، ودخل فيها بيع الثمر ضمنا وتبعا ، وهذا قول مالك. وفى وقف الثلث قولان . الثالث جواز ذلك مطلقا ، سواء كانت الأرض أقل أو أكثر ، وهذا قول طائفة من السلف والخلف منهم ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد ، وغيره ، وهذا هو المأثور عن الصحابة . فإنه قد روى حرب الكرماني وأبو زرعة الدمشقي وغيرهما بإسناد ثابت : أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبل حديقة أسيد بن حضير - لما مات - ثلاث سنين ، وتسلف القبالة ، ووفى بها دينا كان على أسيد . ومثل ٤٧٩ هذه القصة لابد أن تنتشر ، ولم ينكرها أحد . وأيضا فإنه وضع الخراج على أرض الخراج - والأعيان والخراج أجرة : فى مذهب مالك والشافعي ، وأحمد فى المشهور - والأرض ذات شجر فأجر الجميع ، وهذا القول أصح الأقوال ، وبه ترك الخراج عن المسلمين فى مثل ذلك ، وله مأخذان : أحدهما أنه لابد من إجارة الأرض ، وذلك لا يمكن إلا مع الشجر، فجاز للحاجة لعدم إمكان التبعيض ، كما أنه إذا بدا بعض ثمر الشجر جاز بيع جميعها اتفاقاً ؛ بل إذا بدا الصلاح في شجرة كان صلاحا لذلك النوع فى تلك الحديقة ، عند جماهير العلماء ، وفي سائر البساتين نزاع ، وذلك أنه يدخل فى الفرد ، والعقود تبعاً مالا يدخل استقلالا، كما يدخل أساس الحيطان ودواخلها ، وعمل الحيوانات ، وما يدخل من الزيادة بعد بدو الصلاح، وكما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((من باع نخلا قد أبرت ، فثمرتها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع». وإذا اشترط المبتاع الثمر المؤبر جاز بالنص والإجماع، وهو ثمر لم يبد صلاحه جاز بيعه تبعا لغيره، وغير ذلك. ويجوز للحاجة مالا يجوز بدونها، كما جاز بيع العرايا بالتمر ، وكما جوز من جوز المضاربة والمساقاة والمزارعة تبعا . ومن القياس عنده أن ذلك لا يجوز ؛ لأن ذلك عنده إجارة كما ٤٨٠