النص المفهرس
صفحات 421-440
يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اُللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَابَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُ واْذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمُ وَأَقِيمُواْالشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَ مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُّ وَ مَن يَنَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ . ( اُللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا فالطلاق المحرم : كالطلاق في الحيض ، وفى طهر قد أصابها فيه . حرام بالنص والإجماع ، وكالطلاق الثلاث عند الجمهور ، وهو تعد لحدود الله، وفاعله ظالم لنفسه، كما ذكر الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَاللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) . والظالم لنفسه إذا تاب تاب الله عليه؛ لقوله: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْيَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِ اَللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) فهو إذا استغفره غفر له ورحمه ، وحينئذ يكون من المتقين ، فيدخل فى قوله : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) . والذين ألزمهم عمر ومن وافقه بالطلاق المحرم كانوا عالمين بالتحريم ، وقد نهوا عنه فلم ينتهوا ، فلم يكونوا من المتقين ، فهم ظالمون لتعديهم الحدود ، مستحقون للعقوبة . ولذلك قال ابن عباس لبعض المستفتين: إن عمك لم يتق الله فلم يجعل له فرجاً ولا مخرجا، ولو انقى الله ٤٢١ لجعل له فرجا ومخرجا . وهذا إنما يقال لمن علم أن ذلك محرم وفعله. فأما من [لا] ( يعلم بالتحريم فإنه لا يستحق العقوبة ، ولا يكون متعديا ، فإنه إذا عرف أن ذلك محرم ، تاب من عوده إليه ، والتزم ألا يفعله. والذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل ثلاثتهم واحدة فى حياته كانوا يتوبون ، وكذلك من طلق في الحيض ، كما طلق ابن عمر ، فكانوا يتوبون فيصيرون متقين ، ومن لم يتب فهو الظالم لنفسه، كما قال: (بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فحصر الظلم فيمن لم يتب ، فمن تاب فليس بظالم ، فلا يجعل متعديا لحدود الله ، بل وجود قوله كعدمه، ومن لم يتب فهو محل اجتهاد. فعمر عاقبهم بالإلزام ، ولم يكن هناك تحليل ، فكانوا لامتقادم أن النساء يحرمن عليهم لا يقعون في الطلاق المحرم ، فانكفوا بذلك عن تعدي حدود الله . فإذا صاروا يوقعون الطلاق المحرم ، ثم يردون النساء بالتحليل المحرم : صاروا يفعلون المحرم مرتين ، ويتعدون حدود الله مرتين ؛ بل ثلاثاً ؛ بل أربعا ؛ لأن طلاق الأول كان تعديا لحدود اللّه، وذلك نكاح المحلل لها ، ووطؤه لها قد صار بذلك ملعوناً هو (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٤٢٢ والزوج الأول. فقد تعديا حد اللّه، هذا مرة أخرى، وذاك مرة . والمرأة ووليها لما علموا بذلك وفعلوه كانوا متعدين لحدود الله ، فلم يحصل بالالتزام في هذه الحال انكفاف عن تعدى حدود الله ؛ بل زاد التعدي لحدود الله، فترك التزامهم بذلك - وإن كانوا ظالمين غير تائبين - خير من إلزامهم به . فذلك الزنا يعود إلى تعدي حدود الله مرة بعد مرة. وإذا قيل : فالذي استفتى ابن عباس ونحوه لو قيل له : تب . كتاب ، ولهذا كان ابن عباس يفتى أحياناً بترك اللزوم، كما نقل عنه عكرمة وغيره . وعمر ما كان يجعل الخلية والبربة إلا واحدة رجعية . ولما قال . قال عمر (١): ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَشْبِيتًا). وإذا كان الإلزام عاماً ظاهراً كان تخصيص البعض بالإعانة نقضا لذلك ، ولم يوثق بتوبته . فالمراتب أربعة . أما إذا كانوا يتقون الله ويتوبون فلا ريب أن ترك الإلزام - كما كان فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر - خير . وإن كانوا لا ينتهون إلا بإلزام فينتهون حينئذ ، ولا يوقعون المحرم، (١) بياض بالأصل. ٤٢٣ ولا يحتاجون إلى تحليل . فهذا هو الدرجة الثانية التى فعلها فيهم عمر . والثالثة : أن يحتاجوا إلى التحليل المحرم ، فهنا ترك الإلزام خير . والرابعة : أنهم لا ينتهون ، بل يوقعون المحرم ، ويلزمون به بلا تحليل . فهنا ليس في إلزامهم به فائدة إلا آصار وأغلال لم توجب لهم تقوى الله، وحفظ حدوده ؛ بل حرمت عليه نساؤم، وخربت ديارهم فقط . والشارع لم يشرع ما يوجب حرمة النساء وتخريب الديار ؛ بل ترك إلزامهم بذلك أقل فساداً ، وإن كانوا أذنبوا فهم مذنبون على التقديرين ؛ لكن تخريب الديار أكثر فساداً ، والله لا يحب الفساد . وأما ترك الإلزام فليس فيه إلا أنه أذنب ذنباً بقوله ، ولم يتب منه. وهذا أقل فساداً من الفساد الذي قصد الشارع دفعه ومنعه بكل طريق . وسئل عما إذا أبدل قمعا بقمع ؟ فأجاب : إذا أبدل قمحاً بقمح ، كيلا بكيل ، مثلا بمثل : جاز . وإن كان بزيادة لم يجز . ٤٢٤ وسل عن امرأة باعت أسورة ذهب بثمن معين إلى أجل معين ، هل يجوز ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا بيعت بذهب أو فضة إلى أجل لم يجز ذلك باتفاق الأئمة ؛ بل يجب رد الأسورة إن كانت باقية ، أو رد بدلها إن كانت فاتنة . والله أعلم . وسئل هل يجوز بيع الحياصة بنسيئة ، بزائد عن ثمنها ؟ فأجاب : أما الحياصة التى فيها ذهب أو فضة ، فلا تباع إلى أجل بفضة أو ذهب ؛ لكن تباع بعرض إلى أجل . والله أعلم . ٤٢٥ وسئل عن حديث: ((رخص فى العرايا أن تباع بخرصها)) فما خرصها ؟ و ((نهى عن بيع المصراة، والمحفلة»؟ فأجاب: الحمد لله. أما ((المصراة، والمحفلة)) فهي البهيمة - من الإبل والغنم وغيرهما - تترك حتى يجتمع اللبن فى ضرعها أياماً، ثم تباع ، يظن المشتري أنها تحلب كل يوم مثل ذلك. فهذا من التدليس والغش ، وقد حرمه النبي صلى الله عليه وسلم عموماً، وخصوصاً وجعل للمشتري الخيار ثلاثاً إذا حلبها ؛ إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردها ، ورد عوض اللبن الذي كان موجوداً وقت العقد، وجعل على الله عليه وسلم عوضه صاعا من تمر . وأما بيع الغرر الذي لا يمكن البائع تسليمه ، مثل أن يبيع عبده الآبق ، وبعيره أو فرسه الشارد ، أو طيره الذي خرج من قفصه ، أو من حبله، ونحو ذلك. فإن بيع مثل هذه الأمور من ((باب المخاطرة والقمار)، فإن المبيع إن قدر عليه كان المشتري قد قمر البائع ، حيث أخذ ماله بدون قيمته ، وإن لم يقدر عليه كان البائع قد قمر المشترى ، ٤٢٦ وفى كل منها أكل مال الآخر بالباطل . وشر من ذلك أن يبيعه ما فى بطن الدابة ، وكذلك إذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها ، فهذه من أنواع الغرر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها عموماً، وخصوصاً. وكل ذلك من الميسر الذي حرمه الله فى القرآن . وكذلك بيع الحصاة ، مثل أن يقول: بعتك من هذه الأرض إلى حيث تبلغ هذه الحصاة ، أو بعتك - من هذه الثياب ، أو الشياه ، أو الغلمان، أو غيره - ما تقع عليه هذه الحصاة ، فيكون المبيع مجهول القدر ، أو العين ، أو الوصف . وأما «العرايا)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استئناها مما نهى عنه من المزابنة ؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمحاقلة. ((والمزابنة )) أن يشتري الرطب فى الشجر بخرصه من التمر. و((المحاقلة)) أن يشتري الخطة في سنبلها بخرصها من الخنطة. والخرص هو الخزر والتقدير . فيقال : كم فى هذه النخلة ؟ فيقال : خمسة أوسق فيقال : اشتريته بخمسة أوسق . أوكم فى هذا الحقل من البر فيقال : خمسة أوسق ، فيقال : اشتريته بخمسة أوسق . وهذا الحكم عام فى كل ما يباع إلا بقدره ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا ٤٢٧ الفضة بالفضة ، إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا الحنطة بالخنطة إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الملح بالملح إلا مثلا بمثل)). ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى . فإذا بيعت هذه الأموال بمثلها جزافاً لم يجز ذلك ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعها إلا متماثلة ، فإذا لم يعلم التماثل لم يجز البيع . ولهذا يقول الفقهاء: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. والتماثل يعلم بالكيل والوزن . وأما الخرص : فهو ظن وحسبان ، يقدر به عند الحاجة والضرورة، فأما مع إمكان الكيل والوزن فلا. فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن المحافلة ، والمزابنة ؛ لأنهم يحزرون من غير حاجة ، وأباح ذلك فى العرايا لأجل الحاجة ؛ لأن المشتري يحتاج إلى أكل الرطب بالتمر خرصاً ؛ لأجل حاجته إلى ذلك . ورخص في ذلك في القليل الذي تدعو إليه الحاجة ، وهو ما دون النصاب ، وهو ما دون خمسة أوسق . وكذلك يجوز لحاجة البائع إلى البيع . كما قد بسط ذلك فى موضعه . ولفظ ((العرايا)) معناه فى اللغة هي النخلات التى يعيرها الرجل لغيره: أي يعطيه إياها ليأكل تمرها، ثم يعيدها إليه، كما قال الشاعر يمدح فيه بالكرم : ٤٢٨ ولكن عرايا فى السنين الجوائح فليست بسنهاء ولا رجیة وهذا كما يقال للماشية ((المنيحة)): مثل أن يعطيه الناقة أو الشاة ليشرب لبنها ، ثم يعيدها إليه، وهو من جنس العارية . وهو أن يعيره داره ليسكنها ثم يعيدها إليه . ومنه إفقار الظهر : وهو أن يعطيه دابته ليركب فقارها ، ثم بعيدها إليه . فهذا أصل هذه اللفظة ؛ لكن حكم العرايا هل هو مخصوص بما كان موهوباً للمشتري ؟ أو عام فى ذلك وفي غيره ؟ فيه قولان للعلماء. والأول قول مالك . والثاني قول الشافعي ، وفى مذهب أحمد القولان . والله أعلم . وسل عن رجل اشترى قمحاً بثمن معلوم إلى وقت معلوم ، ثم إنه ما حصل لصاحب القمح شيء ، ثم داره عقدا ، وارتهن عليه ملكا ، وأنه أخذ ذلك بيعاً وشراء بذلك العقد ، فهل البيع جائز ؟ . فأجاب : إذا اشترى محاً بثمن إلى أجل ، ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم يجز ؛ فإن هذا بيع دين بدين . وكذلك ٤٢٩ إن احتال على أن يزيده فى الثمن ، ويزيده ذلك في الأجل ، بصورة يظهر رباها لم يجز ذلك ، ولم يكن له عنده إلا الدين الأول . فإن هذا هو الربا الذي أنزل الله فيه القرآن ؛ فإن الرجل يقول لغريمه عند محل الأجل ، تقضى أو تربى ، فإن قضاء وإلا زاده هذا فى الدين ، وزاده هذا فى الأجل فحرم الله ورسوله ذلك ، وأمر بقتال من لم ينته . والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل اضطر إلى قرضة درام ، فلم يجد من يقرضه إلا رجل بأخذ الفائدة ، فيأتى السوق يشتري له بضاعة بخمسين ، ويبيعها له بربح معين إلى مدة معينة ، فهل هي قنطرة الربا ؟ . فأجاب : إذا اشترى له بضاعة ، وباعها له فاشتراها منه ، أو باعها للثالث صاحبها الذي اشتراها المقرض منه ، فهذا رباً . والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين في تحريم ذلك كثيرة : مثل حديث عائشة لأم ولد زيد بن أرقم ، قالت لها : يا أم المؤمنين إنى ابتعت من زيد بن أرقم غلاماً إلى العطاء ، بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه بستمائة نقداً . فقالت عائشة : بئس ٤٣٠ ما شريت ، وبئس ما اشتريت أخبرى زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتوب . فقالت: يا أم المؤمنين! أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالى؟ فقالت عائشة: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ) . وعن أنس بن مالك أنه سئل عن مثل ذلك . فقال: هذا ما حرم الله. وأما الذي لم يعد إلى البائع بحال ، بل باعها المشتري من مكان آخر لجاره ، فهذا يسمى ((التورق)» وقد تنوزع في كراهته . فكرهه عمر بن عبد العزيز، والإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فى إحدى الروايتين . وقال عمر بن عبد العزيز . التورق أخية الربا : أي أصل الربا . وهذا القول أقوى . وسئل من رجل طلب من إنسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتى درم، فباعه فرسا أو قماشا بألف درهم ، واشتراه منه بألف ومائتى درهم إلى أجل معلوم ، فهل يجوز ذلك ؟. فأجاب : لا يحل له ذلك ؛ بل هو رباً باتفاق الصحابة وجمهور ٤٣١ العلماء ، كما دلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. سئل ابن عباس رضي الله عنه عن رجل باع حريرة، ثم ابتاعها لأجل زيادة درهم ، فقال: درام بدرام ، دخلت بينهما حريرة وسئل عن ذلك أنس بن مالك ، فقال : هذا مما حرم الله ورسوله. وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم فى نحو ذلك بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أخبرى زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب . فمتى كان مقصود المتعامل درام بدرام إلى أجل - فإنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى - فسواء باع المعطى الأجل ، أو باع الأجل المعطي ، ثم استعاد السلعة . وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من باع بيعتين فى بيعة ، فله أوكسها أو الربا)) وفيه أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا تبايعتم بالعينة ؛ واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد فى سبيل الله، أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) وهذا كله في بيع العينة ، وهو بيعتان فى بيعة . وقال صلى الله عليه وسلم. (( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان فى بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك)، قال الترمذي : حديث صحيح. فحرم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل ٤٣٢ شيئا ، ويقرضه مع ذلك ؛ فإنه يحابيه فى البيع لأجل القرض ، حتى ينفعه ، فهو رباً . وهذه الأحاديث وغيرها تبين أن ما تواطأ عليه الرجلان ، بما يقصدان به درام بدرام أكثر منها إلى أجل فإنه ربا، سواء كان يبيع ثم يبتاع ، أو يبيع وبقرض ، وما أشبه ذلك . والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل تداين ديناً ، فدخل به السوق ، فاشترى شيئاً بحضرة الرجل ، ثم باعه عليه بفائدة هل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله . هذا على ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون بينهم مواطأة لفظية ، أو عرفية ، على أن يشتري السلعة من رب الحانوت ، فهذا لا يجوز . والثانى: أن يشتريها منه على أن يعيدها إليه . فهذا أيضا لا يجوز، فقد دخلت أم ولد زيد بن أرقم على عائشة ، فقالت : يا أم المؤمنين ! إلى ابتعت من زيد بن أرقم غلاماً إلى العطاء بثمانمائة درهم نسيئة ، ثم ابتعته منه بستمائة نقدا ، فقالت لها عائشة : بئس ما شريت ، وبئس ٤٣٣ ما اشتريت ، أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال : درام بدرام دخلت بينهما حريرة . وقال أنس بن مالك : هذا مما حرم الله ورسوله . والوجه الثالث : أن يشترى السلعة سراً ، ثم يبيعها للمستدين بياناً، فيبيعها أحدهما، فهذه تسمى ((التورق))؛ لأن المشتري ليس غرضه فى التجارة ، ولا فى البيع، ولكن يحتاج إلى درام ، فيأخذ مائة ، ويبقى عليه مائة وعشرون مثلا . فهذا قد تنازع فيه السلف والعلماء . والأقوى أيضاً أنه منهي عنه ، كما قال عمر بن عبد العزيز ما معناه: أن التورق أصل الربا ؛ فإن الله حرم أخذ درام بدراهم أكثر منها إلى أجل؛ لما في ذلك من ضرر المحتاج ، وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود فى هذه الصورة ، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى . وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة، وهو أن يكون المشترى غرضه أن يتجر فيها . فأما إذا كان قصده مجرد الدرام بدرام أكثر منها : فهذا لا خير فيه . والله أعلم. ٤٣٤ وسئل رحم الله عن رجل بداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ، ويجعل سلفاً على حرير ، فإذا جاء الأجل ، وأعسر المديون عن وفائه قال له : عاملنى ، فيأخذ رب الحرير من عنده ، ويقول للمديون : اشتريت من هذا الحرير بمائة وتسعين ، إلا أنه يأتيه على حساب كل مائة بمائة وأربعين . وإذا قبضه المديون منه قال : أوفى هذا الحرير عن السلف الذي لي عندك . وإذا جاءت السنة الثانية طالبه بالدرام المذكورة ، فأعسرت عليه ، أو بعضها . قال : عاملنى ، فيحسب المتبقى والأصل ، ويجعل ذلك سلفاً على حرير . فما يجب على هذا الرجل ؟ فأجاب : هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن ؛ فإنه كان يكون للرجل على الرجل الدين ، فيأتى إليه عند محل الأجل ، فيقول : إما أن تقضى ، وإما أن تربي ، فإن وفاه وإلا زاده المدين فى الدين . وزاده الغريم في الأجل ، حتى يتضاعف المال . فأنزل الله تعالى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُ واْمَابَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْإِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ ٤٣٥ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ ). وهذه المعاملة التى يفعلها مثل هذا المربى: مقصودها مقصود أولئك المشركين المربين ؛ لكن هذا أظهر صورة المعاملة ، وهذا لا ينفعه باتفاق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا المربى يبيعه ذلك الحرير إلى أجل ؛ ليوفيه إياه عن دينه ، فهو بمنزلة أن يبيعه إياه إلى أجل ليشتريه بأقل من ذلك ؛ وقد سئل ابن عباس عن مثل هذا، فقال : هذا حرام ، حرمه الله ورسوله . وسألت أم ولد زيد بن أرقم عائشة أم المؤمنين عن مثل هذا ، فقالت : إني بعت من زيد غلاما إلى العطاء بثمانمائة درهم ، ثم ابتعته بستمائة ، فقالت لها عائشة : بئس ما اشتريت، وبئس ما بعت . أخبري زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب . قالت : يا أم المؤمنين ! أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالي. فقالت عائشة: (فَمَنْ جَاءَ هُ، مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَهُمَاسَلَفَ ) . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا)). وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل سلف وبيع)) فنهى أن يبيع ويقرض ليحابيه في البيع ؛ لأجل القرض. وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات)) فهذان المتعاملان إن كان قصدهما أخذ ٤٣٦ درام بدرام إلى أجل ، فبأي طريق توصل إلى ذلك كان حراماً ؛ لأن المقصود حرام لا يحل قصده ؛ بل قد نهى السلف عن كثير من ذلك سداً للذرائع ؛ لئلا يفضي إلى هذا المقصود . وهذا المربى لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطام أو نظيره . فأما الزيادات فلا يستحق شيئا منها ؛ لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل ، فإنه يعفى عنه. وأما ما بقى له فى الذمم فهو ساقط؛ لقوله: ( وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَّوْأ ) والله أعلم: وسل عن رجل أراد الاستدانة من رجل ، فقال أعطيك كل مائة يكسب كذا ، وتبايعا بينهما شيئاً من عروض التجارة ، فلما استحق الدين طلبه بالدين فعجز عنه . فقال : اقلب علي الدين بكسب كذا وكذا فى المائة ، وتبايعا بينهما عقاراً ، وفى آخر كل سنة يفعل معه مثل ذلك ، وفى جميع المبايعات غرضهم الحلال ، فصار المال عشرة آلاف درهم . فهل يحل لصاحب الدين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة الطويلة ؟ وهل لولي الأمر إنكار ذلك ؟ أم لا ؟ فأجاب : قول القائل لغيره : أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا ٤٣٧ حرام ، وكذا إذا حل الدين عليه وكان معسراً فإنه يجب إنظاره، ولا يجوز إلزامه بالقلب عليه باتفاق المسلمين . وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التى يقصد بها بيع الدرام بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية . والواجب رد المال المقبوض فيها إن كان باقيا ، وإن كان فانيا رد مثله، ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك . وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية ، وعقوبة من يفعلها ورد الناس فيها إلى رؤوس أموالهم ؛ دون الزيادات ؛ فإن هذا من الربا الذي حرمه الله ورسوله. وقد قال تعالى: (أَتَّقُواْاللّهَ وَذَرُ واْمَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوَاْإِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ * فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمٌ إِن كُنْتُمُ تَعْلَمُونَ ) . وسئل عن رجل له مع رجل معاملة ، فتأخر له معه دراهم ، فطالبه وهو معسر ، فاشترى له بضاعة من صاحب دكان ، وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه . فهل نصح هذه المعاملة ؟ ٤٣٨ فأجاب : لا تجوز هذه المعاملة؛ بل إن كان الغريم معسراً ، فله أن ينتظره . وأما المعاملة التى يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية ، وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت . والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله ، لا يطالب بالزيادة التى لم يقبضها . وسئل قرس اللّهوجـ عن ((العينة)): هل هي جائزة فى دين الإسلام؟ أم لا؟ وهل يجوز لأحد أن يقلد فيها بعض من رأى جوازها من الفقهاء ، أم يجب عليه أن يحتاط لدينه ويتبع النصوص الواردة فى ذلك ، ومن تاب من (( مسألة العينة)) المذكورة : هل يحل له ما ريحه بطريقها ؟ أم يجب عليه إخراج الربح ورده إلى أربابه إن قدر ، أو التصدق بذلك ؟ فإن عاد إليها مقلداً بعد العلم ببطلانها : هل يجوز له ذلك ؟ أم لا؟ وكذلك ما تقولون فى ((مسألة الثلاثية))؟ و((مسألة التورق))؟ فأجاب : الحمد لله . أما إذا كان قصد الطالب أخذ درام بأكثر منها إلى أجل ، والمعطى يقصد إعطاء. ذلك . فهذا ربا لا ريب فى تحريمه ، وإن تحيلا على ذلك بأي طريق كان ؛ فإنما الأعمال بالنيات ، ٤٣٩ وإنما لكل امرئ ما نوى ؛ فإن هذين قد قصدا الربا الذي أنزل الله فى تحريمه القرآن ، وهو الربا الذي أنزل اللّه فيه قوله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنَ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأُذَنُواْبِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ ). وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين ، فيأتيه عند محل الأجل ، فيقول له : إما أن تقضى ، وإما أن تربى ، فإن قضاه وإلا زاده المدين في المال، وزاده الغريم فى الأجل ، فيكون قد باع المال بأكثر منه إلى أجل ، فأحرم الله إذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال ، وأهل الحيل يقصدون ما تقصده أهل الجاهلية ؛ لكنهم يخادعون الله، ولهم طرق: أحدها : أن يبيعه السلعة إلى أجل ، ثم يبتاعها بأقل من ذلك نقداً ، كما قالت أم ولد زيد بن أرقم لعائشة : إنى بعت من زيد غلاماً إلى العطاء بثمانمائة ، وابتعته بستمائة نقداً . فقالت لها عائشة : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ! أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إلا أن يتوب ، قالت : يا أم المؤمنين ! أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فقرأت عائشة: (فَمَن جَاءَ هُ, مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَهُ, مَاسَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ). ٤٤٠