النص المفهرس

صفحات 401-420

عن ملك البائع ؛ ومع هذا فلو تلفت تحت يده كانت مضمونة .
وأيضا فليس المشترى ممنوعا من جميع التصرفات ؛ بل السنة إنما
جاءت في البيع خاصة ، ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح
إجماعا . وقد تنازع الناس في الهبة وغيرها . وقد تنازع الناس فى غلة
الطعام المبيع قبل النهي عن قبضه ، فإنه هو الذي ثبت فى النصوص ، واتفق
عليه العلماء . وكذلك اختلفوا في تفريع هذا الأصل .
وأصول الشريعة توافق هذه الطريقة ، فليس كل ما كان مضموناً
على شخص كان له التصرف فيه : كالمغصوب ، والعارية . وليس كل ما
جاز التصرف فيه كان مضموناً على المتصرف ؛ كالمالك: له أن يتصرف
فى المغصوب ، والمعار ، فيبيع المغصوب من غاصبه ، وممن يقدر على
تخليصه منه، وإن كان مضموناً على الغاصب، كما ان الضمان بالخراج.
فإنما هو فيما اتفق ملكا ويداً . وأما إذا كان الملك لشخص ، واليد
لآخر ؛ فقد يكون الخراج للمالك ، والضمان على القابض .
وأيضا فبيع الدين ممن هو عليه جائز فى ظاهر مذهب أحمد
والشافعي ، وكذلك أبو حنيفة . وعند مالك يجوز بيعه ممن ليس هو
عليه ، وهو رواية عن أحمد ؛ مع أن الدين ليس مضموناً على المالك .
وأيضا فالبائع إذا مكن المشترى من القبض : فقد قضى ما عليه ؛
٤٠١

وإنما المشترى هو المفرط بترك القبض ، فيكون الضمان عليه ؛ بخلاف
ما إذا لم يمكنه من القبض : بأن لا يوفيه التوفية المستحقة ، فلا يكيله
ولا يزنه ولا بعده ، فإنه هنا بمنزلة ما لم يوفه إياه من الدين . وإذا لم
يفعل البائع ما يجب عليه من التوفية ؛ كان هو المفرط ، فكان الضمان
عليه ؛ إذ التفريط يناسب الضمان .
وأما حل التصرف وحرمته فله أسباب أخر :
فقد يكون السبب التمكن من التسليم حتى لا بشابه بيع الغرر .
وإذا لم ينقله من مكانه : فقد ينكر البائع البيع ، ويفضي إلى النزاع.
وقد لا يمكنه البائع من التسليم . كما اشترط فى الرهن القبض ؛ لأن
مقصوده استيفاء الحق من المرهون عند تعذر استيفاء الحق من الراهن .
وهذا إنما يتم بأن يكون قابضا للرهن ؛ بخلاف ما إذا كان بيد الراهن،
فإنه يحول بينهما .
وقد يكون سبب ذلك أن المقصود بالعقود هو التقابض ، وبالقبض
يتم العقد ، ويحصل مقصوده؛ ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا إلينا
وقد تعاقدوا عقوداً يجوزونها وتقابضوها: لم نفسخها ؛ وإن كانت محرمة
في دين المسلمين ، وإن كان قبل التقابض نقضناها؛ لئلا يفضي إلى الإذن
بعد الإسلام فى قبض محرم . فالبيع قبل قبضه لم يتم ملك المشترى عليه ؛
٤٠٢

بل هو يتعرض للآفات شرعا وكوناً ، فكان بيعها قبل القبض من
جنس بيع الغرر ؛ ولهذا نهى عن بيع المغانم قبل القبض ، ولهذا نهى
النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ماليس عنده ؛ لعدم تمكنه من
القبض الواجب عليه بالعقد . وإن كان من الناس من يجعل الحديث
متناولا للدين والعين ، ويجعل التسليم مستثنى منه . ومنهم من يخصه
بالعين، ويفسره ببيع عين لم يملكها ، ويجعل معنى ((ما ليس عندك)): ما ليس
في ملكك . ومنهم من يحمله على الملك واليد جميعا، أو يشترط في المبيع أن
يكون مملوكا مقبوضاً ، فلا يجوز بيع المملوك الذي لا يتمكن من تسليمه،
وهو من بيع الغرر : كالعبد الآبق ، والفرس الشارد .
وهذا حجة من منع بيع الدين ممن ليس عليه . قال : لأنه غرر ليس
بمقبوض . ومن جوزه قال : بيعه كالحوالة عليه ، وكبيع المودع والمعار ،
فإنه مقبوض حكماً ؛ ولهذا جوزنا بيع الثمار . وظاهر مذهب أحمد
أنه إذا اشترى ثمرة بادية الصلاح ، وقبض ثمنها ، فإنها تكون من ضمان
البائع ؛ لأن عليه القبض إلى كمال الجذاذ ؛ والمشترى لم يتمكن من
جذاذها ، ولكن جاز تمكنه منها إذا خلى بينه وبينها : بجعل التصرف .
وقبضها التخلية ، وجعل فى الضمان قبضها التمكن من الانتفاع الذي هو
المقصود بالعقد . ولغموض مأخذ هذه المسائل كثر تنازع الفقهاء فيها ،
ولم يطرد إلى التوم فيها قياس كما تراه .
٤٠٣

وكثير منهم لا يلحظ فيها معنى ؛ بل يتمسك فيها بظاهر النصوص،
وكل منهما قد يتناقض فيها ؛ لكن قد جعل على حمل المذاهب
فيها ، والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عن رجل اشترى صبرة مجازفة ، ثم تلفت على ملك المشترى قبل
قبضها ، ثم باعها قبل قبضها من غير أن يعلم تلفها . فإذا قلنا : إن
المشترى الأول لم يجز له بيعها قبل قبضها. فتلفت . فهل هي من ماله؟
أو من مال البائع الأول ؟ وهل ذكر أحد من العلماء : أن المشترى
الأول إذا لم يجز له التصرف فيها قبل القبض فتلفت، يكون ضامنا لها،
أو أن جواز التصرف والضمان متلازمان طرداً وعكساً ؟
فأجاب: الحمد لله. أما فى هذه الصورة ، فالبيع باطل بالاتفاق .
إذا تلف المبيع وقت العقد ، سواء باعها بالصفة ، أو بغير الصفة ، أو
باعها برؤية سابقة على العقد ؛ بل في مثل هذه الصورة لو تلفت بعد
العقد ، وقبل وجودها على الصفة ، أو الرؤية الأولى ، لا يفسخ البيع .
فأما إذا تبين أنها كانت تالفة حين العقد ، فالبيع باطل بلا ريب .
وأما ضمانها فظاهر مذهب مالك وأحمد أن التلف من ضمان
٤٠٤

المشترى ؛ لما احتج به من حديث الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن
ابن عمر قال: (( مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا ، فهو من
ضمان المشترى )) إذ ظاهر مذهب أحمد أن ما كان متعيناً بالعقد لا يحتاج
إلى توفية بكيل أو وزن ونحوهما ؛ بحيث يكون المشترى قد تمكن
من قبضه ، فهو من ضمانه : قبضه أو لم يقبضه .
وأما مذهب أبى حنيفة والشافعي : فإنها من ضمان البائع ، وهي
الرواية الأخرى عن أحمد ، واختارها أبو محمد ؛ لكن الصواب فى ذلك
متنوع . فذهب أبى حنيفة لا يدخل المبيع كله في ضمان المشترى إلا
بالقبض ؛ إلا العقار . وعند الشافعي العقار وغيره سواء ، وهو رواية
عن أحمد .
ء
وعن احمد رواية بالفرق بين المكيل والموزون وغيرهما . ورواية
بالفرق بين الطعام وغيره . ورواية بالفرق بين المطعوم : المكيل الموزون
وغيره . وهذا فى القبض عنه ، كالروايات في الربا .
٤٠٥

وقال رحمه الله
فصل
فى ((المقبوض بعقد فاسد)): أصله أن العقد الصحيح يوجب على
كل من المتعاقدين ما اقتضاه العقد ، مثل ما يوجب التقابض : في
البيع ، والإجارة ، والنكاح ، ونحو ذلك من المعاوضات اللازمة ، فإن
لزومها يقتضى وجوب الوفاء بها وتحريم نقضها .
وأما ((العقود الجائزة)) من الوكالات بأنواعها، والمشاركات
بأصنافها ، فإنها لا توجب الوفاء مطلقا ؛ إذ العقد ليس بلازم يجب
الوفاء به ؛ بل هو جائز مباح ، وصاحبه مخير بين إمضائه وفسخه ،
وإذا فسخه كان نقضاً له ؛ لكن ما دام العقد موجودا فعليه الوفاء بموجبه
من حفظ المال ؛ فإنه عقد أمانة .
وأما تحريم العدوان كالخيانة فذاك واجب بالشرع لا بالعقل ، إذ
يحرم عليه العدوان في مال من انتمنه ، وغيره ؛ لكن العقد أوجب ذلك
أيضا وزاده توكيدا .
٤٠٦

وأما وجوب التصرف عليه ، بحيث يكون العامل : في المضاربة ،
والمزارعة ، والمساقاة ، إذا ترك التصرف الذي اقتضاء العقد : مفرطا ،
فهذا هو الظاهر ؛ فإن العقد وإن كان جائزا ، فما دام موجوداً فله
موجبان : الحفظ بمنزلة الوديعة ، والتصرف الذي اقتضاه العقد . وهذا
قياس مذهبنا ؛ لأنا نوجب على أحد الشريكين من المعاوضة بالبيع
والعمارة ما يحتاج إليه الآخر في العرف : مثل عمارة ما استهدم .
هذا فى شركة الأملاك ، فكذلك فى شركة العقود ؛ فإن مقصودها هو
التصرف . فترك التصرف في المضاربة والمساقاة والمزارعة قد يكون أعظم
ضرراً من ترك عمارة المكان المستهدم فى شركة الأملاك .
ومن ترك بيع العين والمنفعة المشتركة ؛ لأنه هناك يمكن الشريك أن
يبيع نصيبه ، وهنا غره وضيع عليه منفعة ماله ، فإذا كان العقد فاسداً
لم يثبت جميع مقتضاه من وجوب التقابض والتصرف ، وحل التصرف
والانتفاع ونحو ذلك، فإذا اتصل به القبض فهو قبض مأذون فيه بعقد،
فليس مثل قبض الغاصب الذي هو بغير إذن ولهذا قال الفقهاء : ما ضمن
بالقبض في العقد الصحيح ضمن بالقبض فى العقد الفاسد ، كالمبيع
والمؤجر . وما لم يضمن بالقبض فى العقد الصحيح لا يضمن بالقبض فى
العقد الفاسد، كالأمانات: من المضاربة والشركة ونحوها ؛ لوجود الإذن .
ولهذا تنازع العلماء فى حصول الملك بالقبض فيه ، وفيما يستحقه من
٤٠٧

العوض ، هل هو المسمى . أو عوض المثل ، أو نحو ذلك . وذلك أن
الفرق بينهما من وجهين :
أحدهما : أن ذلك قبض بغير إذن المالك ، وهذا قبض بإذن المالك.
الثانى : أن هذا قبض اقتضاء عقد ، وإن كان فيه فساد ، وذاك
قبض لم يقتضه عقد بحال ؛ ولهذا نوجب فى ظاهر المذهب المسمى
في النكاح الفاسد ، وفى المضاربة الفاسدة ، ونحوها على أحد القولين.
فإن كان المقبوض به موجودا وأراد الردرده، وإن كان فائنا رد
مثله إذا أمكن . فإذا تعذر رد العين أو المثل فلا بد من رد عوض ،
مثل أن يكون المبيع ليس من ذوات الأمثال ؛ بل من ذوات القيم ،
ومثل المنافع المستوفاة بالإجارة الفاسدة ، ومثل عمل العامل فى المشاركة
الفاسدة : من المساقاة والمضاربة ونحوها . فمن أصحابنا من يوجب رد
القيمة فى هذه الصورة ، كقول الشافعي ، بناء على أن المستحق رد العين
أو المنفعة ، وقد تعذر عينه ومثله فينقل إلى القيمة ، كما لو ضمنت
بالإتلاف أو الغصب .
وطرد الشافعي هذا في المسمى الفاسد فى النكاح ، والمغصوب :
فأوجب مهر المثل ؛ بناء على أنه كان يجب رد البضع لفساد التسمية ،
فلما لم يمكن رده رد بدله ، وهو مهر المثل ، وخالفه بعض أصحابه .
٤٠٨

والجمهور من أصحابنا وغيرهم ، وسائر العلماء أوجبوا بدل المهر المسمى
مثله أو قيمته ؛ لا بدل البضع ، وهو الصواب قطعا ؛ لأن النكاح هنا
لم يفسد، فلم يجب رد المستحق به وهو البضع ، وإذا لم يجب رد
البضع لم يجب رد بدله ؛ بل الواجب هو إعطاء المسمى إن أمكن ،
وإلا فبدله ، فكان بدل المسمى هو الواجب ، وهو أقرب إلى ما
تراضوا به من بدل البضع، وفى سائر العقود إذا فسدت نوجب رد العين
أو بدلها . وظاهر كلام أحمد أن الواجب فى المشاركة - مثل المضاربة
ونحوها - المسمى أيضا : كالنكاح الفاسد ، على ظاهر المذهب . وهذا
القول أقوى ،
بل الصواب أنه لا يجب فى الفاسد قيمة العين ، أو المنفعة مطلقا،
وذلك لأن العين لو أمكن ردها أو رد مثلها لكان ذلك هو الواجب ؛
لأن العقد لما انتفى وجب إعادة كل حق إلى مستحقه ، والمثل يقوم
مقام العين . أما إذا كان الحق قد فات مثل الوطء فى النكاح
الفاسد ، والعمل فى المؤاجرات والمضاربات ، والغبن فى المبيع : فالقيمة
ليست مثلا له .
وإنما يجب فى بعض المواضع: كالمتلف والمغصوب الذي تعذر
مثله ؛ للضرورة؛ إذ ليس هناك شيء يوجد أقرب إلى الحق من
القيمة ، فكان ذلك هو العدل الممكن ، كما قلنا مثل ذلك فى القصاص،
٤٠٩

ودية الخطإ وأرش الجراح . واعتبرنا القيمة بتقويم الناس ؛ إذ ليس
هناك متعاقدان تراضيا بشيء. وأما هنا فقد تراضيا بأن يكون المسمى
بدلا عن العين أو المنفعة، والناس يرضون لها يبدل آخر ، فكان
اعتبار تراضيها أولى من اعتبار رضا الناس.
فإن قيل : هما إنما تراضيا بهذا البدل في ضمن محة العقد ؛ ووجوب
موجباته ، وذلك منتف هنا ؟ [ قيل : ] والناس إنما يجعلون هذا
قيمة فى ضمن عقد صحيح له موجباته ، فلما تعذر العقد هنا قدرنا وجود
عقد يعرف به البدل الواجب فيه ، فتقدير عقدهما الذي عقداء أولى من
تقدير ما لم يوجد بحال ، ولا رضيا به ، ولم يعقده غيرهما . فإذا كان
لا بد من التقدير والتقريب ، فما كان أشبه بالواقع كان أولى بالتقدير
وأقرب إلى الصواب .
فتبين بهذا أن إيجاب مهر المثل فى النكاح الفاسد إنما هو شبيه
لها بمن يتزوج من أمثالها نكاحا صحيحا لازما ، فتحتاج فيه إلى شيئين :
إلى تقدير مثلها ، وتقدير نكاح محيح ، فيه مسمى . فقسناها على
أمثالها ، وقسنا فاسدها على صحيح أولئك، وهذا فى غاية البعد ، وإذا
أوجبنا المسمى فى الفاسد قسنا فاسدها بصحيحها ، وهي إلى نفسها
أقرب من غيرها إليها . ثم عقدهما الفاسد وعقدهما الصحيح أقرب من
عقدها الفاسد إلى عقد غيرهما الصحيح . وأما إذا كان وطئ بشبهة بلا
نكاح فهنا يوجب مهر مثلها .
٤١٠

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
((قاعدة في المقبوض بعقد فاسد )) وذلك أنه لا يخلو : إما أن
يكون العاقد يعتقد الفساد ويعلمه ، أو لا يعتقد الفساد .
فالأول يكون بمنزلة الغاصب ؛ حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه ؛
لكنه لشبهة العقد ، وكون القبض عن التراضي هل يملكه بالقبض أو
لا يملكه؟ أو يفرق بين أن يتصرف فيه أو لا يتصرف ؟ هذا فيه
خلاف مشهور فى الملك . هل يحصل بالقبض في العقد الفاسد ؟ .
وأما إن كان العاقد يعتقد صحة العقد : مثل أهل الذمة فيما يتعاقدون
بينهم من العقود المحرمة فى دين الإسلام؛ مثل بيع الخمر ، والربا ،
والخنزير ؛ فإن هذه العقود إذا اتصل بها القبض قبل الإسلام والتحاكم
إلينا أمضيت لهم ، ويملكون ما قبضوه بها بلا نزاع ؛ لقوله تعالى :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
٤١١

فأمر بترك ما بقى .
وإن أسلموا أو تحاكموا قبل القبض فسخ العقد ، ووجب رد
المال إن كان باقيا ، أو بدله إن كان فاتنا . والأصل فيه قوله تعالى :
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ اَلِّبُواْإِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ -
إلى قوله - وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْرُءُوسُ أَمَّوَلِكُمْ) أمر الله تعالى برد ما
بقى من الربا فى الذمم ، ولم يأمر برد ما قبضوه قبل الإسلام ، وجعل
لهم مع ما قبضوه قبل الإسلام رؤوس الأموال . فعلم أن المقبوض بهذا
العقد قبل الإسلام يملكه صاحبه ، أما إذا طرأ الإسلام وبينها عقد ربا
فينفسخ ، وإذا انفسخ من حين الإسلام استحق صاحبه ما أعطاه من
رأس المال ، ولم يستحق الزيادة الربوية التى لم تقبض ، ولم يجب عليه
من رأس المال ما قبضه قبل الإسلام ؛ لأنه ملكه بالقبض فى العقد
الذي اعتقد صحته ، وذلك العقد أوجب ذلك القبض ، فلو أوجبناه عليه
لكنا قد أوجبنا عليه رده، وماسبناه به من رأس المال الذي استحق
المطالبة به ، وذلك خلاف ما تقدم .
وهكذا كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير :
مثل المعاملات الربوية التى يبيحها مجوزوا الحيل . ومثل بيع النبيذ المتنازع
فيه عند من يعتقد صحته . ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من
يجوز بعضها؛ فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة
٤١٢

لم تنقض بعد ذلك ؛ لا يحكم ، ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد .
وأما إذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل التقابض ، أو
استفتياه إذا تبين لهما الخطأ ، فرجع عن الرأي الأول ، فما كان قد
قبض بالاعتقاد الأول أمضي . وإذا كان قد بقي في الذمة رأس المال ،
وزيادة ربوية: أسقطت الزيادة ورجع إلى رأس المال . ولم يجب على
القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول ، كأهل الذمة وأولى؛ لأن
ذلك الاعتقاد باطل قطعا .
وقال شيخ الإسلام قدس الذروهم
فصل
إذا كان إيجاب المسمى أو مثله أقرب إلى التسوية فى الفاسد الذي
يتعذر رده : رد المقبوض أو مثله من إيجاب مثل العوض المسمى فى
العقد على مثال هذا المضمون .
فنقول : المثل من فاسد فسد مثله ، فليس المؤجل مثل الحال ،
ولا أحد النوعين مثل الآخر ، فلو أسلم إليه درام فى شيء سلما ، ولم
٤١٣

يتغير سعره، وقلنا: هو سلم. فإن رد إليه رأس ماله في الحال، أو
مثله ، فهذا هو الواجب .
وأما إذا أخره إلى حين حلول السلم، ثم أرادرد مثل رأس ماله :
فليس هذا مثلا له . فإذا أوجبنا المسلم فيه بقيمته وقت الإسلاف كان
أقرب إلى العدل ، فإنهما تراضيا أن بأخذ بهذه العرام من المسلم فيه ،
لا من غيره ؛ لكن لم يتفقا على القدر ، فردهما إلى القيمة العادلة هو
الواجب بالقياس ؛ فإن قبض الثمن قبل قبض المثمن . ولو اشترى
سلعة لم يقطع فيها ، وقلنا هو بيع فاسد ، فإذا تعذر رد العين ومثلها :
ردت القيمة بالسعر وقت القبض ، فكما أوجبنا هنا قيمة المقبوض من
العوض ، نوجب هناك قيمة المقبوض من الدرام .
ونظيرها من كل وجه : أن يكون المبيع مكيلا ، أو موزوناً ، لم
يقطع منه ؛ لكنه مؤجل إلى حول ، فحين يحل الأجل إن رد حنطة
مثلا لم يكن مثلا لتلك المقبوضة ؛ لاختلاف القيمة ، فإعطاء قيمة المقبوض
وقت قبض السلعة مؤجلا إلى حين قبض الثمن أشبه بالعدل . فهذا
في الثمن والمثمن سواء .
والأصل فيه أن كل ما كان أقرب إلى ما تعاقدا عليه ، وتراضيا
به ؛ كان أولى بالاستحقاق مما لم يتعاقدا عليه ولم يتراضيا به ، وأن
٤١٤

المضمون بالغصب والإتلاف إذا لم يكن مثليا فإنه يقدر بالقيمة
لا بالعقود ، فتقدير المضمون بذلك العقد أولى من تقديره بالمضمون
بعقد آخر؛ لكن هذه المسألة ((مسألة الحلول والتأجيل)) مبنية على أصل
آخر ، وهو أن اختلاف الأسعار يؤثر فى التماثل ، وهذا مذكور فى
موضعه . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل عاقد رجلا بثغر الإسكندرية على غلة ذكر أنها مودعة
في ناحية ببيروت ، وأعطاه الثمن ، وأرسل وكيله ليسلم ذلك للمشترى ،
فلم يجد الغلة ؛ بل وجدها تحت الحوطة ، كل ذلك بعد أن أشهد
المشترى على نفسه ، أنه تسلم الغلة المذكورة . فهل يجوز لهذا البائع
تأخير ما قبضه من الثمن ؟ وهل له فى ذلك شبهة ، ويعطى البائع
بتأخير الثمن عمن سلمه بعد المطالبة أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين: إذا لم يجد المبيع الغائب، أو وجده
ولم يتمكن من قبضه ، فله فسخ البيع إن كانت العين مغصوبة . وإن
تلفت انفسخ البيع ووجب على البائع أن يرد عليه الثمن إذا طلبه
المشترى ، ولا ينفعه إشهاد المشترى عليه بالقبض ، إذا كان قد أشهد
٤١٥

قبل القبض ، وإن قامت عليه بينة بالإقرار ، وكان الإقرار صحيحاً :
فله تحليف البائع أن باطن الإقرار كظاهر. فى أصح قولي العلماء .
وأما إذا علم كذب الإقرار ، بأن يكون قد أفر بالقبض قبل
التمكن منه ، لم يصح هذا الإقرار كله - إذا صح بيع الغائب ، بأن
يبيعه بالصفة على مذهب مالك ، وأحمد فى المشهور .
وأما من أبطل بيعه مطلقا كالشافعي ، وأحمد فى رواية ، فالبيع
باطل من أصله ، وأبو حنيفة يصححه مطلقا ، وأحمد فى رواية ؛ لكن
له الخيار عند الرؤية بكل حال ، وبكل حال فالأمة متفقون على أن
[ على] البائع دفع الثمن إذا طلبه المشترى والحالة هذه. والله أعلم.
وسئل رحمه الله:
عمن باع بيعاً وجحد البيع ، وأشهد المشترى على نفسه بالفسخ ،
فما الحكم فى ذلك ؟
فأجاب : إذا جحد البيع وفسخه المشترى كذلك ، لم يكن للبائع
إلزام المشترى ثانيا بالقبض . والله أعلم .
٤١٦

وسئل
عن رجل اشترى ملكا بثمن معين . ودفع الثمن بمحضر شهود
كتاب التبابع ، وثبت الكتاب ، وحكم به حكام المسلمين الأربعة ، ثم
استحق الملك المشترى مستحق غير البائع ، وأثبت استحقاقه بذلك
الشرع ، ورفع بد المشترى عما اشتراء منه ، والرجل يومئذ غائب
فوق مسافة القصر ، وله أملاك حاضرة وأموال. فهل إذا طلب الرجل
المذكور من الحاكم الذي ببلد المشترى الذي حكم له على الغائب
بنظير ما قبض الغائب من الرجل المشترى من ثمن المبيع يجيبه إلى
ذلك ، والحالة هذه ؟
فأجاب : الحمد لله . نعم إذا ظهر المبيع مستحقاً ، فللمشترى أن
يرجع بالثمن على من قبضه منه ، أو بيدله . فإذا كان القابض منه غائبا
حكم عليه إذا قامت الحجة ، وسلم إلى المحكوم له حقه من مال الغائب
مع بقائه على حجته . والله أعلم.
٤١٧

باب الربا
سئل شيخ الإسلام قدس اللهروحه
عن تحريم الربا، وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم ؛
ليتوصلوا بها إلى الربا، وإذا حل الدين يكون المديون معسراً ،
فيقلب الدين فى معاملة أخرى بزيادة مال ، وما يلزم ولاة الأمور فى
هذا ، وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد فى معاملة الربا؟
فأجاب: المراباة حرام بالكتاب والسنة، والإجماع. وقد ((لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل الربا، وموكله، وكاتبه.
وشاهديه. ولعن المحلل، والمحلل له، قال الترمذي حديث صحيح .
فالاثنان ملعونان .
وإن كان أصل الربا فى الجاهلية : أن الرجل يكون له على الرجل
المال المؤجل ، فإذا حل الأجل قال له: أنقضى ؟ أم تربى ؟. فإن وفاه
وإلا زاد هذا فى الأجل وزاد هذا فى المال ، فيتضاعف المال
٤١٨

والأصل واحد . وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين .
وأما إذا كان هذا هو المقصود ، ولكن توسلوا بمعاملة أخرى ؛
فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين ، وأما الصحابة فلم يكن ينهم
نزاع أن هذا محرم ، فإنما الأعمال بالنيات ، والآثار عنهم بذلك
كثيرة مشهورة .
والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين ، وأكل المال
بالباطل ، وهو موجود فى المعاملات الربوية . وأما إذا حل الدين وكان
الغريم معسرا : لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا
غيرها ؛ بل يجب إنظاره ، وإن كان موسرا كان عليه الوفاء ، فلا حاجة
إلى القلب لا مع يساره ، ولا مع إعساره .
والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية : بأن
يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال ، ويسقطوا الزيادة الربوية ، فإن كان
معسرا وله مغلات يوفى منها وفي دينه منها بحسب الإمكان ، والله أعلم .
٤١٩

وقال شيخ الإسلام قدس اللهروهم
فصل
فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب
قال الله تعالى فى الربا: ( وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ). وقد بسط الكلام على هذا فى موضعه .
وقد قال تعالى لما ذكر الخلع والطلاق ، فقال في الخلع :
( وَلَا يَحِلُ لَحِكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْمِمَآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآً
أَلَّايُقِيمَاحُدُودَ اَللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّأَيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَافِيمَا
اُفْئَدَتْ بِهِءُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُ ودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ
اَلَّلِمُونَ - إِلى قوله - وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا
لِتَعْنَدُ وَأْوَ مَن يَفْعَلْ ذَالِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ, ) وقال تعالى:
( إِذَا طَلَّقْتُمُ الِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلََّ أَنْ
٤٢٠