النص المفهرس
صفحات 361-380
لتبرأ ذمته بذلك من ذلك . و «بيع المساومة)) إذا كان مع أهل الخبرة بالأسعار التى يشترون بها السلع فى غالب الأوقات ، فإنه يباع غيرهم كما يباعون ، فلا يريح على المسترسل أكثر من غيره، وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند هذا الشخص ، ينبغى أن يربح عليه مثل ما يرجح على غير المضطر ؛ فإن في السنن: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر)) ولو كانت الضرورة إلى مالا بد منه ؛ مثل لو يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس ، فإنه يجب عليه أن لا يبيعهم إلا بالقيمة المعروفة ، ولهم أن يأخذوا ذلك منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره ، ولا يعطوه زيادة على ذلك . والله أعلم . وقال : فصل وبيع المغشوش الذي يعرف قدر غشه ، إذا عرف المشترى بذلك، ولم يدلسه على غيره جائز ، كالمعاملة بدراهمنا المغشوشة . وأما إذا كان قدره مجهولاً كاللبن الذي يخلط بالماء ، ولا يقدر قدر الماء : فهذا منهي عنه ؛ وإن على المشترى أنه مغشوش . ٣٦١ ومن باع مغشوشاً لم يحرم عليه من الثمن إلا مقدار ثمن الغش ، فعليه أن يعطيه لصاحبه ، أو يتصدق به عنه إن تعذر رده . مثل من يبيح معيباً مغشوشاً بعشرة ، وقيمته لو كان سالماً عشرة ، وبالعيب قيمته ثمانية . فعليه إن عرف المشتري أن يدفع إليه الدرهمين إن اختار ، وإلا رد إليه المبيع ، وإن لم يعرفه تصدق عنه بالدرهمين . والله أعلم وسئل رحمه الله عن قوم بعملون عبيا ، يدخلون فيه صوفا لا ينتفع به ، بسمونه ((السلاقة)) فيخلطونه بمشاق الكتان تدليساً منهم، ويبيعونه على أنه صوف جيد ، وربما عرفه التاجر ؛ لكن التاجر يكتم ذلك على المشترى ، فما يجب على صانعه ؟ وهل يتجر فيه ويكتمه عن مشتريه؟ وما حكمه فى نفس عمله ؟ وما يجب على من عمل ذلك من المسلمين ؟ وما يجب على ولاة الأمور فى ذلك إذا كانوا يخلطون المشاق فى الصوف الأبيض، وقد نهوا عن ذلك غير مرة ، ويعودوا إليه ؟ فأجاب : الحمد لله . ليس للصانع أن يصنع ذلك، ولا للبائع أن يديعه ، ولو على المشتري أن فيه عيباً ، فإن مقدار الغش غير معلوم . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: « أنه نهى أن يشاب ٣٦٢ اللبن بالماء للبيع )) بخلاف الشرب ، فإذا خلط اللبن بالماء للشرب باز ، وأماللبيع فلا ، ولو على المشترى أنه مخلوط بالماء، لأن المشترى لا يعلم مقدار الخلط ، فيبقى البيع مجهولا ، وهو غرر . وهكذا كلما كان من المغشوش الذي لا يعلم قدر غشه ، فإنه ينهى عن بيعه ، وعن عمله لمن يبيعه ، وكذلك خلط المشاق بالصوف الأبيض ، وكل ما كان من الغش فى المطاعم والملابس وغير ذلك إذا لم يعلم مقدار الغش ، فإنه ينهى عن ذلك . وقد أفتى طائفة من العلماء من أصحاب مالك ، وأحمد ، وغيرها : أن من صنع مثل هذا فإنه يجوز أن يعاقب بتمزيق الثوب الذي غشه، والتصدق بالطعام الذي غشه ، كما شق النبى ظروف المخمر وكسر دنانها، وكما أمر عمر وعلي - رضي الله عنها - بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، وقد نص عليه أحمد وغيره، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن يحرق الثوبين المعصفرين ، رواه مسلم فى صحيحه. وكما حرق موسى عليه السلام العجل ، ولم يعده إلى أهله ، وكما تكسر آلات الملاهي . ونظائر هذه متعددة. وهي مبنية على أن العقوبات فى الأموال تتبع حيث جاءت بها الشريعة ، كالعقوبات بالأبدان . وادعى طائفة من العلماء أن ذلك منسوخ ، ولا حجة معهم بذلك أصلا ، فكما أن البدن إذا قام به الفجور قد يتلف ، فالمال الذي قام ٣٦٣ به صنعة الفجور - مثل الأصنام المنحوتة - يجوز تكسيرها وتحريقها، كما حرق النبى صلى الله عليه وسلم الأصنام، وكذلك من صنع صنعة محرمة من طعام أو لباس ونحو ذلك . والله أعلم . وسل عن دار لرجل باع ثلثها لزيد ، ثم باع الباقي لعمرو - من ملكه : الثلث ، والثلثين بالوكالة عن زيد، وتوفى زيد - ومن حقوقها قناة ظهرت مستحقة النقل ، والإزالة ، بحكم تعدى ضررها للغير، وتعذر الرد لإحداث زيادة كثيرة من البناء . فهل يجب أرش القناة على البائع لعمرو ؟ وإذا وجب : فهل يطلب بأرش الحصة التى باعها بالوكالة عن المشتري منه ؟ أم يختص الطلب بما باعه عن نفسه ؟ فأجاب : الأرش الواجب بسبب العيب فى الثمن - إن كان الثمن لم يقبضه المشتري - سقط من الثمن قدر الأرش. وإن كان قبضه للبائع أو وكيله فله أن يطالب البائع بالأرش . ثم الوكيل إن ضمن بسم موكله في العقد فهو ضامن للأرش ، فيجوز عهدة المبيع ، أو مطالبته به . وإن سماه فى العقد ، ولم يضمن العهدة فهل يكون ضامناً لذلك؟ على قولين للعلماء فى مذهب أحمد، وغيره . والله أعلم . ٣٦٤ وسئل قدس اللهروحـ ونور ضريم عن دار بين شخصين باعها أحدهما عن نفسه ، وعن شريكه بالوكالة لشخص آخر ، ثم إن المشترى بنى فوق ما اشتراء بناء كبيراً، ومن حقوقه قناة ملاصقة جدار تربة ، فندت الجدار، وسرت النداوة إلى القبر ، فرفع ملاك التربة المشترى للحسبة، فشهدت البينة أرباب الخبرة بتندية الجدار، ووصول ذلك إلى القبر ، وأن القناة محدثة على الجدار ، وأنه ضرر يجب إزالتها من مكانها ، فألزم المشترى بنقلها . فهل ما أحدثه المشتري من البناء والهدم يمنع الرد ؟ أم لا ؟ وإذا منع ، فهل يثبت الأرش ؟ ؟ أم على التراخي وإذا ثبت : فهل هو على الفور يسقط بتأخير. فلا يسقط بالتأخير ؟ وما ألزم بهدمه وهدمه هل يسقط أرشه ، أم لا؟ وإن قيل : إنه على الفور ، فاشهد على نفسه بطلب الأرش ، ثم تصرف بعد ذلك الإشهاد ، فهل يسقط أم لا ؟ وإذا كان له ذلك . فتكون المطالبة للوكيل بما باعه من ملكه، وملك موكله ، أم ملكه فقط ؟؟ فأجاب : أما القناة إذا كانت محدثة حيث لا يجوز إحداثها فإنه يلزم محدثها بإزالة مالا يجوز إحداثه . والمشتري إن لم يعلم بذلك بل ٣٦٥ اعتقد أن هذا حق للملك ، لا يجوز إزالته ، فتبين الأمر بخلاف ذلك: كان هذا عيباً . فإذا بنى في العقار قبل علمه بالعيب ، ثم علم أنه عيب ، فليس إلا الأرش دون الرد فى أحد قولي العلماء : كأبى حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين عنه . وفى الأخرى - وهو قول مالك - له الرد أيضاً . ويكون شريكا للبائع بما أحدثه من الزيادة فيه . ولا يلزم بالهدم مجاناً ؛ لأنه بنى بحق . وخيار الرد بالعيب على التراخي ، عند جمهور العلماء ، كمالك ، وأبى حنيفة وأحمد فى ظاهر مذهبها، ولما قول - كمذهب الشافعي - أنه على الفور . فإذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالاتفاق . فإذا بنى بعد علمه بالعيب سقط خياره . وأما إذا اشهد بطلب الأرش استحقه ، كان له أن يطالب به بعد ذلك ، ولا يسقط الأرش بتصرفه . والبائع يطالب بالدرك من أرش أو رد فيما باعه من ملكه. وأما إذا باعه من ملك موكله فإن كان لم يسمه فى البيع طولب أيضا بدرك المبيع ، وإن كان سماء . فهل يجوز مطالبته ؟ ويكون ضامناً لعهدة المبيع ؟ على قولين للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . ٣٦٦ وأما إن كان المشتري ألزم بالأرش ؛ لأجل القناة المحدثة التى لا يجوز إحداثها . فله أن يطالب البائع الغار له بأرش مالزمه بغرره . وسئل رحم الله عن أناس يتعانون خروج المياه ، مثل ماء الورد وغيره ؛ ثم إنهم بأخذون حرقان الورد ، وينقعونه ، ويستخرجوه عن العادة ، وكذلك الينوفر ينقعونه يابساً ، فهل يجوز لهم أن يفعلوا ذلك ، ويبيعوه ؟. فأجاب : لا يجوز خلط الماء الأول بالماء الثانى لمن يريد بيعه ، ولو علم بذلك المشترون ، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنه نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع، ولا بأس به للشرب» فإن هذه المائعات إذا شيبت لم يعرف مقدار ما يدخلها من الغش . وعلى ولي الأمر عقوبة من يفعل ذلك ، وسلوك طريق يمتنعون بها عن الغش . ٣٦٧ وسئل شيخ الإسلام عن عمل ((الكيمياء)) هل تصح بالعقل ، أو تجوز بالشرع؟ فأجاب: الحمد لله. ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرها من أنواع الجواهر والطيب وغير ذلك ، مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك ؛ مثل ما يصنعونه من اللؤلؤ، والياقوت ، والمسك ، والعنبر ، وماء الورد ، وغير ذلك : فهذا كله ليس مثل ما يخلقه الله من ذلك ؛ بل هو مشابه له من بعض الوجوه ، ليس هو مساوياله في الحد والحقيقة. وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين ، الذين يعلمون حقيقة ذلك . ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق ، فقوله باطل فى العقل والدين . وحقيقة ((الكيمياء)) إنما هى تشبيه المخلوق، وهو باطل فى العقل، واللّه تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا في أفعاله. فهو سبحانه لم يخلق شيئاً يقدر العباد أن يصنعوا مثل ما خلق ، وما ٣٦٨ يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله : فإنه سبحانه أقدريم على أن يصنعوا طعاماً مطبوخاً ، ولباساً منسوجا ، وبيوتاً مبنية ، وهو لم يخلق لهم مثل ما يصنعونه من المطبوخات والمنسوجات والبيوت المبنية . وما خلقه الله سبحانه من أنواع الحيوان والنبات والمعدن ، كالإنسان والفرس والحمار والأنعام والطير والحيتان فإن بنى آدم لا يقدرون أن يصنعوا مثل هذه الدواب . وكذلك الخطة ، والشعير ، والباقلا، واللوبيا ، والعدس، والعنب، والرطب ، وأنواع الحبوب والثمار لا يستطيع الآدميون أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله سبحانه وتعالى. وإنما يشبهونه ببعض هذه الثمار ، كما قد يصنعون ما يشبه الحيوان ، حتى بصوروا الصورة كأنها صورة حيوان . وكذلك المعادن ؛ كالذهب ، والفضة، والحديد، والنحاس ، والرصاص : لا يستطيع بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه اللّه؛ وإنما غايتهم ان يشبهوا من بعض الوجوه ، فيصفرون وينقلون . مع اختلاف الحقائق ؛ ولهذا يقولون : تعمل تصفيرة ؟ ويقولون محن صباغون . وهذه ((القاعدة)) التى بدل عليها استقراء الوجود : من أن المخلوق لا يكون مصنوعاً ، والمصنوع لا يكون مخلوقا: هي ثابتة عند المسلمين، وعند أوائل المتفلسفة الذين تكلموا فى الطبائع ، وتكلموا فى الكيمياء أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَّكَاءَ خَلَقُواْكَخَلْقِهِ، ) وغيرها ؛ فإن الله قال فى كتابه : ٣٦٩ وفي الصحيح عن فَتَشَبَهَ اُلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ ) النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله أنه قال: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كتلقي، فليخلقوا ذرة ! فليخلقوا بعوضة !! )). وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه لعن المصورين)) وقال: ((من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)) وقال : ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)). وهذا التصوير ليس فيه تلبيس وغش ، فإن كل أحد يعلم أن صورة الحيوان المصورة ليست حيواناً . ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان ، فيجوز تصوير صورة الشجر والمعادن في الثياب والحيطان ونحو ذلك ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)) ولهذا قال ابن عباس للمستفتى الذي استفتاه: صور الشجر ومالا روح فيه . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أن جبريل قال له فى الصورة: ((مر بالرأس فليقطع)، ولهذا نص الأئمة على ذلك ، وقالوا : الصورة هي الرأس ، لا يبقى فيها روح ، فيبقى مثل الجمادات . وهذا التصوير ليس فيه غش ولا تلبيس ؛ فإن كل أحد يفرق بين المصور وبين المخلوق . وأما الكيمياء : فإنه بشبه فيها المصنوع بالمخلوق ، وقصد أهلها إما ٣٧٠ أن تجعل هذا كهذا ، فينفقونه ويعاملون به الناس ، وهذا من أعظم الغش. وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه مر برجل يبيع طعاماً ، فأدخل يده فيه ، فوجده مبلولا . فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ فقال : يا رسول الله! أصابته السماء - يعنى المطر - فقال هلا وضعت هذا على وجهه، من غشنا فليس منا)، وقوله : (( من غشنا فليس منا)) كلمة جامعة في كل غاش . وأهل الكيمياء من أعظم الناس غشاً؛ ولهذا لا يظهرون للناس إذا عاملوم إن هذا من الكيمياء ، ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم إلا من يريد غشهم. وقد قال الأئمة: إنه لا يجوز بيع المغشوش الذي لا يعلم مقدار غشه ، وإن بين للمشتري أنه مغشوش . وقد روى عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ((أنه نهى عن أن يشاب اللبن بالماء للبيع، وأرخص فى ذلك للشرب )» وبيع المغشوش لمن لا يتبين له أنه مغشوش حرام بالإجماع ، والكيمياء لا يعلم مقدار الغش فيها ، فلا يجوز عملها ولا بيعها بحال . مع أن الناس إذا علموا أن الذهب والفضة من الكيمياء لم يشتروه. ولو قيل لهم : إنه يثبت على الروباص ، أو غير ذلك ، بل القلوب مفطورة على إنكار ذلك. والولاة ينكرون على من يجدونه يعمل ذلك ، ولو كان أحدم ممن يعمل ذلك في الباطن فيحتاج أن ينكره في الظاهر : ٣٧١ لأنه منكر فى فطر الآدميين ، ولا يجد من يعانى ذلك إلا مستخفيا بذلك ، أو مستعيناً بذي باه ، وعلى أصحابه من الذلة والصغار وسواد الوجوه : ما على أهل الفرية والكذب والتدليس . كما قال تعالى : (إِنَّالَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَةٌ فِى الْحَيَوَةِالدُّنْياً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ ) . قال أبو قلابة : هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة ، وهؤلاء أهل فرية وغش وتدليس فى الدين ، وكلاهما من المفترين . وأما القدماء فقد قالوا : إن الصناعة لا تعمل عمل الطبيعة ، وأخبروا أن المصنوع لا يكون كالمطبوع ، ولهذا كان المصنفون منهم فى الكيمياء إذا حققوا قالوا: لما كان المقصود بها إنما هو التشبيه ، فالطريق فى التشبيه كذا وكذا . فيسلكون الطرق التى يحصل بها التشبيه ، وهي مع تنوعها وكثرتها ووصول جماعات إليها واتفاقهم فيها : عسرة على أكثر الخلق، كثيرة الآفات ، والمنقطع عن الوصول أضعاف الواصلين مع كثرتهم، نجماهير من يطلب الكيمياء لا يصل إلى المصنوع الذي هو مغشوش باطل طبعاً، محرم شرعا؛ بل ثم يطلبون الباطل الحرام ، ويتمنوه ويتحاكون فيه الحكايات ، ويطالعون فيه المصنفات ، وينشدون فيه الأشعار ، ولا يصلون إلى حقيقة الكيمياء - وهو المغشوش - بمنزلة أتباع المنتظر الذي في السرداب ، وأتباع رجال الغيب الذين لا يرام ٣٧٢ أحد من الناس ، وأمثال هؤلاء الذين يطلبون مالا حقيقة له معتقدين وجوده ، ويموتون وهم لم يصلوا إليه ، وإن وصلوا إلى من يدعى لقاءه من الكذابين . وكذلك طلاب الكيمياء الذين بقال لهم: ((الحدبان)) لكثرة انحنائهم على النفخ في الكير ، أكثرهم لا يصلون إلى الحرام ، ولا ينالون المغشوش، وأما خواصهم فيصلون إلى الكيمياء ، وهي محرمة باطلة ، لكنها على مراتب . منها ما يستحيل بعد بضع سنين ، ومنها ما يستحيل بعد ذلك؛ لكن المصنوع يستحيل ويفسد ولو بعد حين ؛ بخلاف الذهب المعدنى المخلوق فإنه لا بفسد ولا يستحيل ؛ ولهذا ذ کروا أن محمد بن زكريا الرازى المتطبب - وكان من المصححين للكيمياء - عمل ذهباً وباعه للنصارى، فلما وصلوا إلى بلادهم استحال ، فردوه عليه ، ولا أعلم فى الأطباء من كان أبلغ فى صناعة الكيمياء منه. وأما الفلاسفة الذين م أحذق فى الفلسفة منه ، مثل يعقوب بن إسحاق الكندى ، وغيره . فإنهم أبطلوا الكيمياء ، وبينوا فسادها ، وبينوا الحيل الكيماوية . ولم يكن فى أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ، ولا من علماء الدين . ولا من مشايخ المسلمين ، ولا من الصحابة ، ولا من التابعين لهم ٣٧٣ بإحسان . وأقدم من رأينا، ويحكى عنه شيء فى الكيمياء خالدبن يزيد ابن معاوية، وليس هوممن يقتدي به المسلمون فى دينهم، ولا يرجعون إلى رأيه ، فإن ثبت النقل عنه فقد دلس عليه ، كما دلس على غيره . وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية ، فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم ، ولا بين أهل الدين ، وهؤلاء لا يعدون أحد أمرين : إما أن يعتقد أن الذهب المصنوع كالمعدنى - جهلا وضلالا - كما ظنه غيرهم. وإما أن يكون على أنه ليس مثله ، ولكنه لبس ودلس، فما أكثر من يتحلى بصناعة الكيمياء؛ لما فى النفوس من محبة الذهب والفضة، حتى يقول قائلهم : لو غنى بها مغن لرقص الكون . وعامتهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، ويظهرون للطاع أنهم يعملون الكيمياء حتى بأ كلوا ماله ، ويفسدوا حاله . وحكاياتهم في هذا الباب عند الناس أشهر من أن تحتاج إلى نقل مستقر تدل على أن أهل الكيمياء يعاقبون بنقيض قصدهم، فتذهب أموالهم - حيث طلبوا زيادة المال بما حرمه الله - بنقص الأموال، كما قال الله تعالى: ( يَمْحَقُ اللهُ الْرّبَوْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ ). والكيمياء أشد تحريما من الربا. قال القاضي أبو يوسف. من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، ومن طلب غرائب الحديث كذب . ويروى هذا الكلام عن مالك ، والشافعي ، ٣٧٤ رضى الله عنهم أجمعين. وقد قال لي رأس من رؤوسهم لما نهيته عنها ، وبینت له فسادها وتحريمها - ولما ظهرت عليه الحجة : أخذ يستعفى عن المناظرة ، ويذكر أنه منقطع بالجدال ، وقال فيما قال -: النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرف الكيمياء، فقلت له: كذب ؛ بل هو مستلزم للكفر، فإن اللّه قال فى كتابه (وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ) وهذه الآية نزلت بالإجماع في غزوة تبوك ، وكان النى صلى الله عليه وسلم قد حض فيها الناس على الصدقة، حتى جاء رجل بناقة مخطومة مزمومة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لك بها سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة )) وجاء أبو عقيل بصاع فطعن فيه بعض المنافقين ، وقال فيها : كان اللّه غنياً عن صاع هذا، وجاء آخر بصرة كادت بده تعجز عن حملها، فقالوا : هذا مرائى . فأنزل الله تعالى: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَ هُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ سَخِرَلَهُ مِنْهُمْ وَهُمْعَذَابٌ أَلِيُ ) وجاء عثمان بن عفان بألف ناقة ، فأعوزت خمسين ، فكملها بخمسين فرس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)) وصارت هذه من مناقبه المشهورة ، فيقال مجهز جيش العسرة . ٣٧٥ وقد قال الله: ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ) إلى قوله : (وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ) . وقد قيل: إنهم طلبوا أن يحملهم على النعال. وسواء أريد بالنعال النعال التى تلبس ، أو الدواب التى تركب، فقد أخبر الله عن نبيه أنه قال لهم (لَآ أَجِدُ مَآ أَخِلُكُمْ عَلَيْهِ ) وقد كان هو يحض الناس على الإنفاق غاية الحض . فلو كانت الكيمياء حقاً مباحاً وهو يعلمها ، لكان من الواجب أن يعمل منها ما يجهز به الجيش ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومن نسب إلى النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فقد نسبه إلى ما نزهه الله عنه. وأيضا فإن علماء الأمة لم يوجب أحد منهم فى الكيمياء حقاً ؛ لا خمساً ولا زكاة ، ولا غير ذلك ، وقد اتفقوا على أن فى الركاز الخمس، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم . والركاز الذي لا ريب فيه ؛ هو دفن الجاهلية . وهي الكنوز المدفونة فى الأرض ، كالمعادن . فأهل الحجاز لا يجعلونها من الركاز ، وهو مذهب أحمد وغيره ، وأهل العراق يجعلونها من الركاز ، ومن العلماء من يفرق بين أن يوجد المال جملة ، وبين أن لا يوجد . وللشافعي فيها أقوال معروفة وجمهور العلماء يوجبون في المعدن حقاً ؛ إما الزكاة ، وإما الخمس . ٣٧٦ ولو كانت الكيمياء حقاً حلالا لكان الواجب فيها أعظم من الخمس وأعظم من الزكاة ، فإنها ذهب عظيم بسعي يسير ، أيسر من استخراج المعادن ، والركاز ؛ لكن هي عند علماء الدين من الغش الباطل المحرم الذي لا يحل عمله ، ولا اتخاذه مالا ، فضلا عن أن يوجبوا فيها ما يجب في المال الحلال . وقال لي المخاطب فيها : فإن موسى صلى الله عليه وسلم كان يعمل الكيمياء . قلت له : هذا كذب ، لم ينقل هذا عن موسى أحد من علماء المسلمين ، ولا علماء أهل الكتاب ؛ بل قد ذكروا عنهم أن موسى كان له عليهم حق بأ كل منه ، ولو كان يعمل الكيمياء لكان يأكل منها. قال : فإن قارون كان يعمل الكيمياء ، قلت : وهذا أيضا باطل ؛ فإنه لم يقله عالم معروف ، وإنما يذكره مثل الثعلى في تفسيره معمن لا يسمى . وفى تفسير الثعلى الغث والسمين ، فإنه حاطب ليل ، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص ؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون ، والله سبحانه قال: (وَءَانَيْنَهُ فأخبر أنه آتاه من مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ) الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة ، والكنوز إما أن يكون هو كنزها، كما قال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ) الآية ٣٧٧ وإما أن يكون اطلع على كنائز مدفونة وهو الركاز ، وهذا لا ريب أنه موجود . ثم إنه مات هذا الرجل وكان خطيباً بجامع . فلم يشهد جنازته من جيرانه وغيرهم من المسلمين إلا أقل من عشرة ، وكان يعانى السحر والسيميا ، وكان يشتري كتباً كثيرة من كتب العلم ، فشهدت بيع كتبه لذلك ، فقام المنادى ينادى على ((كتب الصنعة)) وكانت كثيرة يعنى كتب الكيمياء؛ فإنهم يقولون: هى علم الحجر المكرم ، وهي علم الحكمة ، ويعرفونها بأنواع من العبارات ، وكان المتولى لذلك من أهل السيف والديوان شهودا ، فقلت لولي الأمر لا يحل بيع هذه الكتب ؛ فإن الناس يشترونها فيعملون بما فيها، فيقولون: هؤلاء ((زغلية)) فيقطعون أيديهم . وإذا بعتم هذه الكتب تكونون قد مكنتموم من ذلك ، وأمرت المنادي فألقاها ببركة كانت هناك ، فألقيت حتى أفسدها الماء ، ولم يبق يعرف ما فيها . ومما يوضح ذلك : أن الكيمياء لم يعملها رجل له فى الأمة لسان صدق ، لا عالم متبع، ولا شيخ يقتدى به ، ولا ملك عادل ، ولا وزير ناصح ، وإنما يفعلها شيخ ضال مبطل ، مثل ابن سبعين وأمثاله، أو مثل بنى عبيد. أو ملك ظالم ، أو رجل فاجر . وإن التبس أمرها على بعض أهل العقل والدين ، فغالبهم ينكشف لهم أمرها فى الآخر ، ولا ٣٧٨ يستطيعون عملها صيانة من الله لهم لحسن قصدهم ، وما أعلم أن رجلا من خيار المسلمين أنفق منها أو أكل منها . وما يذكره بعض الناس أن أولياء الله يعملون بها . فهذا لا يعدو ما يقوله أحد أمرين : إما أن يكون كاذبا ، وإما أن يكون قد ظن من يعملها أنه من أولياء الله ، المخصوصين بمثل هذه الكرامة ، فهذا جهل ؛ فإن الكيمياء يعملها المشرك واليهودي والنصرانى والفاجر والمبتدع ، لا يختص بها أولياء الله؛ بل لا يعرف ولي ثابت الولاية يعملها ، ومن ذكرها ممن يدعى أنه من الأولياء مثل صاحب ((الفصوص)) وأمثال هؤلاء فهؤلاء في كلامهم فى الدين من الخطأ والضلال أعظم مما في كلامهم فى الكيمياء ، فإذا كان كلامهم في التوحيد والنبوة واليوم الآخر فيه من الضلال ما هو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين ؛ بل ما لم يقله اليهود والنصارى فكيف يكون كلامهم فى الكيمياء ؟. ثم من اغتر بما ذكره صاحب (( كتاب السعادة)) فيه، وفى (( كتاب جواهر القرآن)) وأمثالهما من الكتب : ففي هذه الكتب من الكلام المردود والمخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأمتها مالا يخفى على عالم بذلك . وقد رد علماء المسلمين ما فى هذه الكتب من أقوال المتفلسفة وأشباهها من الضلال المخالف للكتاب والسنة . ومن الناس من يطعن فى نقل هذه الكتب عمن أضيفت إليه، ويقول : إنه كذب ٣٧٩ عليه فى نسبة هذه الكتب إليه . ومنهم من يقول : بل قد رجع عن ذلك ؛ فإنه قد ثبت عنه فى غير موضع نقيض ما يقوله فى هذه الكتب، ومات على مطالعة البخاري ومسلم . نعم ! خرق العادات للأولياء جائز ، مثل أن يصير النبات ذهباً . وذلك مما لا يكون طريقه طريق الكيمياء المعمولة بالمعالجات الطبيعية ، وبين هذين من الفرق ما بين عصا موسى ، وعصى السحرة ، فإن تلك كانت حية تسعى ، وتلك يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . وبالجملة: فإذا كان طائفة من المنتسبين إلى العلم والعبادة اعتقدوا أن علم الكيمياء حق وحلال : فهذا لا يفيد شيئاً ؛ فإن قول طائفة من العلماء والعباد خالفهم من هو أكبر منهم وأجل عند الأمة لا يحتج به إلا أحمق ؛ فإنه إن كان التقليد حجة فتقليد الأكبر الأعلم الأعبد أولى . وإن لم يكن حجة لم ينفعه ذكره لهؤلاء . وعلى التقديرين فلا يفيد هذا شيئاً . ويكفيه أن خيار هذه الأمة من القرون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم لم يدخلوا فى شيء من هذا ، إذ لو كانت حلالا لدخلوا فيها ، كما دخلوا فى سائر المباحات؛ فإنهم كانوا يكتسبون الأموال بالوجوه ، واكتساب المال مع إنفاقه فى طاعة الله عمل صالح . وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((على كل مسلم صدقة . قالوا : فمن لم يجد . قال : ٣٨٠