النص المفهرس

صفحات 341-360

بالشرط ، فلا يلزم البيع بدونه؛ بل له الخيار ، فكذلك الآخر لم
يرض إلا بالثمن المسمى ، وإن كان رضي به مع الشرط ، فإذا ألغى
الشرط وصار الولاء له ، فهو لم يرض بأكثر من الثمن فى هذه الصورة؛
بل إن شاء فسخ البيع ، فلا يلزم بالزيادة ؛ بل إذا أعطى الثمن فإن
شاء الآخر قبل وأمضى، وإن شاء فسخ البيع، وإن تراضيا بالأرش
جاز . لكن لا يلزم به واحد منهما إلا برضاه ، فإنه معاوضة عن
الجزء الفائت .
وهكذا يقال في نظائر هذا : مثل الصفقة إذا تفرقت . وقيل :
يصح البيع في الحلال بقسطه من الثمن ، كما هو ظاهر مذهب أحمد ؛
فإن الذي تفرقت عليه له الفسخ إذا كان لم يرض ببيع هذا بقسطه
إلا مع ذلك .
وأصل العقود أن العبد لا يلزمه شيء إلا بالتزامه، أو بإلزام الشارع
له . فما التزمه فهو ما عاهد عليه ، فلا ينقض العهد ، ولا يغدر . وما
أمره الشارع به فهو مما أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه ،
كما أوجب عليه أن يصل ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالكتب
والرسل ، ومن صلة الأرحام ؛ ولهذا يذكر الله فى كتابه هذا وهذا ،
كقوله: ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ
◌ِهِ أَنْ يُوصَلَ).
٣٤١

فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من اللّه به، وما عاهد عليه الإنسان
فقد التزمه ، فعليه أن يوفى بعهد الله ، ولا ينقض الميثاق . إذا لم يكن
ذلك مخالفاً لكتاب الله . فمن اشترط شرطا مخالفاً لكتاب الله ؛ مثل أن
يريد به أن يستحل ما حرم الله ، كالذي يبيع الأمة أو يعتقها ويشرط
وطأها بعد خروجها من ملكه، أو يبيع غيره مملوكا ويشرط أن
يكون ولاؤه له لا للمعتق ، أو يزوج أمته أو قرابته ويشرط أن يكون
النسب لغير الأب ، أو يكون النسب له ، فالله قد أمر أن يدعى الولد
لأبيه ، والولاء لحمة كلحمة النسب . فمن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى
غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وثبت فى الصحيح
عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن بيع الولاء وعن هبته)).
ولهذا كان عند جمهور العلماء لا يورث أيضا ؛ ولكن يورث به كالنسب ،
ويكون الولاء للكبر. فقد تبين أن الحديث حق كما بهاء ، والله أعلم .
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)) وهذا يبين
أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منها فى البيع ؛ ولهذا قال كثير من
السلف والخلف : إنه إذا اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله: مثل أن
يشترط أن يتزوجها بلا مهر ، أو بمهر محرم ، فهذا نكاح باطل ، كنكاح
الشغار وغيره . وهذا مذهب مالك وأحمد فى إحدى الروايتين .
٣٤٢

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار ، وأبطله
الصحابة ؛ فإنهم أشغروا النكاح عن مهر . هذا هو العلة فى نصوص
أحمد المشهورة عنه ، وهو قول مالك وغيره . وعند طائفة من أصحابه :
العلة ما قاله الشافعي، وهو التشريك فى البضع . والأول أصح. وهذا
لا معنى له ؛ فإن البضع لم يحصل فيه اشتراك : بل كل من الزوجين
ملك بضع امرأة بلا شركة . وإن كان قد جعل صداقها بضع الأخرى،
فالمرأة الحرة لم تملك بضع المرأة ، ولا يمكن هذا؛ فإن امرأة لا
تنزوج امرأة ؛ ولكن جعلت لوليها ما تستحقه من المهر ، فوليها هو
الذي ملك البضع ، وجعل صداقها ملك وليها البضع ، وهي لم تملك
شيئا ؛ فلهذا كان شغاراً . والمكان الشاعر الخالي . وشغرت هذه الجهة
أي خلت . ومن أصدقت شيئا ولم يحصل لها ما أصدقته لم يكن النكاح
لازما ، وأعطيت بدله، كما فى البيع وأولى: ((فإن أحق الشروط أن
توفوا به ما استحللتم به الفروج)).
ومن التزمت بالنكاح من غير أن تحصل ما رضيته فقد التزمت
بالنكاح الذي لم ترض به ، وهذا خلاف الكتاب والسنة . وإذا كان
مثل هذا لا يجوز فى البيع ، فإنه لا يجوز فى النكاح أولى . والشارع
لم يلزمها النكاح على هذا الوجه ، ولا هي التزمته ، وإنما يجب على
الإنسان ما يجب بالزام الشارع، أو بالتزامه ، وكلاهما منتف ، فلا معنى
٣٤٣

لالتزامها بنكاح لم ترض به .
وقول من قال : المهر ليس بمقصود : كلام لا حقيقة له ؛ فإنه ركن
في النكاح، وإذا شرط فيه كان أوكد من شرط الثمن؛ لقوله: ((إن
أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)). والأموال تباح
بالبدل ، والفروج لا تستباح إلا بالمهور ؛ وإنما ينعقد النكاح بدون فرضه
وتقريره ؛ لا مع نفيه . والنكاح المطلق ينصرف إلى مهر المثل، وكذلك
البيع على الصحيح - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - ينعقد بالسعر
فلا فرق ، كما قد بسط فى مواضع .
والذي يثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن النكاح ينعقد بدون
فرض المهر . أي بدون تقديره ؛ لا أنه ينعقد مع نفيه ؛ بل قد قال
تعالى: (قَدْ عَلِمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىَ أَزْوَجِهِمْ وَمَامَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ ) لما
جوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بلا مهر فرض عليهم
أن لا يتزوجوا بلا مهر . وكذلك دل عليه القرآن فى غير موضع ، فلا
بد من مهر مسمى مفروض ، أو مسكوت عن فرضه ، ثم إن فرض
ما تراضيا به، وإلا فلها مهر نسائها ، كما قضى به النبى صلى الله عليه
وسلم فى بروع بنت واشق . وأين هذا من هذا ؟! والناس دائماً
يتنا كحون مطلقا ، وقد تراضوا بالمهر المعتاد فى مثل ذلك ، وهو مهر
المثل ، كما يتبايعون دائماً ، وقد تراضوا بالسعر الذي يبيح به البائع فى
٣٤٤

مثل تلك الأوقات ، كما يشترون الخبز والأدم والفاكهة واللحم وغير
ذلك من الخباز واللحام والفومي وغير ذلك ، وقد رضوا أن يعطيهم
ثمن المثل، وهو السعر الذي يبيع به للناس ، وهو ما ساغ به مثل تلك
السلعة فى ذلك المكان والزمان ، وهذا البيع صحيح ، نص عليه أحمد ،
وإن كان فى مذهبه نزاع فيه .
ـل
وأصل الدين: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ، ولا حرام
إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولا مكروه إلا ماكرهه الله ورسوله ، ولا
حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا مستحب إلا ما أحبه الله ورسوله.
فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين
ما شرعه الله ورسوله ؛ ولهذا أنكر الله على المشركين وغيرهم ما حللو.
أو حرموه أو شرعوه من الدين بغير إذن من اللّه.
والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء ؛ كإيجابه الإيمان
والتوحيد على كل أحد . وقد يوجبه ؛ لأن العبد التزمه وأوجبه على
نفسه ، ولولا ذلك لم يوجبه ؛ كالوفاء بالنذر للمستحبات . وبما التزمه
فى العقود المباحة: كالبيع والنكاح والطلاق، ونحو ذلك، إذا لم يكن
٣٤٥

واجباً . وقد يوجبه للأمرين ، كمبايعة الرسول على السمع والطاعة له ،
وكذلك مبايعة أئمة المسلمين ، وكتعاقد الناس على العمل بما أمر
الله به ورسوله .
ونفس التزام شرائع الإسلام من هذا الباب . فإن المؤمن التزمها
بالإيمان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ فإن هذه
الشهادة توجب عليه الوفاء بموجبها ، وهو تصديق الرسول فيما أتى به
عن الله، وطاعته فيما أوجبه وأمر به؛ لأنه قد بلغ من الله أن طاعته
طاعته ، ومعصيته معصيته . وهذه الأصول مبسوطة في مواضع .
والمقصود هنا: أنه إذا كان أصل الشرع أنه لا يلزمه إلا بإلزام الشارع
له، أو بالتزامه إياه. فإذا تنازع الفقهاء في فرع من فروع هذا الأصل رد
إليه . ومن الفقهاء من يوفي به . ومنهم من لا یوفى به؛ بل ينقضه فى كثير من
المسائل ، وإن كان الغالب عليه الوفاء به في أكثر المسائل ، ومن ذلك
((مسائل النكاح والشروط فيه ».
فإن القاعدة أيضاً : أن الأصل فى الشروط الصحة واللزوم ، إلا
ما دل الدليل على خلافه . وقد قيل : بل الأصل فيها عدم الصحة ،
إلا ما دل الدليل على صحته ؛ لحديث عائشة . والأول هو الصحيح ؛
فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود ، وذم الغدر
٣٤٦

والنكث ؛ ولكن إذا لم يكن المشروط مخالفاً لكتاب الله وشرطه ، فإذا
كان المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه كان الشرط باطلا . وهذا
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((من اشترط شرطا ليس في كتاب
الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)).
فإن قوله: ((من اشترط شرطا)) اي مشروطا، وقوله: (( ليس
فى كتاب الله)، أي ليس المشروط فى كتاب الله، فليس هو مما أباحه
الله ، كاشتراط الولاء لغير المعتق ، والنسب لغير الوالد، وكالوطء بغير
ملك يمين ، ولا نكاح ، ونحو ذلك مما لم يبحه اللّه بحال. ومن ذلك
تزوج المرأة بلا مهر، ولهذا قال: (( كتاب الله أحق. وشرط الله أوثق)).
وهذا إنما يقال : إذا كان المشروط يناقض كتاب الله وشرطه ، فيجب
تقديم كتاب اللّه وشرطه، ويقال: ((كتاب الله أحق، وشرط
الله أوثق )) .
وأما إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص اللّه على حله ؛ بل
سكت عنه . فليس هو مناقضا لكتاب الله وشرطه ، حتى يقال :
(( كتاب الله أحق، وشرطه أوثق)، فقوله: ((من اشترط شرطا ليس
في كتاب الله)) أي مخالفاً لكتاب الله. وسواء قيل: المراد من الشرط
المصدر ، أو المفعول ؛ فإنه متى خالف أحدهما كتاب الله خالفه الآخر؛
بخلاف ما سكت عنه . فهذا أصل .
٣٤٧

((والأصل الثانى)): أن الشرط المخالف لكتاب الله إذا لم يرضيا إلا
به، فقد التزما ما حرمه الله. فلا يلزم، كما لو نذر المعصية. وسواء
كانا عالمين أو جاهلين، وإن اشترطه أحدهما على الآخر يعتقد جوازه
فلم يرض إلا به ، فلا يلزمه العقد إلا أن يكون التزمه لله ، فيلزمه
ما كان لله ؛ دون مالم يكن : كالنذر ، والوقف ، والوصية ، وغير ذلك
مما تتفرق فيه الصفقة . وإن عرف أنه حرام وشرطه فهو كشرط أهل
بريرة : شرطه باطل ، ولا يبطل العقد .
ولا فرق فى ذلك بين النكاح والبيع ، وغير ذلك من العقود. فمن
الفقهاء من أبطل شروطا كثيرة فى النكاح بلا حجة. ثم الشرط الباطل
فى النكاح قالوا : يبطل، ويصح النكاح بدونه ، والمشترط للنكاح لم
يرض إلا به، والشروط فى النكاح أوكد منها فى البيع ؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم: (( إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)).
فلزمهم من مخالفة النصوص فى مواضع كثيرة ، وإلزام الخلق بشيء لم
يلتزموه، ولا ألزمهم الله به. فأوجبوا على الناس مالم يوجبه الله
ورسوله . ثم قد يتوسعون فى الطلاق الذي يبغضه الله، فيحرمون على
الناس مالم يحرمه الله ورسوله ، ثم يبيحون ذلك بالعقود المشروطة فيها
الشروط الفاسدة . فيحللون مالم يحلله الله ورسوله .
مثال ذلك: أن شرط التحليل فى العقد شرط حرام باطل بالاتفاق.
٣٤٨

إذا شرط أنه يطلقها إذا أحلها ، وكذلك شرط الطلاق بعد أجل
مسمى . فشرط الطلاق فى النكاح إذا مضى الأجل أو بعد التحليل
شرط باطل بالاتفاق ، مع القول بتحريم المتعة، فإن الله لم يبح النكاح
إلى أجل ، ولم يبح نكاح المحلل . فقال طائفة من الفقهاء: بصح
العقد، ويبطل الشرط ، كما يقوله أبو حنيفة والشافعي ، وأحمد فى إحدى
الروايتين . ويكون العقد لازما . ثم كثير من هؤلاء فرق بين التوقيت،
وبين الاشتراط . فقالوا: إذا قال : تزوجتها إلى شهر ؛ فهو نكاح متعة ،
وهو باطل . وطرد بعضهم القياس . وهو قول زفر ، وخرج وجها في
مذهب أحمد أنه يصح العقد ؛ ويلغو التوقيت ، كما قالوا يلغو الشرط .
ولو قال فى نكاح التحليل : على أنك إذا أحللتها طلقها، فهو شرط،
كما لو قال في المتعة: على أنه إذا انقضى الأجل طلقها . وإن قال :
فلا نكاح بينكما . فقيل : فيه قولان للشافعي ، وغيره . قيل : يلحق
بالشرط الفاسد ، فيصح النكاح . وقيل : بالتوقيت ، فيبطل النكاح.
ولو شرط الخيار في النكاح . ففيه ثلاثة أقوال : هي ثلاث روايات
عن أحمد . قيل : يصح العقد والشرط . وقيل : ببطلان . وقيل :
يصح العقد دون الشرط . فالأظهر فى هذا الشرط أنه يصح . وإذا
قيل : ببطلانه ، لم يكن العقد لازما بدونه ؛ فإن الأصل فى الشرط
الوفاء ، وشرط الخيار مقصود صحيح ، لا سيما فى النكاح . وهذا يبنى
٣٤٩

على أصل . وهو : أن شرط الخيار فى البيع: هل الأصل محته ، أو
الأصل بطلانه ؛ لكن جوز ثلاثا على خلاف الأصل ؟ فالأول قول أئمة
الفقهاء: مالك، وأحمد، وابن أبى ليلى، وأبى يوسف، ومحمد. والثانى
قول أبى حنيفة والشافعي ؛ ولهذا أبطلا الخيار في أكثر العقود:
النكاح وغيره .
وكذلك تعليق النكاح على شرط ، فيه ثلاثة أقوال ، هي ثلاث
روايات عن أحمد. وأصحاب الشافعي وأحمد يفرقون فى النكاح بين
شرط يرفع العقد كالطلاق ، وبين غيره : مثل اشتراط عدم المهر ، أو
عدم الوطء أو عدم القسم ، وفى مذهب أحمد خلاف فى شرط عدم
المهر ، ونحوه .
والصواب أن كل شرط : فإما أن يكون مباحاً فيكون لا زماً يجب
الوفاء به ، وإذا لم يوف به ثبت الفسخ ، كاشتراط نوع أو نقد فى
المهر ، ولا يجوز أن يجعل النكاح لازماً مع عدم الوفاء ؛ بل يخير
المشترط بين إمضائه وبين الفسخ ، كالشروط فى البيع . وكالمعيب ؛
فإنه يرد بالعيب فى البيع بالاتفاق ، وكذلك فى النكاح عند الجمهور . قال
طائفة من المدنيين ، وغيرهم ، لا ترد الحرة بعيب ، وقالوا : النكاح لا
يقبل الفسخ ، فلم يجوزوا فسخه بعيب ولا شرط . ثم هم وسائر المسلمين
يوجبون فى الإيلاء على المولي إما الفيأة ، وإما الطلاق . وهم يقولون :
٣٥٠

يقع الطلاق عقب انقضاء المدة إذا لم يفئ وإذا كان الزوج عنينا أو
مجبونا فعامتهم على أن لها الفسخ: لكن قالوا : المرأة لا يمكنها الطلاق.
والجمهور على ثبوت الخيار بالجنون والجذام والبرص ، كما قاله عمر بن
الخطاب ، ثم خص الفسخ كثير منهم بما يمنع النكاح ، كما أبطلوا النكاح
بالشرط الذى يرفع العقد . وتفصيل هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا : أن مقتضى الأصول والنصوص : أن الشرط يلزم ؛
إلا إذا خالف كتاب الله. وإذا كان لازما لم يلزم العقد بدونه . فالمسلمون
كلهم يجوزون أن يشترط في المهرشيئاً معينا : مثل هذا العبد، وهذه
الفرس ، وهذه الدار ؛ لكن يقولون : إذا تعذر تسليم المهر لزم بدله ،
فلم يملك الفسخ ، وإن كان المنح من جهته. وهذا ضعيف ، مخالف
للأصول ، فإن لم يقل بامتناع العقد فقد يتعذر تسليم العقد ، فلا أقل
من أن تمكن المرأة من الفسخ ؛ فإنها لم ترض وتبح فرجها إلا بهذا،
فإذا تعذر فلها الفسخ . وهم يقولون : المهر ليس هو المقصود الأصلي.
فيقال : كل شرط فهو مقصود ، والمهر أوكد من الثمن ؛ لكن هنا
الزوجان معقود عليها ، وهما عاقدان ، بخلاف البيع فإنهما عاقدان ،
غير معقود عليها ، وهذا يقتضى أنه إذا فات فالمرأة مخيرة بين الفسخ
وبين المطالبة بالبدل ، كالعيوب فى البيع ، لكون المعقود عليه .. وهما
الزوجان - باقيين ، فالفائت جزء من المعقود عليه فهو كالعيب الحادث
٣٥١

فى السلعة قبل التمكن من القبض : يوجب الفسخ، ولا يبطل العقد .
هذا مقتضى الأصول والنصوص والقياس .
وإن كان الشرط باطلا ، ولم يعلم المشترط ببطلانه ، لم يكن العقد
لازما ؛ بل إن رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ . هذا هو الأصل
وأما إلزامه بعقد لم يرض به ، ولا ألزمه الشارع أن يعقده : فهذا
مخالف لأصول الشرع، ومخالف للعدل الذى أنزل الله به الكتاب ،
وأرسل به الرسل . وهم جعلوا الأصل أن الحرة لا ترد بعيب . قالوا :
فلا يفسخ النكاح بفوات الشرط ؛ لأنهما من جنس واحد ، وقالوا :
يصح النكاح بلا تقدير مهر ، فيصح مع نفي المهر ، فيصح مع كل
الشروط الفاسدة .
وأما صحته بدون فرض المهر ؛ فهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع؛
لكن إذا اعتقد عدم وجوب المهر ، فإن المهر المطلق مهر المثل وأما
مع نفيه: ففيه قولان فى مذهب أحمد وغيره . والقول بالبطلان قول
أكثر السلف ، كما فى مذهب مالك وغيره. وهو الصواب لدلالة الكتاب
والسنة عليه ، وحديث الشغار .
قالوا فثبت الفرق بين النكاح والبيع من هاتين الجهتين : عدم
الفسخ بفوات الشرط الصحيح، والصحة مع الشرط الفاسد . فيقال :
٣٥٢

أما عدم الفسخ بقوات الشرط الصحيح ، وقول من قال : لا ترد الحرة
بعيب . فهذا ليس له أصل فى كلام الشارع ألبتة ؛ بل متى كان الشرط
صحيحا وفات : فلمشترطه الفسخ. ثم الشرط المتقدم على العقد هل هو
كالمقارن له؟ فيه قولان. والصحيح أنه كالمقارن ، وهو ظاهر مذهب
أحمد ومالك ، ووجه فى مذهب الشافعي ، يخرج من السر والعلانية ،
وأحمد يوجب ماسمى فى العلانية ، وإن كان دون ما اتفق عليه فى السر،
لكن يوجب ذلك ظاهراً ، ويأمرهم أن يوفوا بما شرطوا له ، فعلى
هذا لم يحكم بالسر لعدم ثبوته ، وإن ثبت حكم به .
وإن قيل : لا يحكم به مطلقا ، فلأنهم أظهروا خلاف ما أبطنوه ،
والنكاح مبناه على الإعلان لا على الإسرار ، وهذا بخلاف شرط لم
يظهروا ما يناقضه في النكاح والبيع وغيرهما ، فهذا يجب الوفاء به
عنده ، وهو يؤثر فى العقد . والشافعي إذا قال فى النكاح : إنه يؤخذ
بالسر ، ففى غيره أولى .
وأما صحته مع الشرط الفاسد : فالأصل فيه عدم تقدير المهر .
وليس هذا شرطاً فاسداً ؛ بدليل أن الشرط الفاسد لا يحل اشتراطه ،
وهذا النكاح حلال ، فلو تزوجها ولم يفرض مهراً ؛ لكن على عادة
الناس أنه لا بد لها من مهر ؛ إما ان يتراضيا ، وإما أن يكون لها مهر
نسائها : فهذا النكاح حلال ليس فيه شرط فاسد . فمن ذينك القياسين
٣٥٣

الفاسدين فرقوا بين النكاح والبيع ، وألزموا الناس بنكاح لم يرضوا به،
وإن شرطوا فيه شرطاً صحيحاً ، كما ألزموا الرجل بنكاح المرأة المعيبة ،
وهو لم يرض بنكاح معيبة .
فإن قيل : فلم فرق بين عيوب الفرج وغيرها ؟ قيل : قد على
أن عيوب الفرج المانعة من الوطء لا يرضى بها فى العادة ؛ فإن المقصود
بالنكاح الوطء ؛ بخلاف اللون والطول والقصر ونحو ذلك مما ترد به
الأمة ؛ فإن الحرة لا تقلب ، كما نقلب الأمة ، والزوج قد رضى رضا
مطلقا ، وهو لم بشرط صفة فبانت بدونها . فإن شرط ففيه
قولان في مذهب الشافعي وأحمد . والصواب أنه له الفسخ، وكذا
بالعكس ، وهو مذهب مالك ، والشرط إنما يثبت لفظاً أو عرفا ، وفى
البيع دل العرف على أنه لم يرض إلا بسليم من العيوب ، وكذلك فى
النكاح لم يرض بمن لا يمكن وطؤها، والعيب الذي يمنع كمال الوطء
- لا أصله - فيه قولان فى مذهب أحمد ، وغيره . وأما ما يمكن معه
الوطء وكمال الوطء فلا تنضبط فيه أغراض الناس .
والشارع قد أباح بل أحب له النظر إلى المخطوبة، وقال: ((إذا ألقى
الله فى قلب أحدكم خطبة امرأة ، فلينظر إليها ، فإنه أحرى أن يؤدم
بينهما )) . وقال لمن خطب امرأة من الأنصار: انظر إليها ، فإن فى أعين
الأنصار شيئا)) وقوله: ((أحرى أن يؤهم بينها)) بدل على أنه إذا
٣٥٤

عرفها قبل النكاح دام الود ، وأن النكاح يصح وإن لم يرها ، فإنه لم
يعلل الرؤية بأنه بصح معه النكاح . فدل على أن الرؤية لا تجب ، وأن
النكاح يصح بدونها ، وليس من عادة المسلمين ولا غيرم أن يصفوا
المرأة المتكوحة بذلك ؛ بخلاف البيع ؛ فإنه إما أن لا يصح ، وإما أن
يملك خيار الرؤية . وإن كان قد ذكر في مذهب أحمد رواية ضعيفة
أنه يصح بلا رؤية ولا صفة ، ولا يثبت خيار .
وهذا الفرق إنما هو للفرق بين النساء والأموال : أن النساء
يرضى بهن فى العادة على الصفات المختلفة، والأموال لا يرضى بها على
الصفات المختلفة ؛ إذا المقصود بها التمول ، وهو يختلف باختلاف
الصفات ، والمقصود بالنكاح المصاهرة ، والاستمتاع ، وذلك يحصل مع
اختلاف الصفات . فهذا فرق شرعي معقول في عرف الناس . أما إذا
عرف أنه لم يرض لاشتراطه صفة فبانت بخلافها ، وبالعكس ، فإلزامه
بما لم يرض به مخالف للأصول . ولو قال : ظننتها أحسن مما هي أو ما
ظننت فيها هذا، ونحو ذلك . كان هو المفرط ، حيث لم يسأل عن
ذلك ، ولم يرها ، ولا أرسل من رآها . وليس من الشرع ولا العادة
ء
أن توصف له في العقد ، كما توصف الإماء في السلم؛ فإن الله صان
الحرائر عن ذلك ، وأحب سترهن ؛ ولهذا نهيت المرأة أن تعقد فكلما،
فإذا كن لا يباشرن العقد ، فكيف يوصفن ؟ وأما الرجل فأمره ظاهر،
٣٥٥

يراه من يشاء فليس فيه عيب بوجب الرد ، والمرأة إذا فرط الزوج ،
فالطلاق بيده .
وسئل رحمه الله
عن رجل ابتاع عبدا بشرط الإبراء من سائر العيوب ، خلا الإباق ،
فلما ابتاعه هرب عنه ، فما يلزم البائع ؟ .
فأجاب : إن كان مقرا بالإباق قبل البيع ، فهذا عيب يستحق الرد .
وإذا كان البائع قد كتم هذا العيب حتى أبق عند المشتري ، فإن
المشتري فى أحد القولين يطالبه ، بجميع الثمن ، كما هو مذهب مالك
وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ؛ بل هو المنصوص .
٣٥٦

باب الخيار
سئل رحمه الله
عن رجلين تبابعا عينا ، وشرطا لكل واحد منهما فسخ البيع
وإمضاءه فى مدة معتبرة شرعاً . فهل يعتبر الخيار فى الامضاء والفسخ ؟
أو فى الفسخ دون الإمضاء ؟ ويكون ذكر الإمضاء لغوا أولا يعتبران
معاً ؟ فإن قيل : إن ذكر الإمضاء لغو فلا كلام . وإن قيل : إنها
يعتبران، ولكل من اللفظين أثر فى الحكم، فإذا اختار أحدهما
الإمضاء والآخر الفسخ ، فهل القول قول من اختار الفسخ ؛ أو السابق
منهما ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إذا كان الأمر كما ذكر، واختار
أحدهما فسخ البيع فله فسخه بدون رضا الآخر ، ولو سبق الآخر
بالإمضاء . والإمضاء المقرون بالفسخ يقصد به ترك الفسخ : أي لكل
منهما أن يفسخه، وأن لا يفسخه ؛ فإنه إذا لم يفسخاء إلى انقضاء
المدة ، لا يقصد به التزام الآخر بالعقد ؛ لأن تفسيره بذلك ينافى أن
٣٥٧

يكون للآخر الفسخ ، وهو قد جعل لكل منها الفسخ .
وإن أراد بإمضائه : إمضاءه هو العقد ، بمعنى إسقاط حقه من
الخيار ، كان ذلك صحيحاً ؛ ولكن إذا سقط خياره لم يسقط خيار الآخر ؛
ولكن المعنى المعروف فى مثل هذه العبارة : أن لكل منهما أن يفسخه،
ء
ء
وان لا يفسخه . وإذا لم يفسخه فقد أمضاه . ونظير هذا قوله تعالى:
( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّبِعْرُوفٍ )
فإن التسريح هو ترك الإمساك؛ بحيث لا يحبسها . ولا يحتاج
التسريح إلى إحداث طلاق ، كذلك إمضاء العقد لا يحتاج إلى إحداث
إمضاء . والله أعلم .
وسئل
عن رجل أعطى نطعاً لدلال يبيعه ، فنادى عليه الدلال ، فزاد
نصف درهم ، فراح الدلال إلى نائب الحسبة ، فقال له : هذا صاحب
النطع زاد فيه نصف درهم ، فطلبه ، وقيل له ذلك ، فأنكر وحلف
بالطلاق - خوفا على نفسه وإزالة ما فى صدور من سمعه - وأنه
حلف أنه ما فعله . فهل بقع به الطلاق ؟
فأجاب : المالك إذا زاد فى السلعة كان ظالماً ناجشاً ، وهو شر
٣٥٨

من التاجر الذي ليس بمالك ، وهو الذي يزيد فى السلعة ولا يقصد
شراءها ؛ ولهذا لو نجش أجنبى لم يبطل البيع ، وأما البائع إذا ناجش ،
أو واطأ من ينجش ، ففي بطلان البيع قولان في مذهب أحمد وغيره.
ومثل هذا ينبغى تعزيره على أمرين : على نجشه ، وعلى حلفه بالطلاق
يمينا فاجرة ، وليس فعله المحرم عذرا له فى اليمين الفاجرة .
وسئل رحمه اللّه تعالى:
عمن يسوم السلعة بثمن كثير ، ويبيعها بأزيد من القيمة المعتادة ،
وقد يكون المشترى جاهلا بالقيمة : هل يجوز ذلك أم لا ؟
فأجاب : أما إذا كان المشترى مسترسلا - وهو الجاهل بقيمة
المبيع - لم يجز للبائع أن يغبنه غبناً يخرج عن العادة ؛ بل عليه أن
بديعه بالقيمة المعتادة ، أو قريب منها . فإن غبنه غبناً فاحشاً فللمشترى
الخيار فى فسخ البيع وإمضائه. فقد روي فى الحديث: (( غبن
المسترسل رباً)). وثبت فى الصحاح: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
نهى عن تلقى الجلب حتى يهبط به السوق. وأثبت الخيار للبائع إذا
هبط )) وذلك لأن البائع قبل أن يهبط السوق يكون جاهلا بقيمة
السلع ، فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يخرج المشترى إليه، ويبتاع منه؛
لما فى ذلك من تغريره والتدليس. وأثبت له الخيار إذا علم بحقيقة الحال.
٣٥٩

فهكذا كل من كان جاهلا بالقيمة ، لا يجوز تغريره والتدليس عليه :
مثل أن يسام سوماً كثيراً خارجا عن العادة ليبذل ما يقارب ذلك ؛ بل
يباع البيع المعروف غير المنكر . والله أعلم .
وسئل عن بيع المسترسل ؟
فأجاب : أما البيع فلا يجوز أن يباع المسترسل إلا بالسعر الذي
يباع به غيره ، لا يجوز لأحد استرسل إليه أن يغين فى الربح غبنا يخرج
عن العادة . وقد قدر ذلك بعض العلماء بالثلث . وبعضهم بالسدس .
وآخرون قالوا : يرجع في ذلك إلى عادة الناس ، فما جرت به عادتهم من
الرج على الماكسين: يرمحونه على المسترسل .
والمسترسل قد فسر بأنه الذي لا يماكس ، بل يقول : خذ أعطنى ،
وبأنه الجاهل بقيمة المبيع ، فلا يغبن غبنا فاحشاً ، لا هذا ولا هذا ،
وفي الحديث (( غبن المسترسل رباً)).
ومن علم منه أنه يغينهم فإنه يستحق العقوبة ؛ بل يمنع من الجلوس
فى سوق المسلمين ، حتى يلتزم طاعة الله ورسوله ، وللمغبون أن يفسخ
البيع فيرد السلعة ويأخذ الثمن ، وإذا تاب هذا الغابن الظالم ولم يمكنه
أن يرد إلى المظلومين حقوقهم فليتصدق بمقدار ما ظلمهم به وغبينهم ؛
٣٦٠