النص المفهرس

صفحات 261-280

غصبها وأخذها حراماً ، مثل أن تختلط دراهمه ودنانيره بما غصبه من
الدرام والدنانير ، واختلط حبه أو تمره أو دقيقه أو خله أو ذهبه بما
غصبه من هذه الأنواع ، فإن هذا الاختلاط لا يوجب تحريم ماله عليه؛
لأن المحرمات نوعان .
محرم لوصفه وعينه ، كالدم والميتة ولحم الخنزير . فهذا إذا اختلط
بالمائع وظهر فيه طعم الخبث أو لونه أو ريحه حرم .
ومحرم لكسبه ، كالتقدين، والحبوب ، والثمار ، وأمثال ذلك.
فهذه لا تحرم أميانها تحريما مطلقا بحال ، ولكن تحرم على من أخذها
ظلماً أو بوجه محرم، فإذا أخذ الرجل منها شيئاً ، وخلطه بماله ، فالواجب
أن يخرج من ذلك القدر المحرم ، وقدر ماله حلال له . ولو أخرج مثله
من غيره ؟ ففيه وجهان فى مذهب الشافعي وأحمد .
أحدهما : أن الاختلاط كالتلف ، فإذا أخرج مثله أجزأ .
والثانى : أن حق المظلوم يتعلق بالعين مع الخلط ، فلا بد أن يخرج
قدر حق المظلوم من ذلك المال المختلط .
إذا تبين هذا، فإذا كان أثر عمل المظلوم قائماً بالعين ؛ مثل طبخه
أو نسجه ونحو ذلك ؛ فإنما يستحق قيمة ذلك النفع ، فإذا أعطى المظلوم
٢٦١

قيمة ذلك النفع أخذ حقه ، فلا يبقى لصاحب العين شريك ، فلا يحرم
عليه . وأما إذا لم يعرف المظلوم فإنه يتصدق به عنه عند جمهور العلماء ،
كما لو حصل بيده أتمان من غصوب وعوارى وودائع لا يعرف أصحابها
فإنه يتصدق بها عنهم ؛ لأن المجهول كالمعدوم فى الشريعة ، والمعجوز
عنه كالمعدوم ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى اللقطة :
((فإن جاء صاحبها فأدها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء)).
فإذا كان فى اللقطة التى تحرم ، بأنها سقطت من مالك ، لما تعذر
معرفة صاحبها جعلها النبى صلى الله عليه وسلم للملتقط - ولا نزاع بين
المسلمين في جواز صدقته بها وإنما تنازعوا فى جواز تملكه لها مع
الغنى، والجمهور على جواز ذلك - فكيف ما يجهل فيه ذلك .
وفي هذه المسألة آثار معروفة ، مثل حديث عبد الله بن مسعود لا
اشترى جارية ، ثم خرج ليوفى البائع الثمن فلم يجده ، فجعل يطوف
على المساكين ، ويقول : اللهم هذه عن صاحب الجارية ، فإن رضي
فقد برئت ذمتى ، وإن لم يرض فهو عنى ، وله علي مثلها يوم القيامة .
وحديث الرجل الذي غل من الغنيمة، فى غزوة قبرص ، وجاء إلى
معاوية يرد إليه المغلول ، فلم بأخذه ، فاستفتى بعض التابعين فأفتاء بأن
يتصدق بذلك عن الجيش، ورجع إلى معاوية فأخبره ، فاستحسن ذلك؛
وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (فَنَقُواْاللَّهَمَا اسْتَطَعْتُمْ ). والمال
٢٦٢

الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده إليه ، فيصرف في مصالح
المسلمين ، والصدقة من أعظم مصالح المسلمين . وهذا أصل عام فى
كل مال جهل مالكه، بحيث يتعذر رده إليه . كالمغصوب ، والعوارى
والودائع ، تصرف في مصالح المسلمين على مذهب مالك ، وأحمد ، وأبى
حنيفة ، وغيرهم .
وإذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير أخذها ؛ لأن المعطي هنا
إنما يعطيها نيابة عن صاحبها ؛ بخلاف من تصدق من غلول ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لا يقبل الله صلاة
بغير طهور ، ولا صدقة من غلول )).
فهذا الذي يحوز المال ويتصدق به . مع إمكان رده إلى صاحبه ،
أو يتصدق صدقة متقرب ، كما يتصدق بماله ، فالله لا يقبل ذلك منه ،
وأما ذاك فإنما يتصدق به صدقة متحرج متأثم، فكانت صدقته بمنزلة
أداء الدين الذي عليه ، وأداء الأمانات إلى أصحابها ، وبمنزلة إعطاء
المال للوكيل المستحق ، ليس هو من الصدقة الداخلة فى قوله: (( ولا
صدقة من غلول )) .
٢٦٣

وسئل قرس اللّهروهم
عن مدينة لا يذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها
وكوارعها مكسا، ثم يضع ذلك ، ويبيعه فى الأسواق، وفي المدينة من
لا يمتنع من شراء ذلك وأكله من أهل المدينة ، وغيرهم ، وليس يباع
فى المدينة رؤوس وكوارع وأسقاط إلا على هذا الحكم، ولا يمكن غير
ذلك . فهل يحرم شراء ذلك وأكله والحالة هذه ؟ أم لا ؟.
فأجاب : هذه حكمها حكم ما يأخذه الملوك من الكلف التى
يضربونها على الناس ؛ فإن هذه فى الحقيقة تؤخذ من أموال أصحاب
الغنم الذين يبيعونها للقصابين وغيرهم؛ فإن المشتري يحسب أنه يؤخذ من
السواقط ، فيسقط من الثمن بحسب ذلك . وهكذا جميع ما يؤخذ من
الكلف ، فإنها وإن كانت تؤخذ من المشتري ، فهي فى الحقيقة من
مال البائع ، وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة . ومنها ما هو ظلم
محض ، ولكن تعذر معرفة أصحابه ورده إليهم ، فوجب صرفه في مصالح
المسلمين . وولاية بيعها وصرفها لهم .
فالمشتري لذلك منهم إذا أعطام الثمن لم يكن بمنزلة اشتراء المغصوب
٢٦٤

الحض الذي لا تأويل فيه ولا شبهة ، وليس لصاحبه ولاية بيعه ، حتى
يقال : إنه فعل محرماً يفسق بالإصرار عليه . وفى المنع من شرائها
إضرار بالناس ، وإفساد للأموال من غير منفعة تعود على المظلوم .
والمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن الذي قبضه إن شاء ، وبنظير
ماله ، والتورع عن هذا من التورع عن الشبهات ، ولا نحكم بأنها
حرام محض ، ومن اشتراها وأكلها لم يجب الإنكار عليه ، ولا يقال
إنه فعل محرماً لا تأويل فيه .
فإن طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز وضع أصل هذه
الوظائف. كما فعل ذلك أبو المعالى الجوينى فى كتابه ((غياث الأمم ، وكما
ذكر ذلك بعض الخفية . وما قبض بتأويل فإنه يسوغ المسلم أن
يشتريه ممن قبضه ، وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرم، كالذمي
إذا باع خمراً ، وأخذ تمته، جاز للمسلم أن يعامله فى ذلك الثمن ، وإن
كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر ، كما قال عمر بن الخطاب: ولوم بيعها،
وخذوا أتمانها . وهذا كان سبيه أن بعض عماله أخذ خمراً فى الجزية ،
وباع الخمر لأهل الذمة ، فبلغ ذلك عمر ، فأنكر ذلك . وقال :
ولوم بيعها، وخذوا أثمانها . وهذا ثابت عن عمر، وهو مذهب الأئمة.
وهكذا من عامل معاملة يعتقد جوازها فى مذهبه ، وقبض المال،
٢٦٥

جاز لغيره أن يشتري ذلك المال منه ، وإن كان لا يرى جواز تلك
المعاملة . فإذا قدر أن الوظائف قد فعلها من يعتقد جوازها ؛ لإفتاء
بعض الناس له بذلك ، أو اعتقد أن اعتقاد أخذ هذا المال وصرفه فى
الجهاد وغيره من المصالح جائز ، جاز لغيره أن يشتري ذلك المال منه،
وإن كان لا يعتقد جواز أصل القبض .
وعلى هذا فمن اعتقد أن لولاة الأمر فيما فعلوه تأويلا سائغا ، جاز
أن يشتري ما قبضوه ، وإن كان هو لا يجوز ما فعلوه ، مثل أن يقبض
ولي الأمر من الزكاة قيمتها فيشتري منها ، ومثل أن يصادر بعض
العمال مصادرة يعتقد جوازها ، أو مثل أن يرى الجهاد وجب على الناس
بأموالهم ، وأن ما أخذوه من الوظائف هو من المال الذي يجوز أخذه.
وصرفه فى الجهاد ، وغير ذلك من التأويلات التى قد تكون خطأ ،
ولكنها مما قد ساغ فيه الاجتهاد. فإذا كان قبض ولي الأمر المال على
هذا الوجه ، جاز شراؤه منه ، وجاز شراؤه من نائبه الذي أمره أن
يقبضه ، وإن كان المشتري لا يسوغ قبضه ، والمشتري لم يظلم صاحبه .
فإنه اشتراء بماله ممن قبضه قبضاً يعتقد جوازه .
وإن كان على هذا الوجه فشراؤه حلال في أصح القولين ؛ وليس
من الشبهات ؛ فإنه إذا جاز أن يشتري من الكفار ما قبضوا بعقود
يعتقدون جوازها - وإن كانت محرمة فى دين المسلمين - فلأن
٢٦٦

يجوز أن يشتري من المسلم ما قبضه بعقد يعتقد جوازه - وإن كنا نرا.
محرماً - بطريق الأولى، والأحرى ؛ فإن الكافر تأويله المخالف لدين
الإسلام باطل قطعاً ، بخلاف تأويل المسلم .
ولهذا إذا أسلموا وتحاكموا إلينا، وقد قبضوا أموالا بعقود يعتقدون
جوازها : كالربا ، وثمن الخمر ، والخنزير ، لم تحرم عليهم تلك الأموال .
كما لا تحرم معاملتهم فيها قبل الإسلام؛ لقوله تعالى: (أَتَّقُوا اللهَ
وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الْرِّيَوْأ ) . ولم يحرم ما قبضوه .
وهكذا من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها ، ثم تبين
له أنها لا تجوز ، وكانت من المعاملات التى تنازع فيها المسلمون ، فإنه
لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملة على الصحيح .
الوجه الثانى: أن ما قبضه الملوك ظلماً محضا : إذا اختلط بمال بيت
المال ، وتعذر رده إلى صاحبه ، فإنه يصرف فى مصالح المسلمين ؛ فإن
المجهول كالمعدوم ، فما عرف أنه قبض ظلماً ، ولم يعرف صاحبه: صرف
فى المصالح ، وما قبض من بيت المال المختلط حلاله بحرامه لم يحكم
بأنه حرام ؛ فإن الاختلاط إذا لم يتميز المال يجري مجرى الإتلاف ،
وصاحبه يستحق عوضه من بيت المال . فمن قبض ثمن مبيع من مال
بيت المال المختلط باز له ذلك فى أصح الأقوال؛ والله أعلم .
٢٦٧

وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن هذه الأغنام التى تباع فيؤخذ مكسها من القصابين ، فيحتجر
عليهم في الذبيحة فى موضع واحد ، ويؤخذ منهم أجرة الذيح ، ثم بعد
ذلك يؤخذ سواقطها مكساً ثانيا مضمنا ، ثم تطبخ وتباع . فهل هي
حرام على من اشتراها للأكل أم لا ؟ وهل هذا التكسب فيها
حرام ؟ أم لا ؟ .
فأجاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها نزاع :
فمن الناس من يقول : هذا مال أخذ من صاحبه بغير حق ، وبيع
بلا ولاية ، ولا وكالة ، فلم يصح بيعه ؛ بل هو باق على ملك صاحبه ،
وقد طبخ هذا وبيع بغير إذنه ، فلا يجوز شراؤه .
ومنهم من يقول : هذا مال ولاة الأمور ؛ إما متأولين، أو
متعمدين للظلم ، وإذا لم يردوه إلى أصحابه كانت المصلحة بيعه ؛ لأن
حبسه حتى يفسد ضرر لا يأمر به الشارع ، ولو بيع المال بغير إذن
صاحبه كان بيعه موقوفا على إجازة المالك عند أكثر العلماء ، وما باعه
٢٦٨

ولاة الأمر فلهم من الولاية على الأموال المجهولة التى قبضها نوابهم ما
ليس لغيرهم ، وقد تعذر بعد القبض معرفة مالك كل رأس ، والمصلحة
بيعها ، وقسمة الأثمان بين المستحقين ، فإن باعوها ولم يقسموا أثمانها
لم يكن على المشترى إثم ؛ وإنما الإثم على من يمنع أصحابها أتمانها .
كما لو باع ولي اليتيم، وناظر الوقف ، وولي بيت المال ، ولم يصرف
الثمن إلى المستحقين ، فالإثم عليه ؛ لا على الذي اشترى منه .
ثم الذين اشتروها وإن كان الشراء فاسداً أخذت منهم أتمانها ،
فهم يستحقون أثمانها التى أدوها ، وقد نص غير واحد من العلماء
كأحمد وغيره على أن من اشترى شيئاً ، فظهر له أنه مغصوب ، ولم
يعرف مالكه ، فإن له أن يبيعه ويأخذ تمنه ؛ ولكن يتصدق بالريح .
والطباخون الذين اشتروا الرؤوس ، وقد تعذر ردها : لهم أن
يبيعوها ، وبأخذوا نظير أتمنها؛ إن لم يكن البيع الأول مصحيحا ،
وحينئذ فيكون الشراء صحيحا، وقد أجازوا البيع فيجوز على قول أكثر
العلماء ، كمالك، وأبى حنيفة، وأحمد فى أظهر الروايتين عنه .
فهذه عدة مآخذ يحتج بها من يجوز الشراء . فمن اشتراها
واتبع هؤلاء لم ينكر عليه، ومن قامت عنده شبهة ، أو اعتقد التحريم
فامتنع من شرائها لم ينكر عليه . ولا يمكن القطع بتحريم مثل هذا ؛
٢٦٩

فإن كثيراً لابد للمسلمين منه ، هو من هذا الباب ، يحتجر عليه ولاة
الأمور ، يبيعونه للناس. ولا يمكن الناس أخذه إلا من أولئك . ومن هذا
ما يكون من المباحات : كالملح، والأطرون ، وغير ذلك . ومنه ما يكون
من المملوكات . كالصوف ، والجلود ، والشعر، كما يبيعونه من أموال من
يصادرونه ، والناس يحتاجون إليه . ومن ذلك ما يقبض بحق . ومنه ما
يقبض بتأويل . ومنه ما يقبض ظلما محضاً ؛ لكن جميع ذلك لا يرد إلى
أصحابه؛ بل قد يتعذر رده إلى أصحابه: إما لجهلهم ، وإما لعجزه عن
رده إليهم . والمجهول والمعجوز عنه سقط التكليف به، وإما لإجبار
المسلمين على الظلم . وعلى كل التقديرين فبيعه خير لصاحبه وللمسلمين
من أن يترك فيفسد ، ولا ينتفع به أحد .
وحينئذ فإذا كان الأصلح على هذا التقدير بيعه : كان للمشتري
أن يشتريه، ويكون حلالا له ، والمشترى لم يظلم أحدا ؛ فإنه أدى
الثمن . والمظلوم فى نفس الأمر يستحق الثمن إذا كانت المصلحة له
بيعه ، كما يباع مال الغائب ، حتى لو أن رجلا مات بمكان ليس فيه
ولي أمر : فقال جمهور العلماء: لرفقته ولاية قبض ذلك ، وبيعه . وكذلك
من عنده أموال مغصوبة ، وحوار ، وودائع لا يعرف أصحابها : فمذهب
الجمهور . مالك، وأبى حنيفة ، وأحمد ، أنها يجوز بيعها إذا كانت
المصلحة تقتضي ذلك ، ويجوز شراؤها .
٢٧٠

وأصل هذا أن الله جل وعن بعث الرسل لتحصيل المصالح ،
وتكميلها بحسب الإمكان، وتقديم خير الأمرين بتفويت أدناهما . والله
سبحانه حرم الظلم على عباده ، وأوجب العدل ، فإذا قدر ظلم وفساد
ولم يمكن دفعه كان الواجب تخفيفه ، وتحرى العدل والمصلحة بحسب
الإمكان . والله حرم الظلم فيما يشترك فيه الناس من المباحات ، وفى
الأموال المملوكة لما فى ذلك من الضرر على المستحقين .
فلو قيل : إن هذه الأموال لا تشترى ، وأنه لا يحل لأحد أن
ينتفع بملح ولا جلود ولا رؤوس ولا شعور ولا أصواف وغير ذلك
مما يباع على هذا الوجه ؛ كان المنح من ذلك من أعظم ضرر على
المسلمين ، وفساد في الدين والدنيا ، من أن يقال : بل حق المظلوم
عند الظالم الذي قبض تمنها ، والمشترى اشتراها بحق ، فتحل له ، فإنه
إذا قيل هذا كان فيه جبر حق المظلوم بإحالته على الظالم ، وجبر حق
عموم الخلق بتمكينهم من الانتفاع بها بالأثمان ؛ لا سيما وقد عرف أن
أصحاب تلك الرؤوس ونحوها فى نفس الأمر لا يكرهون بيعها ، إذ لا
مصلحة لهم فى إفسادها ، فإذا بيعت فقد فعل ما يختارون فعله ، وما
يرضونه ؛ لكنهم لا يرضون أن تؤخذ أتمانها منهم ؛ بل يرضون أن تدفع
إليهم الأمان . وحينئذ فهم راضون بقبض المشتري لها ، وانتفاعهم بها ؛
ولكن لا يرضون عمن باعها إلا بأن يعطيهم الثمن ، فيكون هو وحده
٢٧١

ظلمهم ، لم يظلمهم المشتري، فتكون له حلالا . والكلام في هذه المسألة
مبسوط فى غير هذا الموضع .
ونكتة المنح أن المحرم لما يقول : بيعت بغير إذن ، ولا وكالة ،
ولا ولاية . وهذا ممنوع ؛ بل يقال : ثم يرضون بيعها ، وقد أذنوا فى
ذلك؛ ولكن لم يرضوا أن تؤخذ الأثمان . كما لو قدر أن شخصاً أذن
لشخص فباع، وأخذ الثمن لنفسه ، فالمالك راض بالبيع ؛ دون قبضه
الثمن له . ولو قدر أن المالك لم يأذن في البيع فمصلحته فى الشرع
تقتضي أن يباع ، فهذا خير له من أن يفسد ، ولا يمكن أن يباع إلا
على هذا الوجه ، وأن يباع ويقبض الثمن - كائنا من كان - خير
من أن يفسد ؛ فإنه حينئذ يمكن مطالبة البائع بالثمن مع انتفاع الناس
بها، وهو خير من مطالبة الغاصب بالقيمة مع فسادها . والكلام في
مثل هذا يطول . والله أعلم بالصواب .
وسئل رحمه الله
عن الذين غالب أموالهم حرام ، مثل المكاسين ، وأكلة الربا ،
وأشباههم . ومثل أصحاب الحرف المحرمة كمصوري الصور ، والمنجمين ،
ومثل أعوان الولاة . فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة ؟ أم لا ؟.
٢٧٢

فأجاب: الحمد لله. إذا كان في أموالهم حلال وحرام ، ففي
معاملتهم شبهة؛ لا يحكم بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم إعطاؤه.
ولا يحكم بالتحليل إلا إذا عرف أنه أعطاء من الحلال . فإن كان الحلال هو
الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة. وإن كان الحرام هو الأغلب. قيل بحل المعاملة.
وقيل : بل هي محرمة. فأما المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال ؛ إلا أن
يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي
المحرمة فقط، وإذا كان فى ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال؛ بل له
أن يأخذ قدر الحلال ، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما
بمال الآخر ، فإنه بقسم بين الشريكين .
وكذلك من اختلط بماله: الحلال والحرام أخرج قدر الحرام ،
والباقي حلال له ، والله أعلم .
وسئل
عما بأكله رؤساء القرى، وشيوخ الحارات. هل هو حلال؟ أم لا ؟
فأجاب : إذا كان الرئيس يظلم الناس ، فما يأخذه ظلما من الناس
فهو حرام . وما كان ملكا له أو مكتسبا بطريق شرعي ، فهو مباح.
وشيخ الحارة إذا أخذ أجرته على الحراسة بالمعروف ، ولم يتعد على
الناس . فأجرته حلال .
٢٧٣

وسئل
عن رجل فامي يأخذ منه رؤساء القرى شيئاً يضيفون به المنقطعين ،
وغيرهم، ويجبون من المساكين والأرامل فيعطوه ، هل يكون
حلالا ؟ أم حراماً ؟ .
فأجاب : إذا اشتروا منهم شيئاً ، وأعطوم تمنه من مال يعلمون أنه
مغصوب - أخذ من أصحابه ظلما - لم يكن لهم أن ينتفعوا به ؛ لكن
هذا المال إذا اشترى لهم به ما يطلبونه منهم ، لم يكن عليهم شيء ،
إذا كانوا المكرهين على ذلك. فينبغي لمن يتقى أن يظلم وأن يظلم: أن
يشترى للظلمة بأموالهم ما يطلبونه منه ، لا ليظلم غيره، ولا يكون هو
مظلوماً، وهو مكره على هذا العمل .
ومع هذا فالمال الذي جمعوه من الناس ، وقد تعذر رده على
صاحبه ، إذا أعطوه الفامي عوضا عما أخذوه منه بغير اختياره ، فهو
أحق به ، ممن يعطاه بغير معاوضة ، والظالم فى الحقيقة هو الذي أخذ
الأموال بغير حق ، لا من أخذ عوض ماله من مال لا يعلم له مستحقا
معيناً ، والله تعالى أعلم .
٢٧٤

وسل
عن معاملة التتار : هل هي مباحة لمن يعاملونه ؟
فأجاب : أما معاملة التتار ، فيجوز فيها ما يجوز فى أمثالهم، ويحرم
فيها ما يحرم من معاملة أمثالهم ، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم،
وخيلهم، ونحو ذلك ، كما يبتاع من مواشي التركمان ، والأعراب ،
والأكراد ، وخيلهم . ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو
ذلك ، ما يبيعه لأمثالهم .
فأما إن باعهم ، وباع غيرهم ، ما يعينهم به على المحرمات . كالخيل ،
والسلاح، لمن يقاتل به قتالا محرما ، فهذا لا يجوز . قال الله تعالى:
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ ).
وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه لعن فى المر عشرة:
لعن الخمر، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وبائعها .
ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها)) فقد لعن العاصر ، وهو
إنما يعصر عنباً بصير عصيراً ، والعصير حلال ، يمكن أن يتخذ خلا ،
ودبساً ، وغير ذلك .
٢٧٥
٠

وإن كان الذي معهم أو مع غيرم أموال بعرف أنهم غصبوها من
معصوم ، فتلك لا يجوز اشتراؤها لمن يتملكها ؛ لكن إذا اشتريت على
طريق الاستنقاذ لتصرف فى مصارفها الشرعية ، فتعاد إلى أصحابها إن
أمكن ، وإلا صرفت فى مصالح المسلمين ، جاز هذا .
وإذا علم أن فى أموالهم شيئاً محرما لا تعلم عينه ، فهذا لا يحرم
معاملتهم ، كما إذا علم أن في السوق ما هو مغصوب ، أو مسروق ،
ولم يعلم عينه ، والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان :
أحدهما : أن يكون محرما لعينه . كالميتة ، والأخت من الرضاعة .
فهذا إذا اشتبه بمالا يحصر لم يحرم ، مثل أن يعلم أن في البلدة الفلانية
أختا له من الرضاعة ، ولا يعلم عينها ، أو فيها من يبيع ميتة لا يعلم
عينها ، فهذا لا يحرم عليه النساء ، ولا اللحم . وأما إذا اشتبهت أخته
بأجنبية ، أو المذكى بالميت ، حرما جميعا .
والثانى : ما حرم لكونه أخذ غصباً ، والمقبوض بعقود محرمة كالربا،
والميسر ، فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع ؛ بل يميز قدر
هذا من قدر هذا ، فيصرف هذا إلى مستحقه ، وهذا إلى مستحقه ؛
مثل اللص الذي أخذ أموال الناس خلطها ، أو أخذ حنطة الناس ، أو
دقيقهم ، مخلطه ، فإنه يقسم بينهم على قدر الحقوق .
٢٧٦

وإذا علم أن في البلد شيئاً من هذا لا يعلم عينه ، لم يحرم على
الناس الشراء من ذلك البلد ؛ لكن إذا كان أكثر مال الرجل حراماً
هل تحرم معاملته ؟ أو تكره ؟ على وجهين ، وإن كان الغالب على ماله
الحلال لم تحرم معاملته ؛ لكن قد قيل : إنه من المشتبه الذي يستحب
تركه . والله أعلم .
وقال :
فصل
قد ذكرت فى غير موضع : أن المحرمات فى الشريعة ترجع إلى
الظلم ، إما فى حق الله تعالى ، وإما فى حق العبد ، وإما فى حقوق
العباد . وكلما كان ظلماً في حق العباد ، فهو ظلم العبد لنفسه ؛ ولا
ينعكس ، جميع الذنوب تدخل فى ظلم العبد نفسه.
وأول من اعترف بهذا أبو البشر ، لما تلقى من ربه الكلمات ،
فقال :
(رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ ) فكان فى هذه الكلمات إعترافه بذنبه، وطلبه ربه على
وجه الافتقار والمغفرة والرحمة . فالمغفرة إزالة السيئات ، والرحمة إنزال
٢٧٧

الخيرات . فهذا ظلم لنفسه ، ليس فيه ظلم لغيره . وقال موسى عليه
(فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ
السلام لما ذكر الذي هو من عدوه
الشَّيْطَنِّإِنَُّ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَلَهُ )
فاعترف بظلمه نفسه فيما كان من جنابة على غيره لم يؤمر بها .
(لََّ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ
وقال يونس عليه السلام :
وفى الصحيح الدعاء الذي علمه النبى
مِنَ الظَّالِمِينَ)
صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يدعو به فى صلاته: ((اللهم إنى
ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة
من عندك ، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم )) فهذا الدعاء مطابق
الدعاء آدم فى الاعتراف بظلم النفس، ومسألة المغفرة والرحمة . وكان
النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على الدابة: محمد وسبح وكبر،
قال: ((لا إله إلا أنت، سبحانك ظلمت نفسي، فاغفر لي. ثم يضحك))
وهو محفوظ من حديث علي بن أبى طالب .
وإذا كان كذلك ، فالظلم نوعان : تفريط فى الحق ، وتعدي للحد .
كما قد قررت ذلك فى غير موضع ؛ فإن ترك الواجب ظلم ، كما
أن فعل المحرم ظلم. قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((مطل
الغني ظلم)) متفق عليه . فأخبر أن المطل ــ وهو تأخير الوفاء -
ظلم ، فكيف بتركه ؟ !
٢٧٨

وقد قررت فى غير هذا الموضع أن أداء الواجب أعظم من ترك
المحرم ، وأن الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية ، فيكون
جنس الظلم بترك الحقوق الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود.
وقررت أيضا أن الورع المشروع هو أداء الواجب ، وترك المحرم،
ليس هو ترك المحرم فقط، وكذلك التقوى اسم لأداء الواجبات، وترك
المحرمات. كما بين اللّه حدها فى قوله: (لَّيْسَ الْبِرََّن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ - إلى قوله - أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ
اُلْمُتَّقُونَ ) .
ومن هنا يغلط كثير من الناس فينظرون مافى الفعل ، أو المال
من كراهة توجب تركه ، ولا ينظرون ما فيه من جهة أمر يوجب فعله .
مثال ذلك ماسئل عنه أحمد : عن رجل ترك مالا فيه شبهة ، وعليه
دين ، فسأله الوارث هل يتورع عن ذلك المال المشتبه ؟ فقال له أحمد :
أنترك ذمة أبيك مرتهنة ؟! ذكرها أبو طالب وابن حامد . وهذا عين
الفقه ؛ فإن قضاء الدين واجب ، والغريم حقه متعلق بالتركة ، فإن
لم يوف الوارث الدين ، وإلا فله استيفاؤه من التركة ، فلا يجوز إضاعة
التركة المشتبهة التى تعلق بها حق الغريم ، ولا يجوز أيضا إضرار الميت
بترك ذمته مرتهنة . ففي الإعراض من التركة إضرار الميت ، وإضرار
المستحق ، وهذان ظلمان محققان بترك واجبين . وأخذ المال المشتبه
٢٧٩

يجوز أن يكون فيه ضرر المظلوم . فقال أحمد للوارث: أبرئ ذمة
أبيك . فهذا المال المشتبه خير من تركها مرتهنة بالأعراض . وهذا
الفعل واجب على الوارث وجوب عين ، إن لم يقم غيره فيه مقامه ،
أووجوب كفاية، أو مستحب استحباباً مؤكداً ، أكثر من الاستحباب في
ترك الشبهة ؛ لما فى ذلك من المصلحة الراجحة .
وهكذا جميع الخلق عليهم واجبات : من نفقات أنفسهم ، وأقاربهم،
وقضاء ديونهم ، وغير ذلك . فإذا تركوها كانوا ظالمين ظلما محققا .
وإذا فعلوها بشبهة لم يتحقق ظلمهم . فكيف يتورع المسلم عن ظلم
محتمل بارتكاب ظلم محقق ؟! ولهذا قال سعيد بن المسيب : لا خير
فيمن لا يحب المال : يعبد به ربه ، ويؤدي به أمانته، ويصون به نفسه،
ويستغنى به عن الخلق . وفي السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب
يريد الأداء ، والغارم يريد الوفاء )، فذكر فى هذا الحديث ما يحتاج
إليه المؤمن : عفة فرجه ؛ وتخليص رقبته ، وبراءة ذمته . فأخبر أن هذه
الواجبات من عبادة اللّه وقضاء الديون؛ وصيانة النفس ، والاستغناء
عن الناس . لا تتمم إلا بالمال . ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن لا يحب أداء مثل هذا الواجب العظيم الذي لا يقوم الدين إلا
به فلا خير فيه . فهذه جملة، ولها نفاصيل كثيرة . والله أعلم.
٢٨٠