النص المفهرس

صفحات 241-260

مع إمكان الشراء من غيره ؛ ولكن مع
يحكم بتحريمه ، إذا اشترى
الحاجة لا يكره الشراء منه ، فإن هذا له مال يشترى به ويبيع ؛ لكن
إذا منع غيره واحتاج الناس إلى الشراء منه باعهم بأغلى من السعر ،
فظلمهم . وغايته أن يكون بمنزلة ما يضعه الظلمة على الناس من البضائع
بأكثر من قيمته ، فيشترونه مكرهين ، فإن هذا لا يحرم على المشترى
ما اشتراء ؛ ولكن يحرم على البائع ما أخذه بغير حق ؛ لكن قد يقال
أن هذا قد اختلط بماله من تلك الزيادات المحرمة ، فصار فى ماله شبهة .
فيقال أولا : من غلب على ماله الحلال جازت معاملته ، كما ذكره
أصحاب الشافعي ، وأحمد . وإن غلب الحرام : فهل معاملته محرمة أو
مكروهة ؟ على وجهين .
ثم يقال : تلك الزيادات ليس لها مستحق معين يعرف ، والواجب
عند جمهور العلماء فيما لا يعرف مالكه أن يصرف فى مصالح المسلمين ،
وهذا إنما منعناه من الزيادة ؛ لئلا يظلم الناس ، فلو جعلنا ما يشتريه
الناس منه حراماً لكنا قد زدنا الضرر على الناس إذا احتاجوا أن يشتروا
منه بأكثر من القيمة ، والذي اشتروه حرام ، وهم لا يطيقون الشراء
من غيره ، وهذا لا يجوز أن يقال ؛ بل يجوز الشراء من مثل هذا ،
والمشترى منه لم يظلم أحداً ، فإن ما اشتراء قد أعطاء عوضه وزيادة ،
والمستحق للعوض هو المستحق لما معه من المال ، فإذا كان المستحق
٢٤١

لذلك جماعة من المسلمين أو معين منهم ، فهو نفسه قد ظلم أولئك جميعهم
بما أخذه منهم بغير حق . وأما المشتري منه الذي أعطاء العوض وزيادة
فلم يظلم أحداً .
وهذا بين إذا كان ماله مختلطا بعضه ببعض لا يتميز منه ما أخذه
حراماً ؛ فإن حق المظلومين ثبت فى ذمته ، وهذه الأعيان التى فى يده
لا يستحقها بعينها المظلومون ، فمعاوضته عليها جائزة ، وعليه أن يعطى
المظلوم ما أخذه بغير حق . وبهذا أفتى في مثل هذا من شاء الله من
العلماء ، وهذا كسائر من عليه دين للناس وهو ظالم بمطله للغرماء ؛ فإن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((مطل الغنى ظلم)).
ثم مع هذا إذا عاوض على ما فى بده بمعاوضة المثل وزيادة جاز
باتفاق العلماء ، ولم يكره الشراء منه ، ولكنه لو تبرع تبرعا يتعذر معه
أداء الدين الواجب ، ففي نفوذ تبرعه قبل الحجر عليه قولان للعلماء ؛
لكن يقال هذا الظالم لما أخذ الزيادة ، واشترى بها ، فقد تعلق حق
المظلوم بما اشتراء بماله ؛ بخلاف الدين الذي حصل برضا الغريم ؛ فإن
صاحبه لا حق له فى غير مال المدين . فيقال : هذا ينبني على أصول :
أحدها : إن الدرام التى أخذها زيادة بغير حق ، هل يتعين حق
صاحبها فيها ، أو للغاصب أن يعطيه من حيث شاء .
٢٤٢

وللعلماء قولان فى الدرام ، هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض
حتى فى الغصب والوديعة ؟؟ فقيل : تتعين مطلقا ، كقول الشافعي ،
وأحمد فى إحدى الروايتين . وقيل : لا تتعين مطلقا ، كقول ابن قاسم.
وقيل : تتعين فى الغصب ، والوديعة ؛ دون العقد، كقول أبى حنيفة ،
وأحمد فى الرواية الأخرى، فإذا خلط المغصوب بمثله على وجه لا يتميز ،
كما تخلط الأدهان والألبان والحبوب وغيرها ، فهل يكون الخلط
كالإتلاف ، حيث يبقى حق المظلوم فى الذمة ، فيعطيه الظالم من حيث
شاء ؟ أو حقه باق فى العين ، فله أن يأخذ من عين الخلط بالقسمة ؟
فيه وجهان فى مذهب الشافعى ، وأحمد .
ومعلوم أن تلك الدرام الزائدة ليست متعينة ، سواء اشترى منه
درام فى الذمة أو منفعة ؛ فإن المظلوم أخذ منه القدر الزائد على عوض
المثل ، وليس هو متعيناً ، ولو كان متعينا ثم خلطه بما لا يتميز منه
سقط حقه من التعيين ، فى أحد القولين ، فكيف إذا لم يكن متعيناً
فى الأصل ؟ فعلى قول كثير من العلماء ليس حقه إلا في ذمة الظالم .
وهذا نظير قول من يقول : إن المضارب والمودع إذا مات ولم
يعين الوديعة والمضاربة صارت ديناً فى ذمته ، ولم يجعلوا لصاحب المال
حقاً فى عين التركة ؛ فإن تفريط المودع حين لم يميز الوديعة من غيرها
موجب لضمانه ؛ لكن هؤلاء أسقطوا حق المالك من عين مال الميت ، فلم
٢٤٣
:
٠ ٠

يقدموه بعين ماله على الغرماء ؛ بل جعلوه غريماً من الغرماء ، وإن
كان عين ماله مختلطا . والظلم يكون بترك الواجب، وفعل المحرم . فترك
المودع ما يجب عليه من التمييز ظلم منه .
وهذا القول - وهو سقوط حق المالك من العين - وإن كنا
لا تنصره، لكن المقصود بيان مأخذ هذه المسألة على أصول العلماء ؛
ولهذا لما فرع هذه المسألة من فرعها من المالكية ، بنوا الأمر على أن
حق المظلوم تعلق بالذمة دون العين .
والأصل الثانى : إن الظالم في العادة إنما يشترى فى الذمة ، ثم ينفذ
عين المال ، وفى صحة مثل هذا قولان معروفان للعلماء .
الأصل الثالث : أن نسلم أن حق المظلوم يتعلق بعين مال الظالم ،
وإن فاتت العين ، لكون هذا بدل ماله . وهذا القول الذي نزعه ،
وهو أن يخير المظلوم بين المطالبة بشطر حقه ، وبين أن يكون حقه
متعلقا بعين المال ، ويكون ما يزيد من المال من نماء وريح وغيره له
المطالبة به ؛ لكن يقال على هذا : المظلوم ليس له إلا قدر حقه ، وأما
الزيادة الثانية التى حصلت بتصرف الظالم فهي مبنية على وقف العقود .
فمن قال : إن العقود لا توقف ، يقول: ما قبضه البائع الظالم من المشترى
لم يملكه ؛ لأنه قبضه بعقد فاسد ، والثمن الذي أداء وقد غصبه هو
٢٤٤

في ذمته ، فيكون عليه دون الناس الذين ظلمهم، وما فى يده لا يملكه؛
بل هو لأناس مجهولين لا يعرفهم . ولا يتصرف فى مالهم إلا بإذنهم .
وعلى هذا ففيه قولان :
قيل: إن ولي الأمر كالحاكم وغيره ممن له ولابة التصرف على
الغائبين ، يقضى الديون التى وجبت عليهم للبائع بالأموال التى فى بده لهم.
وقيل : إن البائع له أن يستوفى دينه الذي عليهم مما لهم فى بده
من المال ، ولا يحتاج إلى استئذان حاكم، وهذا أصح ؛ فإن المعلوم
لصاحبه أن يستوفيه من مال من هو عليه، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم،
كما أذن النبى صلى الله عليه وسلم للضيف المظلوم أن يأخذ حقه من
زرع المضيف بغير إذنه ، وكما أمر المرأة أن تأخذ ما يكفيها وولدها
لكن إذا كان الحق مجحوداً . فقد قال :
بالمعروف بلا إذن الزوج
((أد الأمانة إلى من انتمنك ولا تخن من خانك)) فكيف إذا كان الإنسان
قد باع غيره سلعة بيعاً فاسداً ، وقبض منه الثمن ، فله أن يستوفى منه
من هذه السلعة بطريق الأولى ، والأحرى ؟ ! .
وأما على قول جمهور العلماء القائلين بوقف العقود حتى توفى التبرعات
عند الحاجة ، فيقولون من بيده مال غصب ، أو وديعة ، أو عارية ،
وهو لا يعلم عين مالكه ، يتصدق به عنه، وهذا قول مالك، وأبى
٢٤٥

حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وغيرم ؛ ولكن لصاحبه إذا ظهر أن لا
ينفذ ذلك .
وأما المعاوضة على ذلك فليس لصاحبه إذا عرف أن يردها ؛ بل
تثبت الولاية على المعاوضة شرعاً للحاجة ، كما لو مات رجل فى موضع
ليس فيه وصي ولا وارث ولا حاكم ، فإن رفقته في السفر تثبت لهم
الولاية على ماله ، فيحفظونه ، ويبيعون ما يرون بيعه مصلحة ، وينفذ
هذا البيع ، ولهم أن يقبضوا ما باعوه، ولا يقف ذلك على إجازة الورثة،
وليس هذا من التصرف الفضولي ؛ بل هو يعرف بولاية شرعية للحاجة،
كما ثبت لهم ولاية غسله، وتكفينه من ماله، ودفنه، وغير ذلك ؛
فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض .
وإذا عرف هذا فالبائع الذي باع ما اشتراه بتلك الزيادة ، وقبض
الثمن من المشتري ، إذا قيل : البيع فاسد لا يقف على الإجازة ، ولا
على المشتري رد ما قبض منه ، وعليه رد ما قبض من الثمن ، فإذا
تعذر رد المشتري ما قبض ، كان له أن يأخذ نظير ذلك . وقد يكون
أكثر من الثمن وأقل ، والغالب أنه مثله .
وكذلك ما اشتراء: تلك الزيادة عليه ردها إلى صاحبه، وعلى صاحبه
رد الزيادة إلى صاحبها ، فقابض الزيادة الظلمية إذا لم يردها كان للمظلوم
٢٤٦

الأول أن يأخذ من ماله الذي صار بيد البائع نظير ذلك ، وقابضها
الذي باع بها ماله ، إذا لم يرد ماله كان له أن يأخذ بقدره من تلك
الزيادة . وهذا احتمال كل من تبايعا بيعا فاسداً وتقابضاه ، إذا قيل :
إن المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك ، فكل منها له عند الآخر ما
قبضه الآخر منه، وللآخر عنده ما قبضه منه . فإذا تعذر الرد كان
له أن يأخذ قدر حقه ، سواء كان من جنس الحق، أو من غير جنسه.
وعلى هذا فما صار بيد هذا الضامن الظالم من الزيادات الظلمية من
أموال المشترين المختلطة التى لا تتميز: إذا اشترى بها شيئاً ، وأقبض
المشترين . ملك الزيادة ، وقبض ما اشتراه ، كان ما حصل بيده من
أموالهم بلزاء ما قبضوه من الزيادة إلى مستحقها ، فلا يكون الشراء منه
بثمن المثل حراماً فكيف من اشترى منه بزيادة ؛ بخلاف ما يؤخذ منه
تبرعاً ، فهذا فيه كلام آخر ليس هذا موضعه . فإن ابن مسعود سئل
عن رجل يعامل بالربا ، إذا أضاف غيره . فقال ابن مسعود : كل ،
فإن مهناه لك ، وحسابه عليه . وهذا للعلماء فيه كلام ، وليس هذا
موضعه. وينبنى على هذا أصول متعددة .
منها المقبوض بالعقد الفاسد ، هل يملك أو لا يملك ؟.
ومنها إذا تصرف فى العين تصرفاً يمنع ردها بعينها ، فهل ينتقل
الحق إلى ذمته ؟ أو هو باق فى ماله الذي اختلط به العين والذى عاوض
٢٤٧

به عن العين؟ وغير ذلك من المسائل .
وأما إذا قلنا بوقف العقود - لا سيما مع تعذر الاستئذان،
كما هو مذهب الثلاثة - فالأمر فى ذلك أظهر . فإن العادة الغالبة
أن الناس يرضون ببيع مثل هذه الأموال التى أعدوها للبيع بالزيادة ؛
بخلاف ما أعدوه للقنية .
وأيضا فالمظلوم وإن كان له فى هذا المال حق قليل بسبب الزيادة
التى ظلمها ، فبعضه لصاحب الحانوت الظالم ، ولا يتميز هذا عن هذا ،
ومثل هذا إذا طلب أحد الشريكين بيعه أجبر الممتنع على البيع لأجل
شريكه ، فمن كان بينهما مال لا يقبل القسمة - كيوان - إذا طلب
أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن أجبر الآخر على ذلك عند جمهور
العلماء ، وهو مذهب مالك، وأبى حنيفة وأحمد ، وذكر بعض المالكية
أن هذا إجماع ؛ لأن حق الشريك فى نصف قيمة الجميع لا فى قيمة
النصف. بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح:
((من أعتق شركا له فى عبد ، وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد،
قوم عليه قيمة عدل ، لاوكس ، ولا شطط . فأعطى شركاءه حصصهم،
وعتق عليه العبد : وإلا فقد عتق منه ما عتق )) فجعل حق الشريك في
نصف قيمة الجميع ، وأمر بتقويم جميع العبد ، لا بتقويم حصة
الشريك فقط .
٢٤٨

فإذا كان كذلك فمعلوم أن الزيادة الظلمية لا تتميز عن المزيد ، ولا
يمكن القسمة بينهما إلا بقسمة العين ، أو قسمة بدلها ، والعين قد تعذر
ردها فتعين قيمة بدلها . فدل على أنه يجوز أن يعاوض صاحب
الحانوت على ما فى يده من الأموال ، وعليه أن يعطى الشركاء المظلومين
حقوقهم . وأنه إما أن يقال : إن حق المظلومين فى ذمته فقط ، أو أنها
متعلقة بالأعيان مع جواز المعاوضة لتوفية حقوقهم ؛ إذ لا سبيل إلى
توفية حقوقهم بالعدل إلا مع ذلك ، وعلى هذا فالمشترون تسلموا
ما اشتروه شراء حلالا جائزا .
وعلى هذا أدلة أخرى تبين أن الناس المشترين لم يظلموا أحدا
إذا اشتروا ، وإن شراءهم جائز ، وأن منع الناس من الشراء من هؤلاء
ظلم مضاعف لم يأمر الله به ، ولا رسوله. وعلى هذا فمع الحاجة إلى
الشراء منه لا يكره الشراء منه ، فضلا عن أن يحرم .
وأما إذا قدر أن الذي باعه عين المعقود ، فهذا يننى على وقف
العقود ، وعلى التصرف فى مال المالك المجهول بغير إذنه للمصلحة ،
وأكثر العلماء على القول بوقفها ؛ لاسيما عند الحاجة ، وهو مذهب مالك،
وأبى حنيفة ، وكذلك أحمد عند الحاجة : مثل أن يتعذر استئذان المالك
لعدم العلم به ، وفى ذلك بدون الحاجة روايتان . واختار الخرقى القول
بوقفها ، كمذهب مالك، وأبي حنيفة ، وهو قول الشافعي ، فيكون
٢٤٩

تصرفه فى مال الغير موقوفاً على إجازته إذا أمكن استئذانه . وأما
المجهول الذي لا يعرف ، فلا يفتقر ذلك إلى استئذانه ؛ بل ينفذ التصرف
له بالمصلحة . ولو عرف بعد ذلك لم يكن له رد المعاوضات ، وإنما له
رد التبرعات ، كصاحب اللقطة .
وقد عرف من حيث العادة أن أرباب مثل هذه الأموال المسئول
عنها ليس لهم غرض فى شيء بعينه ، ولا يكره أحدم أن تباع سلعته
بزيادة ، فإنهم يختارون بيع المشتري ؛ ولكن البائع هو الذي ظلهم .
وهو هنا لما لم يعرف المالك باز التصرف بالعقد والقبض ؛ بخلاف
ما إذا عرف المالك، فإنه لا بد من استئذانه فى القبض باتفاق العلماء .
وهذا كاللقطة التى لا يعرف مالكها . قال النبى صلى الله عليه وسلم:
((فهو مال الله يؤتيه من يشاء)) فإذا تصدق بها الملتقط كان ذلك موقوفاً
على إجازة المالك إذا عرف عند جمهور العلماء ، وقبل أن يعرف يكون
التصدق نافذاً غير موقوف ؛ ولكن الملتقط البائع ليس بظالم ، وهنا
البائع ظالم ؛ لكن المشتري ليس بظالم ، والمال لا يمكن إتلافه ، وهو
بيد البائع الظالم ، فأخذ الشراء له بالزيادة حرام للمالك المجهول ، فالشارع
ينفذ الملك لمصلحة المشتري ، والمالك المجهول المظلوم ؛ إن كان
البائع ظالماً .
كما لوقدر أن ناظر الوقف ، ووصى اليتيم، والمضارب والشريك ،
٢٥٠

غانوا، ثم تصرفوا مع ذلك، فلا بد من تصحيح تصرفهم في حق المشتري
منهم ، وحق رب المال ، وإلا فلو أبطل ذلك فسد عامة أموال الناس
التى يتصرف فيها بحكم الولاية والوكالة ؛ لغلبة الخيانة على الأولياء والوكلاء ؛
لا سيما ويدخل في ذلك من تصرفات ولاة الأمور ما لا يمكن إبطاله -
والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها -
فلا يجوز لأحد رعاية حق مجهول فى عين حصل عنها بدل خير له .
منها أن يحرم عليه وعلى المشترين أموالهم ، فإن هذا بمنزلة من
يهدم معراً وبنى قصراً . وبسط هذه المسألة وتوابعها له مكان
آخر ، قد ذكر فى ذلك من الشواهد ، وكلام العلماء والصحابة والتابعين
ما لا يتسع له هذا الموضع
٢٥١

وسئل رحمه الله تعالى:
هل هذه الأشياء المطعومات التى يؤخذ عليها المكس ، وهي مضمنة،
أو محتكرة ، هل يحرم على من يشتري منها شيئاً ، ويأكل منها؟ وإن
عامل رجل لإنسان كل ماله حرام مثل ضامن المكس ، أو من ليس
له مال سوى المكس ، فهل يفسق بذلك ؟ !.
فأجاب: الحمد لله. أما إذا كان الرجل يبيع سلعته من طعام أو غيره
وعليها وظيفة تؤخذ من البائع أو المشتري. فهذا لا يحرم السلعة ، ولا
الشراء؛ لا على بائعها ولا على مشتريها ، ولا شبهة فى ذلك أملا .
وكذلك إذا كان المأخوذ بعض السلعة ، مثل أن يأخذوا من الشاة
المذبوحة سواقطها، أو من الحبوب والثمار بعضها ، ومن ظن فى ذلك شبهة
فهو مخطئ ، فإن هذا المال المأخوذ ظلما ، سواء أخذ من البائع أو
من المشتري ، لا يوجب وقوع الشبهة فيما بقى من المال ، وكما لو
ظلم الرجل وأخذ بعض ماله ، فإن ذلك لا يوجب وقوع الشبهة فيما
بقى من ماله .
وهذه الوظائف الموضوعة بغير أصل شرعي : منها ما يكون موضوعاً
٢٥٢

على البائع مثل سوق الدواب ونحوه . فإذا باع سلعته بمال فأخذ منه
بعض ذلك الثمن كان ذلك ظلماً له ، وباقى ماله حلال له ، والمشتري
اشترى بماله ، وربما يزاد عليه فى الثمن لأجل الوظيفة ، فيكون منه
زيادة . فبأي وجه يكون فيما اشتراه شبهة ؟ وإن كانت الوظيفة تؤخذ
من المشتري فيكون قد أدى الثمن للبائع ، والزيادة لأجل تلك الكلفة
السلطانية ، ولا شبهة فى ذلك ؛ لا على البائع ، ولا على المشتري ؛
لأن المنافع لم تؤخذ إلا بما يستحقه، والمشتري قد أدى الواجب وزيادة.
وإذا قيل : هذا في الحقيقة ظم للبائع؛ لأنه هو المستحق لجميع
الثمن . قيل : هب أن الأمر كذلك ؛ ولكن المشتري لم يظلمه ، وإنما
ظلمه من أخذ ماله ، كما لو قبض البائع جميع الثمن ، ثم أخذت منه
الكلفة السلطانية .
تقع عليها ؛ لأن البائع إذا على أن عليه كلفة
وفى الحقيقة فالكلفة
زاد فى الثمن ، والمشتري إذا علم أنه عليه كلفة نقص من الثمن ،
فكلاهما مظلوم بأخذ الكلفة ، وكل منها لم يظلم أحداً ، فلا يكون فى
مالهما شبهة من هذا الوجه ، فما يبيعه المسلمون إذا كان ملكا لهم لم
يكن فى ذلك شبهة بما يؤخذ منهم في الوظائف .
وأما إذا ضمن الرجل نوعاً من السلع على أن لا يبيعها إلا هو ،
٢٥٣

فهذا ظالم من وجهين : من جهة أنه منع غيره من بيعها ، وهذا لا
يجوز . ومن جهة أنه يبيعها للناس بما يختار من الثمن ، فيغليها
وهؤلاء نوعان .
منهم من يستأجر حانوناً بأكثر من قيمتها ، إما لمقطع ، وإما لغيره،
على أن لا يبيع في المكان إلا هو ، أو يجعل عليه مالاً يعطيه لمقطع أو
غيره بلا استئجار حانوت ، ولا غير ذلك ، وكلاهما ظالم ، فإن الزيادة
التى يزيدها فى الحانوت لأجل منع الثانى من البيع ، هو بمنزلة
الضامن المنفرد .
والنوع الثانى : أن لا يكون عليهم ضمان؛ لكن يلتزمون بالبيع للناس،
كالطحانين والخبازين ونحوم ممن ليس لهم وظيفة؛ لكن عليه أن يبيع
كل يوم شيئاً مقدراً ، ويمنعون من سوام من البيع ؛ ولهذا جاز
التسعير على هؤلاء ، وإن لم يجز التسعير فى الإطلاق . فإن هؤلاء قد
أوجبت عليهم المبايعة لهذا الصنف ، ومنع من ذلك غيرهم ، فلو مكنوا
أن يبيعوا بما أرادوا كان ظلما للمساكين ؛ بخلاف ما إذا كان الناس
كلهم متمكنين من ذلك ، فإنه يكون كما فى السنن عن أنس قال:
((غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول
الله! سعر لنا ، فقال: إن الله هو المسعر. القابض، الباسط ، الرازق،
وإنى لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد يطلبنى بمظلمة فى مال)).
٢٥٤

وأما في الصورة : فإذا كانوا قد ألزموا بالمبايعة لم يجز أن يلزموا
بأن يبيعوا بدون ثمن المثل؛ لأن ذلك ظلم لهم ، وإذا كان غيرم قد
منع من المبايعة لم يجز أن يمكنوا أن يبيعوا بما اختاروا ؛ فإن ذلك
ظلم للناس .
يبقى أن يقال : فهل يجوز التزامهم بمثل ذلك على هذا الوجه ،
على أن يكونوا م البائعين لهذا الصنف دون غيرهم ، وأن لا يبيعوه إلا
بقيمة المثل من غير مكس يوضع عليهم ؟ فهل يجوز للإمام أن يفعل بهم
ذلك ، أم يجب عليه أن لا يترك أحداً يفعل ذلك ؟.
قيل : أما إذا اختاروا أن يقوموا بما يحتاج الناس إليه من تلك
المبيعات ، وأن لا يبيعوها إلا بقيمة المثل ، على أن يمنع غيرم من البيع ،
ومن اختار أن يدخل معهم في ذلك مكن ، فهذا لا يتبين محريمه ، بل
قد يكون فى هذا مصلحة عامة للناس ، وهذا يشبه ما نقل عن عمر فى
التسعير ، وأنه قال: إن كنت تبيع بسعر أهل الأسواق ، وإلا فلا تبح.
فإن مصلحة الناس العامة فى ذلك أن يباعوا بما يحتاجون إليه ، وأن
لا يباعوا إلا بقيمة المثل ، وهذان مصلحتان جليلتان .
والباعة إذا اختاروا ذلك لم يكونوا قد أكرهوا عليه ، فلا ظلم
عليهم ، وغيرهم من الناس لم يمنع من البيع ، إلا إذا دخل في هذه
٢٥٥

المصلحة العامة ، بأن يشاركهم فيما يقومون به بقيمة المثل ، فيكون الغير
قد منع أن يبيع سلعة بأكثر من ثمن المثل ، وأن لا يبيعها ، إلا إذا
التزم أن يبيع لواحد منهم. وقد يكون عاجزاً عن ذلك . وقد يقال :
هذان نوعان من الظلم : إلزام الشخص أن يبيع ، وأن يكون بيعه بثمن
المثل ، وفى هذا فساد . وحينئذ فإن كان أمر الناس صالحاً بدون هذا
لم يجز احتمال هذا الفساد بلا مصلحة راجحة ، وأما إن كان بدون هذا
لا يحصل للناس ما يكفيهم من الطعام ونحوه ، أو لا يلقون ذلك إلا
بأثمان مرتفعة ، وبذلك يحصل ما يكفيهم بثمن المثل . فهذه المصلحة العامة
يغتفر فى جانبها ما ذكر من المنع .
وأما إذا ألزم الناس بذلك فهذا فيه تفصيل ؛ فإن الناس إذا اضطروا
إلى ما عند الإنسان من السلعة والمنفعة وجب عليه أن يبذل لهم بقيمة
المثل ، ومنعه أن لا يبيع سلمة حتى يبيع مقداراً معيناً . وتفصيل هذه
المسائل ليس هذا موضعه .
إذا تبين ذلك : فالذي يضمن كلفة من المكلف على أن لا يبيع
السلعة إلا هو ، ويبيعها بما يختار ، لا ريب أنه من جنس ظلم الكلف
السلطانية من الوجهين اللذين تقدما؛ ولهذا كره من كره معاملة هذا لأجل
الشبهة التى فى ماله. فإنه إذا كان لا يبيع إلا هو بما يختار صار كأنه بكره
الناس على الشراء منه بما يختاره ، فيأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم .
٢٥٦

وتلك الشبهة قد اختلطت بماله ، فيصير فى ماله شبهة من هذا الوجه :
فلهذا كره من كره معاملتهم .
وهذا سبيل أهل الورع الذين لا يأكلون من الشواء المضمن ،
ونحو ذلك : فإنهم إنما تورعوا عما كان بهذه المثابة ، وهو أن يكون
بحيث لا يشوى إلا هو ، ولا يبيع الشواء إلا هو بما يختاره، ولا
يبيع الملح إلا هو بما يختاره، والملح ليست كغيرها، فإن الملح فى
الأصل هو من المباحات التى يشترك فيها المسلمون ، كالسمك وغيره
من المباحات ، إذا لم يمكن من أخذها إلا واحد بضمان عليه ، والذي
لأن هذا المشتري لم يظلم فيه أحداً ؛ بل
يشتريها منه بماله لا يحرم
لو أخذها من الأصل كان له ذلك، ولو استأجر هذا أو غيره ليأخذها
له من موضعها المشترك كان ذلك جائزا ، ولو كانت مشتركة بين
المسلمين لكانت تكون أرخص ، وكان المشتري يأخذها بدون ما أعطاه
الضامن ، فهذا الضامن يظلم المشترى وغيره .
وأما المشترون منه فهم لا يظلمون أحدا ، ولم يشتروا منه شيئا
ملكه ماله ، فإنما حرم عليه من الظلم من ترك ملكه لا يفوته ، ولم
يظلم فيه أحدا ؛ لأنها فى الأصل مباحة ، والمسلمون الذين يشترونها
ثم المظلومون ، فإنه لولا الظلم لتمكنوا من أخذها بدون الثمن ، فإذا
ظلموا وأخذ منهم أكثر مما عليهم لم يكن ذلك محرماً عليهم لما كان
٢٥٧

مباحا لهم . إذ الظلم إنما يوجب التحريم على الظالم لا على المظلوم .
ألا ترى أن المدلس والغاش ونحوهما إذا باعوا غيرم شيئاً مدلساً
لم يكن ما يشتريه المشتري حراماً عليه؛ لأنه أخذ منه أكثر مما يجب
عليه ، وإن كانت الزيادة التى أخذها الغاش حراماً عليه . وأمثال هذا
كثير في الشريعة ؛ فإن التحريم فى حق الآدميين إذا كان من أحد
الجانبين لم يثبت فى الجانب الآخر ، كما لو اشترى الرجل ملكه المغصوب
من الغاصب ، فإن البائع يحرم عليه أخذ الثمن ، والمشتري لا يحرم
عليه أخذ ملكه ، ولا بذل ما بذله من الثمن ؛ ولهذا قال العلماء : يجوز
رشوة العامل لدفع الظلم ، لا لمنع الحق ، وإرشاؤه حرام فيها ، وكذلك
الأسير والعبد المعتق . إذا أنكر سيده عتقه، له أن يفتدي نفسه بمال
يبذله ، يجوز له بذله ، وإن لم يجز للمستولى عليه بغير حق أخذه .
وكذلك المرأة المطلقة ثلاثاً إذا جحد الزوج طلاقها ، فافتدت منه
بطريق الخلع فى الظاهر كان حراماً عليه ما بذلته ويخلصها من رق
استيلائه؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إني لأعطي أحدم
العطية فيخرج بها يتلظاها ناراً ، قالوا : يا رسول الله ! فلم تعطيهم ؟
قال : يأبون إلا أن بسألونى ، ويأبى الله لي البخل)).
ومن ذلك قوله: ((ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة». فلو
٢٥٨

أعطى الرجل شاعراً ، أو غير شاعر ؛ لئلا يكذب عليه بهجو أو
غيره ، أو لئلا يقول في عرضه ما يحرم عليه قوله ، كان بذله لذلك
جائزاً، وكان ما أخذه ذلك لثلا يظلمه حراماً عليه ؛ لأنه يجب
عليه ترك ظلمه . والكذب عليه بالهجو من جنس قسمية العامة :
(((قطع مصانعه)) وهو الذي يتعرض للناس ، وإن لم يعطوه اعتدى
عليهم ، بأن يكون عوناً عليهم فى الإثم والعدوان ، أو بأن يكذب
عليهم ، وأمثال ذلك. فكل من أخذ المال لئلا يكذب على الناس ،
أو لئلا يظلمهم كان ذلك خيئاً سحتاً ؛ لأن الظلم والكذب حرام
عليه ، فعليه أن يتركه بلا عوض بأخذه من المظلوم ، فإذا لم يتركه إلا
بالعوض كان سحتاً .
فالمباحات التى يشترك فيها المسلمون في الأصل : كالصيود البرية
والبحرية، والمباحات الثابتة فى الأرض، والمباحة من الجبال والبرارى ونحو
ذلك ، كالمعادن وكالملح، وكالأطرون وغيرها إذا حجرها السلطان وأمر
أن لا يأخذها إلا نوابه ، وأن تباع للناس ، لم يحرم عليهم شراؤها ؛
، ولأنهم م المظلومون بحجرها عليهم ، فكيف
لأنهم لا يظلمون فيها أحدا
يحرم عليهم أن يشتروا مالهم أن يأخذوه بلا عوض ؛ فإن نواب السلطان
لا يستخرجونها إلا بأتمانها التى أخذوها ظلماً. أو نحو ذلك من الظلم.
قيل : تلك الأموال أخذت من المسلمين ظلماً ، والمسلمون م
٢٥٩

المظلومون ، فقد منعوا حقوقهم من المباحات ، إلا بما يؤخذ منهم يستخرج
ببعضه تلك المباحات ، والباقى يؤخذ ، وذلك لا يحرم عليهم ما كان
حلالا لهم ، وهذا ظاهر فيما كان الظلم فيه مناسباً ، مثل أن يباع كل
مقدار بثمن معين ، ويؤخذ من تلك الأثمان ما يستخرج به تلك المباحات،
وهنا لا شبهة على المشتري أصلا ؛ فإن ما استخرجت به المباحات هو
حقهم أيضا . فهو كما لو غصب رجل بيت رجل ، وأمر غلمان المالك
أن يطبخوا مما في بيته طعاماً فإن ذلك لا يحرم على المغصوب ؛ لأنه
يملك الأعيان والمنافع ، وليس فى ذلك إلا أن يكون التصرف وقع بغير
وكالة منه ، ولا ولاية عليه ، وهذا لا يحرم ماله ؛ بل ولا بذل ماله
باتفاق المسلمين . وإن كان ما يستخرج به تلك المباحات بدون المعاملة
بالأموال السلطانية المشتركة .
وأما إذا استخرج نواب السلطان بغير حق من يستخرج تلك المباحات،
فهذا بمنزلة أن يغصب من يطبخ له طعاما أو ينسج له ثوبا، وبمنزلة أن يطبخ
الطعام بحطب مغصوب ، وأمثال ذلك مما تكون العين فيه مباحة ؛ لكن
وقع الظلم في تحويلها من حال إلى حال . فهذا فيه شبهة، وطريق التخلص منها
أن ينظر النفع الحاصل في تلك العين بعمل المظلوم ، فيعطى المظلوم أجره ،
وإن تعذر معرفة المظلوم تصدق به عنه ؛ فإن هذا غايته أن يكون قد
اختلط حلال وحرام؛ ولو اختلطت الأعيان التى يملكها بالأثمان التى
٢٦٠