النص المفهرس

صفحات 181-200

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
العقود التى فيها نوع معاوضة - وهي غالب معاملات بنى آدم
التى لا يقومون إلا بها - سواء كانت مالا بمال . كالبيع، أو كانت منفعة
بمال كالإجارة والجعالة ، وقد يدخل فى المسألة : الإمارة والتجنيد .
ونحو ذلك من الولايات . أو كانت منفعة بمنفعة كالتعاون ، والتناصر ،
ونحو ذلك . تنقسم أربعة أقسام :
فإنها إما أن تكون مباحة من الجانبين. كالبيع ، والإجارة ،
والتعاون على البر والتقوى . وإما أن تكون حراما من الجهتين ، كبيع
الخمر بالخنزير ، والاستئجار على الزنا بالخمر ، وعلى شهادة الزور بشهادة
الزور ، كما كان بعض الحكام بقول عن طائفة من الرؤساء : يتقارضون
شهادة الزور ، وشبهه بمبادلة القروض . وإما أن يكون مباحا من إحدى
الجهتين ، حراماً من الأخرى . وهذا القسم ينبغي لأهل الإسلام أن
يعلموه ؛ فإن الدين والدنيا لا تقوم إلا به .
١٨١

وأما القسم الأول وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف .
وأما الثالث فتقوم به الدنيا الفاجرة ، والدين المبتدع . وأما الدين
المشروع والدنيا السالمة فلا تقوم إلا بالثالث : مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم
لجلب منفعتهم ، أو دفع مضرتهم، ورشوة الولاة لدفع الظلم ، أو
تخليص الحق؛ لا لمنع الحق ، وإعطاء من يتقى شر لسانه، أو بده
من شاعر ، أو ظالم، أو قاطع طريق ، أو غير ذلك . وإعطاء
من يستعان به على البر والتقوى من أموان ، وأنصار وولاة ،
وغير ذلك .
وأصله فى الكتاب والسنة ، وسيرة الخلفاء الراشدين: أن الله جعل
للمؤلفة قلوبهم حقا فى الصدقات التى حصر مصارفها في كتابه ، وتولى
قسمها بنفسه ، وكان هذا تنبيها على أنهم يعطون من المصالح - ومن
الفيء على القول الصحيح - التى هي أوسع مصرفا من الزكاة ؛ فإن
كل من جاز أن يعطى من الصدقة أعطي من المصالح ، ولا ينعكس ؛
لأن آخذ الصدقة إما أن يأخذ لحاجته ، أو لمنفعته ، وكلا الأمرين
يؤخذ منها للمصالح ؛ بل ليست المصالح إلا ذلك . والمؤلفة قلوبهم ثم
من أهل المنفعة الذين هم أحق بمال المصالح والفى . .
ولهذا أعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم من الفىء والمغانم ، كما
١٨٢

فعله بالذهيبة التى بعث بها علي من اليمن . وكما فعل فى مغانم حنين ،
حيث قسمها بين رؤساء قريش، وأهل نجد، وقال: ((إنى لأعطي
رجالا ، وأدع من هو أحب إلي منهم. أعطي رجالا لما في قلوبهم من
الهلع ، والجزع ، وأكل رجالا إلى ما جعل الله فى قلوبهم من الغنى
والخير))، وقال: (( إنى لأعطي أحدم العطية، فيخرج بها يتأبطها
ناراً . قالوا : يا رسول الله! فلم تعطيهم؟ ! قال : يأبون إلا أن
يسألونى، ويأبى الله لي البخل)). وقال: ((والذي نفسي بيده ما من
رجل يسألنى المسألة ، فتخرج له المسألة مالم نكن نريد أن نعطيه إياه
فيبارك له فيه )) أو كلاماً هذا معناه .
وهذا القسم يشتمل على الأقسام الثلاثة : أما المال بالأعيان ،
فمنه افتكاك الأسرى ، والأحرار من أيدي الكفار ، والغاصبين ؛ فإن
المسلم الحر قد يستولي عليه الكفار ، وقد يستولي عليه الفجار ؛ إما
باستعباده ظلماً ، أو بعتقه ، وجحود عتقه. وإما باستعماله بغير اختياره.
ولا إذن الشارع: مثل من يسخر الصناع كالخياطين ، والفلاحين ، بغير
حق . وإما بحبسه ظلما وعدوانا ، فكل آدمي قهر آدمياً بغير حق ،
ومنعه من التصرف . فالقاهر يشبه الآسر ، والمقهور يشبه الأسير،
وكذلك القهر بحق أسير . قال النبى صلى الله عليه وسلم للغريم الذي
لزم غريمه: ((ما فعل أسيرك؟ )).
١٨٣

وإذا كان الاستيلاء على الأموال إذا لم يكن بحق فهو غصب ،
وإن دخل فى ذلك الخيانة والسرقة ، فكذلك الاستيلاء على النفوس
بغير حق أسر . وإن دخل فيه استيلاء الظلمة من أهل القبلة .
وكذلك افتكاك الأنفس الرقيقة من بد من يتعدى عليها ويظلمها ،
فإن الرق المشروع له حد، فالزيادة عليه عدوان .
ويدخل في ذلك افتكاك الزوجة من بد الزوج الظالم ؛ فإن النكاح
رق، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا
لَدَا الْبَابٍ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم فى النساء: ((إنهن عندكم
عوان)). وقال عمر: النكاح رق ، فلينظر أحدكم عند من يرق
كريمته . وكذلك افتكاك الغلام والجارية من يد الظالم ، كالذي يمنعه
الواجب ، ويفعل معه المحرم .
ومنه افتكاك الأموال من أيدي الغاصبين لها ظلما أو تأويلا، كالمال
المغصوب والمسروق وغيرهما ، إذا دفع للظالم شىء حتى يرد، على صاحبه.
وسواء كان الدفع في كلا القسمين دفعا للقاهر حتى لا يقهر ولا يستولي ،
كما يهادن أهل الحرب عند الضرورة بمال يدفع إليهم ، أو استنقاذاً من
القاهر بعد القهر والاستيلاء .
١٨٤

وقال رحمه الله :
((قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك »
ـعيل
بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض ، أو بطريق
التبرع ينقسم إلى واجب ومستحب :
وواجبها ينقسم إلى فرض على العين ، وفرض على الكفاية . فأما
ما يجب من التبرعات - مالا ومنفعة - فله موضع غير هذا. وجماع
الواجبات المالية بلا عوض أربعة أقسام ، مذكورة في الحديث المأثور :
(( أربع من فعلهن فقد برئ من البخل: من آتى الزكاة ، وقرى
الضيف ، ووصل الرحم وأعطى في النائبة )).
ولهذا كان حد البخيل : من ترك أحد هذه الأربعة فى أصح
القولين لأصحابنا ، اختاره أبو بكر وغيره .
فالزكاة هي الواجب الراتب التى يجب بسبب المال ، بمنزلة
١٨٥

الصلاة المفروضة ، وأما الثلاثة فوجوبها عارض ، فقرى الضيف واجب
عندنا ، ونص عليه الشافعي ، وصلة الأرحام واجبة بالإجماع ، كنفقة
الأقارب ، وحمل العاقلة ، وعتق ذي الرحم المحرم . وإنما الاختلاف فيمن
يجب صلته ، وما مقدار الصلة الواجبة ، وكذلك الإعطاء فى النائبة ،
مثل الجهاد فى سبيل الله، وإشباع الجائع ، وكسوة العاري . وقد نص
أحمد على أنه لو صدق السائل ، لما أفلح من رده .
وأما الواجبات المنفعية بلا عوض: فمثل تعليم العلم ، والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر ، ونصر المظلوم. وهي كثيرة جدا . وعامة الواجب
في منافع البدن ، ويدخل فيها الأحاديث الصحيحة من حديث أبى ذر ،
وأبى موسى ، وغيرهما (( على كل سلامى من ابن آدم صدقة)). وتدخل
أيضا فى مطلق الزكاة ، والنفقة فى مثل قوله: (وَمَارَزَقْنَهُمْ ◌ُفِقُونَ )
كما نقل مثل ذلك عن السلف: الحسن البصري وغيره . وقال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((كل معروف صدقة)) ويروى ماتصدق عبد
بصدقة أعظم من موعظة يعظ بها أصحاباً له ، فيتفرقون وقد نفعهم الله
بها، ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعه .
وأما المنافع المالية وهو كمن اضطر إلى منفعة مال الغير ، كبل
ودلو يستقي به ماء يحتاج إليه ، وثوب يستدفى به من البرد ونحو
ذلك ، فيجب بذله ؛ لكن هل يجب بذله مجانا ، أو بطريق التعوض ،
١٨٦

كالأعيان ؟ فيه وجهان .
وحجة التبرع متعددة. كقوله تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) ففي
سنن أبى داود عن ابن مسعود قال : كنا نعده عارية القدر والدلو ،
والفأس . وكذلك إيجاب بذل منفعة الحائط للجار ، إذا احتاج إليه ،
على أصلنا المتبع ؛ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك
من المواضع .
ففي الجملة ما يجب إيتاؤه من المال ، أو منفعته ، أو منفعة البدن
بلا عوض ، له تفصيل فى موضع آخر . ولو كان كثير من المتفقهة ،
مقصرين فى علمه، بحيث قد ينفون وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه.
ويعتقد الغالط منهم (( أن لا حق فى المال سوى الزكاة )) أن هذا
عام؛ ولم يعلم أن الحديث المروي فى الترمذى عن فاطمة: ((إن فى
المال حقا سوى الزكاة )) .
ومن قال بالأول : أراد الحق المالي ، الذي يجب بسبب المال،
فيكون راتباً ، وإلا فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله قد
أوجب إيتاء المال فى غير الزكاة المفروضة فى مواضع : مثل الجهاد
بالمال عند الحاجة ، والحج بالمال ، ونفقة الزوجة، والأقارب، والماليك
من الآدميين ، والبهائم. ومثل ما يجب من الكفارات من عتق وصدقة،
١٨٧

وهدي كفارات الحج ، وكفارات الأيمان ، والقتل ، وغيرها . وما يجب
من وفاء النذور المالية إلى أمثال ذلك ؛ بل المال مستوعب بالحقوق
الشرعية الراتبة . أو العارضة . بسبب من العبد ، أو بغير سبب منه .
وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة .
وإنما الغرض هنا ما يجب من المعاوضات : مثل المبايعة والمؤاجرة ،
وما يشبه ذلك . ومثل المشاركات : كالمساقاة، والمزارعة ، ونحو ذلك.
فإن هذا كثيرا ما يغلط فيه الغالطون لما استقر فى الشريعة أن الظلم
حرام ، وأن الأصل أن هذه العقود لا يجوز إلا بالتراضي ، إلا
فى مواضع استئناها الشارع، وهو الإكراه عليها بحق : صار
يغلط فريقان :
قوم يجعلون الإكراه على بعضها إكراها بحق ، وهو إكراه
بباطل . وقوم يجعلونه إكراها بباطل ، وهو بحق . وفيها ما يكون
إكراها بتأويل حق، فيدخل في قسم المجتهدات ؛ إما الاجتهادات المحضة ،
أو المشوية بهوى ، وكذلك المعاوضات .
ونحن نعلم قطعا أنه إذا كان إيتاء المال أو المنفعة بلا عوض،
واجبا بالشريعة فى مواضع كثيرة جداً ؛ لأسباب اقتضت الإيجاب
الشرعي ، وليس ذلك من الظلم الذي هو أخذ حق الغير بغير حق ،
١٨٨

فلأن يكون إيتاء المال والمنفعة بعوض واجباً فى مواضع أولى وأحرى؛
بل إيجاب المعاوضات أكثر من إيجاب التبرعات ، وأكبر . فهو أوسع
منه قدراً وصفة .
ولعل من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون
إليها بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت ، فأما عند عدم
الحاجة ، ومع حاجة رب المال المكافية لحاجة المعتاض ، فرب المال
أولى ؛ فإن الضرر لا يزال بالضرر ، والرجل أحق بماله من ولده
ووالده، والناس أجمعين. ((وابدأ بنفسك ثم بمن تعول)).
وهذه قاعدة حسنة مناسبة، ولها شواهد كثيرة فى الشريعة . وأنا
أذكر منها بتيسير الله تعالى . وجماع المعاوضات أربعة أنواع :
معاوضة مال بمال : كالبيع . وبذل مال بنفع كالجعالة . وبذل
منفعة بمال كالإجارة ، وبذل نفع بنفع كالمشاركات ، من المضاربة ونحوها
فإن هذا بذل نفع بدنه ، وهذا بذل نفع ماله. وكالتعاون ، والتناصر
ونحو ذلك .
وبالجملة فوجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا والدين ؛ إذ الإنسان
لا ينفرد بمصلحة نفسه بل لا بد له من الاستعانة ببني جنسه ، فلو لم
يجب على بنى آدم أن يبذل هذا لهذا ما يحتاج إليه ، وهذا لهذا ما
١٨٩

يحتاج إليه ، لفسد الناس ، وفسد أمر دنيام، ودينهم ، فلا تتم مصالحهم
إلا بالمعاوضة، وصلاحها بالعدل الذي أنزل الله له الكتب ، وبعث
به الرسل . فقال تعالى :
(لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ
اُلْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ).
ولا ريب أن النفوس مجبولة على بذل المعاوضة لحاجتها إليها ،
فالشارع إذا بذل ما يحتاج إليه بلا إكراه لم يشرع الإكراه ، ورد
الأمر إلى التراضي فى أصل المعاوضة ، وفى مقدار العوض . وأما إذا لم
يبذل فقد يوجب المعاوضة تارة ، وقد يوجب عوضا مقدرا تارة . وقد
يوجبهما جميعا ، وقد يوجب التعويض لمعين أخرى .
مثال الأول : من عليه دين فطولب به ، وليس له إلا عرض فعليه
أن يبيعه ليوفيه الدين ، فإن وفاء الدين واجب ، ولا يتم إلا بالبيع
٠
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللحاكم أن يكرهه على بيع
العرض فى وفاء دينه ، وله أن يبيع عليه إذا امتنع ؛ لأنه حق وجب
عليه ، فقبل النيابة ، فقام ذو السلطان فيهم مقامه ، كما يقوم في توفية
الدين ، وتزويج الأيم من كفتها إذا طلبته ، وغير ذلك، وكما يقبض
الزكاة من ماله، وسواء كان الدين الذي عليه برضا الغريم ، كثمن
مبيع ، وبدل قرض ، أو بغير رضاه، كقيم المتلفات ، وأروش الجنايات .
١٩٠

ومن ذلك ضمان المغصوب ، إذا تعذر رد عينه ، ومن المغصوب
الأمانات ، إذا خان فيها . ومن الأمانات ما اؤتمن عليه من مال المسلمين
كالعمال على الفيء والزكاة ، والصدقات الموقوفة ، ومال اليتيم ، ومال
الموكل كالشريك ، والمضارب ، ونحوهما . ومال الفىء إذا خانوا فيها .
وتعذر رد عين المال ، وكذلك بيع ماله لأداء ما يجب عليه من النفقات
الواجبة لزوجته أو ولده أو نفسه .
وبالجملة فكل من وجب عليه أداء مال، إذا لم يمكن أداؤه إلا
بالبيع صار البيع واجبا يجبر عليه ، ويفعل بغير اختياره .
ومثال الثانى: المضطر إلى طعام الغير إذا بذله له بما يزيد على القيمة ؛
فإن له أن يأخذه بقيمة المثل، فإنه يجب عليه أن يبيعه وأن يكون بيعه بقيمة
المثل ، فإذا امتنع منهما أجبر عليها، وإن بذل أحدهما أجبر الآخر . والمسألة
مذكورة في ((كتاب الأطعمة)) حتى إنه لو امتنع عن بذل الطعام فله أن
يقاتله عليه ؛ لأنه بمنزلة المقاتل عن نفسه .
ولهذا نضمنهم ديته لو مات ، كما روي أن رجلا استسقى قوما فلم
يسقوه حتى مات ، فضمنهم عمر ديته ، وأخذ به أحمد ، فإنه إذا وجب
إطعام المضطر بلا عوض عند عجزه عنه . فلأن يجب بالمعاوضة أولى وأحرى،
وهكذا إذا اضطر الناس ضرورة عامة ، وعند أقوام فضول أطعمة
١٩١

مخزونة ، فإنه يجب عليهم بيعها ، وعلى السلطان أن يجبرهم على ذلك .
أو يبيعها عليهم ؛ لأنه فعل واجب عليهم ، يقبل النيابة ، فيجب إلزامهم
بما وجب عليهم شرعا ، وهو حق للمسلمين عندم ، فيجب استنقاذ.
منهم . وهكذا كل ما اضطر الناس إليه: من لباس وسلاح وغير
ذلك ، مما يستغنى عنه صاحبه ، فإنه يجب بذله بثمن المثل .
وقد كتبت قبل هذا حديث سمرة بن جندب فى صاحب النخلة ،
لما أمره النبى صلى الله عليه وسلم يبيعها فلم يفعل، وذكرت ما فيه
من وجوب المعاوضة ، التى يحتاج إليها المبتاع من غير ضرر البائع .
ولهذا نهى الشارع عن الاحتكار الذي يضر الناس فى قوله صلى
الله عليه وسلم: ((لا يحتكر إلا خاطئ)) رواه مسلم. وغير ذلك.
والمحتكر مشتر متجر ؛ لكن لما كان يشتري ما يضر الناس . ولا يحتاج
إليه حرم عليه ، والبيع والشراء فى الأصل جائزان غير واجبين ؛ لكن
لحاجة الناس يجب البيع تارة ، ويحرم الشراء أخرى. هذا فى
نفس العقد .
وأما في مقدار الثمن فنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يبيح
حاضر لباد ، لما فيه من إضرار المشتري ، إذا توكل الحاضر للقادم
بسلعته فى البيع، مع حاجة الناس إليها ، وقد يستدل بذلك على
١٩٢

وجوب بيعها بثمن المثل؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((دعوا
الناس يرزق الله بعضهم من بعض » .
وهكذا بيع أحد الشريكين من الآخر فى ما لا ينقسم ؛ فإن
الشربك محتاج إلى البيع ؛ ليأخذ نصيبه ، ولا ضرر على الآخر فيه .
وكذلك تقويمه ملك الشريك إذا أعتق الشريك نصيبه ، فإن العتق
يحتاج إلى تكميل لما في تبعيض العتق من الضرر ، من غير ضرر
على البائع فى بيع نصيبه ، أو فيه ضرر دون الحاجة إلى تكميل العنق .
وهكذا فيمن تعلق حق الغير بماله ، كمن له فى ملك الغير عرق
محترم من غراس أو بناء ، أو بئر، كالمشتري إذا أخذ الشقص بالشفعة ،
والبائع إذا رد عليه المبيع بعيب وكان الثمن عقارا، وكالمستعير
والمستأجر إذا انقضت المدة فإن لرب الأرض أن يبتاع ذلك بقيمته إذا لم يقلعه
صاحبه، أو يبقيه بأجرة المثل، وكلاهما معاوضة: إما على العين ، أو
على منفعة أرضه.
وكذلك إجبارنا لأحد الشريكين على الكرى مع الآخر، أو العمارة معه،
هو إجبار على المعاوضة ؛ فإن العمارة تتضمن ابتياع أعيان ، واستئجار
عمال ، فهي إجبار على شراء وإجارة ؛ لأن الشريك محتاج إلى ذلك
ولا ضرر على الباذل في ذلك ، فتجب عليه المعاوضة معه . تارة لأجل
القسمة . وتارة لبقاء الشركة . وعلى هذا فإذا احتاج المسلمون إلى
١٩٣

الصناعات : كالفلاحة ، والنساجة ، والبنابة : فعلى أهلها بذلها لهم
بقيمتها ، كما عليهم بذل الأموال التى يحتاج إليها بقيمتها ؛ إذ لا فرق
بين بذل الأموال ، وبذل المنافع ؛ بل بذل المنافع التى لا يضر
بذلها أولى بالوجوب معاوضة ، ويكون بذل هذه فرضا على الكفاية .
وقد ذكر طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم : أن أصول
الصناعات ، كالفلاحة ، والحياكة ، والبناية : فرض على الكفاية .
والتحقيق : أنها فرض عند الحاجة إليها؛ وأما مع إمكان الاستغناء عنها
فلا تجب . وهذه حكينا بيعها ؛ فإن من يوجبها إنما يوجبها بالمعاوضة ؛
لا تبرعا . فهو إيجاب صناعة بعوض ؛ لأجل الحاجة إليها . وقولي عند
الحاجة . فإن المسلمين قد يستغنون عن الصناعة بما يجلبونه أو يجلب
إليهم من طعام ولباس .
والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى،
أمر واجب . وللإمام أن يلزم بذلك، ويجبر عليه ؛ ولا يكون ذلك
ظلما ، بل إيجاب الشارع للجهاد الذي فيه المخاطرة بالنفس والمال لأجل
هداية الناس فى دينهم : أبلغ من هذا كله . فإذا كانت الشجاعة التى
يحتاج المسلمون إليها ، والكرم الذي يحتاج المسلمون إليه واجبا ، فكيف
بالمعاوضة التى يحتاج المسلمون إليها .
ولكن أكثر الناس يفعلون هذا بحكم العادات ، والطباع ، وطاعة
١٩٤

السلطان ، غير مستشعرين ما فى ذلك من طاعة الله ورسوله ، وطاعة
أولي الأمر ، فيما أمر الله بطاعتهم فيه .
ولهذا يعدون ذلك ظلما وعناء ولو علموا أنه طاعة لله احتسبوا
أجره ، وزالت الكراهة ، ولو علموا الوجوب الشرعي لم يعدوه ظلما .
وكذلك إذا احتاجوا إلى القتال والجهاد بالنفس ، وبذلوا أموالا
من بيت المال ، أو من غيره ؛ فإن الجهاد وإن كان فيه مخاطرة بالنفس
ويخاف فيه الضرر ؛ لكنه واجب بالشرع ، إذا بذل للإنسان المال ؛
فإن مصلحة الدين لا تتم إلا بوجوبه ، وعلى الإنسان أن يجاهد بمال
نفسه ، فإذا بذل له المال كان أولى بالوجوب . فمن كان من أهل
صناعات القتال : رميا ، وضربا ، وطعنا ، وركوبا، وجب عليه ذلك ،
وأجبر عليه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وإذا
استنفرتم فانفروا)) .
ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب عينا إذا أمر به الإمام ، وكذلك إذا
احتاج المجاهدون إلى أهل الصناعات ، والتجارات ، كصناع الطعام ،
واللباس ، والسلاح ، ومصالح الخيل ، وغير ذلك ، وطلبت منهم تلك
الصناعة بعوضها ، وجب بذلها ، وأجبروا عليها .
وكذلك التجار فيما يحتاج إليه فى الجهاد : عليهم بيع ذلك ، وإذا
١٩٥

احتاج العسكر إلى خروج قوم تجار فيه لبيع ما لا يمكن العسكر حمله
من طعام ولباس وسلاح ، ونحو ذلك . فالتجارة كالصناعة . والعسكر
بمنزلة قوم فى بلد، فكما يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة
التى لا ضرر فيها ، فإن ذلك واجب فى العسكر .
وكما للإمام أن يوجب الجهاد على طائفة، ويأمرم بالسفر إلى
مكان لأجله ، فله أن يأمر بما يعين على ذلك ، ويأمر قوما بتعلم العلم،
ويأمر قوما بالولايات .
والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية، وغير العدل
يجب طاعته فيما على أنه طاعة كالجهاد .
وقال قرس الد روحـ
فصل
أقوال المكره بغير حق لغو عندنا : مثل كفره ، وطلاقه ، وبيعه،
وشرائه . فإذا أكره البيعان على العقد فهو باطل ، وإذا أكرها على
التقابض ، فهذا إكراه على الأفعال لا على الأقوال ، فيكون كل منهما
١٩٦

قد قبض ، وأقبض مكرها ، فعلى كل منهما أن يرد ما قبضه إلى الآخر ،
إذا أمكنه ؛ لأنه مقبوض بغير حق ، وإن كان القابض مكرها .
فإن تلف المال المقبوض بالإكراه تحت بد القابض ، فإن كان
قد أتلفه بفعله ، أو بتفريطه ، أو بعدوانه فهو ضامن ؛ لأن غايته أن
تكون بده يد أمانة، ويد الأمانة إذا أتلفت شيئاً أو تلف بتفريطها ،
أو عدوانها، ضمنته ، كيد المستأجر ، والمودع، والمضارب ، والوكيل.
ون تلف بغير تفريط منه : فهل تكون يده يد ضمان ؛ لأنه قبض
مال الغبر بغير إذنه ، لدفع الضرر عنه ؟ أو يد أمانة ؛ لأنه قبضه
قبضا غير محرم ؟ فنقول : تلفه تحت يد المكره ، بمنزلة إتلافه كرها ،
وفيه خلاف . وهو بشبه العارية من بعض الوجوه ؛ فإن المستعير قبض
المال لنفسه ، كما أن المكره قبضه لدفع الضرر عن نفسه ، وهذا قبضه
بإذن المالك ، وهذا قبضه بإذن الشارع ، فإن كان المكره القابض قد
أخذ منه وفاء عن دين ، فهنا يكون ضامنا له ، لأنه مصروف فى منفعته،
كمن اضطر إلى طعام الغير فأخذه ليأكله .
١٩٧

وسئل رحمه اللّه
عن جماعة صودروا ، وأخذت أموالهم ، ثم أكرهوا وأجبروا
على بيع أعيان من عقار ومواشي وبساتين ، فباعوها ، والأعيان
المذكورة بعضها ملك أولاد البائعين ، وبعضها وقف ، وبعضها ملك
الغير ، ووضع المشتري يده عليها ، وحازها ، وخاف البائعون على إتلاف
صورة الأعيان ، وليس لهم قدرة على انتزاعها من يده ، فاشتروها
صورة ليعرفوا بقاءها ، ويحرزوها بثمن معين إلى أجل معلوم ، فلما
آن الأجل طالبهم بالثمن: فهل يكون البيع منهم باطلا بحكم الإكراه ؟
وبيع مال الغير أم لا؟ وهل مشترام منه وإقرارهم بالملك مثبت له
بصحة الملك ؟.
فأجاب : إذا بذل البائع - والحال هذه - للمشترى ، فما أداء
من الثمن ، وامتنع المشتري من الإيفاء بذلك ، وطلب ما كتب على
البائع من الثمن المؤجل ، فإن المشتري ظالم عاص ، يستحق العقوبة ؛
فإن هذه المعاملة لو كانت بطيب نفس البائع ، وقد اتفقا على أن
لا تباع منه الأعيان ، بتقديم بيعه إياها إلى أجل . بأكثر من ذلك
١٩٨

الثمن ، كانت معاملة باطلة ربوية عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين
وأكثر أئمة المسلمين، فكيف والبائع مكره ، وبيع المكره بغير حق
بيع غير لازم ، باتفاق المسلمين ، فلو قدر مع ذلك أن المشتري أكره
على الشراء منه ، وأداه الثمن عنه، فأعطاه البائع الثمن الذي أداء عنه ،
لوجب تسليم المبيع إليه باتفاق المسلمين .
فَكيف والمشتري لم يكره على الشراء ، والبائع قد بذل له الثمن
الذي أداء عنه ، فليس للمشتري والحالة هذه مطالبته بزيادة على ذلك،
باتفاق الأئمة ، ولا مطالبته برد الأعيان التى كانت ملكه . وهي الآن
بيده على ما ذكر .
ارسل
عن رجل ماتت أمه ، وورث منها داراً ، ولم يكن لما فيها شريك
وأن إنسانا ظلم والده ، وأجبره حتى كاتبه على الدار ، أو باعها . فهل
يجوز ذلك ؟ أم ترجع الدار إلى مالكها ؟ .
فأجاب: الحمد لله. إذا أكره بغير حق على بيع الدار ، لم يصح
البيع ، وترد الدار إلى مالكها ، ويرد على المشتري الثمن الذي أخذ
منه، والله أعلم.
١٩٩

وسئل
عن حبس على جماعة ، وهو مثبوت بالعدول ، وفى الدار ساكن
له بد قوية على الورثة ، وألزموه إلى أن باعوه غصباً باليد القوية ،
فإذا شهدت الشهود بصحة الوقف ، ينزع من الغاصب ، أم لا ؟.
فأجاب: الحمد لله. بيع المكره بغير حق لا يصح، وبيع الوقف
الصحيح اللازم لا يصح ، ومن علم شيئا شهد به ، والله أعلم
وقال رحمه الله :
فصل
فإذا أكره السلطان أو اللصوص أو غيرم رجلا على أداء مال
بغير حق ، وأكره رجلا آخر على إقراضه ، أو الابتياع منه ، وأدى
الثمن عنه ، أو إليه، ليأخذوم من المقترض ، والبائع ، سواء كان
الإكراه على إقباض المكره ، ثم الأخذ منه ، أو على الأداء عنه فقط:
٢٠٠